Are you the publisher? Claim or contact us about this channel


Embed this content in your HTML

Search

Report adult content:

click to rate:

Account: (login)

More Channels


Showcase


Channel Catalog


Channel Description:

الشرق الاوسط جريدة العرب الدولية

older | 1 | 2 | (Page 3) | 4 | 5 | .... | 8 | newer

    0 0

    لم يأت فوز رواية «ساق البامبو» للروائي الكويتي سعود السنعوسي بالجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» لعام 2013 من فراغ، فهذه الرواية تتوفر على معظم اشتراطات النجاح والتألق والتأثير في قارئها الذي يشعر بأنه أمام نص مغاير ومختلف عن النصوص الروائية السائدة والمألوفة التي لا تضيف شيئا إلى مخيلة المتلقي، بينما تفعل «ساق البامبو» فعلها الساحر لما تنطوي عليه من ثيمات متنوعة، وآراء صادمة لا تخلو من سخرية مرة قد تصل في بعض الحالات إلى «الكوميديا السوداء» خصوصا حينما يتعاطى السنعوسي مع بعض الثوابت الاجتماعية والدينية والأخلاقية، فهو يمتلك قدرة مميزة في كتابة نص كوميدي، فكه، ساخر، لكنه لا يخلو من لسعات واضحة تلسع المتلقي وتجعله يعترف بأنه أمام كاتب موهوب يكاد يمتلك غالبية اشتراطات النجاح. سبق للسنعوسي أن فاز بجائزة ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية عام 2010، كما فاز بالمركز الأول في مسابقة «قصص على الهواء» التي تنظمها مجلة «العربي» بالتعاون مع إذاعة الـ«بي بي سي» العربية. وهذا الفوز المتتالي يدلل على جدته وقدرته الابتكارية في التعاطي مع موضوعات إشكالية جريئة غير مسبوقة. إن من يقرأ «ساق البامبو» سيكتشف منذ الصفحة الأولى أنه أمام روائي بارع يمتلك مجمل اشتراطات اللعبة السردية، بل إنه محيط بالثيمات والمهيمنات الرئيسة للرواية، وأكثر من ذلك فإنه يتلاعب بها تلاعب الصانع الأمهر بمادته الفنية التي يريد أن يصنع منها تحفة أدبية نادرة. لا بد من الإشارة إلى قدرة الروائي الاستشعارية بأهمية هذه المهيمنات التي لم يخترها جزافا، فالرواية، في مجملها، تكشف أن مبدعها قد حسب لكل شيء حسابه، فلا مجال للمصادفات والمواقف العابرة أبدا، فكل شيء فيها مدروس بعناية فائقة يمكن تلمسها على مدار النص الروائي. * الشكل والمضمون * لا شك أن السنعوسي يدرك أهمية المضامين التي عالجها في نصه الروائي، ولكن تظل هذه المضامين ثانوية ما لم تقترن بتقنيات جديدة تحدد الشكل الروائي، وتمنح مبناه عمقا جديدا يضاف للتقنيات السائدة ويتجاوزها قليلا، فموضوعات من قبيل «العمالة الأجنبية، والهوية الضائعة، والانفصام، والازدواجية، والانتماء، والولاء للوطن، والبدون، والحب، والحرب، والأسطورة، والموروث الاجتماعي، وما إلى ذلك» هي موضوعات مألوفة ومتداولة إلى درجة الاستهلاك اليومي، لكن معالجتها والتعاطي معها بطريقة فنية هو الذي يمنح هذا الموضوع المكرر أو ذاك نفسه الإبداعي الجديد، فالجدة تكمن في التقنية المبتكرة، والمعالجة الفنية، وزاوية النظر المغايرة التي توقظ المتلقي وتجعله ينتبه إلى فكرة مبتكرة على الرغم من اجتراحها من وضع سائد ومكرس ومألوف. لا نريد الإسهاب في موضوع الرواية ولكن يجب اختصار ثيمتها الرئيسة التي تتمحور حول شخصية «هوزيه» كما يلفظ بالفلبينية والإنجليزية، و«خوسيه» بالعربية والإسبانية، و«جوزيه» بالبرتغالية، أما في الكويت فإن اسمه يعني «عيسى»، وهذه أول ملامح ازدواجية الشخصية الرئيسة التي ستتوزع بين أكثر من اسم ووطن وعلم وديانة وثقافة وموروث اجتماعي وأسطوري. فحينما تأتي جوزفين للعمل في الكويت كخادمة تقع في قصة حب قصيرة جدا تنتهي بالزواج سرا من راشد عيسى راشد الطاروف الذي سيضطر لاحقا لتحرير عقد زواج رسمي لها بعد ولادة «عيسى»، لكنه يتخلى عنه بعد مدة قصيرة ويرسله مع والدته إلى الفلبين حيث يكابد شظف العيش حينما يقع والده أسيرا بأيدي القوات العراقية ثم يموت في مقبرة جماعية بكربلاء وهو لم يجتز عامه الثامن والعشرين، لكنه يعد زوجته جوزفين التي طلقها بعد مدة قصيرة بأنه سوف يسترجع ابنه إلى الكويت أو الجنة المفقودة بالنسبة للفقراء الفلبينيين، بعد أن يبلغ سن الرشد. وبالفعل يقوم صديقه غسان الذي ينتمي إلى شريحة البدون باستقدام «عيسى» إلى الكويت الذي تتقبله العائلة على مضض، لكنها تسكنه في الملحق الذي يعيش فيه الخدم وتتستر عليه خشية من الفضيحة، فالكويت، على حد قولهم، صغيرة ويكاد يعرف بعضهم بعضا! وفي خاتمة المطاف لا يستطيع «عيسى» أن يندمج مع عائلة الطاروف أو ينال اعترافهم، باستثناء شقيقته خولة وعمته عواطف، وعمته الثانية هند إلى حد ما، فيقرر العودة إلى الفلبين بعد أن يفقد عمله ويكتشف أنه لا يستطيع أن يتجذر، كساق البامبو، في الأرض الكويتية. وهناك يتزوج من حبيبته، ابنة خالته «ميرلا»، التي تنجب له ولدا يسميه «راشد» تيمنا باسم والده الذي أحبه من دون أن يراه أو يشعر بحنانه وأبوته. كما رفض اقتراح زوجته بتسمية الطفل «Juan» لأن هذا الاسم أيضا يلفظ في الفلبينية «هوان» وفي البرتغالية «جوان» وفي العربية والإنجليزية «خوان»، وهو لا يريد لابنه البكر أن يكون موزعا بين أكثر من اسم ووطن وهوية على الرغم من أنه يتحدر من أبوين ينتميان إلى عدة هويات وأوطان وثقافات متعددة، فـ«ميرلا» هي «مستيزا»، وبنت غير شرعية أنجبتها أمها «آيدا» من ممارسة جنسية عابرة مع سائح أوروبي منحها بالنتيجة ملامح أوروبية جميلة كانت تثير دهشة الآخرين وشهوتهم لها. أما أمه «جوزفين» التي طلقها راشد فقد تزوجت من ألبيرتو بعد سنتين وأنجبت له أخا سمته «أدريان» سيغرق في الساقية، ويصاب بعطب في خلايا الدماغ، لكنه يستعيد صحته تماما، بينما يفقد عقله إلى الأبد ويظل محدقا في الفراغ. * بنية التوازي * تقوم هذه الرواية على بنى متوازية، وهذا جزء من التقنية الجديدة التي استعملها السنعوسي في البناء الشكلاني لنصه الروائي.. ففي مقابل «عيسى» الذي ولد من أب كويتي وأم فلبينية، هناك «ميرلا» التي ولدت من أم فلبينية وأب أوروبي مجهول. وفي مقابل شخصية راشد الطاروف المواطن الكويتي الأصيل هناك غسان الذي ينتمي إلى قبيلة الطاروف ذاتها، لكنه «بدون»، أي بلا جنسية، وهو إلى حد ما بلا هوية على الرغم من أنه كان عسكريا وقد خدم الكويت خلال حقبة الحرب والاحتلال، لكنه ظل على الهامش وفشل حتى في الزواج من هند الطاروف التي أحبها، لكنه لم يستطع الاقتران بها لأنه ببساطة بلا هوية. وإذا كان راشد عيسى الطاروف قد انتمى إلى المقاومة الكويتية إبان الاحتلال، بينما كان غسان عسكريا فإنه يقابلهما في الطرف الفلبيني «ميندوزا» الذي فقد عقله في الحرب التي انطفأت في جبهات القتال بينما ظلت مشتعلة في أعماقه. لا تقتصر بنية التوازي على كل الشخصيات التي مر ذكرها، فإذا كان البطل القومي خوسيه ريزال هو رمز للثورة والمقاومة الفلبينية للاحتلال الإسباني فإن الروائي إسماعيل فهد إسماعيل والشاعر فايق عبد الجليل والملحن عبد الله الراشد هم رموز للمقاومة الكويتية للاحتلال العراقي على الرغم من أن إسماعيل فهد ظل على قيد الحياة، بينما استشهد فايق وعبد الله الراشد وتم التعرف على جثتيهما لاحقا. لا تخلو الرواية من جانب ميلودرامي، لكن ما يشفع لها هو سلاسة الأسلوب، ومتانة الحبكة، وعفوية السرد، وقوة الموضوعات التي عالجها السنعوسي برؤية فنية ثاقبة تضعنا أمام روائي مبدع يمتلك نفسا سرديا ممتعا استحق عليه عن جدارة جائزة «البوكر» العربية لعام 2013.

    0 0

    حصلت دار «نوفل» اللبنانية على حقوق ترجمة «منصب شاغر» آخر روايات كاتبة الأطفال البريطانية ذائعة الصيت ج. ك. رولينغ مؤلفة سلسلة «هاري بوتر» الشهيرة.. وقد خصت الدار «الشرق الأوسط» بهذه المقتطفات من الرواية التي ستصدر قريبا.. وهذه هي المرة الأولى التي تكتب فيه رولينغ رواية للكبار 1 - كان مجلس باغفورد البلدي يمثل قوة مدهشة بالنسبة لحجمه.. يجتمع مرة في الشهر في قاعة كنيسة فكتورية أنيقة، وجميع المحاولات الجارية منذ عقود للحد من ميزانيته، أو وضع اليد على أي من سلطاته، أو استيعابه ضمن أي هيئة مركزية مستحدثة، اصطدمت بمقاومة شرسة تغلبت عليها وأسقطتها. من بين جميع المجالس المحلية التي يشرف عليها مجلس إدارة «يارفيل»، كان مجلس باغفورد يعتد بكونه الأكثر مشاكسة.. الأعلى صوتا والأكثر استقلالية. كان المجلس يضم حتى مساء الأحد ستة عشر عضوا؛ رجالا ونساء، من سكان باغفورد. وبما أن ناخبي البلدة يفترضون أن مجرد الترشح لمنصب في المجلس البلدي يفترض توافر الكفاءة الضرورية لذلك، فإن جميع أعضاء المجلس الستة عشر فازوا بمقاعدهم دون منازع. غير أن هذه الهيئة «المعينة» بكل هذه الطريقة الودية، تشهد الآن حربا داخلية ضارية. فقد وصلت المسألة التي تثير الأحقاد والضغائن في باغفورد منذ نحو ستين عاما إلى مرحلتها الأخيرة، واصطف الأعضاء في معسكرين متواجهين خلف زعيمين يتحليان بكاريزما عالية. ولكن، من أجل فهم أبعاد الخلاف، لا بد من تبيان حجم الكره والريبة اللذين تكنهما باغفورد لمدينة يارفيل، جارتها الشمالية. كانت يارفيل، بما فيها من متاجر ومؤسسات ومصانع، فضلا عن مستشفى «ساوث وست جنرال»، توظف القسم الأكبر من سكان باغفورد. شباب البلدة الصغيرة كانوا يقضون ليالي السبت بصورة عامة في يارفيل حيث يرتادون دور السينما والملاهي الليلية. كانت المدينة تملك كاتدرائية وعدة متنزهات ومركزين تجاريين ضخمين، وكلها وجهات مثيرة تجتذب كل من يستنفد مفاتن باغفورد التي لا تضاهى. ورغم ذلك، فإن يارفيل لم تكن في نظر سكان باغفورد الأصيلين أكثر من شر لا بد منه. موقفهم تجاه المدينة كانت تختزله التلة العالية وعلى رأسها دير بارغيتر، التي كانت تحجب مشهد يارفيل عن أنظار سكان باغفورد، وتبعث لديهم ذلك الوهم السعيد بأن المدينة أبعد مما هي عليه في الحقيقة. 2 - من سخرية المصادفات أن تلة بارغيتر كانت تحجب أيضا عن البلدة مكانا آخر لطالما اعتبرته باغفورد ملكا خاصا لها، هو قصر «سويتلوف هاوس». كان قصرا ساحرا عسلي اللون شيد على الطراز المعماري الذي كان شائعا في عهد الملكة آن، ويتوسط هكتارات من الحدائق والأراضي الزراعية، في منتصف المسافة ما بين البلدة ويارفيل. توارثت عائلة سويتلوف الأرستقراطية القصر من جيل إلى جيل على مدى نحو مائتي عام دون أي عقبة، إلى أن انقرضت في أوائل القرن العشرين. أما كل ما تبقى اليوم من تلك الحقبة الطويلة التي ارتبط فيها تاريخ عائلة سويتلوف بباغفورد، فمدفنٌ مهيب، الأكثر فخامة في مقبرة كنيسة سانت مايكل وجميع القديسين، فضلا عن بعض الشعارات وأختام على سجلات محلية ومبان، وآثار خطى وروث متحجر خلفته كائنات نفقت. بعد وفاة آخر أحفاد أسرة سويتلوف، انتقلت ملكية القصر بسرعة مخيفة. كان سكان باغفورد يخشون باستمرار أن يستحوذ متعهد عقاري ما، على هذا الموقع التاريخي العزيز على قلوبهم ويشوهه. مضى الوقت، ومع حلول الخمسينات، اشترى رجل يدعى أوبري فاولي المكان. تبين، بعد فترة قصيرة، أن فاولي يملك ثروة شخصية طائلة، يمولها من أنشطة وعمليات غامضة في لندن. كان له أربعة أولاد، وكانت لديه رغبة في الاستقرار هناك بشكل دائم. كانت باغفورد راضية عنه، غير أن هذا الرضا تحول إلى افتتان حقيقي حين سرت معلومات سرعان ما عمت البلدة، بأن فاولي ينحدر في الواقع من سلالة متفرعة عن أسرة سويتلوف. كان ذلك كافيا لاعتباره عمليا من سكان باغفورد الأصيلين؛ رجل يدين فطريا بالولاء لباغفورد وليس ليارفيل. كانت البلدة القديمة على ثقة بأن قدوم أوبري فاولي يعني عودة عهد ذهبي ما. سوف يكون الساحر الطيب عراب البلدة، على غرار أسلافه قبله، يغدق تألقا وأبهة على شوارعها المكسوة بالحصى. ما زال هاورد موليسون يذكر كيف دخلت والدته ذات صباح مطبخهم الصغير في منزلهم بشارع هوب، لتعلن لهم أن أوبري دُعِي ليترأس لجنة التحكيم في معرض الزهور المحلي. كانت لوبياء السيدة موليسون فازت على مدى ثلاث سنوات على التوالي بالجائزة عن فئة الخضراوات، وهي تتطلع لتسلم إناء الورود المطلي بالفضة من يدي الرجل الذي بات يجسد في ذهنها رومانسية فاتنة من زمن ولى. 3 - غير أن الظلمة أرخت ظلالها فجأة على البلدة، بحسب ما تقول الرواية المحلية، تلك الظلمة التي تحل عند ظهور الساحر الشرير. فيما كانت باغفورد تحتفي بوقوع قصر سويتلوف هاوس في أيد أمينة، كانت يارفيل منهمكة في بناء مجمع ضخم من المساكن المخصصة للحالات الاجتماعية في جنوب البلدة. عم الاضطراب باغفورد حين علمت بأن الشوارع الجديدة تقضم مساحات من الأراضي الواقعة بين البلدة والمدينة. الكل كان يعي أن الطلب على المساكن المتدنية التكلفة ازداد بشكل مطرد منذ الحرب.. لكن بعدما انشغلت البلدة لفترة بوصول أوبري فاولي، راحت تضج بالشائعات المريبة بشأن نوايا يارفيل الحقيقية. أخذت المنازل الصغيرة من حجر القرميد الأحمر ترتفع بسرعة وتنتشر، فبدا للسكان أن الحدود الطبيعية التي يرسمها النهر والتلة بدأت تتداعى أمام هذا التوسع، بعدما كانت تقف ضمانة لسيادة باغفورد. شغلت يارفيل كل شبر من أراضيها.. ملأت كل الثغرات، وتوقفت عند الحدود الشمالية لبلدة باغفورد. تنفست البلدة الصعداء. لكن هذا الارتياح لم يدم طويلا؛ إذ سرعان ما تبين أن مجمع كانترميل غير كاف لتلبية حاجات السكان، فباشرت المدينة البحث عن أراض جديدة يمكنها الاستفادة منها.. عندها اتخذ أوبري فاولي الذي كان لا يزال في نظر العديد من أهالي باغفورد شخصية أسطورية أكثر منه رجلا من لحم ودم، القرار الذي أثار ضغائن وأحقادا ظلت تتفاعل على مدى ستة عقود. كان لديه بضعة فدادين من الحقول المكسوة بالأعشاب البرية خلف المشروع السكني لم يكن بحاجة إليها، فباعها إلى مجلس إدارة يارفيل بسعر مناسب، واستخدم المبلغ لترميم التلبيسة الخشبية المتداعية في قاعة الاحتفالات في قصر سويتلوف. ثار غضب باغفورد. لطالما كانت حقول سويتلوف عنصرا أساسيا في السور الذي يحميها من مطامع المدينة التوسعية. وها هي حدود البلدة الأزلية في خطر الآن؛ إذ ستجتاحها حتما موجة من المعوزين والجياع المتهافتين من يارفيل. اجتماعات عامة صاخبة.. رسائل شكاوى شديدة اللهجة إلى الصحيفة المحلية ومجلس يارفيل.. رفع احتجاجات شخصية لدى الجهات المسؤولة.. حاول سكان البلدة بكل الوسائل الممكنة، غير أنهم لم يفلحوا في منع المشروع. استؤنف بناء المساكن الشعبية، ولكن بفارق جلي، وهو أن مجلس إدارة المدينة أدرك خلال الفترة التي فصلت بين المشروعين، أن بوسعه بناء مساكن أدنى تكلفة. وبالتالي، فإن البيوت الجديدة لم تشيد بحجر القرميد الأحمر، بل بالإسمنت المصبوب في أطر وهياكل فولاذية. عرف هذا المجمع الثاني محليا باسم «الحقول»، مثل الأملاك التي شيد عليها، وتميز عن مجمع كانترميل بنوعية مواده المتدنية وتصميمه المعماري الرديء. ولد باري فيربراذر في أواخر الستينات، في أحد منازل الحقول هذه، المصنوعة من الإسمنت والفولاذ، التي كانت قد بدأت في تلك الفترة تتشقق وتلتوي. 4 - على الرغم من التطمينات الفاترة التي انتزعت من مجلس إدارة يارفيل حول أنه يتحمل كامل المسؤولية عن صيانة المجمع الجديد، فإن باغفورد بدأت بعد فترة قصيرة تتلقى فواتير جديدة، وهو ما توقعه سكانها الغاضبون منذ بداية القضية.. إذ كانت معظم الخدمات الخاصة بمجمع «الحقول» وإصلاح بيوته وصيانتها تقع على عاتق مجلس إدارة يارفيل، إلا أن المدينة، لشدة «كرمها»، تنازلت لرعية باغفورد عن بعض مهامها، مثل صيانة مسالك المشاة، والإضاءة والمقاعد العامة، وملاجئ الحافلات والأملاك المشتركة. انتشرت الكتابات على الجدران، فغطت الجسور التي تربط باغفورد بيارفيل. تم تحطيم عدد من محطات توقف الحافلات في مجمع الحقول. فتيان المجمع حولن ملعب الأطفال مكبا لزجاجات البيرة، ورمين مصابيح الشوارع بالحصى. تحول مسلك للمشاة يرتاده المتنزهون والسياح، ملتقى لشباب الحقول يتجمعون فيه، بل لما هو «أسوأ من ذلك» كما تقول والدة هاورد موليسون؛ مفسحة المجال لأكثر التأويلات شؤما. كان إذن مجلس بلدة باغفورد مسؤولا عن عمليات التنظيف والإصلاح والاستبدال، وبدا جليا منذ البداية أن الأموال التي وافقت يارفيل على تقديمها غير متكافئة مع حجم النفقات والوقت المطلوب لإصلاح الأضرار. لكن، من بين كل الأعباء التي اضطر سكان باغفورد، مرغمين، إلى تحملها، وأكثر ما أثار غضبهم ونقمتهم، هو أن أطفال مجمع الحقول كانوا ملحقين، بحسب التقطيع الجغرافي، بمدرسة سانت توماس الابتدائية. بات من حق أطفال الحقول أن يرتدوا البدلة المدرسية الزرقاء والبيضاء المرموقة.. أن يركضوا في الملعب، إلى جانب حجر الأساس الذي كانت اللايدي شارلوت سويتلوف هي من وضعته، وأن يتشدقوا في قاعات الصفوف الصغيرة بتلك النبرة الحادة الخاصة بلهجة أهالي يارفيل. سرعان ما بدا جليا للجميع في باغفورد أن مساكن المجمع الشعبي باتت الهدف الأسمى الذي تطمح إليه أي عائلة من يارفيل تعيش على حساب برامج المساعدات الاجتماعية، ولديها أطفال في سن الدراسة، وأن ثمة حركة تهافت كثيفة لعبور الخط الفاصل بين مجمع كانترميل ومجمع الحقول، تذكر بتدفق المكسيكيين إلى تكساس.. مدرستهم الصغيرة التي كانت تجتذب الموظفين العاملين في يارفيل بصفوفها الصغيرة ومكاتبها المغلقة بغطاء جرار، ومبانيها الحجرية القديمة، وملعبها الرياضي المكسو بالعشب الأخضر الكث.. مدرستهم الرائعة، سوف تجتاحها موجة عارمة من المتسولين والمدمنين والأمهات اللاتي أنجبن أطفالهن كلا من والد مختلف. يبقى أن هذا السيناريو الكارثي لم يتحقق تماما، لأن حسنات مدرسة سانت توماس الجلية كانت تقابلها مساوئ كفيلة بتثبيط عزيمة العديد من الطامحين للانتساب إليها؛ إذ كان يتحتم شراء البدلة المدرسية، أو، في حال تعذر ذلك، ملء كثير من الاستمارات بهدف الحصول على مساعدة مالية من أجل شرائها، وتسديد رسوم الاشتراك في خدمة الحافلة المدرسية والنهوض باكرا لضمان وصول الأطفال إلى المدرسة في الوقت المناسب. شكلت هذه القيود عقبات لم تتمكن بعض أسر «الحقول» من تخطيها، ففضلت إرسال أطفالها إلى المدرسة الابتدائية الكبيرة التي شيدت مع المجمع الشعبي والتي لا تفرض على تلاميذها ارتداء بدلة. يبقى أن معظم تلاميذ «الحقول» الذين انتسبوا إلى مدرسة سانت توماس اندمجوا تماما مع رفاقهم في باغفورد. بل ينبغي الإقرار بأن بعضهم كان في غاية التهذيب. ومن بين هؤلاء الأطفال باري فيربراذر الذي تقدم بنجاح من صف إلى صف، فكان تلميذا شعبيا محبوبا، مفعما بالفطنة والمرح والذكاء، وبالكاد كان يلاحظ، في بعض الأحيان، أن ابتسامة أهالي رفاقه المنحدرين من باغفورد كانت تتشنج ما إن يذكر مكان إقامته.

