Are you the publisher? Claim or contact us about this channel


Embed this content in your HTML

Search

Report adult content:

click to rate:

Account: (login)

More Channels


Showcase


Channel Catalog


Channel Description:

الشرق الاوسط جريدة العرب الدولية

older | 1 | .... | 3 | 4 | (Page 5) | 6 | 7 | 8 | newer

    0 0

    صحيح أن كتاب «ممنوع من النشر» الصادر حديثا عن «ذات السلاسل» لمؤلفه حمزة عليان يرصد تاريخ الرقابة في الكويت، إلا أنه أيضا ومن خلال هذه المتابعة، يرسم الصورة الرديفة، وبشكل غير مباشر، لمسيرة الصحافة والنشر في دولة الكويت، التي أعطت هذا البلد نكهة مضافة ومميزة لنظامه الديمقراطي، وتألقت مع تألقه حتى غدت منافسة لعاصمتي الثقافة العربية بيروت والقاهرة خلال فترة قصيرة. المؤلف من خلال خبرته الصحافية الطويلة، وتحديدا في مجال التوثيق والبحث، أجاد في العرض والبحث والتبويب، فجاء الكتاب يسيرا على الباحث والقارئ معا، اللافت أيضا يمكن ملاحظته في حجم وتعدد الوثائق التي ضمها الكتاب توثيقا للوقائع وشرحا لها، وهو جهد لا يمكن إغفاله للمؤلف في رحلته المهنية الطويلة. هو فعلا كتاب مرجعي يغطي جوانب مختلفة من أشكال الرقابة وما تعرضت إليه الصحافة الكويتية من «عقوبات» أدت إلى إيقاف بعضها عن الصدور أو سحبها من الأسواق وهو ما ينطبق على الكتاب الصادر في الداخل أو الوارد من خارج الحدود عبر الجمارك والمنافذ الشرعية. يعود تاريخ الرقابة في الكويت إلى بداية القرن العشرين.. ففي عام 1907 أصدر صاحب جريدة «العمران» في مصر عبد المسيح الأنطاكي كتابه المعنون بـ«الآيات الصباح في مدائح مولانا صاحب السمو أمير الكويت الشيخ مبارك باشا ابن الصباح». وهو كتاب باللغتين العربية والتركية، فقد وصلت نسخ من الكتاب إلى جمرك الكويت واطلع الشيخ ناصر بن مبارك الصباح على نسخة منه عرضها على الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، وبحسب ما نقله عبد الله الخالد الحاتم مؤلف كتاب «من هنا بدأت الكويت» (ص365)، قال الشيخ يوسف عيسى للشيخ ناصر بن مبارك: أنصح والدك أن يخفي هذا الكتاب، لأنه مجموعة مهازل وأكاذيب افتراها الأنطاكي، لا صحة لها بتاتا، وإن انتشر هذا الكتاب فسيكون أضحوكة الزمان عليكم بين أهل الكويت وغيرهم. فتكلم ناصر مع والده، وأمر بحبس الكتاب في دائرة الجمارك. في هذا الصدد، يقول المؤرخ عبد العزيز الرشيد «إن كذب عبد المسيح فيما ينشر من أغرب الكذب الذي سمعناه وشاهدناه، فإنه لم يقصر كذبه على الأقوال بل جاءنا بنوع من الكذب غريب، رسم منارة في الكويت مرتفعة شاهقة يخيل لناظرها أنها من إحدى منارات مصر أو سوريا أو العراق، ورسم أمام مسجدها بستانا نضيرا ملتف الأشجار وليس في مساجد الكويت ما يشبه هذا المسجد ولا في بعض الوجوه». الكتاب يجمع ثمانية فصول، الأول يتحدث عن البدايات ورقابة ما قبل الاستقلال، والثاني عن رقابة الخمسينات والستينات، والثالث يستعرض تاريخ المادة «35» وعلاقة الصحافة بالسلطة، والرابع يتوقف عند الرقابة المسبقة في المرحلة من 1986-1992، والخامس يروي قصة الرقابة على الكتب ومعرض الكتاب العربي، والسادس يختص بتعطيل المحاكم الذي طال الصحف والمجلات، والسابع يسلط الضوء على الرقابة الذاتية داخل الصحف، والأخير يتناول مشاهد ومحطات من الرقابة العربية والخليجية. الصحافي اللبناني رياض طه، الذي أصبح في ما بعد نقيبا للصحافيين، كتب في مجلة «الكفاح العربي» تقريرا بعنوان «ماذا في الكويت؟» يذكر فيه أنها سمحت بإدخال جميع الصحف العربية والأجنبية دونما رقابة ويستشهد بمجلة «الأحد» التي لم تمنع مرة واحدة من الدخول بينما منعت خمس سنوات من دخول العراق في عهد نوري السعيد بسبب حملتها على الاستعمار البريطاني! ويتوقف عند انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت بدعوة من حكومتها في عام 1958 وهو ما دفع حكومة عبد الكريم قاسم إلى الاحتجاج مما اضطرها إلى إغلاق جريدة «الفجر» الناطقة باسم النادي الثقافي القومي لمدة أسبوعين خلال فترة انعقاد المؤتمر. تاريخيا، يمكن التوقف عند مفصلين بارزين في تاريخ الرقابة على الصحف والمطبوعات، الأول يبدأ من عام 1976 وتحديدا يوم 29 أغسطس (آب) وهو تاريخ حل مجلس الأمة حلا غير دستوري، الذي استمر إلى عام 1981، علما أنه جرى تعطيل صحيفة «السياسة» أكثر من أربع مرات خلال عامي 1972-1973 واتهامها بتعكير صفو العلاقات بين الكويت ومصر، أما المفصل الثاني فيبدأ من 3 يوليو (تموز) 1986 وهو تاريخ حل مجلس الأمة للمرة الثانية وينتهي عام 1992. مرحلة 1976 تمثلت في أكثر من وجه، على المستوى الإجرائي أصدر أمير البلاد الشيخ صباح السالم الصباح أمرا أميريا يوم 29 أغسطس 1976 بقانون، بإضافة مادة جديدة إلى قانون المطبوعات والنشر تخول مجلس الوزراء سلطة تعطيل الصحف إذا تعارضت سياستها مع المصلحة الوطنية أو ثبت أنها تخدم مصالح دولة أو هيئة أجنبية. وفي جردة سريعة لصخب عام 1976 وما تلاه نجد أن خمس صحف ومجلات جرى إيقافها عن الصدور لفترات تتراوح بين عشرة أيام كحد أدنى وثلاثة أشهر كحد أقصى، وهناك ستة قرارات إيقاف مماثلة في 1977، واثنا عشر قرارا بالإيقاف في عام 1978، وأحد عشر في عام 1979، وستة قرارات في عام 1980، وخمسة في عام 1981، وآخرها قرار واحد في عام 1982، مع الإشارة إلى أن سيف الرقابة لم يقتصر على المنشورات المحلية وإنما على مختلف الصحف والكتب الوافدة من خارج الكويت. الدور الاستئصالي للرقابة ظهر بشكل بارز في مرحلة ما بعد تحرير دولة الكويت عام 1991، وإن كان حاضرا منذ زمن على مدى سنوات طويلة. استمرت عمليات المصادرة في السنوات اللاحقة بل تفاقمت إلى الأسوأ نتيجة الضغوط التي مارستها التيارات الدينية والتهديد باستجواب أي وزير يتساهل مع الرقابة والمنع، بحسب التقارير التي نشرها عدد من الصحف الكويتية. عندما تتصفح هذا الكتاب/ الوثيقة يمكنك تلمس الجهد والمتابعة الطويلة من مؤلف صاحب اختصاص، عايش غالبية ما جرى ذكره بالممارسة والمتابعة المهنية المباشرة.

    0 0

    لا أتصور أن هناك كتابة أدبية دون قراءة، فالقراءة أم شرعية للكتابة، وعندما اكتشفت القراءة وسحر العوالم المعرفية التي فتحت لي أبوابها على مصاريعها أدركت أني دخلت مغارة «علي بابا» العامرة بالكنوز، لذلك لا أنسي البداية التي أشرقت مع أحداث سياسية كثيرة في مطلع خمسينات القرن الماضي، خاصة بعد محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954، فقررت قراءة الصحف للتعرف على الحقيقة، ولفتت نظري مقالات طه حسين وكامل الشناوي وفكري أباظة وإحسان والخميسي وغيرهم، فجأة تفجر بداخلي غرام بالمعارف والكتب مصدرها الأول فتوجهت إليها حيث تكون.. استعرت واشتريت وسرقت ونقلت ثم لجأت إلى عشة الدجاج فوق سطوح بيتنا، وكانت غرفة غير مكتملة، فطردت الدجاج وحولت الغرفة إلى صومعة. قرأت كتاب «الأيام» لطه حسين، وتوفيق الحكيم و«ألف ليلة وليلة»، وعشرات الروايات المترجمة والروايات البوليسية، وقرأت كتبا عن سير الأعلام مثل الإسكندر ونابليون ومحمد على وصلاح الدين والرسول، صلى الله عليه وسلم، والمسيح، وعلي وعمر وإخناتون ورمسيس. قرأت كل الأدب الروسي تقريبا، شعرا ونثرا، وقرأت كذلك الأدب الفرنسي والإنجليزي، وأعجبني طاغور حتى أدمنته، ثم جبران، ومع الأيام استولى علي شوقي وحافظ وإبراهيم ناجي والشابي وأحمد رامي وبيرم التونسي وجاهين.. في بعض الأيام كنت أقرأ عدة كتب صغيرة في اليوم، وكان أمناء المكتبات يدهشون كيف أستعير الكتب وأعيدها في اليوم التالي وأستعير غيرها لأعيدها سريعا بعد الانتهاء منها. ترسخ في ذهني أن الشعراء والكتاب هم عيون وقلب الحياة.. هم من يجب اقتفاء آثارهم.. هم النور والعلم والمستقبل والفكر.. كلما قرأت كتابا أبصرت أكثر ومضيت أفكر فيما قرأته وأبني عليه، وكنت أغفل عن الطعام والشراب والنوم وتزداد عزلتي وتطول الساعات التي أقضيها بين الكتب حتى بدأت هواياتي الأخرى تتراجع تدريجيا لتسمح للقراءة بأن تحتل كل الوقت، حتى انبثقت الحاجة إلى التعبير. كتبت في البداية خواطر وتعليقات خاصة ومبتكرة من وحي ما قرأت، ثم انتقلت إلى الشعر العامي والفصيح وحصلت على بعض الجوائز في المسابقات. قرأت كل كتب مدينتي بنها، ولما سمعت بسور الأزبكية قررت ادخار كل مصروفي الشخصي طوال الأسبوع ويصل أحيانا إلى خمسين قرشا لأسافر إلى هذه السوق، مع حرصي على تجنب المحصل في الذهاب والعودة، لأن قرشا ينفق على غير الكتب تبديد مرفوض.. أسرع فور عودتي بالانقضاض على ما حملت من الكتب حتى أنتهي منها مساء الخميس فأمضي مع شروق شمس الجمعة إلى القاهرة لأشتري مجددا غذائي الأسبوعي. في أوائل الستينات أحسست أن الشعر لا يعبر عني تماما ويدفعني حبي للبسطاء والمهمشين كي أكتب عما تمور به نفوسهم، فانتقلت إلى القصة القصيرة تلك البلورة المشعة ونشرت أول قصة وعنوانها «الفوج القادم» بجريدة «المساء» عام 1966، وشجعني الدكتور محمد مندور وغيره من النقاد لتتوالى القصص والجوائز، وأتراجع عن الاستمرار في إعداد رسالة الماجستير في الفلسفة بعد أن قطعت معها شوطا كبيرا، فقد خامرني إحساس عميق مثل ما خامر نجيب محفوظ بأن الأدب هو طريقي، لكن السؤال المهم ظل يقتحمني، وهو: ما الذي يمكن أن أضيفه لجيلي ولمن سبقني من حيث الشكل؟ كانت الرومانسية والواقعية بدرجاتها والتسجيلية والانطباعية والتاريخية هي المذاهب السائدة، ولأنني أدرك أن اختيار شكل بعينه للتعبير من خلاله عن الموضوع ليس مجرد رغبة أو توجه قصدي، وإنما هو نتيجة لانصهار فكر وتجربة ومعاناة ومعايشة وثقافة وشعور، فقد رأيت الانتظار حتى ينبثق هذا الشكل من التجارب المتعددة التي يتعين أن أسلم نفسي لها منصتا برهافة لما تنوي العزف عليه أو الغناء له. عندما اجتاحت إسرائيل سيناء ومدن القناة عام 67 استولت علي رغبة ملحة كي أكتب رؤيتي القصصية عنها فكتبت روايتي الأولي «أشجان» التي بدأتها بحماسة وفوجئت بكل شخصية من الشخصيات تختطفني نحوها لأكتب عنها وحدها، ثم تختطفني الثانية فالثالثة، وهكذا خرجت رواية تسمى «رواية الأصوات»، ولم أكن قرأت من هذا النوع غير رواية الرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم، ثم ظهرت رواية «ميرامار» لمحفوظ في الاتجاه ذاته. وفي عام 78 أعلن السادات عزمه تغيير مادة الرئاسة في الدستور لتكون له مدى الحياة فظللت قلقا حتى كتبت رواية «السقف» التي تصور سقفا يضغط على سكان بيت بالتدريج حتى يدخلوا من الأبواب في انحناء وتتعدد صور الانكسار، رواية «روح محبات»، وبطلها ديك جميل نما وكبر حتى أصبح في حجم إنسان دفعته ذكورته لمضاجعة النساء. رحبت به نساء القرية حتى أنجب منهن جميعا ولما اكتشف الرجال آثاره في المواليد طاردوه وتتوالى الأحداث. وهكذا مضت الموضوعات تختار أشكالها وما أنا إلا عاشق مطيع. وفي سياق هذه الرحلة، أعكف حاليا على كتابة رواية تاريخية لأول مرة عن عصر محمد علي. * قاص وروائي مصري