    0 0

    صدرت عن دار «ضفاف» ببيروت رواية «آزاتسي» للإعلامي والكاتب الليبي مجاهد البوسيفي. وهي تسلط الضوء على حقبتين: الحقبة الزمنية الممتدة منذ عام 1988 وحتى 1998، أي حقبة «البيروسترويكا الليبية» في دعوتها إلى إعادة البناء والقيام ببعض الإصلاحات الترقيعية التي لم ترتقِ إلى طموحات المواطن الليبي الذي يتطلع إلى الحرية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص. والحقبة الثانية هي الفترة الزمنية الممتدة بين أكتوبر (تشرين الأول) 1996 حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، وهي المدة الحرجة التي قضاها بطل الرواية «سالم ناجي سالم» في معسكر اللجوء في هولندا قبل أن يحصل على اللجوء السياسي والإقامة الدائمة التي تمهد للحصول على الجنسية الهولندية. تفيد هذه الرواية كثيرا من السيرة الذاتية لبطلها الذي تقنع وراء اسم مستعار إلى الدرجة التي يمكن أن نسميها «سيرة روائية» طالما أن المؤلف نفسه يعترف بذلك، ولا يجد حرجا في الكشف عن خصائصه الشخصية والثقافية والفكرية التي سوف يبني عليها نصه السيري - الروائي الذي يعالج فيه ثيمة البداوة والتمدن من جهة، ويختبر محمولاته الثقافية، ومقولاته الفكرية من جهة أخرى؛ فالبطل في هذه الرواية لا ينظر إلى أصدقائه وأحبته والناس المحيطين به فقط، وإنما يفحص قناعاته وقيمه وآراءه الشخصية قبل أن يفكك جانبا من شخصية الديكتاتور معمر القذافي، ويشرح سلوكية الشخصيات المهيمنة في نظامه و«لجانه الثورية». * الشخصية المركبة * تعتمد النصوص السيرية - الروائية على شخصيات معقدة غالبا، أو مركبة في أقل تقدير، وذلك لإثراء البنية السردية التي تحتاج، في الأعم الأغلب، إلى ثيمات عميقة متشابكة تستغور الواقع المرصود، وتغوص فيه، وتستنطقه بطريقة ممنهجة تتفادى التضخيم والتهويل والمغالاة. وقد نجح مجاهد البوسيفي في أن يقدم نصا خاليا من الادعاءات والبطولات الزائفة؛ فحينما يقرأ المتلقي هذا النص لا يجد في بطله شخصية دعية نفاجة تحمل نفسها أكثر من طاقتها، وإنما يرى فيها شخصية بسيطة، لكنها عميقة ومثقفة ومحايدة و«لا تخشى في الحق لومة لائم». من هنا فإن الكشوفات التي يقدمها بطل الرواية واقعية جدا ولا مجال فيها للمبالغة أو استدرار الدموع، وهذا ما نلمسه حينما يتحدث عن العقيد سنوسي التهامي الذي كان يحقق مع التجار والمقاولين الليبيين، أو العقيد سنوسي عايد الذي ارتكب مجزرة سجن «بوسليم»، أو العقيد خميس المعروف بترويعه للمواطنين، أو شخصية العقيد القذافي الذي حكم البلاد على مدى أربعة عقود بالحديد والنار. لقد أفاد البوسيفي من هذه القراءة المحايدة للكشف عن ديكتاتورية صدام حسين التي لا تخلف كثيرا عن ديكتاتورية القذافي في شيء، بل الغريب في الأمر أنها تبدو متطابقة في الكثير من التفاصيل؛ فكلاهما شرد الأحزاب المعارضة، وكلاهما هجر الأدباء والمثقفين والفنانين مالئا بهم بلدان الشتات. من هنا فإن العراق في عهد صدام حسين يأخذ مساحة واسعة في رواية «آزاتسي»، حيث نتعرف على مثقفين يساريين، وضباط منشقين، وكرد هائمين على وجوههم يبحثون عن ملاذ آمن في هولندا، نذكر منهم «أبو هدى» و«أبو آثار» و«أبو جواد» و«آزاد» و«إياد» وغيرهم من الشخصيات التي تصادف وجودها في «كامب» لايدن أو في معسكر هوخ هالن. كل هذه الشخصيات العراقية وسواها من الشخصيات الأفغانية والإيرانية والباكستانية والسودانية الجنوبية والإثيوبية والسريلانكية والأميركية الجنوبية كانت تمر عبر مصفاة البطل «سالم» الذي أحب بعضا منهم، وتقاطع مع البعض الآخر؛ لأنهم استفزوه وأثاروا حفيظته، كما وقع في حب «رحاب»، وتعلق حد الوله بـ«عالية» الإثيوبية التي منحت الرواية نكهة خاصة ليس لآيروسيتها حسب، وإنما لصدقها وسحرها الصادم الذي يمكن أن يحدث في بلد متفتح مثل هولندا. * الترغيب والترهيب * لم يدع «سالم» أنه معارض كبير وقف بوجه التوجهات القذافية المجنونة، لكنه قال بالفم الملآن إنه صحافي ليبي أوشك أن يفقد هويته الإنسانية بسبب القمع والتهميش والمصادرة التي كان يمارسها النظام الليبي السابق و«لجانه الثورية» المبثوثة هنا وهناك في ربوع البلاد؛ فلقد غيب هذا النظام القمعي الناس وأخفى المدن بذريعة الخوف من اجتياح الكوماندوز الإسرائيلي، وشوه الحياة الاجتماعية برمتها عبر اتباعه سياسة الترغيب والترهيب المعروفة في كل الأنظمة الشمولية. وحري بنا أن نشير إلى بعض الإجراءات التعسفية التي قامت بها حكومة القذافي وأجهزته الأمنية، حيث ألغوا تدريس اللغة الإنجليزية في المدارس والجامعات، ومنعوا الصحون اللاقطة، وصادروا الأشرطة الأجنبية من سيارات المواطنين، وحطموا الأجهزة الموسيقية وأحرقوها في الميادين والساحات العامة؛ لأنها تمثل من وجهة نظرهم غزوا ثقافيا وتساهم في تغريب الجماهير، وتشويه سلوكهم. ومثلما روع صدام حسين البغداديين بأسطورة «أبو طبر»؛ فقد زرع القذافي الرعب في نفوس الطرابلسيين حينما بث عصابة «القط الأسود» التي تخطف الفتيات اليافعات من المدارس، وأشاع حكايات فنتازية ما أنزل الله بها سلطان. وإذا كان عدي صدام حسين يحلق رؤوس اللاعبين إثر خسارتهم في مباراة ما، فإن المعجم الثوري الليبي كان يسمي كرة القدم «لعبة تتسع لآلاف المغفلين!»، أما عضو مجلس قيادة الثورة الليبي ووزير الداخلية فلا يجد حرجا في القول: «لو توجد طريقة لجر المدينة الرياضية ورميها في البحر لما ترددنا في ذلك» ص201؛ لأنهم يخشون من سطوع هذا النجم، سواء في الرياضة أو في الثقافة والفنون. لقد مسخ القذافي العديد من المثقفين الليبيين، وجعلهم يمجدون الديكتاتور وكتابه الأخضر، وقد وصل بهم التملق حد اعتبار هذا الكتاب «نظرية عالمية ثالثة» بينما هو يخلو في واقع الحال من أي فكرة منطقية معقولة. إن محاكمة التجار والمقاولين ومصادرة أملاكهم وثرواتهم هي لعبة تكررت في العراق وليبيا، وألحقت الضرر بالعديد من المواطنين، كما هو الحال مع أبي فاطمة الذي صودر مجمعه السكني فأصيب بجلطة فارق إثرها الحياة، تاركا ابنته الوحيدة التي تزوجت من مرزوق دهيمش، أحد أعوان النظام الذي تزوج غير مرة فأصيب بـالإيدز، هذا «المرض الإمبريالي» الذي فتك بفاطمة في خاتمة المطاف. تندرج قصص ظهور وغياب المذيعات الحسناوات في إطار الترغيب والترهيب، فالمذيعة «ساسية حديد» التي سطع نجمها في نشرة التاسعة والنصف بالتلفزيون الليبي كانت عشيقة لأحد ضباط الثورة الذي يلتقي بها في حي السراج، لكنها ما إن تجاوزت الخط الأحمر حتى وجدت نفسها خارج التلفزيون، ولم يتم إعادتها إلى الإذاعة إلا بعد أن قدمت العديد من التنازلات على حساب جمالها الكلاسيكي، أما الضابط الثوري فقد غاب في ظرف غامض وأصبح أثرا بعد عين. وهي القصة ذاتها التي تكررت غير مرة في العراق وراح ضحيتها النساء الجميلات وبعض المسؤولين الكبار في الدولة. أما محاولات قلب النظام فهي تهمة جاهزة ضد الساسة والضباط المناوئين والمعارضين للأنظمة الديكتاتورية، لكن نظام القذافي الذي حاكم نخبة من الكتاب الليبيين في منتصف السبعينات بتهمة محاولة قلب النظام قد استنسخ هذه التهمة من قرينه العراقي الذي سبق له أن أعدم الروائي حسن مطلك وسجن القاص محمود جنداري بسبب التهمة ذاتها، فكلا النظامين كانا يعولان زرع الخوف في قلوب الناس وترويعهم بشكل متواصل. لا تقتصر الرواية على هذه الثيمات الفرعية، فلقد حاول البوسيفي أن يدرس بنية المجتمع الليبي المكونة من عرقين، وهما العرب والأمازيغ، لكنهم ينقسمون إلى بدو وريفيين ومدنيين، و«عائدين» كنية للناس الذين تركوا ليبيا خلال حقبة الاحتلال ثم عادوا إليها بعد الاستقلال، كما حاول أن يفهم الشخصية الليبية من خلال «المكرونة المبكبكة وطريقة شربهم للكحول»، وربما يذهب أبعد من ذلك حينما رصد السائق الليبي الذي يمتلك روحا غامضة، ويكاد يتحول إلى كائن مختلف عندما يجلس خلق عجلة القيادة، كما في التقرير الذي أعدته الشركة اليابانية، في إشارة واضحة إلى الضغوط النفسية الكبيرة التي تدفع المواطنين الليبيين إلى نوع غامض من الانتحار. بقي أن نقول إن الرواية تتوفر على نفس سردي واضح يدلل على تمكن الروائي من أدواته الفنية التي صنعت هذا النص السردي السلس.

    0 0

    ليس كتاب «مطبخ غزة» كتاب طهي عاديا، بل هو مزيج لا يضاهى من وصفات الأطعمة الشهية من مكان يعرف بقلة صادراته، مع الاحتفاظ بنفسه كنص راسخ وتثقيفي يجسد التأثيرات الاجتماعية والسياسية على الطعام وطرق تحضيره. ومن خلال تعمقهما في التاريخ والاقتصاد والمساعدات الصناعية والعلاقات الحدودية والتحولات الثقافية، تعرض المؤلفتان ليلى الحداد وماغي شميت، نظرة جيدة التنظيم على مشهد المذاقات المتغير في قطاع غزة. بداية من صيف عام 2010 تنقلت الحداد وشميت عبر غزة وتحدثتا إلى الناس، بمن فيهم الرجال والنساء ورجال الأعمال ومديرات المنازل، عن تحضير الطعام والوصول إلى المكونات. جمعت المؤلفتان قصصهما وقامتا بتصوير رحلتهما بأكملها. أعلنا ذلك من بداية الكتاب: «ليست الوصفات التي تمت مشاركتها عبر صفحات الكتاب هي وصفات لأطعمة شرق أوسطية تباع في الشارع، مثل الحمص والفلافل والكباب، التي حققت رواجا الآن عبر مختلف أنحاء العالم». بدلا من هذا، يركز الكتاب على الأطباق التي تعد في المنزل، والتي نادرا ما يتم العثور عليها في مطعم عام، وبصورة أقل أيضا من المسار المستكشف. وتتمثل الأطباق الخاصة المميزة لغزة، التي تشتمل على أكثر العناصر المفاجئة، في تلك التي تضم البطيخ، وهناك اثنان منها. فيما عادة ما تضم أكلات البحر المتوسط الفواكه في سلطات الليمون، و«سلطة البطيخ المحمر المتبلة» الغزاوية، وهي عبارة عن بطيخ غير مكتمل النضج مشوي على النار ممزوج بالطماطم والفلفل الحار وزيت الزيتون، لينتج مزيجا لا مثيل له. وعلى نحو أكثر تفردا، وربما أكثر غرابة، يأتي البطيخ المخلل، الذي فيه توضع قطع البطيخ الصغيرة في برطمان مملوء بالخل والسكر والماء المملح، وتقدم هنا بين «الوصفات الأساسية» في قسم يحمل عنوان «الكتل البانية للمطبخ الغزاوي». فيما تتميز الوصفات بأنها معجزات فردية قائمة بذاتها، فإن القراءة عن الأطعمة في سياقاتها المعروضة تطلع القارئ على مدى الخلل الرئيسي الذي يلحقه التداخل بينها وبين الثقافة والاقتصاد والصناعة بإرادة الشعب الغزاوي واستقلاليته. وفي القصص المعروضة لحياة الناس الذين التقتهم المؤلفتان في جولتهما، ومنهم أم إبراهيم، التي تحدثت عن بساتين الفواكه والخضراوات في قريتها بيت تينا. وهي تشير إلى أن فكرتها عن «الأطعمة الحقيقية» انتهت في عام 1948 عندما طردت من منزلها وأجبرت على العيش في مخيم دير البلح معتمدة على الحصص التي توفرها الأمم المتحدة من الحبوب، مثل الدقيق والسكر والفول. ورغم ذلك، فإنها شرحت وصفة واحدة لطبق «اعتادوا تناوله في الماضي»، على حد قولها. «كشك بيت تينا»، الذي يعد من المرق والكشك (وهما المكونان اللذان يحتلان صفحتين خاصتين كاملتين داخل الكتاب) مع لحم الحمل وحمص الشام والشبت وملح بحري خشن وفلفل أحمر مجفف. تقول: «كان واحدة من أطعمتي المفضلة. رائع». ومع كل الأوصاف للأرض والحياة النباتية والفقدان هناك، فإن التأثير الواضح للزراعة على الطعام تتم مناقشته بشكل جيد على مدار الكتاب. يشير الكتاب إلى أنه قد تم اقتلاع 20 ألف شجرة زيتون في غزة خلال السنوات العشر الماضية، بحسب وزارة الزراعة، مما أدى إلى انخفاض حاد في كم الزيتون المتاح وفي استخدام زيت الزيتون وظهور زيت الخضراوات المتوفر في السوبر ماركت نتيجة لذلك. ولكن في مقابل هذا، هناك قصص عن الابتكار. وتتمثل واحدة من هذه القصص في عمل المزارع عبد المنعم أحمد في جمعية الزراعة الآمنة بغزة. ورغم أن هذه الأساليب في الزراعة ليس من السهل ترويجها دائما بالنسبة للمزارعين الآخرين، فإن منتجات مزرعته رائجة بين المستهلكين المحليين. إضافة إلى ذلك، فإنه كان هناك إقبال كبير على السماد في الفترات التي منع فيها الإسرائيليون دخول المخصبات إلى غزة، سامحين لمزارعين آخرين بانتهاج وسائل سرية للاستمرار في زيادة إنتاجهم. فضلا عن ذلك، فإن للحظر المفروض من قبل إسرائيل على السلع تأثير أكبر على وسائل إعداد الطعام والثقافات المرتبطة به. في مصنع «المنار» للطحينة، يشرح يوسف الديراوي تقلب سعر حبات السمسم اعتمادا على سماح إسرائيل باستيراد السمسم من السودان والصومال والهند من عدمه. حينما تفرض إسرائيل حظرا على الحدود، يجبر المصنع على استيراد السمسم عبر الأنفاق، مما يؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعاره. في الفترات التي لم يكن مسموحا فيها بدخول السمسم إلى غزة، كان يتم استيراد الطحينة الجاهزة، مما قلص من حجم الصناعة المحلية الصغيرة بالأساس لهذا المنتج المحلي. ويتبع تلك القصة شرح لوصفة «سلطة مليحة»، التي تستخدم في إعدادها طحينة غزة «الحمراء» (مع أنه خارج غزة، يمكن أيضا استخدام الطحينة «البيضاء» المعروفة). لقد شهد الفلسطينيون مخاطر استحواذ الإسرائيليين على ثقافة الطهي الخاصة بهم، وادعاء انتسابها إليهم، مثلما شهدنا مع الفلافل، كوسيلة لاقتلاع الأجزاء الفلسطينية من الحياة اليومية. تزعم مؤلفتا هذا الكتاب أنهما تعرضان أطعمة وطنية مباشرة من المطابخ الغزاوية كوسيلة لتوثيق هذه الوصفات باعتبارها خاصة بشعب فلسطين. تستعرض الصفحات الأولى من كتاب «مطبخ غزة» أفكارا عن «المزاج العام» للفلسطينيين، وتشير إلى أنه نادرا ما نجد قصصا سعيدة من غزة. واستجابة لذلك، يبدو الكتاب ناجحا في التأكيد على تلك الصورة، بعرضه قصة تلو الأخرى تمتلئ بحس إنساني وتمييز قوي عبر أفعال بسيطة من الاعتماد على الذات. شعور لا يتزعزع بالكرامة الوطنية ومقدمة شهية لمطبخ غزة المميز.

    0 0

    «الفلسفة السياسية في عصر الحداثة» كتاب منهجي أكاديمي مشترك للفيلسوفين الفرنسيين لوك فيري وآلان رينو. والأول أصبح مشهورا جدا في فرنسا، بعد أن حل محل سارتر وفوكو وديلوز على عرش الفلسفة الفرنسية. بالطبع هناك آخرون مهمون غيره، ولكنه أبرزهم حاليا. ومعلوم أنه أصبح وزيرا للتربية الوطنية في عهد جاك شيراك. وهذه أول مرة توكل فيها وزارة التعليم إلى فيلسوف. يضاف إلى ذلك أن كتبه الكثيرة ترجمت إلى أكثر من 20 لغة عالمية، وحظيت بنجاح كبير داخل فرنسا وخارجها. وأما الثاني، أي آلان رينو، فهو أيضا فيلسوف معروف، ولكن ليس بحجم لوك فيري زميله في النضال ضد اليسار المتطرف والمراهق فكريا، بحسب وجهة نظرهما، وهو أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة السوربون كما أنه مدير المرصد الأوروبي للسياسات الجامعية. وهذا يعني أنه من الأهمية، بحيث إن الاتحاد الأوروبي اتخذه مستشارا له، بل ومسؤولا عن التخطيط لسياساته الخاصة بالتدريس الجامعي. وقد اشتهر كل من المؤلفين عام 1984 عندما نشرا كتابا صاعقا ضد فلاسفة اليسار المتطرف الذين كانوا يسيطرون على الساحة آنذاك، أي ضد فوكو، وديلوز، وجان فرنسوا ليوتار وجاك دريدا وبيير بورديو وجاك لا كان. واعتبر البعض أن هذا الهجوم الناجح كان لمصلحة اليمين الفرنسي المستنير على طريقة رئيس الوزراء السابق والراحل ريمون بار. ويبدو أن كلا الفيلسوفين كان مقربا منه بشكل أو بآخر. ولكن يبدو أن فرنسا آنذاك كانت قد ملت من التجريب اليساري والعبث الطفولي لحركة مايو 1968. وأصبحت تنشد الهدوء والراحة والعودة إلى القيم التقليدية الراسخة المتمثلة في احترام السلطة، والعائلة، والزواج، والابتعاد عن الإباحية الجنسية والشذوذ والتطرف في الشهوات والملذات. ضمن هذا الجو تنبغي موضعة مؤلفات لوك فيري وآلان رينو السياسية والفلسفية، يضاف إلى ذلك أنهما من أتباع الفلسفة العقلانية الكانطية لا اللاعقلانية النيتشوية على طريقة فوكو وديلوز. وفي هذا الكتاب الموجّه إلى طلبة الجامعات والدراسات العليا يقدم المؤلفان بانوراما تاريخية شاملة عن الفلسفة السياسية منذ أقدم العصور وحتى اليوم. ولكنهما يركزان اهتمامهما على الفترة المعاصرة بالدرجة الأولى. ونقصد بها فترة الحداثة التنويرية وما تلاها حتى اليوم. ينقسم الكتاب منهجيا إلى ثلاثة أجزاء وعدة فصول. فالجزء الأول يحمل عنوان: الصراع الجديد بين القدامى والمحدثين. وفيه يتحدثان عن نقد فوكو ودريدا وليوتار وديلوز للتنوير. ولكن قبل ذلك يتحدثان عن نقد أستاذهما الأكبر، مارتن هيدغر، للتنوير ذاته. فهذا الفيلسوف الألماني الشهير هو الذي وجه الضربات الموجعة للتنوير والحداثة التكنولوجية، وإن كان نيتشه قد سبقه إلى ذلك. فنيتشه هو أب الجميع، وهو مدشن نقد الحداثة. قبله ما كان أحد يتجرأ على أن يفعل ذلك. وكان ذلك يعتبر تراجعا عن خط كانط وهيغل اللذين لم يكن يخطر على بالهما إطلاقا التشكيك بالحضارة الحديثة والتنوير. ويتوقف المؤلفان في الجزء الأول مطولا عند نقد هيدغر للحداثة. وهنا يشتكي الفيلسوف الكبير من هيمنة التكنولوجيا على الطبيعة بل وقضائها على البراءة الأصلية للحياة الطبيعية والإنسانية. والواقع أن نقده كان في محله إلى حد كبير. والدليل على ذلك ظهور أحزاب الخضر أو البيئة مؤخرا. وهي تدافع عن الطبيعة والغابات والمزروعات والأرياف التي أخذت تنقرض بعد دخول أوروبا في عصر الصناعة. ومعلوم أن الشعر أيضا انقرض أو همّش وليس فقط الطبيعة. وبالتالي فهيدغر يقول لنا: نعم للعلم والتكنولوجيا ولكن بشرط أن لا يسحقا إنسانية الإنسانية، وألا يقضيا على براءة الطبيعة وألا يستأصلا الغابات والاخضرار والأشجار من على سطح الأرض. ومعلوم مدى ارتباط هيدغر بالغابات الرائعة في ألمانيا، خاصة الغابة السوداء التي بنى فيها كوخا لكي ينعزل عن البشر ويكتب ويفكر. وكثيرا ما كان يقوم بنزهات طويلة في أحضان الطبيعة على عادة أستاذه الكبير نيتشه. وهي عادة اشتهر بها أيضا جان جاك روسو. فالطبيعة هي الأم الرؤوم أو الحنون بالنسبة لنا جميعا، وإذا ما قضينا عليها فإننا نكون قد شوّهنا وجودنا وقضينا على أنفسنا. ثم يردف المؤلفان قائلين: إن أفكار هيدغر هذه كانت قد ظهرت في الثلاثينات أو الأربعينات من القرن الماضي. لكننا لم نفهم معانيها ومغازيها العميقة إلا مؤخرا، بعد أن تلوث الجو وارتفعت درجة حرارة الأرض وكثرت الفيضانات والكوارث الطبيعية هنا أو هناك. وهذا يعني أن الفيلسوف سبق زمنه بـ40 أو 50 سنة على الأقل. وهذه هي ميزة الفلاسفة الكبار؛ فهم يرون أبعد من أنفسهم على عكس الناس العاديين أو المفكرين الصغار. ثم يتحدث مؤلف هذا الكتاب في الجزء الثاني عن فلسفات التاريخ الكبرى التي ظهرت في الغرب طيلة القرنين الماضيين، أي فلسفة هيغل، وأوغست كونت، وسواهما. ومعلوم أن كل فيلسوف كبير يبلور رؤيا عامة عن التاريخ البشري ومجرى الأحداث ومستقبل الأيام. وأحيانا تصدق هذه الرؤيا وأحيانا يكذبها المستقبل. فنبوءة ماركس مثلا عن حتمية سقوط الرأسمالية لم تصدق ولم تتحقق. ولكن بعض تحليلاته الأخرى كانت صائبة. وقل الأمر ذاته عن نيتشه الذي تنبأ باندلاع الحروب العالمية حتى قبل حصولها بـ40 أو 50 سنة! هذا في حين أن الكثيرين كانوا يعتقدون أن أوروبا أصبحت حضارية تماما، وتجاوزت مرحلة الهمجية إلى غير رجعة، ولن تتقاتل مع بعضها بعد انتصار التنوير العقلاني على الأصولية المسيحية. ولكن بعد موته عام 1900 اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، والحرب العالمية الثانية عام 1939. والواقع أن هناك عدة فلسفات للتاريخ؛ فكل فيلسوف كبير يشكل فلسفته عن حركة التاريخ ومصير الجنس البشري، فجان جاك روسو بلور فلسفته للتاريخ، وقال إن الحضارة الحديثة سوف تصل إلى الجدار المسدود يوما ما، إذا لم يرافق تقدمها المادي والتكنولوجي تقدم أخلاقي وإنساني على المستوى نفسه. وقد صدقت الأيام نبوءته بعد 200 سنة من حصولها؛ فالغرب المتغطرس مأزوم الآن، وأزمته أخلاقية وروحانية بالدرجة الأولى. وبالتالي فنقد الحداثة وانحرافاتها وشططها أصبح أمرا واجبا. والانتقال إلى عصر ما بعد الحداثة شيء مشروع ضمن هذا المنظور، بشرط أن تكون تصحيحا للانحرافات وحفاظا على المكتسبات لا تراجعا عنها. ثم بشرط أن لا تسقط في مهاوي العدمية والنسبوية. والواقع أنه توجد عدة معان لمصطلح ما بعد الحداثة، لا معنى واحد فقط؛ فهناك معنى إيجابي ومعنى سلبي. الجميع يعترف الآن بأن الحضارة الغربية الحديثة تعاني من أزمة أخلاقية لا مثيل لها. وذلك لأنها لم تعد تهتم إلا بالمنافسات الشرسة المسعورة والتكالب على الصفقات التجارية والربح المادي وتراكم الأموال والرساميل، ونسيت أن الهدف الأساسي للحضارة هو إسعاد الإنسان على هذه الأرض. ونسيت أيضا قيم العدل والحق والإنصاف، وهذا أخطر شيء. وبالتالي فهناك اختلال توازن في الحضارة الحديثة وينبغي تصحيح مسارها لكي تصبح حضارية وإنسانية بالفعل. وهذا الكلام ينطبق على العولمة المتوحشة التي زادت الغني غنى والفقير فقرا. وهذا ما أدانه جان جاك روسو في عهده وفي عز عصر التنوير فانقلبوا عليه، وكادوا يأكلونه أكلا، ولاحقوه في الأمصار، وأقضوا مضجعه، لأنه قال الحقيقة. ولكنه بقي ثابتا على مبدئه حتى آخر لحظة، قائلا عبارته الشهيرة: «ولذا قررت أن أضحي بنفسي من أجل الحقيقة». ماذا يستطيعون أن يفعلوا به أكثر مما فعلوا؟ يقتلونه؟ ليقتلوه إذن! فلا يوجد أي شيء يحرص عليه أو يتمسك به في هذا العالم، لأنه لا يملك أي شيء أصلا. لقد فضح زيف عصره كله وصفعه بالحقيقة الساطعة. ولم يعد بحاجة لأن يعيش أكثر بعد أن نشر مؤلفاته الأساسية وضرب ضربته الفلسفية الكبرى. وأصلا إذا كان في حضارة الغرب شيء إيجابي، فإنه يعود له ولكانط وهيغل وبقية المثاليين والرؤيويين الكبار. ومعلوم أن الحضارة الحديثة حققت إنجازات ضخمة لا يُستهان بها كدولة الحق والقانون والتناوب السلمي على السلطة بشكل ديمقراطي، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن وحرية الضمير والمعتقد إلخ. وهي المنجزات التي تسعى إليها شعوبنا وتدفع من أجلها الغالي والرخيص من خلال انتفاضات عارمة ضد أنظمة الاستبداد والطغيان. وبالتالي، فإيجابيات الحضارة والحداثة أكبر من سلبياتها، ونقدها لا يعني التراجع عن أفضل ما أعطته، وإنما يعني فقط تصحيح المسار. وهنا ينقسم فلاسفة التاريخ إلى قسمين أساسيين؛ قسم متفائل بحركة التاريخ، وقسم متشائم. وينتمي إلى الأول كانط وهيغل في الماضي، ثم كاسيرر وهابرماس ومؤلفو هذا الكتاب في الحاضر. فهؤلاء يرون أن إيجابيات الحداثة أكثر بكثير من سلبياتها ونواقصها. ولكن ينتمي إلى الاتجاه الثاني المتشائم بحركة التاريخ ومصير الجنس البشري فلاسفة كبار أيضا ليس أقلهم نيتشه، أو هيدغر، أو ميشال فوكو، إلخ. والصراع بين المتفائلين والمتشائمين لا يزال ساريا على قدم وساق حتى الآن. وفي الجزء الثالث والأخير من هذا الكتاب القيم يتحدث المؤلفان عن نظرية حقوق الإنسان والنظام الحديث في فرنسا وعموم أوروبا، وهنا يدافعان عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ضد هجمات الفلاسفة النيتشويين، من أمثال فوكو وديلوز ودريدا وسواهم؛ فهم يرون أن إسقاط النظام الإقطاعي الأصولي القديم كان شيئا إيجابيا جدا، لأنه أتاح إقامة نظام ديمقراطي حديث يساوي بين البشر. وعموما، فهما يستخدمان كانط ضد نيتشه، وهابرماس ضد فوكو. وهنا تكمن إحدى المعارك الفلسفية الكبرى في الغرب المعاصر، ولا أستطيع التوسع حولها أكثر، لأن ذلك يتطلب مجلدات!

    0 0

    كانت أول الكتب التي تابعت حلقاتها بشغف صبياني تروي مغامرات شائقة للص الظريف أرسين لوبين؛ سلسلة بيروتية من تعريب عمر عبد العزيز أمين. لقد كانت سببا مباشرا لوقوعي في غرام اللغة العربية بتعبيرات المعرّب الآسرة من نوع «ثم دلف إلى غرفة أشعل فيها لفافة تبغ ما لبثت أن انعقدت حلقاتها في سماء الغرفة وما إن تكاثف الدخان حتى قفز في خفة الفهد من النافذة المشرّعة».. ولم تكن سلسلة طرزان البيروتية أيضا - التي «التهمت» منها ثمانية وخمسون كتابا - بأقل تأثيرا بتعبيرات مثل «فعاجله بضربة قاضية بعضلاته الفولاذية المفتولة».. ولم تكن أهمية تلك القراءات لغوية فحسب لغر مثلي في الثالثة عشرة، بل وفرّت لي أيضا بتعبيراتها المزخرفة مرتعا خصبا لإطلاق الخيال. بعد ذلك بعامين وقعت على ترجمة لكتاب «من بيروت ثالثا» المؤرخ والناقد السينمائي الفرنسي جورج سادول بعنوان: «قصة السينما في العالم». وهو الكتاب الذي دفعني بقوة في اتجاه احتراف النقد السينمائي. بعد ذلك بعام، وقبل التقدم للدراسة في معهد السينما بالقاهرة، قرأت بنهم كتاب «السينما والمسرح وأمراض النفس» للدكتور أنيس فهمي إقلاديوس (من منشورات «دار المعارف» المصرية). وإذا كان كتاب سادول يروي تاريخا مثيرا لفن مهم، فإن كتاب إقلاديوس هو الذي ساقني إلى اعتبار السينما فنا عميقا مركبا يحتمل التحليل والتفسير والكتابة الجادة. ثم جاءت سلسلة «الهيئة العامة للكتاب» في مصر التي تعلمت من خلالها الكثير عن التقنيات والمدارس السينمائية في العالم. في مستهل أعوامي الجامعية كانت قصيدة ت. س. إليوت «الأرض الخراب» (من منشورات «فابر أند فابر» الإنجليزية) التي دشّن بها القرن العشرين في عام 1922 هي التي قادتني إلى اكتشاف العالم الحديث من مرآة الشعر الحديث. وعلى الفور تجرأت فترجمتها إلى العربية وقدمتها إلى بهاء طاهر في «البرنامج الثاني» (القناة الثقافية الأولى في الإذاعة المصرية) عوضا عن ترجمة يوسف الخال الغريبة (التي أزعم أن أحدا لم يفهم منها شيئا، ربما باستثناء قراء مجلة «شعر»!). بعدها تعرّفت على إليوت الناقد من خلال كتابه «مقالات مختارة» الذي دلني على منهج إليوت النقدي؛ المنهج الموضوعي، الذي صار منذ أولى كتاباتي منهجي في النقد. منذ قرأت مقدمته لمسرحيته «الميجور باربارا»، (وهي واحدة من مقدماته التي تماثل في أطوالها أطوال مسرحياته ذاتها!) قدم لي جورج برنارد شو فهما بدا جديدا للاشتراكية، وهي الكلمة التي طبعت الفكر والإعلام السياسي خلال سنواتي الجامعية في مصر. ربما كانت اشتراكية شو الفابية تناسب رؤيتي المثالية للعالم آنذاك. لقد نهلت من نبع صوفية إليوت واشتراكية شو ووجد كل منهما في نفسي متسعا بعد أن أخذ نصيبه من التماهي. لم يتوقف تأثري بالكتب في أي وقت منذ تلك الأعوام الفتية وحتى عندما تصورت بغرور خلال أعوامي الوسطى «إنني رأيت كل شيء وعرفت كل شيء!». فعندما قرأت كتاب كارين أرمسترونغ «محمد نبي لزماننا» قبل خمسة أعوام أدركت أن هناك تعريفا جديدا للبحث الموضوعي أرجو أن أتبعه ذات يوم. فلكي تصل أرمسترونغ إلى موقع محايد لدراسة هذه الشخصية التاريخية المثيرة للجدل في العالم الغربي، تخلت الباحثة بشجاعة عن أي أحكام مسبقة رائجة ثم قامت بوضع الشخصية في إطارها الزمني والجغرافي والثقافي والاجتماعي والتاريخي لكي تكون قادرة بأدواتها البحثية على تفهم بواعث أفعالها في تلك البيئة العربية أولا ثم تقدير إنجازاتها بغرض إعادة تقييم دورها التاريخي من منظور معاصر.. هذا منهج بحثي ندر نظيره في كتابات غربية مغلّفة بأحكام مسبقة عن نفس الشخصية التاريخية. ولا تزال الكتب تعلمنا. * مخرج وناقد سينمائي مصري

    0 0

    يدور نقاش منذ سنوات بين اليهود حول الصهيونية، فيما إذا كان من الضروري اليوم التمسك بها، أو التخلي عنها. فالبعض منهم يرى أنها لم تعد تصلح لهذا العصر، وأنها انتهت وفقدت صلاحيتها، وأننا نعيش اليوم عصر ما بعد الصهيونية. ويرى جدعون ليفي الصحافي الإسرائيلي المعروف، في مقالة له عنها، أنه قد حان وقت تقاعدها منذ فترة طويلة، ويجب أن تبدل بشيء أكثر حيوية وشبابا وصلاحية لعصرنا هذا. بينما يرى بيتر بينرت مؤلف الكتاب الذي نستعرضه، وهو أستاذ جامعي من اليهود الأميركيين، بأن الصهيونية في الوقت الحاضر تمر بأزمة، ولذلك عنون كتابه «أزمة الصهيونية». وهذه الأزمة في رأيه تتجسد في عقر دار الصهيونية إسرائيل، حيث كان المؤسسون لهذه الدولة قد أعلنوا عند إنشائها، أنها ستكون ديمقراطية، تعامل الناس في فلسطين على قدم المساواة، مع غض النظر عن العرق واللون والدين، ولكن ليس هناك اليوم شيء من ذلك، والسبب الرئيس لهذا هو سياسات إسرائيل ومن يؤيدها من اليهود، بخاصة يهود الولايات المتحدة. ففي قلب المشروع الصهيوني تتدافع فكرتان، فكرة أن تكون الدولة ديمقراطية ليبرالية والأخرى أن تكون دولة يهودية، وهي إلى اليوم لم تنجح في التغلب على هذا الصراع، وإذا فشلت في الاختبار فإنها ستنتهي أن تكون دولة يهودية، وتفشل أن تكون دولة ديمقراطية. ومن أهم مظاهر هذه الأزمة كما يقول، هو ما تقوم به إسرائيل من اضطهاد وتفرقة عنصرية نحو الفلسطينيين، الذي وثقته حتى منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، مثل «يش دين» و«بتسلم»، حيث أصبحت الأزمة تتفاقم، بل إن اضطهاد إسرائيل قد طال حتى اليهود الإسرائيليين أنفسهم، ممن يقول كلمة إنصاف في حق الفلسطينيين، وينتقد سياسة حكومته، حيث توجه لهم أصابع الاتهام بالخيانة. وكادت الدولة أن تشرع قانونا في العام الماضي يقيد تحركاتهم ويضيق على اتصالاتهم، وعلى مصادر تمويلهم، ولكن الضغط الدولي هو الذي أفشل ذلك. وما تتشدق به إسرائيل من ادعاء الديمقراطية، أخذ يتأكل يوما بعد يوم، كما يقول المؤلف، وأن هذه الأزمة تتعمق في حكم نتنياهو، وتزداد شدة وحدة بسبب سياسته. ويرى المؤلف أن يهود الولايات المتحدة، يساهمون في هذه الأزمة، وهم يستغلون المذبحة النازية لليهود، كإحدى الوسائل المؤثرة للدفاع عنها، وقد اتهمهم أرنولد وولف مؤسس إحدى المنظمات اليهودية، بأنهم بهذا يشجعون صهيونية ترى الإنسانية كلها عدوا لليهود. كما أن يهود الولايات المتحدة متفقون على أن لا ينتقدوا إسرائيل علنا، وأحد مبرراتهم لذلك هو أنهم لا يعيشون هناك. ويرد مؤلف الكتاب عليهم بأن هذا كلام غير منطقي، لأنهم ينتقدون الفلسطينيين مع أنهم لا يعيشون في الأراضي المحتلة، فهم لا يعرفون ما يجري هناك، ولا كيف تتصرف إسرائيل مع الفلسطينيين، ويصرون على أن لا يروا شيئا من هذا الذي يحدث، إذ من النادر أن يذهب أحدهم إلى هناك. ويرى أيضا أن إعطاء الحقوق للفلسطينيين داخل إسرائيل ليس كافيا، بل يجب أيضا لفك الأزمة، إرضاء سكان الأراضي المحتلة وتحقيق طموحهم الوطني، بأن تكون لهم دولتهم الخاصة، على الرغم من أن حل الدولتين يعطي 78% لإسرائيل من فلسطين التاريخية و22% للفلسطينيين. ولو كان مؤسسو إسرائيل، الذين قبلوا بـ55% في حينها، أحياء اليوم، لرقصوا فرحا ولغمرتهم السعادة والغبطة بهذا الحل. وهو يعجب من المسؤولين في إسرائيل الذين يحتجون على عزلتهم، مع أن الدولة ديمقراطية كما يقولون، ولكنهم هم أنفسهم يقومون بتدمير هذه الديمقراطية. ونحن (اليهود) نقول لأنفسنا، إن إسرائيل ديمقراطية، ولكن في الأراضي المحتلة توجد أثنوقراطية، وهو المكان الذي يتمتع فيه اليهود بالمواطنة، بينما لا يتمتع الفلسطينيون بها. ونقول لأنفسنا إن الاحتلال مؤقت، ولكنه استمر لأكثر من أربعين سنة، أكثر من ثلثي عمر الدولة، ونقول لأنفسنا إن إسرائيل ليست راغبة في الاحتفاظ بالأراضي المحتلة، ولكنها ساعدت مئات الآلاف من اليهود على السكن في هذه الأراضي، وأنشأت بنية تحتية هناك من شوارع ومدارس ونظام تليفون وشبكة كهربائية (بل حتى جامعة)، وهي تعامل المستوطنين على قدم المساواة، مع اليهود في إسرائيل، إلى غير ذلك من حقائق مؤلمة تجاهلناها خلال أربع وأربعين سنة من الاحتلال، وقد خلقت هذه أزمة للصهيونية، تكاد تعصف بالدولة. وهي بالتأكيد ستعصف بها وتنهيها، عندما لا يبقى هناك مجال لإنشاء دولة للفلسطينيين. وإذا ما حصل هذا، فإنه سيكون فشلا لليهود جميعا، أينما كانوا وسيظلون حينها ينشغلون في البحث بين الركام، بقية أعمارهم عن الأسباب الأخلاقية والدينية والسياسية، التي أدت إلى ذلك. ويقول المؤلف إن يهود الولايات المتحدة، يجب أن يواجهوا نتائج الحقيقة المهولة، وهي أن هذه الدولة قد لا يبقى لها وجود في عصرنا، لا وقد لا يكون هذا بعيدا. ويقول إنه بسبب ذلك هناك دعوات من بعض الفلسطينيين واليهود لإنشاء دولة واحدة، بدل دولتين. والمؤلف من الداعين إلى مقاطعة منتجات المستوطنات، وهو ما يدعو له بعض الإسرائيليين داخل إسرائيل، كطريقة للضغط على الحكومة الإسرائيلية، ويقول إن هذه المقاطعة أخذت تؤتي أكلها، فبعض الشركات في الضفة الغربية قد أغلق، وبعضها ترك الأراضي المحتلة، وذهب إلى داخل إسرائيل.