    0 0

    على الرغم من تقديمه كفيلم مصور عن أدب الرحلات، يعد كتاب هومان مجد الجديد في حقيقة الأمر رواية عن شخص يعاني أزمة هوية. ويحظى موضوع الكتاب باهتمام كبير نظرا لمعاناة ملايين الناس في شتى أنحاء المعمورة من نفس المأزق، فهم يولدون في بلد، ثم يقضون حياتهم متنقلين بين عدد من البلدان، وفي النهاية ينتهي بهم الأمر للعيش في بلد آخر ذي ثقافة مختلفة خلال رحلة زمنية ممتدة تنقضي بسرعة كبيرة تكاد تصيب الإنسان بالدوار. تنحدر أصول عائلة مجد من قرية أردكان الواقعة على أطراف الصحراء الشاسعة في وسط إيران. وقد انتقل جزء من تلك العائلة، التي تضم فلاحين ورجال دين، للعيش في طهران، وبفضل كدهم وتعبهم بالإضافة إلى قليل من الحظ الجيد استطاعوا تسلق السلم الاجتماعي الذي وفره مشروع الحداثة الذي أطلقه شاه إيران رضا بهلوي قبل الحرب العالمية الثانية. أصبح أحد أجداد مجد من رجال الدين ذوي النفوذ وحصل على لقب آية الله، بينما دخل والد مجد السلك الدبلوماسي خلال عهد الشاه بهلوي الثاني. (وقد كان ناصر، والد مجد، دبلوماسيا قديرا ورجلا وطنيا من الطراز الأول، وقد شرفت بصداقته شخصيا على مدى عقود من الزمن). وقد حدث الانفصال الدرامي عن الماضي عندما قرر والد مجد أن يسميه «هومان»، وهو تحديث لـ«فاهومان»، أحد الشخصيات الشهيرة في الأساطير الزرادشتية قبل مجيء الإسلام. وقد قضى مجد جل حياته خارج إيران بسبب وظيفة والده الدبلوماسية، لكنه لم ينس أبدا أصوله وجذوره. وقد تصادف وجود مجد في الولايات المتحدة الأميركية عندما استولى الملالي على السلطة في طهران عام 1979، وظل هناك حيث حصل على الجنسية الأميركية، بيد أن ثورة الملالي كانت، بالنسبة لمجد، تحمل في طياتها بعض الإيجابيات، فقد استطاع بعض من أقاربه استغلال نفوذه الديني وركوب التيار السياسي الجديد، حتى إن واحدا منهم، وهو محمد خاتمي، أصبح رئيسا للجمهورية الإسلامية فيما بعد. وقد هجر مجد مسيرته في عالم الموسيقى ليتحول إلى الاشتغال بالسياسة، فعمل مترجما لخاتمي أثناء زياراته السنوية لنيويورك، كما كتب مجد الكثير من التحليلات السياسية عن إيران في عهد الخميني. وعلى هامش عمله السياسي، عمل مجد كوسيط لمشاهير مقدمي نشرات الأخبار في التلفزيون الأميركي خلال الزيارات التي كانوا يقومون بها إلى إيران. وعلى مدى عقد من الزمان، شعر مجد أنه ينجذب بشدة إلى إيران وإلى كل ما يتعلق بوطنه الأم إيران. وفي عام 2010، قرر مجد أن يختبر الحياة في إيران من خلال الانتقال للعيش على مدى عام كامل في طهران. في ذلك الوقت، كان مجد في أواخر الخمسينات من عمره وكان قد تزوج لتوه من شقراء نباتية من ولاية ويسكونسن وأصبح أبا لطفل سماه خشاار، وهو مصغر زيريكس (الشاه الذي ينتسب لأسرة الأخمينيين الذي أحرق أثينا). (وقد جرى اختصار خشايار إلى خاش على الطريقة الأميركية في اختصار الأسماء). ويعد الجزء الأكبر من الكتاب سردا للمعاناة والأحداث العصيبة التي واجهها مجد في طهران، حيث تتحول الأمور البسيطة، كاستئجار شقة على سبيل المثال، إلى معضلة معقدة أو حتى مغامرة خطيرة. وقد عاش مجد طوال العام الذي قضاه في طهران بهاجس مستمر وهو أنه قد يتهم في أي وقت بتهمة التخابر ومن ثم يجري احتجازه في إيران، واضعا نصب أعينه أن الملالي لا يفوتون عاما واحدا من دون أن يحتجزوا أميركيا واحدا على الأقل كرهينة. (في هذا الأثناء يحتجز الملالي خمسة أميركيين كرهائن). ورغم دخولها طهران بجواز سفر إيراني، كانت زوجة مجد الأميركية التي ولدت في ولاية ويسكونسن تشعر دائما بالقلق، بيد أن الابن خشاار تأقلم سريعا، إذ إن الإيرانيين يحبون الأطفال ولا يستطيعون مقاومة تدليلهم. وحتى يتأكد من أن أسرته لا تواجه أي متاعب، اتخذ مجد مزيدا من الاحتياطات، حيث قام بإطلاق لحيته التي لم تكن طويلة بالقدر الذي يثير المخاوف وليست قصيرة بالقدر الذي يغضب الملالي. أما زوجته، فاتخذت هي الأخرى بعد التدابير مثل لبس حجاب مناسب لها، وفي بعض المناسبات كانت تحاول التأقلم مع طريقة العيش في إيران من خلال التزام نفس طريقة الحديث التي يفضلها النظام الإسلامي الحاكم. واتخذ مجد أيضا بعض الاحتياطات الأخرى مثل تجديد الاتصال بأعضاء عائلته وأصدقائه النافذين في السلطة الحاكمة. وقد كان أحد أقاربه واسمه علي، وهو شقيق الرئيس الأسبق محمد خاتمي، مفيدا جدا في كثير المواقف، حيث كان يساعد الأسرة في قيادة سيارتها في شوارع طهران المزدحمة. وكان صديقه، صادق خرازي، مفيدا في التخفيف من المعاملة الخشنة التي كان مجد يلقاها من السلطات الإيرانية، فصادق كان مقربا من المرشد الأعلى على خامنئي، حيث كان يدير إحدى المؤسسات البحثية التابعة للأخير، لدرجة أن البعض في طهران يعدون صادق وزير خارجية الظل لخامنئي، على الرغم من أن المرء قد يرى أن محمد جواد ظريف، وزير خارجية إيران الرسمي، قد يكون مجرد ظل. وبناء على قرابته لعائلة خاتمي وبالتالي قرابته لأسرة آية الله الخميني، الملا الذي أسس النظام الإسلامي الحاكم في إيران، يظهر مجد تعاطفا واضحا مع الفصيل الذي يقوده الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني. وقد جرى وضع الكتاب عندما كان محمود أحمدي نجاد، الذي يعده مجد مغتصبا للسلطة، رئيسا للبلاد في ذلك الوقت، بيد أن الكتاب جرى نشره بعد أن ترك «المغتصب» السلطة وشغل ملا آخر، وهو حسن روحاني، الكرسي الرئاسي الذي يعده الملالي حقا أصيلا لهم. وعلى الرغم من علاقاته المقربة بالملالي، يعترف مجد بحيادية بأن الأسلوب الشعبي الذي تبناه أحمدي نجاد في سياساته قد يكون قد أكسبه بعض الدعم من بعض شرائح المجتمع الإيراني. يتضمن الكتاب الكثير من الفقرات التي تلقي الضوء على أسرار ما يدور بداخل نظام إيران الغامض. ويوضح مجد في كتابه أن الملالي قد قسموا المجتمع الإيراني بالفعل إلى قسمين: قسم يضم المقربين إلى رجال الدين وقسم يضم «الآخرين». أما أولئك المقربون إلى رجال الدين فيتمتعون بمزايا هائلة، كما أنهم مسموح لهم بهامش من المعارضة محروم منه آخرون في المجتمع الإيراني. ويجري التعامل مع أولئك «الآخرين» عن طريق أجهزة قمعية تقوم بعمليات اعتقال جماعية بدلا من عمل مذابح للناس في الشوارع. ويعتقد مجد أن المعارضين الإيرانيين ليس عندهم همة وغير موحدين، حتى أنهم لا يشكلون أي تهديد للنظام الحاكم في طهران، كما يعتقد أن الملالي سوف يستمرون في حكم إيران في المستقبل القريب، وهذا ما حدا به إلى أن يحث الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى للتوصل لصفقة مع الملالي. ويؤكد مجد أيضا في كتابه أن اللواء قاسم سليماني الذي يقود فيلق القدس، وهو فرقة عسكرية مسؤولة عن «تصدير الثورة»، إذ يقول إنه جرى التحقق أخيرا من أن اللواء سليماني، الذي يدير حزب الله في لبنان، هو الذي يضع الخطط الاستراتيجية للرئيس السوري بشار الأسد في حربه ضد معارضيه. ويوضح مجد أن العالمين ببواطن الأمور في النظام الحاكم في طهران يثقون ثقة كبيرة في سليماني، حتى إنه سمع خرازي يقول: «إنني على استعداد أن أضحي بنفسي من أجله». الأكثر من ذلك أن الرئيس السابق محمد خاتمي وصف سليمان بأنه «المسؤول الأكثر اطلاعا والأكثر مهنية» الذي عمل معه خلال فترة رئاسته. يقول مجد في كتابه، إن خاتمي «كان يعتمد على سليماني أكثر من اعتماده على وزير الخارجية أو حتى على السفارات الإيرانية في المنطقة». ويتسم وصف مجد للصراع بين الهويات المختلفة بالروعة، فالرابطة التي تضرب بجذورها في التاريخ لآلاف السنين، وهي الهوية الإيرانية، من الصعب على الغرباء أن يكتسبوها مهما بلغت مقدرتهم على التأقلم خارج بلادهم. وفي المقابل، يستطيع أي شخص أن يصبح أميركيا إذا أراد ذلك بكل بساطة. غير أن النظام الأميركي يسمح للفرد بأن يطور هوية خاصة به من خلال خليط من الوصفات التي يريدها هو. ففي الولايات المتحدة، يمكن لمجد بمنتهى البساطة أن يكون أميركيا من أصل إيراني، لكن في إيران، لا يجلب هذا الخليط إلا المشكلات، بيد أنه تبقى الحقيقة أن مجد يرغب في أن يعيش بهاتين الهويتين، حيث يقضي شطرا من حياته في طهران ويقضي الشطر الآخر في نيويورك، وينتقل من عالم إلى عالم آخر كما يفترض على إنسان ما بعد الحداثة أن يفعل من دون أن يواجه أي صعوبات. وفي النهاية، تبقى جاذبية الهوية الأميركية أكثر قوة لدى مجد، لكنه لن يتوقف عن حبه الشديد لإيران، بيد أنه عانى في إيران من فقدانه لممارسة أي نوع من الحريات التي يتمتع بها في الولايات المتحدة، فكوب من قهوة ستاربكس في أميركا يتحول إلى كعك ماديلين في إيران. أما الفصل الأخير من الكتاب فيحمل عنوان «الوطن»، أي نيويورك، التي اختارها مجد في النهاية وطنا له.