    0 0

    للروائي السوري خيري الذهبي، صدرت عن دار «ميريت» المصرية رواية «الإصبع السادسة» في 306 صفحات. وكان الذهبي قد أصدر منذ منتصف السبعينات 11 رواية منها «ملكوت البسطاء»، 1975، «ليال عربية»، 1976، «حسيبة»، «فياض»، 1990، وغيرها، بالإضافة إلى مجموعة قصصية هي «الجد المحمول»، 1992، ومجموعة مقالات بعنوان «التدريب على الرعب» 2003. ويعيش الذهبي في القاهرة الآن كغيره من عشرات الكتاب والفنانين الذين اضطروا على مغادرة سوريا بسبب مواقفهم المناهضة للنظام. يقول عن روايته الأخيرة: حاولت قراءة ما الذي جرى لأولئك الذين آمنوا بما بشر به إبراهيم باشا من الحقوق والواجبات الثورية الفرنسية بعد انسحاب إبراهيم باشا من الشام، ووقوع الشام ثانية تحت «البسطار» العثماني، وكيف تعامل معهم المؤمنون بثبات التاريخ وقابلية ديمومته، وما المخاضات التي عاشوها حتى ظهر فيهم المسرح وأبو خليل القباني، وعبد الرحمن الكواكبي، وقسطاكي الحمصي، وأحمد فارس الشدياق، وفرانسيس مراش وغيرهم.\ من أجواء الرواية: كان المصري قد مضى إلى مصر، وتخلى قبل رحيله عن الشاميين الذين جندهم من حمص وحماة ودمشق ونابلس وغزة، واستبقى من لم يعودا يحبون دكان السمان، ونول الحرير، والسعي وراء الحمار لبيع ما انضج البستان. استبقى أولئك الذين التذوا للمرة الأولى منذ أجيال بفتح المدن، واصطفاء التركيات الجميلات، والطرق على باب الموت والنجاة. في رواية «الإصبع السادسة » حاولت قراءة ما الذي جرى لأولئك الذين آمنوا بما بشر به إبراهيم باشا من الحقوق والواجبات الثورية الفرنسية بعد انسحاب إبراهيم باشا من الشام، ووقوع الشام ثانية تحت «البسطار » العثماني، وكيف تعامل معهم المؤمنون بثبات التاريخ وقابلية ديمومته، وما المخاضات التي عاشوها حتى ظهر فيهم المسرح وأبو خليل القباني، وعبد الرحمن الكواكبي، وقسطاكي الحمصي، وأحمد فارس الشدياق، وفرانسيس مراش وغيرهم.

    0 0

    في الانتخابات الأميركية الأخيرة، دعم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بقوة الرئيس باراك أوباما. كلينتون المعروف بقدرته على الإقناع، شرح في خطاب شهير له لماذا يجب أن يعاد انتخاب الرئيس أوباما. ولكن دعم كلينتون لأوباما كان بمقابل. على الرئيس أوباما أن يدعم حظوظ هيلاري كلينتون في السباق الانتخابي لعام 2016. وافق أوباما على هذا الشرط، ولكنه تراجع عنه - بحجة أن لديه تصورات جديدة - بعد أن تحصل على الدعم الذي أراده من الرئيس كلينتون. الرئيس السابق استشاط غضبا ووصف الرئيس أوباما بـ«الهاوي» في العمل السياسي وهدد وتوعد. الغضب الكلينوتني دفع أوباما للتراجع قليلا، وتم الترتيب ليظهر أوباما مع هيلاري كلينتون في حلقة وداعية على البرنامج الشهير «60 دقيقة». هذه القصة يذكرها الصحافي الشهير إدوارد كلاين في كتابه «الهاوي.. باراك أوباما في البيت الأبيض» الذي يشن فيه هجوما شرسا وحادا على الرئيس الأميركي أوباما الذي يصفه بـ«السياسي الغريب المنعزل والبارد والمؤدلج» وعدد آخر من الصفات التي - بحسب كلاين - جعلت من الرئيس أوباما غير كفء لمنصبه، «وسيقود أميركا لأربع سنوات أخرى من الفشل» كما يقول. فكرة كلاين المحورية هي أن أوباما قادر فعلا على تحريك الجماهير، وماهر في الصراعات الانتخابية، واللقاءات التلفزيونية، ولكن عندما يدخل إلى البيت الأبيض يتحول إلى شخص آخر. إنه بحسب المؤلف، لا يستطيع أن يصدر القرارات الكبيرة، ويفتقد لفن الإدارة والحكم الذي يميز الرؤساء العظماء. في موضع آخر من الكتاب يهاجم كلاين أوباما لكونه شخصا مغرورا متعنتا ومتقلبا. مغرور لأنه قدم نفسه لأهم منصب في العالم، وهو لا يملك المؤهلات الكافية التي تمكنه من القيادة. فخبرته ضعيفة، ولم يجرب الحكم فعلا. لديه أيضا اعتزاز لنفسه مبالغ فيه جعله يكتب عن قصة حياته وإنجازاته، وهو لم يبلغ الثلاثين من العمر. ومتعنت لأنه لا يستمع إلا لرأيه وأحاط نفسه بأشخاص لا يفعلون شيئا إلا التأكيد على ما يقوله، ولا يعارضون قراراته حتى تلك التي لا يدرك هو نفسه خطورتها. ومتقلب لأنه تحول بشكل سريع من ذلك الشاب المندفع المفعم بالطاقة الذي اقتحم عالم السياسة وصعد بسرعة مذهلة ليكون أول رئيس أسود للولايات المتحدة، ليتحول بعدها إلى شخص متعال منعزل ومنطو على دائرة ضيقة من المعاونين والأصدقاء، ولا يرغب في التواصل مع أعضاء الكونغرس ولا حتى عقد صفقات وتسويات معهم. إدوارد كلاين في كتابه «الهاوي.. باراك أوباما في البيت الأبيض» يقول كلاين أن أوباما يمثل نوعا غريبا وجديدا من رجال السياسة.. نوعا لا يستمد أي متعة وسعادة من العمل السياسي نفسه، ولكنه فقط مهووس ومتعلق بمنصب رئيس الولايات المتحدة، وسيد البيت الأبيض الأول. هذه نقطة يؤكدها صحافيون آخرون، وإن كان بشكل أقل حدة من وصف كلاين. شخصية أوباما المتوهجة والحيوية غير حقيقية. أوباما، على عكس الرئيس كلينتون مثلا، متعلق بالجانب الدعائي والإعلامي بشخصية الرئيس ولكنه يكره الصراعات الداخلية والمساومات والتنازلات التي تعكس طبيعة العمل السياسي. هذا ما جعله نجما في مواقع التواصل الاجتماعية والمحطات التلفزيونية التي تلمع صورته باستمرار، ولكنه غائب ومنعزل عن الدوائر السياسية، حيث يوجد العمل السياسي المعقد والشاق، الذي يتطلب جلدا وصبرا. يسرد الصحافي الكثير من القصص التي تعكس جمود وسلبية أوباما. من هذه القصص لقاؤه بمايكل بلومبيرغ، عمدة مدينة نيويورك، الذي استدعاه أوباما ليمارسا لعبة الغولف سويا. استقل بلومبيرغ طائرته الخاصة وذهب للرئيس، استمرا يلعبان لمدة أربع ساعات لم يقل خلالها أوباما شيئا هاما لبلومبيرغ الذي كان يتوقع أن دعوته ليس فقط من أجل لعب الغولف. عمدة نيويورك أصيب بصدمة لأن الرئيس رحل بعد أن انتهت اللعبة. يقول عمدة نيويورك «أربع ساعات لم يقل لي شيئا هاما!». ولكن الرئيس أوباما غير مستعد حتى للدخول في الصراعات اللازمة لتنفيذ الخطط التي تسعى لها إدارته، لأنه لا يستسيغ المناكفات والمساومات التي تعكس لب العمل السياسي. ينتقد الصحافي الذي شغل مناصب صحافية هامة منها محرر مجلة «نيويورك تايمز» لسنوات كثيرة، بأن سلوك أوباما السلبي جعل كل حديثه القديم عن أنه لا فرق بين الولايات الحمراء - الجمهورية - والولايات الزرقاء - الديمقراطية، مجرد شعارات إنشائية. الاستقطاب والانقسام السياسي في حكمه غير مسبوق. العداء بين الجمهوريين والديمقراطيين على أعلى مستوياته. على مستوى السياسة الخارجية، وهو جانب لم يتطرق له الصحافي كثيرا، تبدو إدارة أوباما فعلا في أسوأ حالاتها. تعاملها مع الشرق الأوسط كارثي وخصوصا مع الأزمة السورية التي ارتبك فيها أوباما وتردد بشكل مخجل. كل خططه عن الاتجاه نحو آسيا لمحاصرة العملاق الصيني تبدو مجرد نظريات على ورق، ولم يتحقق منها أي شيء.. الرئيس الروسي بوتين يتصرف بعنجهية وكأنه رئيس أقوى دولة في العالم، فيما ينتظر أوباما موافقته، وأكثر ما يفعله هو تقطيب الحاجبين حنقا. الكثير من الخبراء في السياسة الخارجية يصفون أداء الرئيس الأميركي بالكارثي على المستوى الخارجي، ومع ذلك ما زال يحيط نفسه بذات الشخصيات عديمة الخبرة التي تبجله ولا تعارض قراراته وأفكاره. لكن من جهة أخرى، تعرض كتاب «الهاوي» لانتقادات وجيهة، منها أن المصادر التي التقاها الصحافي غير مؤكدة ولا معروفة مما يجعل التوثق من القصص التي ذكرها مسألة صعبة جدا إن لم تكن مستحيلة. أيضا من الأخطاء التي ارتكبها الصحافي هو الانزلاق نحو أسلوب الصحافة الصفراء عندما تطرق إلى قصص أوباما العائلية وعلاقته بزوجته ميشيل وإسرافها وولعها بالأزياء. كل هذه القصص موجودة بكثرة في صحف الفضائح، ولكنها مجرد ثرثرات، وتضعف من قيمة أي كتاب يتوخى الجدية. الصحافي يبدو أيضا غاضبا بشكل شخصي من أوباما ولا يرى فيه إلا الأخطاء ويتغافل عن النجاحات التي حققتها إدارته على المستوى الداخلي. صحيح أن إدارة الرئيس أوباما أخفقت على المستوى الخارجي، ولكنها حققت مكاسب واضحة على المستوى الداخلي. الأزمة الاقتصادية التي هزت الاقتصاد العالمي وخصوصا الأميركي، استطاعت إدارة أوباما التعامل معها بواقعية وأعادت الثقة والتوازن من جديد للنظام المالي، وتمكنت من عكس سهم البطالة الهابط لتوجهه للأعلى. أعادت إدارة الرئيس أوباما الثقة لصناعة السيارات الأميركية التي كادت على وشك الإفلاس. نظام التأمين الصحي الذي سيمنح ملايين المواطنين الأميركيين فرصة العلاج سيحسب للرئيس أوباما. ما يحسب للرئيس أوباما عدم انجرافه لدعاوى المتعصبين التي أعقبت تفجيرات بوسطن الأخيرة، وتقديمه خطابا متزنا وهادئا خفف من حدة التوتر التي أعقبت التفجيرات. أيضا يصارع الرئيس أوباما لتمرير قانون لمنع بيع الأسلحة إلا بعد المراقبة والفحص، وذلك بعد كارثة المجزرة التي ذهب ضحيتها 20 طفلا في مدينة نيوتن. كل هذه نقاط تحسب للرئيس أوباما، ولكن الكاتب تجاهلها، وأحيانا حولها بشكل غريب لفشل. يمكن القول باختصار أن الرئيس أوباما هو فعلا رئيس غير ناضج و«هاو» فيما يخص السياسة الخارجية، أما فيما يخص الشأن الداخلي الأميركي، فمسألة لن تحسم حتى بعد أن يغادر أوباما منصبه عام 2016.

    0 0

    بدأت القراءة بفضل توفير وزارة الثقافة المصرية في مطلع الستينات سلسلة من القصص المترجمة عن أصولها الإنجليزية و(أحيانا) الفرنسية تحت عنوان «سلسلة عالمية». ضمن هذه السلسلة تمت ترجمة بعض أمهات الروايات الشعبية. قرأت روايات أوروبية كلاسيكية مثل «حول العالم في ثمانين يوما» و«جزيرة د. مورو» و«مغامرات المونتي كريستو» و«البائسون» جنبا إلى جنب الروايات البوليسية مثل «الذئب الوحيد» و«الرجل النحيف» و«عشرة عبيد صغار» و«الصقر المالطي». كان ثمنها، تبعا لسياسة قوامها نشر الثقافة أيا كان مصدرها وتشجيع الجميع على القراءة (كانت هناك أيضا سلسلة «الألف كتاب» التي أقبلت عليها في مرحلة لاحقة قريبة والتي كانت أكثر جدية) رخيصا مما جعلني أعتاد المرور على مكتبة ليست بعيدة عن البيت لشراء كتاب مباشرة قبل التوجه إلى المدرسة. ثم كان أن أخذ صديق لوالدي اسمه شعبان يعمل في دار نشر في بيروت تطلق سلاسل أخرى فإذا بي أتعرّف على «بردليان» (وهكذا كان يُسمى من رواية إلى أخرى) وطارزان كما أرسين لوبين (أو أرسان لوبا كما تهجئته الفرنسية). ثم، سلسلة رابعة حول تحر فرنسي اسمه جونسون وأذكر عنوانا لافتا واحدا من كتبه وهو «السماء تمطر دما» وفي الكتاب أن المجرمين قتلوا ضحية ثم أطلقوها بالمنجنيق فوق البشر المحتشدين لمراقبة استعراض وطني فإذا بالبعض منهم يتلقف رذاذا من ذلك الدم المتطاير. لا ريب عندي اليوم أن عددا من كل هذه الروايات كان يُكتب ولا يترجم وذلك بسبب رواجه وانتهاء المؤلفات ذاتها، لكن لم لا؟ طالبا أن المسألة كلها كانت جنة من الخيال: خيال الكاتب مع خيال الحكاية يلتقيان وخيال القارئ الذي يريد أن يسبح - حتى في ذلك الحين - بعيدا عن الواقع. كان والدي مصدر إلهامي. هو الذي صحبني إلى السينما منذ سنواتي الخمس الأولى، وهو الذي لم يتذمّر يوما من إقبالي على القراءة خارج كتب المدرسة. كان يعود إلى البيت قبل عودتي من المدرسة وكان يفاجئني. ذات مرّة عدت فوجدته جالسا يقرأ كتابا من سلسلة «طارزان». كان قصد أن يلفت نظري ففرحت كثيرا وبدأت أخلع عني حقيبتي قبل أن أنظر من جديد، فإذا به أخفى الكتاب الأول وأخرج كتابا ثانيا. قفزت من فرحي.. كتابان.. ركضت إلى الحمام أغسل وجهي ويدي (عادة ما زلت أقوم بها إلى اليوم) وعدت لأفاجأ به وقد حمل كتابا ثالثا.. كان فرحا لفرحي طوال الوقت. كل ذلك وأنا دون الرابعة عشرة من العمر. أذكر مرّة أنني نزلت إلى مكتبة تبيع كتبا إنجليزية قديمة. وأخذت أبحث بينها عما أشتريه فوجدت واحدا من نوع روايات «الوسترن» الأميركي. سحبته من مكانه وتوجهت به إلى صندوق الدفع. بادرني الواقف عنده: «.. وهل تعرف كيف تقرأه؟» فتدخل موظف آخر كان جالسا وراءه: «أنت لا تعلم.. هؤلاء الناس يرسلونهم إلى مدارس خاصّة لتعليمهم». ضحكت في سري، فأسرتي فقيرة لكن ثيابي المكوية وهيئتي النظيفة أوهمت أحدا أنني أستطيع القراءة بالإنجليزية من دون قاموس. ما زلت أحتفظ بهذا الكتاب إلى اليوم وعنوانه «الأرض المنهوبة» The Plundered Land. قرأته في حياتي مرّتين من باب إعجابي بأفلام الوسترن الأميركية مرّة، ولكي أعود إلى الأمس الجميل مرّة أخرى (قبل خمس سنوات). هنا كان التمهيد للقراءات المختلفة التي أقوم بها، وبصمت. لم أحاول أن أتباهى بما أقرأه لأن القراءة مثل العبادة وبضعة أمور أخرى عليها أن تكون خاصة. لكني لم أترك لليوم عادة البحث عن روايات شعبية ينكرها أهل الثقافة عندنا مترفعين.

    0 0

    تشكل ميدانا للعلم وساحة للكتاب، بها فضاء رحب للحوار والنقاش، وهي وجهة الأكاديميين ومحج الباحثين، صرح ثقافي يسقي طلاب العلم والمعرفة.. إنها مكتبة آل سعود، كما يليق للمغاربة نعتها، أما أصلها فهو مكتبة مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، لا يوجد نظير لها إلا بالرياض في المملكة العربية السعودية. تقع المؤسسة بزنقة المرجان، ويحاذي مكانها شاطئ «عين الذئاب» في الدار البيضاء. يجد الزائر فيها ملاذه وزاده من الكتب والوثائق، إذ تتوفر المكتبة على مجموعات غنية من الوثائق تفوق 650 ألف مجلد، تستجيب لحاجات وتطلعات الباحثين في العلوم الاجتماعية والإنسانية والدراسات الإسلامية وفي لغات العمل الرئيسة. ويعد هذا الرصيد الوثائقي ثمرة سياسة اقتناء اتجهت تدريجيا صوب التخصص في الدراسات المغاربية، الأمر الذي مكن المؤسسة من التوفر على مجموعات وثائق من أكثر المجموعات غنى بخصوص الفضاء المغاربي والغرب الإسلامي. وفضلا عن دراسات العلوم الاجتماعية والإنسانية، تستقبل المؤسسة كذلك الإنتاج الأدبي المغاربي. وعرفت المؤسسة منذ 25 سنة تقريبا بأنشطتها الثقافية والقضايا التي تهم منطقة المغرب العربي، باستضافة باحثين أجانب من أوروبا أو من العالم العربي، والشراكة مع مؤسسات دولية كثيرة. تم إنشاء المؤسسة في بداية الثمانينات من القرن العشرين وفتحت أبوابها أمام القراء في صيف عام 1985، لتملأ فراغا كبيرا في باب وفرة الوثائق في مجالات الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وهو فراغ عانى منه الباحثون والطلبة الجامعيون بل والعديد من المهنيين. وهي مؤسسة توثيقية وعلمية وثقافية أنشئت بمبادرة كريمة من طرف الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، ولي عهد المملكة العربية السعودية آنذاك، خادم الحرمين الشريفين، الذي يرعاها ونظيرتها في الرياض. ومواكبة للتطور المستمر الذي تعرفه تكنولوجيات الإعلام والاتصال خاصة في مجال إدارة المكتبات والمعلومات، لم تكتف المكتبة بطريقة الرفوف المفتوحة وبالحصول على الوثائق المطبوعة على الورق والمصغرات والأشرطة، بل واكبت التطور المعاصر لصيغ نشر وإشاعة النصوص والمعلومات، فأخذت تشكل مكتبة رقمية عن طريق الاشتراك في قواعد بيانات نصية يتم الوصول إليها عبر الإنترنت أو عن طريق الأقراص المدمجة، وشرعت في توفير معلومات عن مضامين الدوريات المغاربية الحية، وانطلقت في إنجاز مشروع كبير متمثل في «رقمنة» مجموع الدوريات المتوفرة في مكتبتها ونشر صور الفهارس ضمن بوابتها على الإنترنت، إذ تتوفر على رصيد إلكتروني يتمثل في 8200 عنوان، 4681 منها متوفرة بنصوصها الكاملة والذي يمكن لقراء المؤسسة الاستفادة منه عن طريق برنامج للتحميل على الإنترنت. وجهزت جميع قاعات المطالعة بمكتبة المؤسسة بما مجموعه 100 كومبيوتر تقريبا، وضعت جميعها رهن إشارة رواد المكتبة مجانا لإجراء بحثهم البيبليوغرافي وللإبحار على الإنترنت، ويتم البحث البيبليوغرافي على بوابة المؤسسة على الإنترنت من خلال فهرسها الإلكتروني. وبلغ عدد الكتب الموضوعة رهن إشارة القراء، التي توجد عناوينها ضمن قائمة الوثائق المحملة على الفهرس الإلكتروني على الإنترنت 380.000 مجلد، وتحتل اللغة العربية واللغة الفرنسية 39 في المائة من مجموع الرصيد لكل واحدة منهما، وتأتي اللغة الإنجليزية في المرتبة الثالثة بـ17 في المائة، وتحتل باقي اللغات 5 في المائة من مجموع الرصيد وفي مقدمتها اللغة الإسبانية. تتضمن هذه المجموعات معظم ما نشر بخصوص الفضاء المغاربي، بما في ذلك الدراسات الأندلسية، بلغات كثيرة، وتحتضن كذلك أحسن ما كتب في اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية حول العالمين العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة. ووجبت الإشارة إلى أن هذه الكتب تحتوي على مجموعات قيمة من الأعمال الأكاديمية ومن أمهات البحث العلمي الخاصة بالقضايا النظرية والمنهجية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية في اللغات الثلاث: العربية والإنجليزية والفرنسية. ووصل عدد عناوين المنشورات الدورية إلى 2793 عنوانا من ضمنها 1398 عنوانا لدوريات حية. وتتكون اليوم مجموعة الدوريات التي تتوفر عليها مكتبة مؤسسة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء من 160 ألف مجلد وتنمو سنويا بمعدل 7000 مجلد. وهناك 938 من العناوين خاصة بالمجال المغاربي، وهي عبارة عن مجلات ونشرات دورية أخرى تنشر في مختلف البلاد المغاربية (المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وموريتانيا) أو تصدر خارجها ولكنها تعنى بالفضاء المغاربي المعاصر أو بتاريخه أو بجزء من أجزائه. تجدر الإشارة إلى أن المكتبة تتوفر على العديد من المنشورات الرسمية الصادرة عن المصالح الحكومية في مختلف البلاد المغاربية (يتم مثلا اقتناء الجرائد الرسمية المغربية والجزائرية والتونسية بشكل دوري). أما مجالا الإسلام والعالم العربي فتغطيهما 706 مجلات بما فيها عناوين مجموعات كاملة من المجلات المشهود لها. ولم يفت المؤسسة أن توفر لقرائها عشرات العناوين من المجلات المتخصصة في مختلف مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية وكذا الكثير من نشرات المنظمات الدولية والإقليمية كالمكتب الدولي للشغل والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة والمنظمة العالمية للتجارة، وغيرها. بالإضافة إلى ما سبق، هناك مجموعات كاملة من العناوين النادرة التي اقتنتها المؤسسة ونذكر منها «المقتطف» و«البيان» و«الجامعة» و«الضياء» و«المشرق» و«المنار» و«العروة الوثقى»، هذا علاوة على عناوين كثيرة باللغات اللاتينية. ليصل عدد المجموعات الكاملة من الدوريات إلى 296 عنوانا. ولقد اقتنت المؤسسة في الفترة الأخيرة مجموعات كاملة متكونة من 38 عنوانا من المجلات الكلاسيكية باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والمتعلقة بالأدبيات الاستشراقية والتي تتمحور حول العالم العربي والإسلام. وتضم المكتبة مجموعة من الرسائل الجامعية بلغ عددها 2400 عنوان وتتناول موضوعات تخص المغرب العربي والعالم العربي والإسلام. وتزخر بمجموعة هائلة من المخطوطات تم إنشاؤها عن طريق اقتناء بعض الوثائق من أشخاص معينين أو عن طريق اقتناء المكتبات الخاصة لبعض الشخصيات المغربية، وتتوفر على ما مجموعه 698 مخطوطة، أي ما يعادل 1958 عنوانا، ويقدر عدد الحجريات التي تتوفر عليها مكتبة المؤسسة بـ453 عنوانا (منها 244 طبعة أصلية و6 نسخ). ولقد استطاعت المؤسسة أن تنقذ مجموعة من الحجريات من التلف باقتنائها مكتبات خاصة. فقد أقدمت على شراء الحجريات التي كانت تزخر بها مكتبة محمد الوافي العراقي (137 عنوانا) ومكتبة المحجوب بن عيسى لمرابط (32 عنوانا). وللإنتاج المغربي حصة الأسد في هذه المجموعة ويليه الإنتاج المصري (70 عنوانا) ثم النيجيري (عنوانان) ثم الجزائري (عنوان واحد). وإذا ما اعتمدنا فقط الطبعات التي تتضمن تاريخ النشر (285 عنوانا)، فإن هذه المجموعة تغطي الفترة الممتدة من 1858 إلى 1932. كما تضم مكتبة آل سعود، مجموعات خاصة عبارة عن وثائق عائلة إدريس السراج، و6000 بطاقة بريدية، و2000 صورة فوتوغرافية، وتم طبع أغلب هذه المجموعة خلال فترة الحماية، وهي ممهورة بتوقيعات المصورين أمثال فلاندران وكريبر.

    0 0

    عندما ألقى بول ريكور محاضرة «الحب والعدالة» عام 1989، كانت تحدوه ثلاثة هموم: هم الخروج على البنيويات والقطائع المعرفية، وهم فتح اللاهوتي على الفلسفي من طريق التأويل، وهم تعميق وتجاوز مفهوم جون رولز للعدالة في كتابه «نظرية العدالة» (1972). فقد جاءت البنيوية باعتبارها نقيضا للماركسية، لكنها ورثت عنها تبسيطيتها، أي البقاء ضمن الأبيض والأسود. فإذا كانت الماركسية أو المادية التاريخية تطورية في روحها ووعيها الذي يغرق فيه النص ويذوب لصالح رهاب التاريخ الهائل؛ فإن البنيوية تضع النص فوق التاريخ أو تعزله عنه في الزمان والمكان والذاتية الإنسانية بالمطلق؛ فإن البنيوية تفصل بين المعرفة والوعي، وتحيلها إلى سلطة (بالمعنى السلبي)، مصطنعة قطائع معرفية تشتت الزمان وانسيابيته بحجة التفاوت أو الفوات. في المادية التاريخية يصبح الدين مرحلة تطورية جرى تجاوزها. وفي البنيوية يتقطع الزمان تحت وطأة المكان ليصير كل تأمل للنصوص القديمة دينا جديدا. وقد قارب التأويليون (وفي طليعتهم غادامر وبول ريكور) البنيوية والوجودية مقاربة نقدية، من أجل اقتراح واجتراح قراءات أخرى لعوالم النص الديني، والموروث الديني، مؤسسين نظرية جديدة لقراءة «النصوص المقدسة» تنبثق عن الفيلولوجيا واللسانيات ونقد النص ونظرية الأدب والأنواع الأدبية، باتجاه حوارية خلاقة وانسيابية بين النص والذات والتاريخ وإنسانية الإنسان. وقد حام بول ريكور طويلا في كتب مثل «الذات عينها كآخر»، و«صراع التأويلات»، و«الزمان والسرد»، ليصل في أواخر التسعينات من القرن الماضي إلى الكتابة مباشرة في تأويل الكتابات المقدسة لدى اليهود والمسيحيين. وكانت عبارته المفتاحية في هذا المجال أن «الكتاب المقدس» أو «النص الديني» هو مرآة الذات! وما كان جون رولز في كتابه العظيم «نظرية العدالة» مهتما بفلسفة الدين أو لاهوته، بل كان يريد إيضاح الإمكانيات الكبيرة للفلسفة الليبرالية الكانطية من خلال تجلياتها في الدولة الديمقراطية الحديثة والمعاصرة. فتحت ستار فلسفة الدولة وفلسفة القانون، مضى إلى آفاق أو قطبي العدالة والإنصاف (Fairness + Justice) أو ما صار يعرف بالعدالة التوزيعية التي تعني واجب تحقيق العدالة، فالإنصاف لأكبر عدد ممكن من الناس بدوافع الاستقرار والتوازن، وما هو أعلى وأبقى: أي الواجب الأخلاقي الإنساني في أرقى درجاته وأكثرها تطلبا للإنصاف، وإذا اخترنا التعبير الإسلامي: الإحسان. جاءت محاضرة بول ريكور في «الحب والعدالة» إذن كاشفة للعلائق العميقة بين المفاهيم التي تبدو لأول وهلة متناقضة، وفي بؤرتها التداخل المفهومي أو الأوجه المتعددة لقراءة النص الديني، باعتباره مرآة للذات الإنسانية في تساميها وأشواقها. وباعتبارها كذلك فهي تطل على لاهوت المحبة عند مفكري الدين المحدثين، ولدى فلاسفة المثالية الكانطية لأخلاق الواجب، كما لدى الدولة العادلة عند جون رولز. إن بؤرة التناقض الظاهر بين العدالة والحب باعتبارهما قيمة، وباعتبارهما سلوكا، تظهر في قول المسيح: افعل للآخرين ما تحب أن يفعلوه لك! فهذه هي القاعدة الذهبية، أي التكافؤ والتساوي والتوازن. وإذا صلحت هذه «النفعية» أو النسبية في المجتمعات المتوترة والدول «الواقعية»؛ فإن مقولة المسيح الأخرى تنسف هذا التكافؤ والتوازن: «إن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم؟ وإذا أحسنتم إلى الذين يحسنون إليكم، فأي فضل لكم؟ فإن الخطاة أيضا يفعلون ذلك. وإن أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم فأي فضل لكم؟ فإن الخطاة أيضا يقرضون الخطاة لكي يستردوا منهم بالمثل. بل أحبوا أعداءكم، وأحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئا في المقابل!». هذا الافتراق الظاهر، يحاول ريكور تجسيره أو إيجاد جسر للتلاقي من خلال مفهوم وممارسة الهبة. فالهبة عطاء من دون مقابل، أو أنها فيض من التعاطف النفسي يتحول إلى فعل، بدلا من المعاملة بالمثل. وهنا ما يزال الحب في موقع المبادرة، بيد أن ريكور يذهب إلى أن لدى العدالة مبادرة أيضا. فممارستها وإن أغاظت بعض الأطراف، لكنها تقرب أطرافا أخرى من الود والتفاهم، بحيث يصح القول إن هناك فعلا تعاضديا بين الحب والعدالة. فالتعاطف يحدد الوجهة، والعدالة تحول دون التنازل عن الحد الأدنى. لكن العدالة إن لم تصحح مسارها النفعي؛ فإنها تنتهي إلى إلغاء للأخلاق. وهكذا يتلاقى الطرفان اللذان ظنا نقيضين على برنامج متقارب. عند نشر هذه المحاضرة الغنية بالإشارات والإحالات، طلب ريكور من ناشره أن ينشر معها محاضرتين أخريين له هما: «الذات في مرآة الكتابات» (المقدسة)، و«الذات المنتدبة أو المكلفة»، كان قد ألقاهما في أوقات متقاربة مع المحاضرة السالفة الذكر. وهو يذهب في بداية المحاضرة الثانية إلى أنها مناقضة للأولى. ففي الأولى هناك خطاب يتحدى الفرد الذي يكون عليه أن يستجيب عدالة وحبا. بينما في الثانية، هناك الشبكة الرمزية التي من خلالها تفهم الذات ذاتها في التراثين اليهودي والمسيحي. وهنا يستعين ريكور بفتغنشتاين الذي يتحدث عن «الذات المستجيبة». ريكور مهتم بكيفية تحويل الوعي إلى الفعل تحت مظلة قيمة الحب. والنص الديني (وفي الغرب اليهودي والمسيحي: الكتاب المقدس) يصبح مرآة للذات، وتعددية خطابه الظاهر تؤول إلى الأبعاد الفردية المختلفة والمتعددة. يسمي ريكور المشهد اليهودي بالنداء النبوي، وهو نداء - كما يقول الغزالي - صادر عن عين الجود (الاصطفاء والانغمار) أو عن بذل المجهود (المشقة والامتحان والتجاذب). ويعود اختلاف العلائق بالله إلى إرادة الفعل لدى الذات، بين الانغمار والرضا أو الصراع على القرب والحب. والمترجم يسمي الذات هنا: الذات المنتدبة، وهي ترجمة حرفية عن الإنجليزية، وأنا أفضل: المكلفة أو المصطفاة. فالذات النبوية (في التراث العبري)، والمتألهة (في الموروث المسيحي)، هي ذات رازحة تحت عبء التكليف والمسؤولية، لكنها ممتلئة في الوقت نفسه بالحضور الإلهي، وحب البشر وإرادة افتدائهم. ولنلاحظ شبكة الرموز وحدودها وآفاقها في الوقت نفسه: فموسى يتملكه اشتياق الرؤية أو استلابها، فيحال إلى «العوسج الملتهب»، والمسيح يعطي كل شيء. وهذا يذكر من ناحية بالـ«Berufung» أو الـ«Devotion» عند ماكس فيبر، ومن ناحية أخرى بصورة «المعلم الباطني» عند القديس أوغسطين. فلدينا من جهة هذا الفيض من الحب والذي يتحول لدى الإنسان الكامل أو الساعي نحو الكمال إلى أخلاق الهبة والبذل وسلوك التفاني، ولدينا من جهة ثانية الذات المستجيبة الوارثة والمورثة، والتي يتشكل على أساس تجربتها التقليد الواقع بين التعلم أو الاكتساب أو التكليف أو الاصطفاء، وبين التعليم المستمر والمتوارث للتجربة وقيمها. ويريد بول ريكور - مضيا مع مقولة الذات المكّ لفة أو المنتدبة (أي لنفسها) - أن يشتق من ذلك موضوعة الضمير. فهنا تصبح الذات سلطة مستقلة، هي التي عرفت بالضمير أخذا من الثقافة الأخلاقية المتحدرة من الأنوار، والتي يراها بول ريكور ظاهرة عند كانط في نقد العقل العملي، وفي فينومينولوجيا الروح عند هيغل: «فالذات هي التي تستدعي الذات وتختبر قدرتها على الكينونة الأخص بها». لدينا إذن أربعة أمور للتأمل بنتيجة قراءة المحاضرات الثلاث لبول ريكور: الحب والعدالة، والذات في مرآة الكتابات المقدسة، والذات المكلفة والنداء النبوي. الأمر الأول هو استخدام المنهج التأويلي في قراءة النص الديني، الذي يمثل خلطا كاملا للأوراق يقلب دراسة الدين وفهمه رأسا على عقب، ويفتح المجال واسعا للنظر في القرآن الكريم انطلاقا من هذه المقاربة، لكي نخرج من التأصيل والتاريخانيات والاستعارة من الديانات الأخرى أو افتراض القطيعة بيننا وبين ديننا ومواريثنا. وما من أمة تعرف توحدا بين الذات الإنسانية فيها، ونصها المقدس، مثل الأمة الإسلامية، فلماذا لا نقرأ القرآن باعتباره مرآة للذات في وعيها وفي تعدديتها وتوحدها؟ ولا يخلو الأمر بالطبع من صعوبات، بسبب التراث التفسيري القائم على القطيعة وليس على التواصل، والحصار التفسيري الذي تستنزفه «علمويات» القراءة وأصولياتها. والأمر الثاني: القول بالتقليد والتوارث والتواصل والتداخل بين المواريث الدينية والنصوص الدينية وغيرها. والقول أيضا بدخلنة القيم بحيث يجري التواصل على مستويين: بين المفاهيم المتداخلة في النص الديني، وبين النص والذات القارئة أو المستجيبة. والأمر الثالث: تجديد النظر في الدين ليس باعتباره عقائد وعبادات وحسب، بل باعتباره متضمنا لرؤية للعالم أو لفلسفة له. ويريد ريكور في هذا الصدد تغيير العلائق بين الفلسفة واللاهوت. والأمر الرابع: إمكان الإفادة من المنهج التأويلي في قراءة نصوصنا وتاريخنا الفكري والثقافي. فنحن نعلم أن علماء الكلام تصارعوا معتزلة وأشاعرة على مدى قرون في تقديم إحدى القيمتين: العدالة (المعتزلة) أو الرحمة (الأشعرية). وكل منهم يستند إلى نصوص قرآنية، وإلى فهم مختلف لمنظومة القيم ومقتضياتها (الذات والصفات، والأسماء والأحكام). والمعنى من وراء ذلك أن القيم المنزلة في النصوص والتي تسهم في تشكيل الذات، تعيد الذات من جهتها تشكيلها والتمري بها في عمليات بالغة الثراء ولا تنتهي. نحن محظوظون بوجود ترجمات ممتازة لبول ريكور إلى العربية تشمل كتبه الرئيسية (ما عدا تأويلاته للكتب المقدسة). وقد قام بترجمة الكتاب الصغير الذي بين أيدينا حسن الطالب من المغرب، وهي ترجمة رائعة. أما المحاضرات نفسها فهي سحر يصعب الخروج من فتنته.