    0 0

    يظل الكتاب المسيحي المقدس (البايبل)، على رأس قائمة الكتب التي يشتريها الأميركيون. ثم تأتي روايات قديمة مثل: «غريت غاتسبي» (حياة الأغنياء، للروائي سكوت فتزجيرالد، عام 1925)، و«كيلنيغ موكينغبيرد» (مجتمع ولايات الجنوب، بيض وسود، للروائية هاربر لي، عام 1960)، و«مغامرات هاكلباري» (مغامرات طفلين: الأبيض سويار، والزنجي جيم، للروائي مارك توين، عام 1885)، و«أولد مان آند سي» (الرجل العجوز والبحر، رواية إرنست همنغواي عن حياة صياد، عام 1952). بالإضافة إلى هذه الكتب التاريخية، يقرأ الأميركيون، كتبا جديدة بالطبع في الوقت الحاضر، هذا بعضها: «جين فرانكلين» (شقيقة بنجامين فرانكلين، من الآباء المؤسسين، ومخترع وفيلسوف. لكن هذا الكتاب عن شقيقته). «اشربي» (بحث اجتماعي ونفسي وعلمي عن شرب النساء الكحول، كتبته امرأة كانت مدمنة، ثم شفيت). «ساينتولوجي» (انتشار دين: «العلميين» وسط ممثلي وممثلات هوليوود. أخيرا، اقتنع هؤلاء بأن الإنسان ضعيف، وإلى زوال. ويركزون على أخطاء الماضي بهدف التوبة. مؤلف الكتاب كتب أيضا: «القاعدة والطريق إلى هجمات 11 سبتمبر). «شكرا على خدماتكم» (لقاءات مع جنود عادوا من حرب العراق، والمشاكل النفسية التي يعانونها)». وهناك روايات تأتي في مقدمة الكتب التي يشتريها الأميركيون، منها: «كونستيليشن» (رواية من الشيشان، للصحافي الأميركي أنتوني مارا، عن معارك القوات الروسية هناك، من خلال نظرة طفل شيشاني). «غود لورد بيرد» (عن قصص حب وحرب مع نهاية الحرب الأهلية الأميركية، وقعت أحداثها بالقرب من واشنطن العاصمة). «الابن» (رواية تعبر مائتي سنة، من الحرب ضد المكسيك إلى الحرب ضد الإرهاب. من وجهة نظر وطنية وحماسية أميركية). «امرأة في الطابق الأعلى» (عن متعلمة، ومثقفة، وناجحة، وغنية. لكنها لم تنجب. عن الخطأ الحقيقي: عدم الإنجاب). في عصر الإنترنت، ليست الكتب فقط مطبوعة على ورق، فقد انتشرت الكتب الصوتية، وحتى كتب «إنتراكتيف» (التفاعلية)، حيث يقدر القارئ على مخاطبة المؤلف ونشر آرائه هو. من هذه الكتب الصوتية: «حياة بعد حياة» (رواية عن مشاكل في حياة بريطانية مع بداية القرن العشرين). «واحدة» (أيضا، رواية عن ما مرت به امرأة. هذه أميركية في نيويورك). «صيف 1927» (عن أحداث ذلك العام. قبل الانهيار الاقتصادي، وقبل هتلر، وقبل إصلاحات الرئيس روزفلت. عن أميركا تنتقل بين القديم والجديد). وفي عصر الهاتف الكاميرا، لا تقل أهمية الصور عن الكلمة. وانتشر حب التصوير مثلما انتشر حب الكتب المصورة. من أشهر هذه الكتب حاليا: «الجبل يرسل لونا أغبر» (صور تأثير المناجم على سكان مدن صغيرة في الغرب الأميركي). «أمتيشوشي» (كلمة يابانية عن الأرض والسماء. وصور الكتاب تأملات في الطبيعة بنوعيها: الجميلة والغاضبة، مثل «سوماني»). «حديقة أريس» (كتاب يجمع كتب الصور في المستقبل: يشترك فيه أكثر من شخص، كل واحد بصورة. ويقدر آخرون على الاشتراك بصورهم). وهناك «غرافيك بوكز» (الكتب المرسومة). في الماضي، كانت هذه الكتب مخصصة للأطفال، ومع تطور التكنولوجيا وقدرة الإنترنت على نشر الرسومات (وليس فقط الصور)، ظهرت كتب مرسومة صغيرة للأطفال، وأخرى للكبار. وصارت تبيع كثيرا، ربما لأن بعض الناس سئموا كتبا من دون صور، ومن دون رسومات. من هذه الكتب: «مارش» (مظاهرة عن حياة عضو الكونغرس الأسود جون لويس، واحد من قادة مظاهرات الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي). «كاشوال» (عشوائيا، عن رسومات صاحب الكتب العجيبة والغريبة، وفيها فرص للتأمل، سلبا أو إيجابا). «بوكسارز آند سينتز» (رسمها وكتب قصتها، أميركي من أصل صيني. وهي عن الخلاف القديم، وليس الحديث، بين الصين والغرب. هذا عن تصدير الغرب للمخدرات إلى الصين في القرن التاسع عشر، وتصدير الغرب للمسيحية إليها، في نفس الوقت أيضا).

    0 0

    توقظ البنت والدها.. تلبسه ثيابه.. البنت، تحضّر الشاي والإفطار لوالدها.. تأخذه إلى شقتها الخاصة وترعاه بعيدا عن شقة العائلة.. ثم تأخذه معها إلى ميدان التحرير بعد أن وافقت على إلحاحه. هي خائفة عليه، وهو يريد أن يرى الثورة التي حلم بها وحاكمته أنظمة سياسية متلاحقة بسبب هذا الحلم.. وها هي الثورة الآن في ميدان التحرير في القاهرة. الأيام الأخيرة من يناير (كانون الثاني) عام 2011. البنت هي الكاتبة دنيا، والأب هو والدها كمال القلش، والرواية اسمها «سيجارة سابعة» (دار «ميريت» - القاهرة). لكن لعل القراء لا يعرفون إلا في نهاية الرواية أن الأب كان قد رحل عن عالمنا قبل ذلك بسنوات. أعرف أنا ذلك لأني رافقته رحلة حياة ومرض وموت. هو كان زميل زنزانتي في معتقل الواحات الخارجة (1962 - 1964) بعد محاكمات عسكرية لكلينا.. هو سبق بسنوات خمس متواصلة في السجون والمعتقلات المصرية.. لم يكن قد تزوج بعد، ولم تكن دنيا قد ظهرت إلى «الدنيا». من هنا شكلت لي الرواية وبشكل خاص نستولوجيا معقدة وأحاسيس مركبة مرتبطة بالابنة التي أعرفها منذ طفولتها، وبالثورة التي نحاول أن نفهم ما جرى لها، وبالكتابة عن الثورة بطريقة فيها كثير من الحميمية، وإعادة بعث علاقة خاصة بين ابنة ووالدها بكل ما في هذه العلاقة من تناقضات ومتاعب ومباهج وأحزان. بعد الإفراج عن المعتقلين السياسيين اليساريين والماركسيين في أبريل (نيسان) 1964 بمناسبة زيارة الزعيم السوفياتي خروشوف إلى مصر.. خرجنا جميعا من المعتقلات وتفرق معظمنا «إيدي سبا» عدا قلة تواصلت طويلا وكثيرا. من هذه القلة كان كمال القلش الذي تواصل معي ومع آخرين. بقيت متواصلا معه سنوات حياته كلها بعد المعتقل، حتى رحيله قبيل الثورة بسنوات قلائل. في البداية حينما كنت أزوره بعد أن تزوج كلانا وأنجب كنت أرى البنت دنيا في أرجاء الشقة.. ثم سافرت ورجعت إلى مصر لأسافر مرات أخرى إلى بلاد مختلفة لتكبر دنيا ابنة صديقي وأعرف أنها تدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة. كنا نلتقي بالصدفة في بيت الأب حينما أكون في زيارة لمصر.. وكانت تحب الجلوس إلينا وتستمع إلى حواراتنا وجدلنا. لألتقي بها بعد وفاة الوالد مرة بالصدفة في الطريق العام، لأعرف أنها تعمل «فري لانس» في قناة فضائية شهيرة وأنها تسافر كثيرا. قالت إنها كتبت رواية قصيرة أعطتني إياها وطالبتني بأن اقرأها وأن أبعث برأيي فيها إليها. ثم تختفي مرة أخرى وتظهر مع صدور هذه الرواية، التي أعطتني إياها - أيضا - وطلبت رأيي - أيضا - فقرأتها باهتمام وقلت لها رأيي. اهتمامي بالرواية نابع من اهتمامي بالشخصيتين الأساسيتين في الرواية أيضا وفي الحياة: صديقي ورفيقي كمال الذي رحل، والذي تقوم ابنته «بإيقاظه» من نومته الطويلة تأخذه معها إلى الميدان. واهتمامي بالابنة.. ابنة السياسي والكاتب القصصي والروائي (رواية واحدة هي «صدمة طائر غريب» وبضع مجموعات لقصص قصيرة)، فهي تهتم بالسياسة مثل والدها وتكاد تحترف الكتابة الإبداعية مثله أيضا. اهتمامها؛ حرفي أيضا، يتمركز حول رغبة البنت في أن يشاركها والدها (المتوفى) بضعة أمور.. هي أيضا تريد أن تقدمه لأصدقائها، ولعل هناك صديقا محددا له وضع خاص، تريد من والدها أن يتعرف عليه! أن تعرف موقفه من ثورة جديدة الطابع لا علاقة لها بالثورات التقليدية (من وجهة نظري)، فهو المشارك في التنظيمات السرية تحت الأرضية لكن ليس في ثورة علنية.. أن تقدمه «لأصدقائها» الشباب الذكور من ثوار ومن مبدعين ومن محبين، وهي التي لم تكن تستطيع (ولعلها لم تجرؤ) على أن تقدم هذا النمط من الأصدقاء لوالدها حينما كان حيا يُرزق. إذن أجد نفسي في وضع غريب ومبهج ويدعو للأسى أيضا بعض الشيء.. فها هو رفيق درب عاجلته المنية قبل أن يرى «الثورة» التي ضحى من أجلها والتي كنا - صراحة - لا نعتقد أننا سنراها.. لكن الأقدار وفرت بعضنا، وأبقت على بعضنا لكي يشاهد أعجوبة مصرية خالصة وخاصة.. وها هي ابنة رفيقي تشارك في الثورة التي حضّرت لها أجيال متعاقبة من المناضلين المصريين ومنهم والدها وجيله. ولما لم تجد والدها بجوارها، أخرجته من أكفانه وألبسته ثيابه وأخذته إلى شقتها الخاصة والى «الثورة والشباب». قرأت الرواية منبهرا بالفكرة.. فهي تطبخ لوالدها الطعام الذي يحبه، وتصف التحضير للطعام بدءا بالتسوق واختيار حبات الطماطم والباذنجان.. إلخ.. مرورا بعملية الطبخ وانتهاء بتقطيع السلاطة بالطريقة التي يفضّلها. تحضر له دواءه، وتذكره بتناوله.. تقول له على برنامج يومها في الميدان وأين سيكونان. هي خائفة عليه من الغازات الخانقة فهو مصاب بأزمة قلبية مع ضيق تنفس.. كان قد أجرى عملية القلب المفتوح قبيل وفاته بسنوات قلائل. تخشى أن يصيبه حجر طائر أو رصاصة طائشة. سوف نسمع تعليقات والدها.. إعجابه بالثوار الشباب.. وقفاته معهم في ميدان طلعت حرب. سوف نقلق معه حينما تتأخر دنيا عن موعد عودتها إلى الشقة التي «أخذته» إليها.. سيفتح لها الباب صائحا فيها معبرا عن قلقه وترتمي هي في حضنه باكية وهو أيضا لا يستطيع مغالبة دموعه. سوف نفهم موقف الأب من الثورة.. بالتحديد ما تعتقده دنيا، الابنة الراوية؛ ما سيكون موقف والدها من الثورة. لم أعرف بالطبع ماذا سيكون موقف كمال القلش الوالد من الثورة.. لأن جيلنا اتخذ عدة مواقف من الثورة وحاول أن يطبق على هذه الظاهرة الثورية القوانين الماركسية التقليدية.. وبالطبع فهو أمر خاطئ، لأن هذا معناه وضع العربة أمام الحصان وليس العكس. تحادثنا كثيرا أنا ودينا كمال عن الثورة.. لم أقل لها رأيي، لكني كنت أريد أن اسمعها هي. فهي كانت «تداوم على الحضور» إلى التحرير مرة في الأسبوع في البداية حينما تركب الطائرة من البلد الذي تعمل فيه وتحضر إلى القاهرة لتقضي الـ«ويك إند» مع الثوار في الميدان. ثم تركت عملها في النهاية والتحقت بدوام يومي بالتحرير. بالطبع حدث لها ما حدث للكثيرين من إحباط وهي ترى الثورة يتم اختلاسها، وترى الثوار ينشغلون بخلافاتهم الصغيرة ثم ينصرفون إلى بيوتهم.. إلخ أهمية هكذا عمل أنه غير مسبوق في الإبداع المصري المعاصر من أكثر من ناحية.. فهو عن الثورة وقد ساح مداد كثير في كتابات إبداعية عنها، قليل منها موفق.. وهو عن بنت ووالدها والعلاقة الدقيقة بين الاثنين وفارق عمر نحو نصف قرن بينهما.. ثم هو إنجاز لفعل «المشاركة» الخاصة بين جيلين ورؤيتين عن الثورة.. تفصل بينهما عدة أجيال ومياه كثيرة تجري بلا انقطاع. ثم تجربة «رفض الموت»، وهي تجربة أيضا نادرة في الثقافة العربية لم تظهر بوضوح إلا في ألف ليلة وليلة باعتبارها فعلا فانتازيا له علاقة بالسحر والجان. لأن دينا المؤمنة لم تستطع أن تقبل فكرة أن يغادرها والدها بدون سابق إنذار هكذا.. فقررت استدعاءه وتطييب خاطره بعد أن كانت لا تحب له أن يتدخل في حياتها الخاصة. ها هي تدخله معها في الثورة وفي أصدقائها وتؤمن بأنه لا يزال حيا يرزق ويتنفس ويقول رأيه في ما يحدث حوله وحولها ولها!