    0 0

    ضمن مشروعها لتوثيق التراث الإنساني أصدرت مكتبة الإسكندرية موسوعة «طريق الحرير»، وذلك بالتعاون مع عدد من الجهات الدولية. وتعد هذه الموسوعة لثانية في هذا الإطار بعد «سمرقند». الموسوعة من تأليف الباحث المصري أشرف أبو اليزيد، الذي قدم بها مصدرا عربيا لأشهر طرق الرحلات العالمية. كما أنها موثقة بكم كبير من الصور، وتقع في 220 صفحة مقسمة إلى ثلاثة أقسام. شمل الأول المدن التي وصل إليها طريق الحرير أو عبر بها، وقدم فيها الكاتب 374 مدينة. واختص القسم الثاني بالآداب والفنون التي اشتهرت في أرجاء الطريق. وقد جمع المؤلف بعضا من أشهر المؤلفات التي صنفها رحالة على طريق الحرير، في الدين والأدب والجغرافيا والتاريخ. أما الفنون فلم تقتصر على الشائع منها، ولكنها شملت فنون الحياة اليومية بما فيها من فنون الطعام. وخصص المؤلف الجزء الأخير للممالك والأعلام التي عرفها طريق الحرير خلال نحو 16 قرنا. ويقول عن ذلك: «إذا كنت قد حاولت أن تكون الممالك حصرية، فقد كان من الصعب أن يكون الإعلام بالمثل، وإنما أحضرت من قد تكون أسماؤهم قد وردت في متون المدن أو شروح الفنون أو مسارد الآداب». كتب المؤلف في مقدمة الموسوعة: «إن طريق الحرير هو اسم جامع لخطوط القوافل المنقولة برا من وإلى الصين في أقصى الشرق، مرورا بالقارة الآسيوية غربا، وصولا إلى قلب أوروبا.. ولأيام التي عشتها في مدن طرق الحرير، سواء بالصين، وأوزبكستان، والهند، وسواها من الدول، هي التي أحيت في فكرة كنت أظنها مرهونة بالتاريخ وحسب. فقد كان الغالب أن طريق الحرير مرتبط بالماضي، وأردت، بالبحث في متونه، والقراءة عن فنونه، والتنقل بين مدنه، أن أثبت أنه لم يمت. هكذا رأيته في سمرقند وبخارى مثلما عايشته في كاشغر وأوبال». ويلفت المؤلف إلى أنه على الرغم من أننا نعد طريق الحرير تاريخا، فإن مدنه لا تزال تنعم بذكريات الازدهار. فطريق الحرير الصيني اليوم - مثالا - يأتي على رأس قائمة مواقع الجذب السياحي في منطقة شينجيانغ، شمال غربي الصين، التي يعبرها إلى وسط وغرب آسيا، وفي الوقت نفسه يربط طريق الحرير شينجيانغ بالمناطق الداخلية في الصين. وتوضح الموسوعة أن العرب كانوا - حتى قبل ظهور الإسلام - وسيطا تجاريا مهما بين الشرق والغرب؛ حيث كانت التجارة القادمة من الشرق (بخاصة الهند والصين) تمر ببلاد العرب عبر طريقين رئيسين؛ الأول يمر بعدن في جنوب غربي اليمن بالبحر الأحمر، حيث تأتي السفن، بعضها يواصل سيره في البحر الأحمر إلى ميناء القلزم (السويس) في مصر، ثم تفرغ حمولتها، وتنقل البضائع بالقوافل إلى الموانئ المصرية على البحر المتوسط، وخاصة ميناء الإسكندرية، ثم تشحن في السفن بحرا مرة أخرى إلى أوروبا، وبعضها الآخر يفرغ حمولته في عدن، ثم تحملها القوافل برا عبر الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية، المطل على البحر الأحمر، وتمر بمكة المكرمة، التي كانت مركزا تجاريا مهما، وبعضها يواصل سيره إلى ميناء غزة في فلسطين. أما الطريق الآخر فكان يمر عبر الخليج العربي، حيث تواصل السفن سيرها وتفرغ حمولتها في أقصى شماله، بميناء الأيلة غرب البصرة (العراق)، ثم تنقل البضائع على القوافل برا عابرة العراق إلى الشام؛ حيث تفرغ حمولتها في موانئ عكا وصور وصيدا وبيروت واللاذقية وأنطاكية، ثم تشحن بحرا إلى أوروبا. وتشير الموسوعة إلى أن التجارة عبر هذه الطرق قامت في أغلبها على جلب الحرير من الصين، والتوابل والبخور من الهند. وكانت هذه البضائع مطلوبة على نطاق واسع في أوروبا، وكان العرب يقومون بدور فعال ونشط في عملية التجارة هذه، وقامت حياة عرب الحجاز - مثالا - وبصفة خاصة قريش، على التجارة. وتكشف الموسوعة عن أنه في العصر الأموي لم يعد العرب وسيطا تجاريا لنقل البضائع بين الشرق والغرب، وإنما أصبحوا سادة الموقف كله، بعد امتلاكهم الطرق التجارية البحرية والبرية، من الصين إلى الأندلس، والتي كانت تتفرع لعدة طرق ثم، تنتهي كلها إلى موانئ البحر الأسود والبحر المتوسط، ويمر معظمها في الأراضي الإسلامية، ثم تنقل التجارة إلى أوروبا الشرقية والجنوبية، أما أوروبا الغربية وشمال أفريقيا والأندلس، فكانت معظم تجارتها تأتي من الطريق الأول عبر الموانئ المصرية. وقد ساعد على ازدهار تلك الحركة التجارية العالمية اهتمام الدول الإسلامية المتعاقبة على حكم تلك البلاد بإنشاء الطرق، وتعبيدها وتأمينها، فكانت القوافل تسير في طرق آمنة، تنتشر على جوانبها الفنادق والاستراحات والأسواق. ويقول المؤلف إن البضائع التي حملتها قوافل طريق الحرير كان منها فراء الثعالب والدببة القطبية، والصقور المدربة على الصيد، ومن إضافة إلى الأقمشة المرغوبة في كل سوق، وفي مقدمتها الحرير، كما كانت تباع البخور التي تتوق إليها المعابد البوذية، وكذلك العسل والشاي، والفضة والذهب، والدمى الخشبية والسهام المعدنية والدروع الحربية والسجاد والحلي، والأرز وكل الأطعمة المجففة. وتذكر الموسوعة أنه مع التجارة جاءت ثقافات، وألسنة ولهجات، وفنون وآداب، وهاجر أعلام، وتنقل رحالة، وهنا ظهرت أهمية طريق الحرير كشريان عبر نبضه عن حياة العالم.

    0 0

    تلعب الجملة الاستهلالية دورا مهما في الإيحاء بفحوى الرواية ومضمونها الذي لم يُكشف عنه بعد. فهي التي تحدد مسار النص الروائي سواء أكان كوميديا أم تراجيديا أم بينَ بين. وهي أشبه بالمفتاح الذي يفتح بوابة الرواية ويتيح للقارئ الولوج إلى عالمها الواقعي أو المتخيل، خصوصا إذا كانت الرواية مبنية بناء فنيا رصينا، كما هو الحال في رواية «منازل الوحشة» للروائية دنى غالي التي سبق لها أن أصدرت روايتين مهمتين وهما «عندما تستيقظ الرائحة» و«النقطة الأبعد». يجب أن لا ننسى في هذا السياق أن العنوان نفسه في هذه الرواية تحديدا يشكل عتبه نصية مهمة تحيل إلى ثيمة الرواية، خصوصا إذا كان جزءا من لُحمة النص وسَداته، وليس طارئا على الرواية أو مُصاغا غبّ الانتهاء منها، كما يفعل كثير من الروائيين الذين لا يخططون للنص الروائي قبل الشروع في كتابته. تستهل دنى غالي «منازل الوحشة» بالجملة الآتية: «أتسلل من دون أن يشعرا بي لأستريح». فثمة تعب كبير تعاني منه الراوية التي تسرد النص بصيغة المتكلم. ثم تعزز هذا التعب بمنظر حديقتها «اليابسة»، وتعليتهم للسياج الخارجي الذي لم يستطع حماية البيت بسبب الأوضاع الأمنية المنفلتة. ومنْ يدقق في هذه الجملة الاستهلالية المعبرة سيجد أن لها علاقة وطيدة بكل صفحة من صفحات هذه الرواية العميقة التي تفحص الواقع العراقي، وتحلل مناخه السياسي، وتغوص في أعماق شخصياته التي استدرجتها الكاتبة إلى هذا النص المفجع في أحداثه، واللذيذ في لغته، والجميل ببنائه الفني المتقن. * الشخصية الإشكالية * لم تختر دنى غالي أي شخصية بسيطة أو ساذجة على مدار النص برمته. فحتى الشخصيات الثانوية التي ظهرت ثم توارت عن الأنظار سريعا كانت على شيء من التعقيد في أضعف الأحوال، أما الشخصيات الرئيسة الثلاث التي تقاسمت أدوار البطولة فهي شخصيات إشكالية بكل ما تنطوي عليه هذه الكلمة من معنى، بدءا من الابن سلوان، مرورا بأمه، راوية النص، وانتهاء بأبيه الذي قرر العودة من الخارج إلى العراق، ثم تعرض للتهديد والاختطاف، فهرب من بغداد ثانية خشية مما لا تحمد عقباه. تحتاج هذه الشخصيات الرئيسة الثلاث إلى متابعة وفحص دقيقين كي نقف على أبعادها السياسية والنفسية والدينية والاجتماعية، وربما تكون شخصية «سلوان» أعقدهم جميعا، ذلك لأن أمراضه المتعددة ظلت غامضة وعصية على التشخيص على الرغم من متابعة الأطباء الذين قدموا تشخيصات كثيرة ضاعفت من غموض مرضه الذي يشير من طرف خفي إلى اعتلال في صحة قلبه أو خلل في دمه، بينما يذهب صديق العائلة الدكتور حسام إلى أن «سلوان» يعاني من أمراض نفسية أكثر من معاناته من أمراض عضوية على الرغم من أن هذا الابن الكئيب والمنعزل لم يشترك في حربٍ معينة، لكنه يعاني من نتائجها الخطيرة التي تركت أثرا سيئا في سلوكه وعلاقته بأبويه وأصدقائه وببقية الناس المحيطين به. لابد من القول إن دنى غالي قد انتقت هذه الشخصيات الثلاث بعناية فائقة لتكشف من خلالهم شرائح واسعة من المجتمع العراقي الذي عانى من حروب متعددة، وحصار جائر، ونظام شمولي قمع الناس، وكمم أفواههم على مدى 35 عاما. وربما تكون هذه العائلة هي خير أنموذج للشخصية العراقية المقموعة والمخذولة في آن معا، بل إنها ارتضت بالانسحاب والانزواء مثل والد الراوية الذي كان ملاكا ثم أصبح تاجرا قبل أن ينسحب تماما من الحياة العامة، أو مثل أسعد الذي فكر بالخلاص الفردي كحل أخير تاركا زوجته وابنه وعائلته ضحايا مؤجلة للإرهابيين، واللصوص، ومثيري الفتن الطائفية. أما أم سلوان فهي موزعة بين ابنها المريض، وزوجها المخطوف الذي هرب أخيرا إلى عمان لأنه أصبح هدفا إلى أكثر من جماعة أخطبوطية تستهدف الأدباء والمثقفين والمتنورين. فهو لم يحمل من الشيوعية سوى تهمة الانتساب إليها، غير أن هذه التهمة سوف تلاحقه حتى النفس الأخير مثل لعنة أبدية. لم تقتصر هزيمة أسعد على الانسحاب والعزلة والنأي عن الوطن بسبب مواقفه الفكرية والثقافية فحسب، وإنما تمتد إلى هزيمته الشخصية المتمثلة بخذلانه العاطفي، وفشله في التواصل مع زوجته التي لم تأخذ هذا الفشل على محمل الجد. وربما خيانته السابقة التي سوف تكتشفها زوجته المخدوعة، حينما تقرأ الصفحة الأولى من مجموع 50 صفحة من الرزمة الأولى. كما أنه كان يشك في طبيعة علاقتها بابنهم سلوان الذي شب عن الطوق ولم يعد طفلا صغيرا، خصوصا أن هناك ما يعزز هذا الشعور حينما تخاطب نفسها قائلة: «سأموت لو تصور أنني خنته». وهي تقصد خيانتها مع الدكتور حسام الذي اضطر للمبيت معهم بسبب قتال مسلح اندلع قرب منزلهم وحال دون ذهابه إلى بيته. * ثيمات الرواية * تكمن أهمية هذه الرواية في تعدد المضامين التي استوعبتها من جهة، وفي طريقة معالجتها من جهة أخرى. فضمير المتكلم يبدو حياديا في سرده، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الشخصية التي لم نعرف اسمها طوال النص هي شخصية عراقية مثقفة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العليا في أضعف الأحوال، وقد أتمت تعليمها الجامعي، وتزوجت من أسعد الحاصل على الماجستير، والأستاذ الأكاديمي الذي أحيلت خدماته إلى أرشيف الجامعة كنوع من العقوبة، لأنه لم ينتمِ إلى حزب السلطة الحاكم آنذاك، كان يكتب مقالات فنية وأدبية يحتفظ بها لنفسه. وقد انتقل هذا الولع الثقافي إلى ابنه سلوان الذي توزع بين حب الكتابة الشعرية والاستماع للموسيقى العالمية. وقد ولد فيه هذا الاهتمام نوعا من التعالي على الثقافة المحلية وفنونها، فهو لا يعرف من الفنانين العراقيين إلا القليل، بينما يحفظ عن ظهر قلب أسماء السيمفونيات العالمية الشهيرة، ويستمع إليها يوميا من دون أن يدب إليه الملل. أبرز الثيمات التي عالجتها هذه الرواية هي الغربة القسرية، الحنين إلى الوطن، المداهمات الأميركية، الفتنة الطائفية، الملثمون، تفجير المراقد الدينية، الإرهاب، الاختطاف، الحب، الشك، الحرمان، الخيانة الزوجية، العجز الجنسي لاحقا وما إلى ذلك من المواضيع التي تعاطت معها الروائية دنى غالي غب عودة أسعد وعائلته إلى الوطن. ولأن هذه الرواية مكتوبة بمستويات زمكانية متعددة فقد تناولت الروائية ثيمات أخرى تسيدت في الزمن الديكتاتوري السابق مثل القمع، والملاحقة، والسجن، وابتزاز الملاكين والتجار والأثرياء، لكن التركيز كان منصبا على حقبة ما بعد 2003، بل إن الروائية دنى غالي قد ركزت على الحقبة الممتدة بين مطلع 2006 حتى نهاية 2008 تحديدا لأنها حقبة الاحتراب الطائفي المقيت الذي سببته أحزاب دينية متخلفة وفدت من وراء الحدود العراقية. لا يمكن الإحاطة بكل الشخصيات الثانوية، لكنني أجد من المناسب أن أتوقف عند شخصية أم الراوية، وهي الزوجة الثانية لوالد الراوية. وبغض النظر عن الفوارق الطبقية بين الاثنين، فهي من عائلة فلاحية فقيرة من عشيرة «السواعد»، بينما ينتمي زوجها الثري إلى عشيرة «الخضيري» المعروفة. لا شك في أن هذا النص المتشظي بأحداثه وشخصياته يحتاج إلى بؤرة تلم الثيمة الموضوعية، التي توزعت في ثلاثة بلدان وثلاث شخصيات رئيسة وعدد آخر من الشخصيات الفرعية، أبرزها الدكتور حسام وأم الراوية وأبيها، لكن الراوية ارتأت أن تنهي الرواية بالمشهد الصادم الذي يكشف خيانة زوجها مع جارتهم. وكأن الراوية تريد أن تقول إن الحرب تستهدف منظومة القيم الأخلاقية برمتها، وتطعنها في الصميم، كما أنها تفرق أبناء العائلة الواحدة، فكيف لا تستطيع أن تفرق شعبا متعدد الأقوام والمذاهب والأطياف؟

    0 0

    ما الذي يجمع بين رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت ثاتشر، والحرب الروسية الأفغانية، والزعيم الإصلاحي الصيني الشهير دينغ شياوبينغ، والبابا يوحنا بولس الثاني، والثورة الإيرانية؟ لا يبدو فعلا أن هناك رابطا يجمعهم إلا ربما شيء واحد هو: عام 1979. هذا العام الغريب شهد صعود أسماء وبزوغ أحداث غيرت وجه العالم الذي نعرفه اليوم. ثاتشر، رسول الرأسمالية والسوق المفتوحة التي يعيشها العالم اليوم، تسلمت مهامها كرئيسة للوزراء في 1979. الغزو الروسي لأفغانستان الذي أسهم بتصدع الإمبراطورية السوفياتية، وخلق الحاضنة التي ترعرعت فيها الجماعات الإرهابية، حدث في ذلك العام أيضا. الصين لم تكن اليوم بهذه القوة الاقتصادية لولا إصلاحات شياوبينغ الجذرية التي بدأت في العام نفسه. البابا يوحنا بولس الثاني تحدى الشيوعية، وأسهم في إنعاش الكنسية الكاثوليكية، تسلم منصبه عام 1978، ولكن أكثر خطواته جرأة حدثت في عام 1979. وبالطبع من يستطيع أن ينسى الثورة الإيرانية التي انفجرت في ذلك العام الغريب؟ في كتابه الصادر حديثا «المتمردون الغرباء: 1979 وولادة القرن الواحد والعشرين» يشرح ببراعة الصحافي الأميركي كريستيان كارل سر هذا العام الذي يعتبر - إذا نظرنا إلى الوراء - ربما العام الأهم الذي فتح فصلا جديدا في كتاب التاريخ المعاصر. من المثير أن الكثير من المراقبين توقعوا أن عقد السبعينات هو مجرد ظلال للعقد الذي قبله. إحساس بالفوضى وانعدام النظام بسبب اغتيال كيندي، فضيحة ووترغيت، وتداعيات الحرب الفيتنامية، وتزايد تعاطي المخدرات والكحول. كان عقدا كئيبا يسير بلا هدى، ولكن بالضبط في سنته الأخيرة اتخذ التاريخ منعطفا حادا ما زلنا نقع تحت تأثيراته الإيجابية والسلبية. إذا كان عام 1979 هو المنعطف الحاسم، فإن الأحداث الذي أوصلت إليه كانت عبارة عن سلسلة من التفاعلات التاريخية التي اندفعت بشكل منطقي أحيانا وغريب في أحيان أخرى، لتتفجر جميعها في هذا العام. قبل أن نصل لثاتشر التي أصبحت رئيسة للوزراء في عام 1979، نعود إلى الوراء لكي نتعرف على هذه المرأة الصلبة والعنيدة التي علمها الأب البقال أن تحفر طريقها الخاص وتجعل الآخرين يتبعونه، وليس العكس (هذا الأب الذي زرع في ابنته العنيدة قيم الكد والكفاح كان محافظا على المستوى الاجتماعي وليبراليا على المستوى الاقتصادي). ثاتشر التي تخصصت في الكيمياء في مرحلتها الجامعية كان ترد بسخرية على من يسألها عن كونها أول امرأة تصبح رئيسة للوزراء بالقول: «لست أول امرأة بل أول عالمة تصبح رئيسة للوزراء!». لكن هذه الثقة والنزعة الثورية التغيرية القوية التي عرفت عنها ظلت مكبوتة بداخلها ولم تظهر إلا بالتدريج. يقول الكاتب إن ثاتشر كانت مؤمنة بقيم السوق والمنافسة بشكل عميق ولكنها لم تظهر إلا القليل من هذه النزعة القوية لأنها لم ترد أن تخاطر بصعودها السياسي التدريجي. كانت سياسية تتأرجح بين المثالية والواقع السياسي. عملية ولم تكن مستعدة للتصريح بأقوال قد تضر بمكانتها السياسية، وخصوصا في الخمسينات والستينات، حيث اعتبر الحديث عن السوق المفتوحة والمنافسة هرطقة تعارض العقيدة الاقتصادية المترسخة بسيطرة الدولة على الاقتصاد. حتى عندما أصبحت ثاتشر وزيرة للتعليم، لم تستطع أن تفرض سياستها وأفكارها وأنهت مدتها من دون أن تحدث تغيرات ملحوظة (لا أحد يتذكرها إلا بقصة إلغائها للحليب المجاني في المدارس، وسميت بعدها: ثاتشر.. سارقة الحليب). حتى داخل حزبها المحافظ لم يوجد الكثير من الشخصيات التي تتفق مع إيمانها الكامل بأن المنافسة والسوق المفتوحة هي الوصفة الملائمة للاقتصاد البريطاني المتردي. زعيم حزب المحافظين في ذلك الوقت ادوارد هيث (والذي أصبح رئيسا للوزراء بين عامي 1970 إلى 1974) كان مؤمنا بالمزاوجة بين سيطرة الدولة والاقتصاد الحر. لكن الاقتصاد البريطاني استمر في الانهيار، ومعدلات التضخم ارتفعت بمعدلات غير مسبوقة، وزاد البطالة وانفجرت المظاهرات والإضرابات. بريطانيا العظمى التي شكلت الاقتصاد العالمي ركعت على ركبتيها وطلبت قرضا من صندوق الدولي، التي أسهمت يوما في تأسيسه، كأول دولة صناعية تقدم على هذه الخطوة. في ذلك الوقت الحرج وفي ذلك العام الغريب جاءت ثاتشر لتغير المعادلة الاقتصادية وتقلب الصورة تماما. رأت في تاتشر في نفسها متمردة وثورية على العقيدة الاقتصادية المترسخة بعد الحرب العالمية الثانية التي نجحت في البداية لأسباب متعددة، ولكنها كادت تغرق البلد بعد ذلك. هذه المرأة الحديدية لم تكن تؤمن بالإجماع أو الاتفاق، بل كانت نزاعة للاستقطاب والتغيير الجذري. لقد نجحت أفكارها وسادت مبادئها. منذ عام 1979 اتخذت بريطانيا مسارا اقتصاديا وحضاريا متصاعدا لحد هذه اللحظة. الزعيم الصيني الإصلاحي الشهير دينغ شياوبينغ مر بظروف أكثر قسوة وصعوبة من الظروف التي مرت بها ثاتشر. رغم أنه كان مقربا من ماو الذي كان معجبا به بعد إدارته للحرب مع الغزو الياباني، فإنه قرب وأبعده، أعزه وأهانه، في النهاية عاد إليه بعد شعر أن الثورة الثقافية التي أطلقها حققت أهدفها، على الرغم من أنها مثلت كارثة على الاقتصاد والمجتمع الصيني. لكن شياوبينغ كان دائما رجلا براغماتيا وعقلا باردا، ولم يرفع صوته بالانتقادات للأوضاع في الصين إلا في الوقت المناسب. شياوبينغ الذي خسر زوجته الأولى، وأهانته زوجته الثانية بعد قررت الانفصال عنه علانية، قبل أن ينجح ويثمر زواجه الثالث، تحول من شخص اجتماعي محب للحديث إلى شخص منطو على نفسه. ولكن بكل الأحوال لم يخسر أبدا ذكاءه الحاد وواقعيته الباردة. يقول الكاتب إن ماو أشار إليه في أحد الاجتماعات مع المسؤولين الأميركيين بالقول: «ذلك القصير سيكون لك مستقبل باهر». بالفعل أثبت ذلك القصير أنه أفضل ما حدث للصين خلال العقود الأخيرة. أحدثت قراراته التاريخية بفتح السوق الصينية وخصخصة الأراضي الزراعية، وفتح الباب للاستثمارات الخارجية بداية صعود العملاق الصيني الذي لم يتوقف عن النمو. زيارة شياوبينغ للولايات المتحدة في عام 1979 هزته رغم بعض الأحداث الطريفة المربكة التي حدثت خلالها. ففي حفل العشاء الذي أقامه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر على شرفه جلست بجانبه الممثلة الهوليوولدية شيرلي ماكلين وبادرته بالقول إنها زارت الصين أيام الثورة الثقافية وأذهلها منظر البروفسور وهو يحرث الأرض. نظر إليها شياوبينغ - الذي عانى هو نفسه من هذه الثورة - بازدراء وقال لها: «مكان البروفسور هو التدريس في الجامعات وليس زرع الخضار!». عاد بعدها شياوبينغ إلى الصين وفي مخيلته صين أخرى للمستقبل. الصين التي أنهكتها الشيوعية كانت خربة متخلفة في الوقت الذي كانت فيه جيرانها مثل سنغافورة واليابان تصعد وتزدهر. أحدث بعدها صاحب المقولة الشهيرة «ليس مهما أن يكون القط أبيض أو أسود‏، ‏ وإنما المهم أن يصيد الفئران» نقلته الكبرى في عام 79 وتغيرت الصين والعالم بعدها. البابا البولندي يوحنا بولس الثاني كان أول بابا غير إيطالي يعتلي سدة الهرم البابوي عام لأكثر من 400 عام. ينظر لزيارته لبلده بولندا الواقعة تحت النفوذ السوفياتي على أنه أول الشروخ في جسم الكتلة الشرقية التي انهارت بعد تلك بعشر سنوات. ذهب هذا البابا إلى بلده الأصل، وهناك ألقى39 خطابا، تحدى فيه بشكل صريح الآيديولوجية الماركسية. لمس في تلك الخطابات قلوب ملايين البولنديين الذي احتشدوا لسماع كلماتهم المعبرة. يقول الكاتب إن البولنديين المفروضة عليهم فرضا العقيدة الماركسية لم ينفصلوا فعلا عن ارتباطهم بالكنسية الكاثوليكية. لعقود طويلة ربط البولنديون هويتهم الوطنية بالكنسية، واستمر هذا الشعور حتى بعد دخل بلدهم تحت النفوذ الشيوعي. ضغط البابا الذي عرف عنه قدرته على الخطابة والتأثير هذه الفكرة وأخذ في خطبه الشهير يتحدث لا عن المال أو المادة أو الاقتصاد، ولكن عن أهمية الجانب الروحي في حياة الإنسان. يقول المؤلف إن ذلك العام يمكن أن يؤرخ لبداية عودة الدين المسيس إلى أوروبا، والذي تصاعد بعدها ليصل إلى الولايات المتحدة الذي فيه يلعب فيه خليط الدين والسياسة دورا مهما. ولكن عودة الإسلام السياسي أقوى وأعمق ليس في الغرب، ولكن في الشرق. الحرب الأفغانية ابتدأت علامتها بالظهور مع الرئيس الأفغاني محمد داود خان ولكنها بدأت فعليا عام 79. كانت أحد الأسباب التي أدت إلى انهيار الإمبراطورية السوفياتية، ولكنها حولت أفغانستان إلى حاضنة الجماعات الإرهابية الباحثة عن القوة والنفوذ. العالم كله ارتج من عمليات تنظيم القاعدة الإرهابية وغيرها من المنظمات التي تتبنى العنف باسم الدين. لكن الإسلام السياسي صعد بشكل غير مسبوق مع الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي عام 1979. الشاه الذي أطلق ما يسمى الثورة البيضاء التي تهدف إلى تحديث بلاده، لم يكن يظن أن الملالي قادرون على إزاحته من عرشه وتبديد حلمه، ولكن هذا ما حدث. منذ ذلك العام تغير وجه العالم، وما زال تأثير تلك الثورة حاضرا على منطقة الشرق الأوسط. يقول الكاتب إن الأحداث التي وقعت في ذلك العام وأفكار الشخصيات التي برزت فيه، هي من يشكل الواقع الذي نعيش فيه. يكتب: «أحببت ذلك أو لا، السوق والدين المسيس هما من أهم القوى المؤثرة في القرن الحالي». يتذكر الكاتب أحداثا أيضا مهمة مثل أن نشوء فكرة شركة «مايكروسوفت» كانت في ذلك العام، وبداية ما يمسي اختلال معدلات الدخل في أميركا أيضا بدأت في ذلك العام. ولكنه ينسى أحداثا مهمة مثل وصول الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلى سدة الرئاسة كانت أيضا في ذلك العام. بالطبع المصادفة وحدها جعلت من هذا العام المنعطف الذي التف معه التاريخ بشكل لم يتوقعه أحد. إذا اعتمدنا على ذات النهج الذي طبقه الصحافي كارل في كتابه المهم هذا، هل يمكن القول، وبعد الإطاحة بحكم «الإخوان المسلمين» بمصر، إن عام 2013 سيكون العام الذي بدأت فيه آيديولوجية الإسلام السياسي بالانهيار؟!