    0 0

    لا تزال ذكريات الطفولة ونشأتي في أسرة متحابة ومترابطة جدا تداعب مخيلتي، أستعيد معها ذلك المشهد القريب إلى قلبي وأنا أجلس مع أمي وهي تشجعني وتحثني على القراءة، وتخصص لها وقتا خاصا من يومي. وبفضل تشجيع أمي لي أحببت القراءة. فقد كانت تحرص على أن تشتري لي الكتب والمجلات، وأذكر منها سلسلة «كتابي» لحلمي مراد، وسلسلة «الريدردايجست» التي كانت بداية معرفتي واطلاعي على الأدب العالمي في فترة الطفولة. ككل الأطفال، جذبتني قراءة سلاسل «ميكي» و«سمير»، لكني انطلقت منها إلى أفق أوسع نحو السلاسل الأدبية العربية والعالمية، لأقرأ لكبار الكتاب في مرحلة الصبا وبداية الشباب. فقرأت لنجيب محفوظ، وفتحي غانم، وإحسان عبد القدوس. كما كنت معجبة جدا بشعر نزار قباني، وما زلت أذكر أن أول ما اشتريته من دواوين شعرية كان ديوان «قالت لي السمراء». بعد تخرجي في الجامعة اختلفت قراءاتي، وزاد اهتمامي بالكتب الفكرية والدراسات الاجتماعية. ونتيجة التحاقي بأكاديمية الفنون فقد عززت دراستي بقراءة كتب عن الموسيقى والفن التشكيلي. لكني لم أتوقف عند القراءة في التخصص، إذ لا شك أن تراكم القراءات يغير ويشكل الوعي من دون قصد، وبفضل ذلك اتسعت مداركي لاستيعاب الاختلاف واحترام وجهه النظر الأخرى. لم يكن دخولي عالم الكتاب مجرد تسلية أو حتى ثقافة، وإنما كانت هناك كتب لها أثر كبير في حياتي، أهمها كتاب «الجنوبي» للكاتبة عبلة الرويني. لقد اختلفت تماما بعد قراءة هذا الكتاب، وسعيت للتعرف علي مؤلفته لتأثري الشديد به. ونشأت بيننا صداقة من أهم صداقات عمري التي أثرت في مجرى حياتي كلها. وأذكر أنني تعرفت على عبلة في عرض مسرحي بالصوت والضوء، ضمن فعاليات مهرجان المسرح التجريبي. ومن يومها ونحن أصدقاء جدا. وأعترف بأن لعبلة دوائر ثقافية عربية كبيرة، من خلالها تعرفت على المسرح العربي عن قرب، وصار بعض كتاب المسرح وممثلوه ومخرجوه أصدقاء شخصيين. لذلك أدين لـ«الجنوبي» وكاتبته عبلة الرويني بالفضل الكبير في مسيرتي الثقافية. لم يعد يجذبني أي كتاب. فبعد هذه العشرة الطويلة والعلاقة الوطيدة مع الكتب أصبحت أدقق في اختيار الكتاب شكلا وموضوعا. فلا أستطيع الاستمتاع بقراءة كتاب قبل فحصه وتأمله من حيث طباعته، ونوع الورق، وشكل الغلاف، خاصة بعد أن اتجهت إلى عالم النشر الذي اخترته بكامل إرادتي، ووجدت نفسي فيه، وحللت مفاتيحه وما استغلق علي من أسراره. كقارئة، لفت نظري في عالم الكتب والمكتبات العربية النقص الكبير في الكتب العلمية والمترجمة. ولا أقصد الكتب العلمية الدراسية، بل كتب الثقافة العلمية، تلك النوعية من الكتب التي تقدم معرفة عامة لقارئها. لذلك شهدت رحلتي مع الكتاب محطة محورية في حياتي، تحولت، بعدها، من قارئة للكتاب إلى صاحبة دار نشر لرعاية هذا الجانب العلمي الثقافي المهم. شجعتني على ذلك صداقتي مع رموز الترجمة العلمية وأساطينها، حين تزاملنا في لجنة الثقافة العلمية في المجلس الأعلى للثقافة في مصر مع العالم الدكتور أحمد مستجير، وشوقي جلال، ود.سمير حنا صادق، ود.مصطفي فهمي. وقد أكد الراحل د. سمير سرحان - رئيس الهيئة العامة المصرية للكتاب وقتها - على احتياج القارئ العربي لمثل هذه النوعية من الكتب. وكان أول كتاب نشرته في هذا المجال، من مؤلفات د.أحمد شوقي، أستاذ الوراثة في جامعه الزقازيق. ثم توالت الكتب المترجمة التي نشرتها، وكلها في مجال الثقافة العلمية، حيث لاقت رواجا هائلا من خلال مشروع «مكتبة الأسرة»، الذي أسهمت فيه دار «العين» بأول سلسلة كتب علمية. بعد سنوات قليلة من احتكاكي بسوق النشر في العالم العربي أدركت أن نوعية واحدة من الكتب لا يمكنها أن تنافس في عالم النشر، فاخترت التنوع. ومن الأسماء الأولى التي نشرت لها د.جلال أمين، وحسين أمين، والشاعر فاروق شوشة، ود.فاروق الباز، والطيب صالح. وتوالى بعدها النشر لأسماء أخرى ومن أجيال مختلفة. من العلامات الفارقة في رحلتي مع الكتاب اشتراك دار «العين» في مشروع «كلمة» للترجمة الذي أطلقته هيئة الثقافة والتراث في أبوظبي. وكنت الناشرة المصرية الوحيدة التي شاركت بكتاب مطبوع في حفل إطلاق هذا المشروع الضخم. ومن العلامات البارزة الأخرى في مسيرتي كناشرة أن ثلاث روايات من بين منشوراتي احتلت مكانة في القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» العربية، هي رواية «وراء الفردوس» لمنصورة عز الدين عام 2010، و«رقصة شرقية» لخالد البري عام 2011، و«عناق عند جسر بروكلين» لعز الدين شكري 2012. * ناشرة دار العين

    0 0

    ثمة حياة أخرى، دائما، بعد الفوز بجائزة الغونكور، هذه الجائزة التي تبلغ قيمتها المالية 10 يوروات، ولكنها تضمن مبيعات بمئات الآلاف. وهذا ما أكده فرنسوا فايرغان، الفائز بهذه الجائزة سنة 2005. وهي ليست فقط مظهرا من مظاهر النبل والشرف، بل تتخطاه إلى «العيش الرغيد ما بين الفنادق والأسفار». ولعل فايرغان على حق، فنادرا ما استطاع فائز بهذه الجائزة أن يبدع رواية أفضل وأقوى من الرواية الفائزة، هذا إذا استطاع مواجهة ضغوط وإكراهات الفوز، وقرر مواصلة الكتابة. والقائمة كثيرة. وحتى فرديناند سيلين الذي أوشك على الفوز بالجائزة سنة 1932 لولا دسائس خبيثة لا أدبية حالت دون ذلك، لم يستطع، رغم حياة مديدة وصاخبة وثرية، أن يبدع نصا أفضل من رواية «سفر في آخر الليل»، التي نالت جائزة رونودو، كعزاء. وها هي سبع سنوات قد انقضت على فوز فرنسوا فايرغان بالغونكور ولم يستطع كتابة رواية جديدة بعدها، رغم إلحاح أوليفيي نورا مدير دار النشر «غراسي». وكما هو معتاد في بداية نوفمبر (تشرين الثاني) من كل سنة عرفت أسماء الفائزين بأهم الجوائز الأدبية الفرنسية، لهذه السنة، وعلى رأسها الغونكور ورونودو وفيمينا والجائزة الكبرى للرواية التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية. وتعد لحظات الإعلان عن الجوائز الأدبية الفرنسية لحظة «فرنسية» بامتياز، لا يزال الفرنسيون ينتظرونها بنوع من الشغف رغم الأزمة الاقتصادية وتصاعد موجة غير مسبوقة من العنصرية والإسلاموفوبيا، ويقول الناشر أوليفيي فريبورغ عنها: «إن موسم الجوائز هو اللحظة السياسية للحياة الأدبية الفرنسية، وهو المعادل للانتخابات التشريعية بما تتطلبه من حملة انتخابية ومناورات وتصويت وفائزين وآخرين لم يحالفهم الحظ». وقد حصل كريستوف أونو - ديت - بيوت هذه السنة على جائزة الأكاديمية الفرنسية عن روايته «الغوص». والرواية تحكي قصة صحافي يحقق في وفاة زوجته في إحدى شواطئ بلد عربي، وقد رحلت ضحية بحثها عن الحرية تاركة وراءها زوجا وولدا صغيرا يهيمان بها حبا. وأما جائزة الغونكور، وهي من أهم هذه الجوائز، فإن المتتبع للرواية الفرنسية المعاصرة يكتشف، مرة أخرى، غياب أي تشويق عرفناه في سنوات ماضية، حين تكون المستويات متكافئة تقريبا، وبالتالي تجد لجنة التحكيم صعوبة في الحسم. لقد كان معظم المراقبين وكتاب الصحافة الثقافية والمكتبيون يراهنون على اسم الروائي والسينمائي بيير لوميتر، منذ البداية، وهو ما كشفت عنه مجلة «ليفر إيبدو»، حين استطلعت آراء مسؤولين ثقافيين في مجلات وجرائد ثقافية، فكشف استطلاعها عن كون أكثر من 70 في المائة منهم لا يرون فائزا منتظرا غير بيير لوميتر. عودة النفس الروائي إلى الرواية «الشعبية» الفرنسية هو الذي ميز جائزة هذه السنة، حيث إن رواية بيير لوميتر «أوروفوار لا هو» تمتد على 500 صفحة. والحقيقة أن قرار لجنة التحكيم جاء متوافقا مع القراء الذين كانوا أكثر من 90 ألف مشتر، وتذهب التوقعات إلى أن مبيعات الرواية ستتجاوز، بسهولة، رقم 400 ألف نسخة. ولأن كواليس الجائزة وصراعات دور النشر لا تخفى على أحد، فإن هذا الإنجاز هو الحادي عشر الذي تعرفه دار النشر «ألبان ميشال». وقد كانت كلمة برنار بيفو، وهو عضو في لجنة التحكيم وناقد أدبي في صحيفة «لو جورنال دي ديمانش»، مؤثرة حيث «حيى هذا المزج بين الكتابة السينمائية والرواية الشعبية، بالمعنى الجيد للكلمة». كما أن موضوع الرواية، وهو مقتبس من قصة حقيقية، كان حاسما بتركيزه على سياق ما بعد الحرب الكونية الأولى، التي تقترب مئويتها الأولى. الرواية ترسم علاقة صداقة لا تنفصم عراها تربط جنديين، أحدهما من عائلة مرموقة، في جبهة الحرب في نوفمبر 1918 أصيب أحدهما بشظايا وتشوه إلى الأبد. وامتدت الصداقة إلى باريس في ظروف ما بعد الحرب القاسية. لا يزال الرجوع إلى الماضي يخلق روايات مهمة تحظى بقراء ومشجعين. وهذا الكتاب هو أول رواية، بالمفهوم الأدبي، يكتبها بيير لوميتر ولا علاقة لها بالأدب البوليسي. وقد حظيت الرواية فور صدورها بترحيب كبير من قبل المكتبات ونالت جائزتين (جائزة الرواية الفرنسية المفضلة لدى المكتبيين وجائزة مكتبيي مدينة نانسي). وهو ما يفسر عودة الدفء إلى الرواية التاريخية، بعد مرحلة طويلة من التجريب الروائي والعبر الأجناسي. أما جائزة رونودو فكانت من نصيب يان مواكس الروائي والمخرج السينمائي والناقد في ملحق صحيفة «لوفيغارو» الأدبي، وقد ظهرت موهبته مبكرا، فنال سنة 1996 جائزة الغونكور التي تمنح لأول رواية، عن روايته «ابتهاج إلى السماء»، ومن حينها وهو يدبج الروايات والأفلام والكتب الهجائية («الجنس» و«تنظيم القاعدة» و«الصراع مع الأب» وغيرها)، مقسما الوسط النقدي بين متقبل ومنتقد، إلا أن كتابه الضخم الأخير «ولادة» (الصادر عن دار «غراسي») الذي يمتد على 1143 صفحة، وهو عبارة عن نص أوتوبيوغرافي، وكرسه لتصفية الصراع مع والده، حظي باستقبال جيد من قبل الوسط الأدبي وبتسامح كبير. وتتخلل الكتاب فقرات قاسية، لا تطاق، عن العلاقات المتوترة بين الكاتب ووالده (الأستاذ الجامعي) إلى درجة عدم اكتراث الوالد لفوز ابنه بجائزة الغونكور التي تمنح للكتاب الأول. لكأنه كان يتوجب على يان مواكس أن يقتل أباه، فرويديا، حتى ينال اعتراف الوسط الأدبي الباريسي. وقد حظيت دار النشر «غراسي» بجائزة إضافية، حيث فازت الكاتبة الكاميرونية ليونورا ميانو بجائزة فيمينا للرواية، وتتخذ من الرق موضوعا لها، فيما خطف جان - بول ورافائيل أنتهوفن جائزة فيمينا للدراسات عن «قاموس بروست العاشق». بينما فاز الروائي الأميركي الكبير ريتشارد فورد بجائزة فيمينا عن أفضل رواية أجنبية. وامتازت هذه السنة بغياب أسماء عربية أو من أصول عربية عن مراحل التنافس الأخيرة، لعلنا سنقرأ عن بعضها في الدخول الأدبي الثاني، أي في شتاء 2014.

    0 0

    أختلف عن الكثيرين، حيث لم يكن لنشأتي دور في اهتمامي بالكتب، ربما هو الفضول الشخصي إلى معرفة النهايات: نهايات قصص مسلسلات الإذاعة، وقصص المداحين في مولد النبي، الذي كان يمتد أسبوعا في قريتي، وتستغرق القصة الواحدة الليل كله. لم يكن في دارنا كتاب واحد، ولا وقت للقراءة أصلا في حياة قاسية ليس فيها حد أدنى من الترف. يعتبر أبريل (نيسان) 1979. بداية طريق كان يفترض أن ينتهي بي إلى مكتب الإرشاد، فقد اشتريت مجلة «الدعوة» الشهرية الناطقة باسم جماعة الإخوان المسلمين، وفي تعريفها أسفل الشعار التقليدي المكون من سيفين متقاطعين يعلوهما المصحف وتضمهما من أسفل، كلمة - أمر «وأعدوا» - و«الدعوة» صحيفة أسبوعية إسلامية جامعة تصدر شهريا مؤقتا، كان يديرها ويشرف عليها: عمر التلمساني. ولا أتذكر الآن متى وقعت المجلة للمرة الأولى بين يدي. ربما استعرتها من مكتبة المسجد وأعجبتني، ولعل أحدا أغراني بالمواظبة على قراءتها، ثم رأيت أن أشتريها، فكانت نواة مكتبة في دار تخلو من الكتب. لا أتذكر الآن، كيف دبّرت القروش القليلة لشرائها شهريا، ولم يكن لي مصروف أدخر منه. قبل ذلك بعامين أو ثلاثة، سمعت من زميل في الفصل الدراسي كلمة «مصروف»، وسألت عن دلالة «المصطلح»، لأنه خارج دائرة إدراكي، ولكني تمكنت من تدبير ثمن المجلة. بعدها، بدأ اهتمامي بالقراءة، من خارج المنهج الدراسي، يتسلل إليّ، فكانت أول مجموعة قصصية قرأتها في حياتي هي «همزات الشياطين» لعبد الحميد جودة السحار، وفي بعضها وعظ مباشر. شجعتني تلك القصص على كتابة قصة قصيرة عنوانها «الصعود إلى الهاوية»، وفزت عنها بالمركز الأول في المدرسة الثانوية. وخلال رحلتي مع الكتاب، كان اكتشافي بعد ذلك لنجيب محفوظ ويوسف إدريس، ومن بعدهما يحيى حقي، يغني عن أي كتابة أخرى لا ترضي طموح محب للقراءة، يحاول أن يجد لنفسه سبيلا بجوار ظلال هذه القامات. في الصبا، تكون المعدة مستعدة لهضم أي كتاب، أو استقبال الكتابة من دون تمييز، وربما بحثا عن هذا التمييز. وفي فترة لاحقة، يكون الوقت محدودا ومحددا بقراءة الأعمال التي تستحق القراءة. من حق الكاتب أن أختبره في رواية أو كتاب، وبعدها أقرر إن كان يستمر معي أو أنصرف عنه. هناك من قرأت لهم رواية طويلة، تزيد على 300 صفحة، من دون أن أتوقف عند جملة، وأغمض عيني وأقول: «الله! كيف كتب هذا الكلام»، وهذه ليست كتابة، هي «كلام كالكلام» كما قال طه حسين، كلام عابر مثل مؤلفيه، لا يستقر في الذاكرة، على عكس أعمال أخرى لا تغادر الذاكرة، وتعيش معي وتطاردني وتدفعني للغيرة أن أكتب مثلها. تتحداني أعمال كبيرة وراسخة: «بيت من لحم» لإدريس، وثلاثية محفوظ و«الحرافيش»، و«أيام الإنسان السبعة» لعبد الحكيم قاسم، و«فساد الأمكنة» لصبري موسى، و«خريف البطريرك» لماركيز، و«دفاع عن الأدب» لجورج ديهاميل، و«تقرير إلى جريكو» سيرة نيكوس كازنتزاكيس، وغيرها من الأعمال التي تتحول إلى جزء من التاريخ الشخصي. هناك أعمال أخرى تظل في منطقة التحدي: «عوليس» جيمس جويس، لم أكملها أبدا، أصل إلى ما بعد الصفحة المائة بقليل ثم أتوقف، ثم أعود إليها بعد فترة وأتوقف من جديد، وأشعر أنني سأموت وأنا نادم لعدم قدرتي على قراءتها كاملة. هناك كتب لم يكتبها مؤلفون محترفون، ولكني أجد فيها جمالا لا يقل عن الإبداع الأدبي، منها «مدونات حول السينماتوغراف» للمخرج الفرنسي روبير بريسون، ومذكرات أو سيرة حياة شارلي شابلن وآينشتين. السير الذاتية عموما، تجد الآن في نفسي هوى مثل كتب التاريخ والروايات وأفلام السينما، ربما عودة إلى فكرة المصائر التي كانت بابا إلى هذا الفضاء الرحب. بعد رحلة تزيد على ربع قرن مع الكتابة، أثمرت مجموعتين قصصيتين، وخمس روايات، وكتبا في أدب الرحلة وغيرها، أشعر أن أحدا ما سيسألني: من أدخلك إلى هذا العالم؟ وساعتها سأراهن على جديد أحلم بكتابته، وربما أشير إلى روايتي «أول النهار»، وأقول: هذا كتاب يمكن أن أجرؤ على حمله بيميني.

    0 0

    شهدت وسائل الإعلام العالمية، خلال العقود الثلاثة الماضية، تطورات تقنية وبنيوية أساسية. وأصبح للنظام الإعلامي الوطني تأثير ملحوظ. يتناول الباحثون منذ أعوام، مفهوم الحضارة في أبعادها المختلفة. ويُعد القرن الـ21، قرن الاهتمام بالحضارة. وبينما يتحدث بعض المفكرين عن صراع الحضارات، يطرح البعض الآخر نظرية حوار الحضارات. هذا الكتاب الذي ألفه الجامعي ومدير قسم الاتصالات الدولية في جامعة هاواي، الدكتور مجيد تهرانيان، يتناول موضوع الاتصالات في العالم الحديث بنظرة نقدية جادة، مؤكدا على إعادة النظر في مفهوم الحضارة. يمكننا القول إن الاهتمام الذي يبديه المؤلف للحضارة وتعريفه مفهومها، يعد من المحاور الرئيسة والمفصلية في الكتاب. ومن الطبيعي أن تكون وجهة نظر المؤلف نابعة من تجاربه الشخصية الحياتية. تمر البشرية بمنعطف تاريخي صعب، إذ أدت التطورات التقنية التي حققها الإنسان منذ عشرة آلاف عام حتى اليوم، إلى إقامة قرية عالمية نسبيا. تنقسم هذه القرية إلى خمسة أنماط متباينة من الحضارة البشرية: الحاة البدوية، والقروية، والتجارية، والصناعية، والرقمية. ومنذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، ظهر التباين البنيوي والمعياري في الحضارات الخمس بوضوح. إذ تتجه الأنماط الحضارية الخمسة، نحو صراع لا يمكن التنبؤ بحدته ولا بمدته الزمنية، فالإرهاب العالمي ليس سوى قمة جبل الجليد.. وما خفي أعظم. ويرى مؤلف الكتاب أنه لا يمكن أن نعتبر الصراع بين الأنماط الحضارية الخمسة، منافسة أخلاقية بسيطة، أو صراعا بين الخير والشر. بل هو مواجهة عميقة بين المصالح والآيديولوجيات المتصارعة، التي لا تستطيع في الوقت نفسه الاستغناء عن بعضها بعضا. ومن جانب آخر، يتطرق الكتاب إلى خمس فجوات تقنية عظيمة في التاريخ وعلاقتها مع ثلاثة مكونات رئيسة للمجتمع: الإمبراطوريات، وحركات المقاومة، والحضارات. وتظهر هذه المكونات الاجتماعية الثلاثة، بالضرورة، في فترات الحرب أو السلم. وقد رافقت الإمبراطوريات وحركات المقاومة والحضارات تطورات تقنية، بدءا بالحياة البدوية والقروية، مرورا بالتجارية والصناعية والرقمية. وستؤدي الوتيرة المتسارعة غير المتوازنة، في تنمية المجتمعات البشرية، وخاصة خلال القرنين الأخيرين، إلى صراع الحضارات العالمي. في الحقيقة، تتسبب حركات المقاومة المحلية، في المرحلة الأخيرة من العولمة وإقامة الإمبريالية، في صراعات دولية. إن إرهاب الدولة أو إرهاب الجهات غير الحكومية في الوقت الحاضر، ليس سوى دليل على التنمية غير المتوازنة في العالم. ولن تنحسر هذه المشكلات، طالما لم تجر معالجتها جذريا وبشكل جدي. ويسعى الكتاب، إلى تبيان أنه جرى استخدام مفهوم الحضارة بشكل آيديولوجي، وبهدف إلى إيجاد تمايز بيننا (نحن) وبينهم (هم)، أو بين أصحاب الحضارة والبرابرة. نشأت الإمبراطوريات على أساس قدراتها على تحقيق التطور التقني، إذ مارست حركات المقاومة ضد الإمبراطوريات، ضغوطا من القاعدة أمام هيمنة الإمبراطوريات. وتتخذ حركات المقاومة أشكالا متنوعة، غير أن المقاومة التي تقوم على الديمقراطية هي أنجح أساليب المقاومة خلال القرنين الأخيرين. يضم كتاب «إعادة النظر في مفهوم الحضارة.. المواصلات والإرهاب في القرية العالمية»، سبعة فصول، ترتبط ببعضها من خلال ثلاثة محاور: المواصلات، والديمقراطية، والحضارة. ويرى المؤلف تهرانيان أنه يمكن تحقيق الطموح الحضاري في هذه الفترة المتأزمة من التاريخ، من خلال دمقرطة مؤسسات الحكم المحلي، والوطني، والإقليمي، والدولي. وعلى أساس التطورات التقنية المتسارعة التي حدثت خلال القرنين الماضيين، جب المراجعة وإعادة النظر في العقيدة الليبرالية الديمقراطية، والاشتراكية الديمقراطية، والديمقراطية المجتمعة. ويرى المؤلف، من خلال نظرته هذه، أن ثمة علاقة وطيدة بين الحضارة والسلطة العالمية، إذ تظهر طبيعة الحكم في العالم الحديث، أن الدور الذي قامت به الدول في التاريخ الحديث، اتسم بالغلبة، ولكنه آل إلى الزوال. تتولى 200 دولة عظمى، و63 ألف شركة متعددة الجنسيات، وكثير من المنظمات غير الحكومية، وشبكة معقدة للتواصل العالمي التي تتبادل رسائل متناقضة، تتولى إدارة العالم في الوقت الراهن. وبينما كانت عملية تطور مؤسسات السلطة العالمية تسير بوتيرة بطيئة ومؤلمة، خلال القرنين الماضيين، فإن العالم واجه تحديا مثيرا للقلق في مطلع القرن الـ21، ودخل مرحلة جديدة تدعى الرأسمالية العالمية التي تتجه نحو الزوال في حال دمقرطة السلطة العالمية. يفتقر العالم اليوم، إلى سلطة عالمية، غير أن مجموعة من المبادئ والمؤسسات القانونية، تتولى فعلا إدارة العالم، وهي التي تؤسس في الحقيقة السلطة العالمية. وعلى أساس هذا التحليل، يحاول المؤلف تبيان النظام الخاص بوسائل الإعلام العالمية، التي شهدت خلال العقود الثلاثة الماضية، تطورات تقنية وبنيوية أساسية باتجاه النفوذ الملحوظ للنظام الإعلامي الوطني، من خلال البث المباشر للفضائيات، والهواتف الرقمية، والشبكة العنكبوتية، و«ماكروميديا»، مثل الأشرطة الصوتية والمرئية، والأقراص المضغوطة، والكومبيوترات اللاب توب، وأجهزة تابلت، والهواتف وشبکة الإنترنت اللاسلكية. وقد أدت الاتصالات العالمية إلى خلق عالم مجازي بلا حدود. وبينما يهمين النظام التجاري على فحوى الأخبار وبرامج التسلية، تبذل الأنظمة السياسية جهودا (في كثير من الأحيان فاشلة) لتحكم قبضتها على هذه الحركة، وتقييدها من خلال اعتماد أساليب كالرقابة واستخدام حق سلطتها الإقليمية. وانطلاقا من تشكيل الأنظمة الإعلامية، يتساءل المؤلف: هل نستطيع أن نصل إلى نوع من النظام الإعلامي الذي يروج للسلام أكثر من الحرب، والتفاهم أكثر من الاضطراب، والتسامح أكثر من الكراهية، وتشجيع الاختلاف أكثر من معاداة الغير؟! فتعددية الأنظمة والمضامين هما الشرطان الضروريان لهذا النوع من الصحافة التي تخدم السلام، لكنهما ليسا كافيين بالطبع. يمكننا أن نستنتج من مضمون الكتاب أن القرن الـ21 سيكون قرنا متسارعا جدا في تغييراته. وستسلك بعض الدول المتخلفة طريق التطور، بينما يمكن أن تبدأ بعض الدول المتطورة مسارا تقهقريا. إذ من الأجدر لهذا النوع من الدول المتطورة وشعوبها، أن يتجنب الأخطاء الناجمة عن التعصب والغطرسة. يُعد الهيكل المعاصر للقرية العالمية القائمة على متابعة السلام بواسطة الأدوات السلمية، المسألة المشتركة لشعوب العالم. وحدة الأسرة البشرية وبتنوعها أثمرت أداة ثمينة، وعلينا أن نصونها في كل الأوقات. وفي مثل هذه الحالة سيحتل هذا الكتاب مكانه بهدوء. * صحافي وإذاعي مقيم في طهران، يكتب لصحف إيرانية يومية عدة