    0 0

    بدأت تجربتي مع الكتابة بعد تخرجي في الجامعة وبعد حصولي على شهادة الدكتوراه في الفلسفة في منتصف السبعينات من القرن الماضي حين بدأت بكتابة الأبحاث والدراسات الفكرية، وقد نشر العديد منها في مجلات مختلفة. دام هذا الأمر حتى بداية التسعينات حيث قررت الانتقال إلى قول مختلف وهو القول الروائي الذي وجدت فيه نفسي ومكنني من امتلاك قول خاص، كان رائدا في حينه من خلال كتابة السيرة. كنت من أوائل الذين تجرأوا على الغوص في دواخل الشخصية وعرض كل تشعباتها، المسموح به في تلك الفترة وغير المسموح به، حيث كسرت أهم التابوهات وهو تابوه الجنس وبخاصة عند المراة. لكن تجربة الكتابة لا تكتمل من دون تجربة القراءة، هما متلازمان بشكل كلي. لقد قرأت الكثير والكثير قبل خوضي تجربة الكتابة. وما زلت أتابع كل ما ينشر وبخاصة ما يتعلق بكتابات النساء التي كثرت في هذه الأيام وهو أمر جيد. وهي في غالبيتها تدور في فلك السيرة حتى ولو اتخذت شكل الرواية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنني فخورة بأنني أول من فتح هذا الباب أمام جيلنا ومن أتى بعده. لكن على الرغم من هذا القبول الإيجابي لما يكتب في هذا الإطار، لا بد من بعض الملاحظات، وهي ملاحظات تجمعت لدي من خلال متابعتي شبه المستمرة لما ينشر وبخاصة كتابات النساء وأتوقف فقط عند السيرة التي تصرح عن ذاتها من دون التستر وراء «الرواية». لا بد من الاعتراف بأن كتابة السيرة ليست بالأمر السهل. هي تتطلب جرأة الغوص في الأعماق والحفر في كل الطبقات التي تكون الشخصية. وقراءتي لبعض ما نشر مكنتني من القول إن هذه السير ليست سوى نوع من عرض العضلات وسرد لأحداث مرت بها الأنثى الكاتبة. وهي في مجملها أحداث برانية تاريخية أحيانا، تعتقد الكاتبة أنها تضفي على شخصيتها أهمية معينة وكأنها من خلال كتابتها للسيرة تريد تلميع صورتها التي لا تجرؤ على كشفها كما هي في الواقع. ربما كان لهن أعذارهن في إخفاء بعض من شخصياتهن وبعض مما مررن به في حياتهن خوفا من الزوج أو الابن.. إلخ، خجلا من بعض ما قمن به ويردن إخفاءه ويحاولن تكريس هذا الإخفاء بفعل القول لعلمهن ما للكلمة، وبخاصة المكتوب منها، من تأثير. إنهن نعامات هذا العصر مع أنهن من جيل هو جيلنا الذي تمكن من كسر كل المحرمات السياسية والدينية والجنسية وغيرها. وهو أمر نفتخر به واضعين رؤوسنا في الهواء الطلق ولا ندفنها في التراب كما يحاول البعض فعله في كتابتهن للسيرة. كتبت السيرة فأتت مسيجة بعازل من زجاج مصفح يرى الناظر من خلاله كل أبعاد الشخصية بضعفها وقوتها ويقف أمامها عاجزا، بينما بعض ما قرأته في هذا المجال هو نصوص تضع كاتبتها نفسها في قفص من زجاج مزركش وملون يخفي أكثر مما يكشف، لكنه زجاج غير مصفح يهوي أمام من يرمي عليه حصاة صغيرة. لكن كل هذا الاهتراء لن يثنيني عن متابعة القراءة، علها تمدني بالقوة لمتابعة الكتابة. * روائية، وأستاذة الفلسفة في الجامعة الأميركية بلبنان. من أعمالها: «أما هي أنت»، و«تركت الهاتف يرن»، و«رحلت والدتي بقيت أمي»، و«أيهما هو»، و«الصفحة الثانية».

    0 0

    يتفق المعنيون بصناعة وطباعة ونشر الكتاب الخليجي على أن حركة مبيعات كتب الروايات والقصص والكتب المسلية الأخرى بجانب الكتب الإسلامية، تتراوح عموما ما بين 22 في المائة إلى 50 في المائة في فترة الصيف. لكن تزدهر في هذه الفترة، بالمقابل، طباعة الكتب الجامعية والمدرسية، استعدادا للموسم الجديد. ويعزو أحمد الحمدان رئيس جمعية الناشرين السعوديين ونائب رئيس اتحاد الناشرين العرب هذا التراجع إلى حقيقة أن غالبية الخليجيين يسافرون في الفترة الصيفية عادة إلى خارج بلادهم، هربا من الحرارة الشديدة. ووفق الحمدان، فإنه تنشط في دول الخليج العربي في هذه الفترة حركة نمو مبيعات كتب القصص والروايات، حيث يزيد الإقبال عليها بخلاف ما عليه الحال في المواسم الأخرى، علما بأن بعض الخليجيين يسافرون في أول الإجازات وآخرين في وسطها وآخرين في نهايتها، حيث يستغل هؤلاء أوقاتهم في قراءة الكتب المسلية كالقصص والروايات، التي تستحوذ على أكثر من 50 في المائة من سوق الكتب في هذه الفترة. ويعتقد أن خيار الإقبال على هذا النوع من الكتب يعود لمناخ المنطقة، مبينا أن الجو لا يساعد على التعاطي مع غيرها من الكتب الجادة بما فيها الفكرية، في حين أن المؤسسات الجامعية وغيرها من المؤسسات التعليمية تكون في حالة كمون، ويبتعد روادها في الغالب من الكتب الجادة سواء أكانت تعليمية أو فكرية. وقال رئيس جمعية الناشرين السعوديين: «على العكس، نجد في البلاد التي يتوفر فيها طقس جميل مثل أوروبا وبعض البلاد الغربية الأخرى والآسيوية، ازدهار قراءة الكتب بمختلف أنواعها، بحسب التوجهات لكل قارئ، مما يشجع السائح الخليجي هناك على استغلال بعض وقته لقراءة ما يحمله معه من كتب تناسب مزاجه في هذه الفترة». أما على صعيد حركة الطباعة، فإن المملكة تشهد، حسب الحمدان، ازدهارا كبيرا في حركة الطباعة، باعتبار أن فترة الصيف موسم استعداد جديد لطباعة كتب الموسم المقبل، إذ تنشط غالبية دور النشر في طباعة كتب المدارس والجامعات. ويتفق محمد الفريح مدير عام مكتبة «العبيكان» للنشر على أن مبيعات الكتب في موسم الصيف غالبا ما تتسم بركود في مبيعات وإنتاج الكتب بشكل عام، «إلا أن ذلك ليس بالمطلق حتى أكون دقيقا». وأوضح الفريح أن مبيعات بعض أنواع الكتب تزدهر في موسم الصيف، بينما لا تجد رواجا في فترات السنة الأخرى، وهي كتب ذات طابع عام، أي كتب غير متخصصة، إذا استثنينا الكتب الإسلامية والمصاحف بأنواعها، خاصة في شهر رمضان. وفي تقديره، إن كتب المعارف العامة تشكل ما نسبته 38 في المائة، من إجمالي مبيعات الصيف، تليها الكتب الإسلامية بنسبة 28 في المائة، وبعد ذلك تأتي الروايات والكتب الأدبية بنسبة 22 في المائة، وتتوزع الكتب الأخرى على نسب متفاوتة تصل إلى 12 في المائة. وأكد عام مكتبة «العبيكان» للنشر أن الأمر نفسه ينطبق تقريبا على الكتب الإلكترونية، مع الاختلاف البسيط في نسب التوزيع، أما بالنسبة لإنتاج الكتب، برأي الفريح، فإنه تنشط خلال فترة الصيف طباعة كتب التعليم العام بجميع تخصصاتها، وكذلك كتب المقررات الجامعية التي نفدت من السوق. وقال: «فترة الصيف توفر فرصة كبيرة للناشرين والموزعين، لمراجعة وتقييم مستوى مبيعات المقررات الجامعية خلال العام الماضي، ومن ثم الاستعداد للعام الجديد، بتوفير متطلبات الطلاب من المراجع العلمية على مختلف تخصصاتهم». كذلك تنشط خلال هذه الفترة، والحديث للفريح، «كتب الهدايا» بشكل خاص، والكتب الخاصة بالسفر بشكل عام، حيث يحرص كثير من القراء على اقتناء الكتب للإهداء، وليس للقراءة، مشيرا إلى أنها تتركز غالبا على بعض الكتب الإسلامية المختصة، وكتب الأدب والسير والسير الذاتية، كما يحرص بعض الأشخاص على الحصول على طبعات خاصة كاملة لإهدائها في مناسبات عامة أو خاصة. من جهته، يرى الكاتب والروائي خالد خضري أن فترة الصيف تعتبر فترة استجمام لا تلائمها إلا الكتب المسلية، بما في ذلك الروايات والقصص، كما أن بعض المؤلفين أنفسهم يبتعدون عن بلادهم في هذه الفترة، لأن المناخ فيها لا يساعد على رسم الأفكار وترتيبها إلا استثناء، وقد يجدون بلدانا أخرى المناخ الملائم للكتابة. وكل ذلك ينعكس سلبا على حركة البيع والإنتاج بالطبع. لكنه يلاحظ من جهة أخرى، أن بعض المؤسسات المعنية بصناعة الكتب ونشر الثقافة، مثل وزارة الثقافة والإعلام والمكتبات العامة، مثل مكتبة الملك عبد العزيز العامة، تحاول في موسم الصيف تنشيط وترويج الكتاب أيا كان نوعه. فهي «على سبيل المثال، تزود بعض المطارات بأعداد كبيرة من الكتب المتنوعة لإتاحة الفرصة للمسافرين للاطلاع والقراءة، وللتعريف أيضا بالكتاب السعودي». أما الكاتب مشاري بن صالح العفالق مدير عام دار «الكفاح» للنشر والتوزيع، فأوضح أن سوق النشر عالميا سوق موسمية مرتبطة بتقلبات الطلب على مدار العام، مبينا أن فترة الصيف تعد واحدة من أصعب الفترات، إذ إن حركة البيع في المكتبات تكون ضعيفة، بسبب انشغال وسفر كثير من الناس أو انشغالهم بالعروض الصيفية والترفيه، خاصة أن السعوديين والعرب عموما لا يفضلون قراءة الكتب في الرحلات وأثناء ركوب وسائل السفر المختلفة، كما يحدث في الدول الأكثر تقدما. ولفت إلى أن هذا الانخفاض في حجم المبيعات الصيفية يلقي بظلاله عادة على التدفقات النقدية لدور النشر، نظرا لأن أغلب المكتبات ومحلات بيع الكتب لا تدفع لدور النشر والتوزيع حقوقها في هذه الفترة من العام، التي عادة ما تشهد إغلاق بعض المكتبات، كما يقول. ويترتب على ذلك، كما يضيف، ضياع حقوق بعض الدور، مما يحتم عليها صرف مبالغ نقدية كبيرة في طباعة وتوريد الكتب لتكون جاهزة لبداية الموسم مع نهاية العطلة الصيفية، مشيرا إلى أن كثيرا من المؤلفين يطلب حقوقه المالية بداية الصيف وقبيل تمتعهم بالعطلة.

    0 0

    مع صدور طبعة جديدة من «الميداليات الرئاسية»، يناقش أميركيون ما إذا كانت هذه الميداليات «رئاسية» أو حزبية. وذلك لأن أبحاثا أجريت أوضحت وجود صلة بين حزب الرئيس في البيت الأبيض، وبين الميول الحزبية لأغلبية الفائزين بهذه الميداليات خلال فترة وجود ذلك الرئيس في البيت الأبيض. أوضحت التقارير أن أوباما قدم ميداليات أكثر للممثلين والممثلات في السينما والتلفزيون، الذين يميلون نحو الليبرالية، إذا لم يكونوا أعضاء في الحزب الديمقراطي، أو إذا لم ينظموا حفلات عشاء في منازلهم لجمع تبرعات لأوباما حين كان مرشحا، ولمرشحي الحزب الديمقراطي الآخرين. في الجانب الآخر، أوضحت الأبحاث أن الرئيس السابق جورج بوش لم يكن أقل حزبية من باراك أوباما. ورغم قلة الجمهوريين وسط نجوم السينما، والتلفزيون، والمسرح، ركز بوش على فناني الأغاني الريفية والإقليمية، والمشهورين بتأييد الحزب الجمهوري. * أنواع الجوائز يوجد نوعان من الميداليات الحكومية الرئيسية: الرئاسية التي يصدرها أعضاء الكونغرس (بالإضافة إلى ميداليات الوزارات والمصالح والمؤسسات). غير أن الرئاسية تتمتع طبعا بسمعة أكبر. ورغم أن عسكريين فازوا بها، فإنها تختلف عن الميداليات العسكرية. ويمكن أن يفوز عسكري بهذه الميداليات المدنية، لكن لا يفوز مدني بالميداليات العسكرية، لأنها تقدم حسب بلاء وتفاني الشخص في ميادين القتال. وعبر تاريخ الولايات المتحدة، كانت هناك ميداليات كثيرة (حتى الحاكم البريطاني، قبل استقلال الولايات المتحدة كان يقدم ميداليات) وكانت أغلبها عسكرية. غير أن المدنية هذه بدأها الرئيس هاري ترومان عام 1945، وأعطاها لمدنيين أميركيين برزوا خلال الحرب العالمية الثانية. أحيانا، يفوز بها الشخص أكثر من مرة: كولين باول، وزيرا للخارجية، وقائدا للقوات الأميركية المسلحة. والدبلوماسي الأديب كينيث غالبريث: سفيرا في الهند، وأديبا. وأحيانا، تقدم بعد وفاة الشخص، مثل التي قدمت إلى الرئيسين كيندي وجونسون بعد وفاتهما. ومن أشهر الذين تسلموها: القديسة تريسيا، ومارغريت ثاتشر (قدمها الرئيس رونالد ريغان)، ورونالد ريغان نفسه (قدمها الرئيس بوش الأب). ولأن الرؤساء يقدمونها، فليس من المعقول أن يقدمونها لأنفسهم، ولكن قد تمنح لهم بعد وفاتهم (مثل كيندي وجونسون)، أو بعد تقاعدهم (مثل ريغان وكارتر). من بين الرسامين الذين نالوها: الرسامة جورجيا أوكيف. ومن راقصات المسارح، الراقصة شيتا ريفيرا. ومن الممثلات، الممثلة أودري هيبورن. ومن الممثلين، الممثل غريغوري بيك. ومن الأديبات الشاعرة السوداء مايا أنجلو. ومن الشعراء تي.إس. اليوت. ومن المغنين فرانك سيناترا. ومن المغنيات إريثا فرانكلين. ومن رجال الأعمال وارين بوفيت.. وهكذا. وفي حالات كثيرة، يقدم رئيس ديمقراطي الميدالية إلى رئيس ديمقراطي (مثل كلينتون قدمها إلى كارتر)، ونفس الشيء بالنسبة للجمهوريين (مثل بوش الأب قدمها إلى ريغان). وهذه ممارسات تنتقد من وقت لآخر. لكن، أكثر الممارسات التي تنتقد هي عندما يقدم رئيس ميداليات إلى شخصيات تؤيد حزبه، أو تدعم الحزب، أو تتبرع له، أو للحزب. من الذين أكرمهم رؤساء جمهوريون: ميدج دكتار، وهيلتون كريمار، وهما جمهوريان، ومن المؤسسات مؤسسة هوفر اليمينية،. ومن الذين أكرمهم رؤساء ديمقراطيون، الروائي الديمقراطي فيليب روث، والروائية الديمقراطية توني موريسون. ومن بين الذين كرمهم أوباما: ويليام براون (مدافع عن السود)، وتوني كوشنار (مدافع عن مرضى الإيدز). وربما ليست صدفة أن من بين الذين أكرمهم الرئيس بوش الابن: الممثل روبرت دوفال (جمهوري من أصدقاء الرئيس السابق ريغان)، وفرقة الأناشيد الدينية في الكنيسة المرمونية، وجمعية بنات وحفيدات الرؤساء الأميركيين. وربما ليست صدفة أن من بين الذين أكرمهم الرئيس كلينتون عمالقة الليبراليين في هوليوود، مثل: غريغوري بيك، وروبرت ريدفورد، ونورمان لير. لكن، أحيانا يحصل العكس: كرم كلينتون إيساك ستيرن (عازف فيولين محافظ). وكرم بوش لي بول (عازف غيثار ليبرالي). غير أن هذه الميداليات قد تمنح بشكل موضوعي إلى حد بعيد، فيتم تكريم شخصيات لها إنجازات لا يمكن نكرانها، سواء سياسيا، أو عسكريا، أو ثقافيا، أو اقتصاديا. ومن بين هؤلاء جورج لوكاش، مخرج أفلام «ستار وورز» (حرب النجوم)، لأنه، بعد سنوات من نقده التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، نقل السينما الأميركية إلى عصر الخيال، والخيال البعيد. وكرم توني كوشنار، وهو من القادة الذين انتقدوا التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان والعراق وغيرهما. وأيضا، انتقد الرئيس ريغان لتقصيره في الحملة ضد مرض الإيدز، وانتقد كذلك بناء المستوطنات اليهودية الضفة الغربية. وهناك أخيرا، ميدالية «الحرية» الرئاسية، وهى أعلى وسام مدني في الولايات المتحدة. وتقدم كل سنة إلى عشرين شخصا تقريبا. ولا يوجد مقياس علمي، أو مؤهلات معينة لها. ويظهر الانحياز أحيانا في منحها لأشخاص قد لا يستحقونها.