    0 0

    يتسبب جدار الفصل العنصري، بتعبير الفلسطينيين، أو الحاجز الأمني حسب التسمية الإسرائيلية، الذي يتخذ شكلا متعرجا بطول حدود الضفة الغربية وداخلها، في إثارة عدد من الأمور الخلافية ماديا ورمزيا. ولقد أصبح الجدار، البناء الذي يرسخ الاحتلال، والاضطهاد، والسيطرة، والرقابة، وانتزاع الأراضي بشكل مستمر، والهيمنة المادية التي يمارسها الإسرائيليون على الفلسطينيين. لقد صار الجدار مصدرا أبديا للإحباط. وجاء الكثير من الفنانين والكتّاب والسياسيين للتعبير عن مقتهم وغضبهم تجاهه. وفي الوقت الحالي، أصبحت الكتابات البحثية بشأن هذا الجدار، التي بدأت قبل وضع اللبنة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات، مسألة عالمية، فلم يعرب الفلسطينيون والإسرائيليون وحدهم عن معارضتهم للجدار، بل كان هناك الفنانون والمصورون في المجال الوثائقي والكتاب في مختلف أرجاء العالم، ممن عبّروا عن رفضهم أيضا. والآن، جرى تأليف الكثير من الكتب التي تحلل موضوع هذا الجدار على المستوى المرئي والسياسي والمجازي. وإذا أردنا أن نسرد القليل من تلك الكتب التي تناولت هذا الموضوع، فسنجد كتاب ويليام باري «ضد الجدار: فن المقاومة في فلسطين»، وكذلك الأسطورة السياسية للروائي ويليام سوتكليف، بعنوان «الجدار». وكتاب «جدار في فلسطين» للصحافي الفرنسي رينيه باكمان أيضا. لقد أصبحت كلمة الجدار بمثابة عبارة مجازية. فهو عبارة عن بناء مرتفع يشتمل على ألواح خرسانية رمادية اللون واضحة للعيان، تبرز في الأفلام والأعمال الفنية، إما كخلفية لها مدلول على المكان، أو بوصفها مصدر النزاع داخل القصة. لقد صار الجدار نفسه مثلما يشير إليه البعض، على نحو غير مريح، مثل «لوحة زيتية». وفي الوقت الراهن صار الغرافيتي، والصور، والنصوص، والجداريات التي تزين الجدار، أعمالا واضحة في حد ذاتها. وجرى تجميع الكثير من هذه الأفكار مع بعضها البعض في كتاب واحد تحت عنوان «راقب الجدار: المشاهد الفلسطينية». ومن أجل عكس المعاني التي يحملها هذا الجدار، يعمل سبعة فنانين حاصلين على جوائز، وأربعة من كتاب المقالات على وضع هذا الكتاب، لعكس تلك الصورة. ويجري حاليا، طبع الكتاب ونشره، باللغات الفرنسية والإنجليزية، بالإضافة إلى توقعات بترجمته إلى اللغة العربية. يقول الكاتب رجاء شحادة في مقدمة الكتاب: «يعتبر المنظر الطبيعي هو التراث لهؤلاء القاطنين في المكان، فهو بمثابة الذات للدولة ومكانها في العالم وكذلك كبريائها». وتعطي هذه العبارة، التي تحمل بين طياتها قصة الكتاب، تعبيرا كيف أن تغييرات المنظر الطبيعي، هي مرآة تعكس تغير اتجاهات وعقلية وتفكير الأشخاص الذين يعيشون في ذلك المكان. جرى طبع الكتاب وخرج وكأنه مختارات من مجموعة أعمال لبعض الفنانين. وعكس اختيار فن التصوير الفوتوغرافي ليكون المكوّن الأساسي في الكتاب، مشاعر الحصار، ومرور الزمن، والتغلب على القهر وبعد المنفى. «نحن لسنا أعداء، بل نحن أصدقاء». تظهر هذه العبارة التي تعود إلى الرئيس الأميركي أبراهام لنكولن، مكتوبة على إحدى الصور التي التقطتها الفنانة الفلسطينية نويل جبور. وتظهر الصور التي التقطتها جبور الطبيعة البرية، والشجيرات التي تنمو بوفرة وبشكل فوضوي حول البناء العسكري. وكذلك المشاهد الحادة والفوضوية للأسلاك الشائكة كثيفة التشابك التي تبدو وكأنها ضباب. كما تظهر الصور التي أخرجها المصور الفلسطيني رائد بوايه، بعض الشبان الذين يخاطرون بحياتهم لعبور الجدار، للعمل في أي وظيفة تعتمد على المجهود البدني، والتي يمكنهم الحصول عليها إذا ما نجحوا في العبور إلى الجانب الآخر من الجدار، الذي يبدو كأنه فخ أو بناء لا خيار لديهم سوى عبوره بأي وسيلة من الوسائل، من أجل كسب لقمة العيش. أما الفنان الألماني، كاي فيندنهوفر، فقد التقط صوره من منظور عالمي، حيث إنه شهد سقوط جدار برلين في عام 1989. وبالتالي فهو يعرف جيدا ماذا تعني الجدران بالنسبة لقضية التفاعل البشري. وقد وثق فيندنهوفر مراحل بناء الجدار الفاصل، وكذلك ثمانية جدران أخرى في جميع أنحاء العالم، في الولايات المتحدة، وقبرص، والعراق، بالإضافة لأماكن أخرى. ويقدم الفنانان الفلسطينيان تيسير باتنجي، وستيف سابيلا، أكثر الأفكار تعارضا خلال أعمالهم، حيث تعكس صور سابيلا، التي يقوم بتركيبها عن طريق القص واللصق، لمجموعة من الصور توضح تفاصيل كثيرة عن الجدار، حالة من التوتر بين التفاصيل والصورة الأكبر. تعرض أجزاء الصور الصغيرة المتكررة للطوب والإسمنت والأسلاك الشائكة، حالة من احتلال العقل، حيث تعكس اللامبالاة وسخافة الحياة اليومية التي بدأت تسيطر على حياة الناس. أما صور باتنجي فتعكس، من خلال التفاصيل الموجودة على الجدار أيضا، عنصر مرور الوقت الذي بات مؤرقا للكثيرين. وتوضح الصور، التي التقطت لملصقات الشهداء المعلقة على الجدران، وقد بدأت تتمزق وتُزال من على الجدار. أما الصور، التي تعيد إلى الذهن الملامح التي تظهر على محيا الشباب المتوفى، فقد جرى إما إزالتها أو تغطيتها، مما يعكس اختفاء أولئك الشباب من الحياة. وتظهر صور باتنجي الجدار باعتباره مصدرا للأشباح التي تحضر وتغيب أثناء المقاومة. وبتحولها إلى ثقافة، أصحبت تلك المحاولة لتخفيف وطأة الجدار، موضوعا خصبا للمناقشة في حد ذاته. وهذا ما توضحه الكاتبة مالو هالاسا، ببلاغة في قطعتها الفنية «الجمال الظالم: ضد تحويل الجدار إلى قطعة فنية»، والتي توضح أن «الجمال من الممكن أن يكون مرعبا وحالما في آنٍ معا». وتعرض هالاسا الصراع بين محاولة تجميل صورة الجدار والإلهام الذي يأتي من مقاومة الجدار. وحيث إنه أصبح جزءا لا يتجزأ من حياتهم، فقد كان من الواجب على فنانين كُثر من مختلف وسائل الإعلام والخلفيات الثقافية، إعادة تخيل تأثير الجدار على هويتهم ونشاطاتهم المتعلقة، إما بالتنقل أو المكوث في أماكن بعينها. ورغم أن ذلك العمل، الذي يعكس فظائع المشهد، يحمل كثيرا من الدلائل ويناقش مسألة التحكم والسيطرة، ويشارك الناس في عرض بعض القضايا الذاتية، كما تصور كيفية استعادة تلك السيطرة، ما زالت هناك بعض الأسئلة المتعلقة بتحول الجدار إلى مجرد أعمال فنية يجري عرضها في صالات عرض اللوحات الفنية. ومن خلال عرض آراء عدد من الباحثين والفنانين، تناقش هالاسا، كيف يمكن أن يكون للفن قوة المناقشات نفسها، حيث يجري إبداع أعمال متمردة تعبر عن وجهة نظرهم. وكيف يمكن أن يصبح لذلك الفن صوتا أعلى وتفسيرا أقوى لواقع ذلك البناء الذي يعرض الفنانون وجهة نظرهم تجاهه. ويُعد معرض قلنديا الدولي، الذي يُقام كل عامين، إحدى الوسائل التي يجري الرد من خلالها على الاحتلال الإسرائيلي. وتوضح طريقة رد فعل السلطات على ذلك الحدث، مدى تأثير وفعالية مثل هذا العمل، كما توضح هالاسا، الذي تقول: إنه «جرى سرقة ونهب المحفوظات والوثائق والمجموعات الفنية من مركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله، على أيدي الجنود الإسرائيليين خلال الانتفاضة الثانية وحصار مجمع الرئيس الراحل ياسر عرفات». وحتى الآن لم يكتمل بناء الجدار. ويكتب شحادة في مقدمته «بمرور الوقت سيكتمل الجدار، وسينتج عن ذلك أن نحو مليون شجرة زيتون ستقع في المنطقة المحظورة بين الجدار وخط الهدنة لعام 1967». وتضيف كريستين لوينبرغر، الباحثة ومؤلفة «الأسوار والجيران»: «بمجرد الانتهاء من الجدار، من المتوقع أن يصل طوله إلى 709 كيلومترات، أي ضعف خط الهدنة لعام 1949 الذي كان يشكل الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية». وهكذا يستمر العنف. وبالطريقة نفسها، ستأتي ردود الفعل من الناس على ذلك الجدار، وسيختبرون الكثير من التجارب بسببه، لأنهم سيشعرون بالظلم وسيقمعون بسبب وجوده. ولأنه كتاب من الصور الفنية، يبدو «راقب الجدار» كما لو كان معرضا فنيا في حد ذاته. ولذلك سيجري عرض بعض الأعمال المتضمنة في الكتاب في صالة عرض «الربع الخالي» في دبي خلال معرض آرت دبي عام 2014.

    0 0

    كانت أرففها شاهقة بموازاة قامتي، التي بالكاد تتهجى الحروف. أغلفتها الجلدية اللامعة وأحرفها المذهبة جعلتاني أظن أن تلك المجلدات تتشارك نسيجا واحدا مع عباءة والدي الموشاة بالقصب. وأعود أتهجى الأسماء في مكتبة أبي: «تاج العروس»، «العقد الفريد»، «نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب»، «الأغاني». كانت تلك الأسماء تثير حواسي الخمس، وتتخمر في قاع رأسي فأشعر بأنه بإمكاني أن أشمها وألعقها وأسمعها. حضور جليل تخالطه هيبة الأب والكتب التي تهمس بأسرارها له وحده، بينما تباشرني أنا بوجهها الصامت المتحفظ. ولكنها لا تدري أن هذا الصمت كان يثرثر داخلي عن أسرار المفردات المذهبة المتخاطفة في رأسي كالكريات الزجاجية التي صارت لعبتي المفضلة لاحقا بين الأسطر والكلمات. تلك الكتب لم تصل يدي إلى شاهق ثمارها؛ فهو مرتفع ومتأب... لذا، كنت أكتفي بالمتساقط منها حولي وبالمجلات وأوراق الصحف.. «قافلة الزيت»، و«اليمامة»، والمجلات المصرية، قبل أن تتداركني أمي بمجموعة «المكتبة الخضراء» للأطفال، فتوهجت في أعماقي متع لا تحصى: سندريلا، والليمون العجيب، والبجعات السحرية التي تتحول فرسانا يشبهون الأمراء الذين على أوراق اللعب والغابة ذات الذئاب الكامنة، فكانت «المكتبة الخضراء» هي ثالث ثلاثة أشعلوا مهرجان الألعاب النارية في رأسي مع حكايات أمي، و«السباحين» التراثية التي جمعها عبد الكريم الجهيمان في خمسة أجزاء. وفي نحو التاسعة، تسللت يدي وقطفت الثمرة التي لم تكن محرمة، لكنها كانت مخضلة ريا بترياق يخالط الوعي ويجعله يرفض الأجوبة القريبة المتاحة التي يمررها له من هم حوله، لأنه يعلم أن هناك بشرا لهم حقائق تتقاطع مع ما آلفه، حقائق قد تكون مدببة ولها أسنان، ولكنها حتما جديدة وطازجة، وتحفني بالدهشة. وبدأت الكلاسيكيات العالمية: «ذهب مع الريح»، و«قصة مدينتين»، «الأم»، «دكتور زيفاجو». ومن ثم، انعطفت على الأدباء المصريين الذين كانوا يؤثثون أرفف عقلي بالتشويق والمتعة ويرتبون حيرة العالم حولي، ويمررون لي تسويغا وتبريرا لأحلامي الجامحة: القاهرة: حارات نجيب محفوظ، ومتغنجات إحسان عبد القدوس، فتيات جاردن سيتي، والنائيات في الريف الإنجليزي، الأخوات برونتي، وحول الثلج التي يغوص فيها ديكتور زيفاجو، الترجمات الباذخة التي كانت يقوم بها لبنان تطير بي كل يوم إلى أرض جديدة، ومن ثم يعيدونني سالمة في نهاية النهار، لربما بذهن مفسد يعلم بأن للعالم إجابات أخرى ومتعددة. لسعة الممنوع اللذيذة، كتب القصيمي، وحديث زرادشت وكراسات قديمة مهلهلة لما ظنه (ماركس وإنغلز) حلا لعذابات البشرية المزمنة. وإن ظلا من هذا كله (تقرير إلى جريكو) لنيكوس كازنتزاكي و(الكتاب لأدونيس) على مكتبي وبقربي.... يرفضان العودة للأرفف. تتضخم وتتورم مراجيح المتعة بين الأوراق والصفحات. كانت القراءة لي كجزيرة محيط نائية تنعشني أمطارها وصيحات سعادينها، قبل أن أخضعها للمدنية والانضباط، من يمتشق القلم ويتصدى للكتابة لا بد أن يحمل ترسانة من الكتب وإلا سقط من الجولة الأولى وبات يقرض ويكرر نفسه. نظمت لي جدولا للقراءة، ما بين فكري وإبداعي، تراثي وحديث، عربي وإنجليزي. أيضا ألتقي ومجموعة من الصديقات ضحى كل سبت لنناقش كتبا معينة فيما يشبه نادي الكتاب. وسمينا مجموعتنا «ضحى الفكر» تحديا للصورة الذهنية عن نؤومات الضحى. التجربة حتى الآن رائعة، فليس أجمل من أن تقرأ الكتاب ليس بعينين فقط، لكن عبر عشرين عين أخرى... للكتاب في حياتي قصة.. دخلت مرابعه باكرا جدا وبظني أنني سأفتحه وأقرأه.. لأكتشف بعد سنوات طويلة أنه هو الذي قرأني وكتب بقية فصول حياتي. * كاتبة سعودية. من أعمالها: «والضلع حين استوى» قصص قصيرة، و«مجلس الرجال الكبير» قصص قصيرة، و«أين يذهب هذا الضوء»، قصص قصيرة، و«سمية» (قصة للأطفال)، و«الترياق» قصص قصيرة، و«البحريات»