    0 0

    مضت ماري محل ميري كولفن إلى مدى أبعد وبقيت لفترة أطول من المراسلين الأجانب الآخرين في الساحات الساخنة، مما ساعدها في الفوز بلقب «أعظم مراسلة حرب من جيلها». كان هذا أيضا هو سبب مقتلها في هجوم صاروخي في فبراير (شباط) 2012، أثناء تغطيتها الصحافية للمعاناة المضنية للمدنيين داخل حمص المحاصرة في سوريا. كانت معروفة ليس فقط بكونها صحافية شجاعة حائزة على عدة جوائز، بل أيضا بفقدانها إحدى عينيها وشهرتها بارتداء عصابة عين أنيقة. كانت ميري كولفن مغامرة وكاتبة متفانية، فضلا عن كونها امرأة عاشت حياتها إلى أقصى حد ممكن. كانت ترتدي دائما اللآلئ التي منحها إياها ياسر عرفات كهدية على الرغم من الانتقادات التي كانت توجه لها بهذا الخصوص. وعرف عنها أيضا أنها كانت تتجنب راحة الفنادق مفضلة عليها الإقامة في أماكن خطيرة جدا لم يكن أي مراسل آخر يجرؤ على الذهاب إليها. كانت عناصر الرفاهية الوحيدة بالنسبة لها ممثلة في علبة سجائر وملابس حريرية و«برطمان» صغير من النسكافيه. على مر السنين، اقتربت من الموت عدة مرات: الاختفاء من الروس مع ثوار شيشانيين، أو الكشف عن فظائع وحشية في سريلانكا، أو تصوير حصار مصراتة في الأيام الأخيرة للعقيد معمر القذافي. كان المصور الفوتوغرافي الذي عمل عن قرب مع كولفن هو بول كونروي، الذي وطد علاقة وثيقة معها، وعرضا حياتيهما معا للخطر مرارا لنقل وتصوير أخبار من مناطق النزاع في العالم، وكان بصحبتها عندما أصيبت بجراح قاتلة. كان كونروي ضابطا سابقا بالمدفعية الملكية. ونما لديه اهتمام، ثم ولع، بالتصوير الفوتوغرافي خلال فترة وجوده في البلقان. وحاول عدة مرات ترك الجيش بعدة وسائل، ولكن لم يسمح له بذلك. فقام بزرع مخدرات في خزانته وأبلغ عن نفسه، ومن ثم تم فصله. استمر يعمل في مناطق الحرب بمختلف أنحاء العالم، ملتقطا صورا فوتوغرافية، ومنتجا أفلاما لمحطتي «بي بي سي» و«سكاي تي في» وصحيفة «صانداي تايمز»، على سبيل المثال لا الحصر. وقد عمل في مناطق حرب بمختلف أنحاء العالم، عاكفا على إعداد تقارير عن النزاعات في العراق والكونغو وكوسوفو وليبيا وسوريا. إن كتاب «في اللحظة الأخيرة» هو رواية بول الجذابة المليئة بالعنف والحية أيضا عن صداقته مع ميري كولفن والسنة الأخيرة التي قضاها بجانبها. حينما تم تهريب ماري وبول إلى سوريا على يد قوات الثوار، وجدا نفسيهما عالقين في إحدى أكثر الضواحي الشيطانية على الأرض. انهمر وابل من رصاص الأسلحة الثقيلة على المباني المحيطة بهما، مما تسبب في مقتل وتشويه مئات المدنيين. وقتلت ماري جراء صاروخ أحدث ثقبا كبيرا أيضا في فخذ بول بدرجة تكفي لأن يدخل يده فيه! تحمل بول، الذي كان ينزف بغزارة ويعاني من نقص في الغذاء والماء ويشعر بألم شديد، خمسة أيام من القصف الحاد قبل أن يتم ترحيله في هروب جريء سار فيه بدراجة نارية عبر نفق، وزحف عبر تضاريس العدو، ثم في النهاية تسلق جدارا ارتفاعه 12 قدما. يروي بول كونروي قصة ميري كولفن بتفصيل شديد، يفوق روايته لقصته، ويتضح من كتابه احترامه الجم وحبه الشديد لماري كولفن. ولكن الأهم من ذلك، أنه يروي قصة الشعب السوري.. المقاتلين الذين قاتلوا وقتلوا في الثورة المستمرة، والصراعات اليومية التي لا نعرف عنها الكثير، والخطر المميت الممثل في محاولة إيجاد طعام أو مياه، والموت الذي ينتظر المتهورين والبطيئين. إن قصص هؤلاء الذين «اختفت» أسرهم وقصص التعذيب والوحشية، تعطينا فكرة شديدة الوضوح عن كل ما يجري في تلك الأرض المعذبة، سوريا. قد ينظر لكتاب «في اللحظة الأخيرة» بكونه أقرب إلى سيرة ذاتية للمؤلف، وأيضا أنشودة شكر لمراسلة صحافية، لكن الكتاب هو أكثر بكثير من مجرد مجموع أجزائه. إنه نظرة على نماذج حية كانت - ولا تزال - تتحطم كل يوم، إن لم يكن كل ساعة. وبغض النظر عن أوجه القصور التحليلية لكونروي والنمط المتسارع الذي أحيانا ما يقترب من الكليشه، إلا أن كتاب «في اللحظات الأخيرة» يقترب من أجواء رواية حية جذابة، على الرغم من مسحة من الكوميديا السوداء، عن الشجاعة الفائقة للمراسلين والمصورين الفوتوغرافيين الحربيين، الذين ينقلون فظائع وتبعات الحروب إلى طاولات إفطارنا. إن قصتهما هي قصة شخصين شجاعين يجمعهما دافع مشترك في حمل شهادة باسم الضعفاء، وتذكرة واضحة بما يعنيه أن تكون مراسل حرب في القرن الحادي والعشرين.

    0 0

    يسبر كتاب «برهان الدين باش أعيان حياته وعصره 1915 - 1975»، أغوار حقبة كاملة من التاريخ السياسي العراقي، تشمل مرحلة الانتداب والاستعمار والثورة وقيام الدولة القطرية ونشوء التيارات القومية، كما يطل الكتاب على مرحلة ثرية في التحولات السياسية العراقية، والتطورات التي شهدها العالم العربي. وهو يتناول سيرة الشيخ «برهان الدين باش أعيان العبّاسي»، أحد رجال النضال السياسي في «العراق» والعالم العربي، ومن أعلام السلك الدبلوماسي والنيابي والحزبي والوزاري في «العراق» خلال العهد الملكي. شغل برهان الدين باش أعيان الكثير من المناصب الحكومية والحزبية، وتزامنت فترة عمله الدبلوماسي والنيابي والحزبي والوزاري مع مرحلة من أكثر الأحداث السياسيّة المحلية والإقليميّة والدوليّة خطورة وحساسيّة ومصيريّة في العراق وسائر العالم العربي، ابتداء بالاحتلال البريطاني لجنوب العراق، وانقلاب «بكر صدقي» - «حكمت سليمان» عام 1936 - 1937، ومرورا بالحرب العالمية الثانية «1939 - 1945»، وظهور حركة «رشيد عالي الكيلاني» والعقداء الأربع عام 1941، واحتلال فلسطين. ويمتلك برهان الدين باش أعيان سجلا حافلا في العمل الدبلوماسي، وفي النضال السياسي والوطني في العراق، والقومي العربي، منذ مطلع شبابه وتخرّجه في كليّة الحقوق في بغداد عام 1937، حتى مغادرته العراق عام 1962. وقد اشتهر طيلة حياته بنشاطاته المتواصلة في مجالات العمل الخيري والإصلاحي الاجتماعي والعلمي، في العراق وسائر البلاد العربيّة والإسلاميّة. ويعرّف الكاتب بالظروف البيئيّة التي رافقت ولادة برهان باش أعيان ونشأته، متناولا جوانب واسعة منها تاريخ أسرته وتاريخ المنطقة خلال الفترة المحيطة بولادته وحياته. كما يؤرخ للأحداث السياسيّة والاجتماعيّة التي شهدها وتعامل معها صاحب السيرة وأسرته خلال الفترة التي عاصرها في حياته، ومنها معلومات جديدة ذات دلالة، تنشر للمرّة الأولى عن التاريخ المعاصر للعراق والمنطقة. مؤلف الكتاب هو أحمد برهان الدين باش أعيان، نجل صاحب السيرة، وهو باحث سعودي، ولد في (البصرة) عام 1950، وكان قد انتقل مع والده وعائلته إلى السعودية أواخر عام 1963، حين عمل والده (صاحب السيرة)، كمستشار قانوني لدى حكومتها حتى وفاته في أواخر عام 1975، وقد اكتسب المؤلف الجنسية السعودية، وعمل في شركة «أرامكو السعودية» في الظهران، في مركز الحاسب الآلي، والجيولوجيا وهندسة النفط، منذ عام 1984 حتى تقاعده عام 2010. ويحمل المؤلف شهادة الدكتوراه في الرياضيّات البحتة والتطبيقيّة، والماجستير في علوم الحاسب الآلي، وبالإضافة لاهتمامه بدراسة علوم النفط والرياضيات، فهو أيضا مهتم بالتاريخ والأديان والأدب العربي والإنجليزي، ويتحدث اللغة الإنجليزيّة، والفرنسية والألمانيّة. صدر الكتاب عن «دار الساقي» في بيروت، ويقع في 842 صفحة من القطع الكبير، ويتكون الكتاب من اثني عشر فصلا، يحمل الفصل الأول، عنوان: الخلفية الأسرية والأحداث السابقة للولادة (1258 - 1915)، وفيه يتناول المؤلف نسب آل «باش أعيان» وآل «شاوي» جناحي أسرته من ناحية الأب والأم، والموقف السياسي لأسرة «باش أعيان» في أواخر الدولة العثمانيّة، وموقفها من الاحتلال البريطاني لجنوب العراق. يحمل الفصل الثاني، عنوان: الطفولة (1915-1927)، وفيه يتناول ولادة «المترجم له» ونشأته، ونشاط وأوضاع أسرة «باش أعيان» الماليّة والتجاريّة، وكذلك مواقفها الاجتماعيّة والسياسيّة. ويحمل الفصل الثالث، عنوان: الصبا والشباب (1927-1937)، ويتعرض لدراسة برهان الدين باش أعيان، كما يتناول نشاطات الأسرة الماليّة والتجاريّة، ومواقفها السياسية. أما الفصل الرابع، الذي يحمل عنوان: المحاماة والسلك الدبلوماسي (1937-1948)، فيتعرض للفترة التي عمل فيها برهان الدين في مجال المحاماة، ثم عمله في السلك الدبلوماسي، في المرحلة الأولى من عمله. كما يتعرض لأدائه الخدمة العسكرية، في دورة الاحتياط، ثم عودته للعمل في السلك الدبلوماسي، في مرحلته الثانية، وكذلك عودته مجددا للعمل في المحاماة، ويعرج على الدور الذي لعبته أسرة «باش أعيان» في الحياة العامة. وينتقل الفصل الخامس، لتناول مرحلة النيابة والعمل الحزبي (1948-1954)، حيث يتعرض لعمل صاحب السيرة كنائب مستقل، وكذلك يتحدث عن الجبهة الشعبية البرلمانية، ويقف للحديث عن دور التجارة في المرحلة ذاتها، وقيام حزب «الجبهة الشعبية المتحدة»، وعودة «صاحب السيرة» للعمل النيابي. الفصل السادس، يتحدث عن مرحلة العمل الوزاري لبرهان باش أعيان: خلال المرحلة الأولى من (1954-1957)، وفيه يتحدث عن أول منصب وزاري تقله كوزير بلا وزارة، وتسلمه وزير الخارجية بالوكالة في حكومة نوري السعيد الثانية عشرة. ثم تعيينه وزيرا للخارجية بالأصالة في حكومة نوري السعيد الثانية عشرة، وتعيينه مجددا وزيرا للخارجية في حكومة نوري السعيد الثالثة عشرة، ومرحلة إحالته على التقاعد (مؤقتا). الفصل السابع، يتناول الوزارات التي شغلها برهان الدين، في المرحلة الثانية من عهد نوري السعيد، خلال الفترة (1957-1958)، حيث عين وزيرا للخارجية في حكومة «عبد الوهاب مرجان»، والفترة التي أصبح فيها وزيرا بلا وزارة، في حكومة نوري السعيد الرابعة عشرة، ثم تعيينه وزير الأنباء والتوجيه بالوكالة - في الحكومة ذاتها، ووزيرا بالأصالة. الفصل الثامن، يتناول انقلاب 14 تموز واعتقال برهان الدين، حيث يتعرض لحدث الانقلاب، ثم الاعتقال، والصعوبات التي لاقتها أسرة «باش أعيان» في البصرة، وجلسات التحقيق، فالمحاكمات. يفرد المؤلف الفصل التاسع لمرحلة المحاكمة والسجن وإطلاق السراح، وهو يبحث الفترة (4-10-1958 حتى 14-7-1961)، حيث يتعرض لمحاكمة برهان الدين والإجراءات التي اتخذت بحقه، وقرار التجريم وإصدار الحكم وفترة السجن قبل تخفيض الحكم، وما تبقى من سنوات السجن بعد تخفيض عقوبة الإعدام، ثم إطلاق السراح ومرحلة ما قبل مغادرة العراق. الفصل العاشر، يتناول المؤلف مرحلة الاغتراب، حيث أقام لفترات في كل من لبنان، والمملكة العربية السعودية. قبل أن يستقر فيها. الفصل الحادي عشر، يتناول مرض ووفاة برهان الدين. أما الفصل الثاني عشر، فتم تخصيصه لتقديم خلاصة تشمل سيرة المترجم له، والوضع السياسي العاصف في العراق خلال الحقبة التي عاشها هناك، وكان شاهدا على التطورات التي شهدها. * بين النيابة والوزارة عمل الشيخ «برهان» دبلوماسيا في عدّة مفوّضيّات وبعثات دبلوماسية وقنصليّات وسفارات عراقيّة في الخارج خلال الفترة بين عامي 1938 و1946، بما فيها المفوّضيّات والبعثات الدبلوماسيّة والقنصليات والسفارات العراقيّة في كل من «مصر» و«بريطانيا» و«إيران» و«تركيا» و«فلسطين»، ثمّ ترشح نائبا مستقلا عن لواء (أي محافظة) «البصرة»، ونائبا عن حزب الجبهة الشعبيّة المتّحدة، في البرلمان العراقي، وهو الحزب الّذي كان الشيخ «برهان» من كبار مؤسّسيه، والّذي كان فرع «البصرة» بالذات من الحزب المذكور من تأسيس الشيخ «برهان» نفسه، أيضا، وذلك خلال الفترة بين عامي 19447 و1954. وخلال الفترة بين عامي 1954 و1958، عيّن وزيرا للخارجيّة والأنباء (الإعلام)، في عدة حكومات خلال العهد الملكي في العراق، من بينها الحكومات التي ترأسها نوري السعيد، وعبد الوهاب مرجان وأحمد مختار بابان. * أحداث ساخنة يتعرض الكتاب للأحداث الهامة التي شهدها العراق والعالم العربي في الفترة التي عمل فيها برهان الدين باش في السياسة، إذ يقدم دراسة لانقلاب «بكر صدقي» - «حكمت سليمان» عام 1936 - 1937، وظروف الحرب العالميّة الثانية، وظهور حركة «رشيد عالي الكيلاني». وقد تزامنت هذه الفترة أيضا مع أحداث مفصليّة أخرى بالنسبة للعراق والعالم العربي، كان من أبرزها معاهدة «بورتسموث» العراقيّة - البريطانيّة أوائل عام 1948، وما تبعها من ردود فعل شعبيّة ونقابيّة وحزبيّة غاضبة، وثورة 23 يوليو في مصر على يد الفريق محمد نجيب عام 1952، وظهور جمال عبد الناصر، ودخول التنظيمات السياسية داخل الجيش العراقي حيث تشكلت بين صفوف الجيش العراقي أواخر عام 1952، خلايا سرية أسوة بتنظيم «الضباط الأحرار» المصري، حتى انقلاب 14 تموز 1958. في الفترة ذاتها كان الجوار العراقي ملتهبا وساخنا، فقد قامت معاهدة ميثاق بغداد، بين العراق وتركيا، ثم شملت دولا أخرى مثل باكستان، وإيران، وبريطانيا، وذلك بين عامي 1954 - 1958، وفي عام 1956 وقع العدوان الثلاثي على مصر، وقيام الوحدة العربيّة بين مصر وسوريا، مطلع عام 1958، والذي تبعه قيام الاتحاد العربي، كنواة بدأت بين العراق والأردن في فبراير (شباط) 1958. * انقلاب تموز في 14 تموز 1958 قامت مجموعة من الضبّاط وبعض الحزبيّين المدنيّين، ذوي الميول الشيوعيّة والقوميّة العربيّة والناصريّة والبعثيّة، وفي مقدّمتهم عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام عارف، بانقلاب أطاح بالعهد الملكي، وأدى إلى مقتل الأسرة المالكة العراقيّة ونوري السعيد وولده العقيد صباح السعيد، وعدد من المسؤولين العراقيّين. وتم تصفية رجال العهد الملكي بالقتل أو المحاكمة أو النفي، إذ حوكم ما يزيد على الثلاثين من رجال العهد الملكي، المدنيّين والعسكريّين، وبينهم برهان الدين باش أعيان أمام المحكمة العسكريّة العليا الخاصّة، وكانت المحاكمات علنيّة. وقد حكم على عدد من المتّهمين بأحكام متفاوتة، بين السجن القصير الأمد والسجن الطويل الأمد، بما في ذلك السجن المؤبّد، والإعدام وكان برهان الدين من بين الذين حكم عليهم بالإعدام، قبل أن يخفف العقوبة عنه، وبعد أن قضى فترة 3 أعوام في السجن، أطلق سراحه بعدها، وانتقل مع أسرته للسكن في بيروت مطلع عام 1962، ومن ثم، في أواخر عام 1963، انتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل مستشارا قانونيا لدى حكومتها حتى وفاته في أواخر عام 1975.

older | 1 | 2 | (Page 3) | 4 | 5 | .... | 8 | newer