    0 0

    مدينة الجن والضوء تحضر، كأنما تبعث من رماد، في كتاب شاكر نوري الجديد: «بطاقة إقامة في برج بابل: يوميات باريس» الفائز بجائزة ابن بطوطة عن «مؤسسة ارتياد الآفاق»، المخصصة لأدب الرحلات، صنف اليوميات، لهذا العام. أحسستني مستنفرا منذ العنوان، أبغي الاطلاع على ما كتب عن مدينة هي إعجاز معمار وفنون وثقافة وفن عيش في هذا العالم، وكيف سيتأتى للمؤلف تصوير ملامح وجه هذه المدينة، التي حارت الألباب والأقلام في كيفية تسويده منذ الطهطاوي، وفرانسيس المراش، والمغاربة الصفار، والحجوي، وعبد الهادي التازي، حتى الراحل باهي، في كتابه المعلمة: «اكتشاف باريس» (2010). ومالي أسكت عن أبنائها، الفرنسيس تحيروا هم أنفسهم في خريطتها العمرانية وجغرافيتها البشرية، وروحها الدفينة، وتاهت خطواتهم، أكتفي منها بمثال واحد هو إريك حزان في مؤلفه: «L’invention de Pais» (ابتكار باريس، لوسوي، 2002)، دعك من الأجانب، أميركيين وإنجليز، خصوصا، من كبار الكتاب والرسامين، يعدون من أعلامها، ودبجوا عنها أبهى الصفحات، لا غرو جرترود ستاين، وخصوصا همنغواي بكتابه: «عيد متنقل» من أبهاها وألطفها. هكذا نرى ونعلم أن من تيسر له العيش هنا ردحا من الدهر من علماء وفنانين وكتاب عمالقة، إما يبرح به الحنين دوما إليها، وإلا لا بد يترك مثلك بصمة كتاب، كأنما ليرد دينا له على هذه الغانية. وأشهد في عجالة هذا العرض ما ترك نوري معلما يستحق الوصف والذكر بتسمية التازي لـ«أم العواصم»، إلا ورصده، إما بالوصف، أو التأريخ، أو التلميح، غنى في المعلومات، ودقة في التعيين، والتماس لما يفوت السائح العابر، وإحاطة بما هو شهد باريس وقاعها، ظاهرها وباطنها، سطحها والدر الكامن فيها، أرصفتها وأقبيتها، طعامها وشرابها. وما أمكنه هذا وأسلست له المدينة قياد وصفها واستبطانها في آن، إلا لأن من تصدى لهذه المهمة الصعبة، قل العمل العاشق، إنسان عاش هنا حقا، وصار ابن المكان، وحل بالزمن حيا ومتحولا، في جليل الأحداث، وخطير الأوقات، تعلم ورأى وتفاعل وانفعل وجال وتصعلك ودرس وكدح وعرف الحاجة وخاض غمار تجارب مما يعيشه المهاجرون وهم ينبهرون أولا، ثم قسم نادر منهم يعرف كيف يسل نفسه من عجين العادة والغربة السطحية ليصبح كائنا تسكنه المدينة وهي تتنفس من حواسه وتنبض في وجدانه، محتفظا في جميع الأوقات بالحبل السري والسري الرابط بينه ووطنه، ومحافظا أبدا على كرامته. إن من يقرأ كتاب شاكر نوري، لن يفوته الانتباه إلى أن واضعه، قد اختار له شكل اليوميات، وإن بتخفف من قيوده، تخلص من تلك المعالم التي يتسابق لزيارتها كل سائح أو عابر سبيل، الشائعة في بطاقات البريد ودعايات مكاتب السياحة، حيث يتكالب اليابانيون، مثلا، بسذاجة، من قبيل برج إيفل، وكاتدرائية مونمارتر وفضائه، وحوانيت الحي اللاتيني وما إلى هذا. لا، انتقى ونظم ورتب، ثم وصف وبنى ووشى، وخلال هذا وذاك كان يبث المرئي والمحسوس أشجانه بين السؤال والمناجاة، الحيرة والإعجاب، الحزن والفرح في آن. وما ذلك إلا لأن باريس مدينة لا تقر على حال، تستهلك الأجيال وتمضي، تتركهم وهم فاغرو الأفواه يتساءلون ترى بتنا في أي حال، تتلاعب بالمشاعر، وتتنقل في الفصول، وتتغنج تحت العيون، تفي بوعودها وحذار قد تخون، وهو ما نفذ نوري إلى خبره المكنون. اختار شاكر نوري مدينة التأسيس، والثقافة، وعظماء الأمة، ومباني الفن المهيبة والأحياء الخلفية، مقاهي وملتقيات الكتاب والفنانين، والمنابر الأكاديمية العريقة: جزيرة لاستيه، والبانتيون، ومحطة أورسي، وفندق ريتز في ساحة فاندوم حيث مركز جواهر العالم، ولاكوميدي فرانسيز، وملتقى عناوين ومكاتب الأدباء ومنطلق والتقليعات، أحياء العرب المهاجرين. هي مدينة تراها من بوصلة الذات والعيان، هكذا تجد نفسك تطلع على باريس بموسوعية وخصوصية ورهافة في وقت واحد، في مطلق مجدها التاريخي ومحينة في زمنها الحداثي كذلك. ولأن نوع اليوميات لا يسمح بالإسهاب، ومبني على اللمحة والإشارة باقتضاب، حرص نوري على سرد كثير معلومات ووصف مشاهدات من زاوية ذوقه وثقافته ومزاجه، أيضا، فهو كما خبرته جوال ذو «جنون» ومزاج، كي يسم نصه بما يحتاج إليه من خصوصية ولوينات. ولعل أبرز ما في الكتاب، بعد المعلومة المطلوبة، والرواية التاريخية المرغوبة، ما توصل إليه بنفسه حين قال: «(...) سأتوقف عن إعطائك المعلومات لأنك ستجدها في أي دليل وفي أي لغة تريد. إذن ينبغي أن تسألني عن روح هذا المكان!». ولقد وجدتني أتساءل بعد أن أنهيت قراءة الكتاب، ترى ماذا ينقصه، لو جاز به نقصان، أو ينقصني أنا نفسي وقد خضت هذه المغامرة نفسها، بما كتبته عن هذه المدينة، وما أصدرته بخصوصها حديثا جدا، أعني كتابي السيرة: «نصيبي من باريس» (الدار المصرية اللبنانية) فضلا عن الفصل المخصص فيه لشاكر نوري بالذات.

    0 0

    تخيل أنك في باخرة كبيرة الحجم تخترق المحيط. فجأة ارتطمت بجبل جليدي ضخم. ساد الذعر بين الركاب وبدأت السفينة بالغرق شيئا فشيئا. تم تجهيز الزوارق الصغيرة ولكنها لا تكفي الجميع. من المرجح أن يهتف صوت أحد المسؤولين معلنا: «الأطفال والنساء أولا» وسيتراجع الرجال إلى الخلف. ذات السيناريو حدث في قصة باخرة التايتانيك حين تم إفراغ السفينة من الأطفال والنساء، وتم طرد الرجال الذين حاولوا التسلل بينهم. إذا كنت امرأة فستشعرين بأنك محظوظة لأنك ستنجين، وإذا كنت رجلا فستشعر بالبؤس المغلف بإحساس البطولة وستتمنى لو كنت امرأة. ولكن حدث شيء غير متوقع هذه المرة. اعترض أحد الرجال الغاضبين بالقول: «ولماذا النساء؟» وحجته: إذا كان من المفهوم أن ينقذ الأطفال أولا لأنهم عاجزون عن حماية أنفسهم ولم ينضجوا عقليا، فإنه من غير المفهوم مساواة النساء بهم. إذا كان ذلك شبه مقبول قبل أكثر من مائة سنة عندما غرقت التايتانيك، لماذا ظل الوضع كما هو عليه بعد مرور كل هذه العقود الطويلة التي أخذت فيها المرأة الكثير من حقوقها؟ النساء أصبحن يقدن الطائرات الحربية ويحكمن بلدانا ويرأسن شركات، ولا يتوقفن عن مطالبة الرجال بالمساواة التامة. ولكن عندما تنشب الحروب وتتطاير الدماء أو تغرق السفن، فسوف يكن أول من يركب الزوارق متشبثات بأطفالهن. لماذا أيضا يتم ربط المرأة مع الطفل حتى في العناوين الإخبارية التي تتردد حول العالم مثل «مقتل عشرات النساء والأطفال!» ولماذا لا يقال مثلا «مقتل عشرات الرجال والأطفال!». حتى لا أواجه أي غضب من النساء أو من المدافعين عن حقوق المرأة يجب أن أضيف الآن أن هذا ليس رأيي، ولكن هذا ما كتبه الكاتب الصحافي تشارلز كروثامر في أحد مقالاته المنشورة في كتابه الصادر حديثا بعنوان «الأشياء التي تهم». ولكن حتى هو لا يستحق النقد لأنه يصل بعد ذلك إلى بعض التحليلات المنطقية لربط المرأة بالطفل بشكل أكثر من الرجل. هناك من يقول: إن الرغبة العميقة لدى البشر للحفاظ على المرأة أكثر من الرجل يعود ليس لجمالها ولكن لأنها أكثر أهمية منه على المستوى البيولوجي. بمعنى أن قدرة المرأة على الإنجاب تجعلها قادرة على تكوين عائلة كاملة، على العكس من الرجال الذين سيفنى الجنس البشري بسبب عدم قدرتهم على الحمل. ولكن الكاتب لا يقبل هذا التفسير النفساني التطوري بحجة أنه يشبه تفسير لغز البيضة والدجاجة. ولكن التفسير الأقرب للصحة هو أن المرأة أكثر قدرة على العناية بالطفل لهذا يتم في الغالب ربطهما ببعض. لهذا عندما تقع الكوارث وتندلع الحروب، يتم إنقاذ النساء من أجل الأطفال وليس لأنهن كالأطفال. هذه نهاية مقبولة لهذا المقال الجميل المكتوب بحس كوميدي رائع وشرير في الوقت نفسه. ولكن من يتابع مقالات كروثامر في جريدة «واشنطن بوست» لن يعثر في الغالب على مقالات من هذا النوع الفريد الذي يفضله، كما يقول. أغلب مقالاته تركز على الشؤون السياسية التي يبرع أيضا في تناولها. هذه الأيام هو مشغول بتوجيه نقد شديد اللهجة للرئيس باراك أوباما الذي يختلف معه في كل شيء تقريبا. يؤكد كروثامر الذي كان ديمقراطيا في شبابه وأصبح جمهوريا فيما بعد (سأله مؤخرا المعلق جون ستيوارت عن هذا التحول فقال ساخرا: هذا التحول الطبيعي من المراهقة إلى النضج!) إنه يكتب في السياسة مضطرا. يقول في أحد مقالاته بأنه يفضل الكتابة عن الأشياء التي تحرك الروح وترقي العقل وتلهب الخيال مثل الفن أو الفلسفة أو الأدب، ولكن كل هذه الأشياء الجميلة تنهار دفعة واحدة إذا لم تضبط السياسة بالشكل الصائب. أكبر مثال على ذلك هو ألمانيا عام 1933، السياسة الصائبة هي الجدار الذي يحمي الناس من البربرية المستعدة للانقضاض في أي وقت. ولكن لأن ألمانيا لم تستطع وضع السياسة بالشكل الصائب لذا هدمت النازية بقيادة هتلر جدارها المتآكل وسحقت بعد ذلك كل الفنون والآداب والفلسفات والعلوم والحياة كلها. رائحة الحرية والسعادة التي كانت تملأ الهواء، حلت محلها رائحة البارود والجثث المحروقة. في هذا السياق يذكر كروثامر إحدى مقولات جون آدمز، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية الذي كتب مرة: «يجب أن أتعلم السياسة والحرب لأمنح أبنائي الحرية ليتعلموا الرياضيات والفلسفة والتاريخ والهندسة والتجارة والزراعة ولكي يمنحوا بدورهم الحق لأبنائهم لكي يدرسوا الرسم والشعر والموسيقى». لهذا السبب تحديدا يعترض المؤلف على رأي البيولوجي والفيلسوف لويس توماس الذي أجاب عندما سئل عن أهم منجز يرشحه لكي يرسل للفضاء كدليل على العبقرية البشرية، فقال: «سأصوت لموسيقى باخ، كل صوتي لباخ، ترسل مؤلفاته للفضاء مرة بعد أخرى. بالطبع، سنبدو كالمتبجحين!» يتفق الكاتب على عبقرية باخ، ولكن بسبب اعتقاده أن الفنون الأخرى تنحني أمام قوة السياسة، فسوف يكون الخيار الثاني الذي سيبعث على الفضاء هو الدساتير التي تؤمن بالحرية والعدالة مثل وثيقة الماجنا كارتا الإنجليزية أو الدستور الأميركي. لهذا السبب يعقد في أحد مقالاته مقارنة بين العالم الفيزيائي اينشتاين ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. رغم عظمة اينشتاين في القرن العشرين فإن الشخص الذي كان من دونه سيتغير مسار التاريخ هو تشرشل بكل تأكيد. اينشتاين حقق اختراقا علميا إعجازيا، ولكن وجد علماء فيزياء اقتربوا من فكرته الرئيسية ولكنهم عجزوا عن فهمها بالكامل. كان من المتوقع أن الزمن سينجب لا محالة علماء آخرين سيصلون لما توصل له. ولكن تشرشل من الشخصيات النادرة في التاريخ التي من دونها سينهار كل شيء. الحضارة كلها كانت ستنحط وتنزلق في الظلام لو تمكن هتلر من السيطرة على أوروبا بالكامل. كروثامر يحمل درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة هارفارد، ولكن يعترف أنه أدرك بعد سنوات من الدراسة أنه يفتقد للقدرات الحقيقية لكي يكون مميزا في هذا المجال. ولهذا لم يتجه للكتابة الصحافية إلا في الثلاثين من العمر، ولكنه استطاع بسرعة أن يكون لنفسه اسما لامعا وأن يكتب في كبريات الصحف والمجلات الأميركية. من الواضح أن معرفته الواسعة بعلم النفس ساهمت في إبراز موهبته الكتابية، ولكنه يرفض أن يقحمها في قضايا سياسية واقتصادية لا يربطها شيء بعلم النفس. لذا يرفض في مقال له بعنوان «الإنسان الجواني. من يهتم؟!» التفسيرات النفسية التي طبقها الكثير من كتاب السياسة على الرئيس نيكسون ووصفها بالسطحية. من يهتم بماذا يفكر نيكسون بينه وبين نفسه، أو ماذا يحب أو يكره. الحكم يجب، كما يقول الكاتب، على السياسات على أرض الواقع وليس أي شيء آخر. ولكن لا يستطيع كروثامر - ككل المتخصصين في علم النفس فيما يبدو - كبح غضبه وحتى احتقاره لموجة ما يسمى ب «تطوير الذات». في أحد مقالاته يكتب كروثامر أن المخرج وودي آلن اعترف أثناء قضية الوصاية على الأولاد بينه وبين طليقته الفنانة ميا فارو أنه لم يحمم أطفاله أبدا أو يأخذهم إلى الحلاق، ولا يعرف من هو طبيب أسنانهم، ولم يحضر أبدا الاجتماعات المدرسية، ولا يستطيع أن يسمي أي أحد من أصدقاء أطفاله. كيف يمكن لهذا الشخص الغارق في نفسه والمفتقد للشعور الطبيعي للأبوة أن يتم إخضاعه لدروس تطوير الذات التي تحولت إلى «بزنس» يعتمد على مكننة المشاعر والتصرفات من دون نتائج حقيقية. المسألة إذن أعمق من ذلك. يضيف الكاتب: «نجح هذا البزنس لأن الأميركيين آمنوا أنهم بحاجة لخبير في شيء. خبير يعلمهم كيف يمشون أو يتكلمون أو كيف يثنون ركبهم». مع موضة تطوير الذات، أصبح كل سلوك وشعور إنساني بضاعة للتصنيع والتجارة. لم يعد يعرف الإنسان كيف يشرب ويأكل ويتزوج ويحب وينام ويعمل ويصادق إلا إذا دربه خبير على ذلك. يشن كروثامر في الكتاب غضبه ونقده المتواصل على الأفكار الليبرالية فيما يتعلق بالسياسة والاقتصاد. هو محافظ اقتصاديا وسياسيا وليس اجتماعيا أو دينيا. في أحد مقالاته يشير ساخرا إلى أن الفرق الأساسي بين فريق المحافظين والليبراليين هو أن المحافظين يعتقدون أن الليبراليين أغبياء وسذج، والليبراليون بدورهم يعتقدون أن الجمهوريين مجرد حفنة من الأشرار قساة القلب. يذهب بعد ذلك للدفاع بأسلوبه العميق واللاذع عن رؤيته التي يصفها بالواقعية التي تؤمن بالتجربة والنتائج الملموسة وليس الأمنيات (من هذا النتائج إيمانه الكامل بفشل الحكومة الأميركية بمشاريع كثيرة مثل محاربة الفقر لذا يجب أن تبقى الحكومة صغيرة ومحدودة وتترك المجتمع بأفراده ومؤسساته وقيمه لكي يقوم بتصحيح نفسه). تعرض كروثامر أثناء دراسته الجامعية لحادث سيارة أدى إلى شلل النصف السفلي من جسده، ولكن لم يفقد أبدا حسه الساخر. في أحد مقالاته يحلل الكاتب بأسلوب طريف اعتقاد الأميركيين غير المفهوم بأن تحمل المعاناة والصبر على المشاق، هما ما يمنحان الأشياء قيمتها. هذا ما يفسر هوسهم بسباقات الماراثون الذي لا يتحصلون منها إلا على بطانية تلف عليهم وزجاجة ماء. هذه السباقات مهمة لأنها تشعرهم بقيمتهم الذاتية التي لا تبدو بأحسن حالاتها إلا من خلال الصبر والمعاناة. هذا أيضا يفسر الحركة الغريزية التي يقوم بها الناس عندما يركلون عجلات السيارة المستعملة قبل شرائها. إذا تحملت الركل فستكون صالحة للشراء! وفي مقال آخر يكتب بحزن عن رحيل كلبه «شتسر» الذي مات فجأة. يعترض الكاتب على من يعتقد بأن الحزن على رحيل الكلب مسألة زائدة في عالم مليء بالمعاناة الإنسانية. يقول من الطبيعي جدا أن يحزن الإنسان على رحيل مخلوق في غاية الجمال والطيبة والنقاء كـ«شتسر». ينقل عن أحد أصدقائه الذي حزن على موت كلبه قوله: «إنه ألطف مخلوق عرفته في حياتي. الكلب الوحيد الذي شاهدته يقبل قطة!».

    0 0

    بدأت علاقتي بالكتاب من الصغر بفضل شقيقي الأكبر رجاء النقاش فهو الذي أعطاني أول كتاب قرأته في حياتي، ولا أذكر اسمه، فقد كنت صغيرة جدا لكني أذكر أنه كان عبارة عن رواية أميركية تتناول اضطهاد السود في أميركا وقرأته بشغف كما أنه وطد علاقتي بعالم الكتب التي كانت تزخر بها مكتبة والدي المدرس والشاعر. وفي رحلتي مع الكتاب كان أول كتاب أختاره بنفسي من مكتبة والدي هو ديوان للمتنبي وكنت صغيرة أيضا لدرجة أنني لم أفهم منه شيئا لكني استمتعت بإيقاع كلماته وقد أعدت قراءته فيما بعد باهتمام ووعي أكبر. مخزون الكتب الكبير في مكتبة والدي كان كافيا لأنهل منه ما أريد قراءته في فترة النشأة الأولى ولكن هذا لم يمنعني في التفكير باقتناء كتاب من خارج مكتبة الأسرة وأذكر أن أول كتاب حرصت على الادخار من أجل شرائه من مصروفي الخاص كان كتاب «الجنس الثاني» لسيمون دي بوفوار وكنت في الثانوية العامة وسمعت عن الضجة التي أثارها هذا الكتاب بعد ترجمته في بيروت فقررت اقتناءه. واقع الأمر أنني لم أقتصر على مجال ثقافي معين، فقد تنوعت قراءاتي في مجالات مختلفة بداية من القرآن الكريم الذي أحرص عليه باستمرار مرورا بدواوين الشعر العربي القديم وصولا للثقافة العالمية التي انفتحت عليها بعد التحاقي بقسم اللغة الإنجليزية بكلية آداب القاهرة. ولا أنكر أنني كنت أكثر انبهارا بهذه الثقافة الجديدة إلى جانب حرصي على القبض على الثقافة القديمة في نفس الوقت. من بين الكتب التي يراودني الحنين الجارف لإعادة قراءتها كل فترة رواية صادفتني وأعجبتني بشدة وهى رواية «الأم» لمكسيم جوركي والتي ترجمت للعربية في الخمسينات والستينات وقد تركت أثرا عميقا في نفسي، خاصة وأنني أنتمي لقرية كانت مليئة بالفقراء - قبل أن أسافر للقاهرة للدراسة الجامعية - فرغم أننا كنا أسرة مستورة كانت هناك فقراء كثيرون حولنا في القرية لا يجدون ما يقتاتون به وكان هذا الفقر يثير تساؤلات كثيرة في نفسي ولما قرأت «الأم» استشعرت من نضال بطليها قيم الاشتراكية فكانت هذه الرواية مدخلي للاقتناع بالفكر الاشتراكي حلا للمشكلات الموجودة. وحتى بعد ظهور كتب أخرى تناولت سقوط الاشتراكية أو انتقدتها فلم يزدني ذلك إلا اقتناعا بالاشتراكية كضرورة لخلاص الإنسانية من الاستغلال. وأنا أعتقد أن ما حدث في منظومة البلاد الاشتراكية لم يكن إلا سقوط لتجربة أولى كانت بروفة تمهيدية للتجربة الثانية للاشتراكية التي ستأتي هذه المرة بعد أن تتخلص من غياب الحريات وتقييدها الذي كان سبب سقوطها في المرة الأولى. وهو ما يذكرني بكتاب آخر يتعلق بالاشتراكية أيضا، أحرص دائما على إعادة قراءته كلما استطعت وهو كتاب «الآيديولوجيا العربية» للمفكر المغربي الكبير عبد الله العروى وهو كتاب مهم يتناول جذور الاشتراكية في التاريخ العربي القديم وصولا لوقتنا الراهن، لذا أعتبره من الكتب الأساسية في مكتبتي. لم تخل رحلتي مع الكتاب من كتب ممنوعة أو شائكة حرصت على قراءتها ومنها كتاب «آيات شيطانية» للكاتب سلمان رشدي، الذي آثار جدلا كبيرا في العالم كله وهو ما دفعني لعمل حيلة حتى أقتنيه وأقرأه لأفهم سبب منعه. ولما قرأته اكتشفت أن إيران حينما أهدرت دم كاتبه كان بسبب سخريته من الخوميني وإن كان طبعا يتضمن آراء خطيرة لكنى ضد معاقبة الفكر بالقتل مهما كان. بين الكتاب العربي والأجنبي تجولت في رحلة ثقافية طويلة في عالم الكتب والحقيقة أنني لم أجد اختلافا سوى أن المشكلة ليست في الكتب ولا الكتاب المؤلفون، فنحن لدينا مبدعون ومثقفون عرب كبار ومتميزون وإنما المشكلة الحقيقية في النظام السياسي العربي الذي يقمع الحريات ويحاكم المبدعين بينما يتسم الواقع الأجنبي بطابع الحرية السياسية وهو ما يدفع نحو التقدم العلمي والإبداعي نحو حياة أفضل وأكثر رقيا. *كاتبة وصحافية مصرية. رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» و«مجلة أدب ونقد» المصريتين.

    0 0

    كتابان صدرا باللغة الإنجليزية خلال العام الماضي (2012) يقدمان نماذج من القصة المصرية القصيرة ومتوسطة الطول إلى قارئ الإنجليزية، وبذلك يمثلان إضافة مهمة إلي الترجمات السابقة ويسهمان في وضع أدبنا القصصي على الخريطة العالمية. الكتاب الأول هو «العودة إلي الوطن: ستون سنة من القصص المصرية القصيرة» (مطبعة الجامعة الأميركية بالقاهرة) من اختيار وترجمة وتقديم دنيس جونسون -ديفيز. وهذا المترجم (كندي المولد) القدير قد نقل إلى الإنجليزية أكثر من 30 عملا من الأدب العربي – ما بين رواية وقصة قصيرة وشعر ومسرح – بما استحق معه أن يعد – على حد تعبير إدوارد سعيد – المترجم الأول للأدب العربي إلى الإنجليزية في عصرنا. بدأ هذا النشاط حين أصدر في 1946 ترجمته لمختارات من قصص محمود تيمور، وما زال يواصل عمله في الترجمة حتى اليوم (انظر كتابه «حياة في الترجمة» عن تجاربه وذكرياته في هذا المجال). من بين القصص التي يتضمنها الكتاب: «أبو عرب» لمحمود تيمور، «أم العواجز» ليحيى حقي، «غروب الشمس» لشكري عياد، «الصورة» للطيفة الزيات، «حمال الكراسي» ليوسف إدريس، «الرجل الذي رأى باطن قدمه اليسرى في مرآة مشروخة» للطفي الخولي، «سيلفيا» لأحمد العايدي، «بيت لأولادي» لمحمود دياب، «مكان تحت القبة» لعبد الرحمن فهمي، «التهمة» لسليمان فياض، «كلب» لحمدي الجزار، «زيارة» لجمال الغيطاني، و«أربع أقاصيص» لمحمد المخزنجي (الذي يحظي بنصيب الأسد في هذه المختارات) و«الأب والابن والحمار» لصبري موسى، «الصفارة» لعبد الحكيم قاسم، «أمسية أخرى في النادي» لأليفة رفعت، «الساعة» لخيري شلبي، «الأم» لإبراهيم شكر الله، «العطش» لمحمود الورداني. ويقول المترجم في مقدمته إنه حين بدأ يترجم أقاصيص تيمور في منتصف خمسينات القرن الماضي، لم يكن هناك ناشر بريطاني أو أميركي متحمس لنشر أي ترجمة من الأدب العربي الحديث. بل إن الحكومات والهيئات الثقافية العربية لم تأبه لأن تشتري نسخة واحدة لمكتباتها من ترجماته. أما الآن فقد تغير الوضع كثيرا. ظهرت كادرات جديدة من المترجمين الأكفاء، وأصبحت مطبعة الجامعة الأميركية بالقاهرة تخرج قرابة 15 كتابا مترجما في كل عام. وصار من حق المترجم أن يحصل على عائد مادي محترم. وواكب ذلك اتساع في رقعة التعبير: خاصة عند الكتابة عن الجنس أو وظائف البدن (يذكر جونسون - ديفيز أن محمود تيمور اعترض على نشر قصة ليوسف الشاروني، لأن فيها حمارا يتبول في الطريق ويحدث بوله شكلا على التراب!)، كذلك زاد عدد ممارسات هذا الفن بين النساء بعد أن كن قلة نادرة تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة. ولا يتسع المجال هنا للحديث عن قصص الكتاب جميعها، وإنما حسبي أن أنوه بثلاث منها: «الرجل والمزرعة» ليوسف الشاروني (المولود في 1924) قصة محكمة البناء الهندسي على نحو فائق، تجمع بين الصنعة الفنية الكاملة والاهتمام الإنساني الذي يمد مظلة تعاطفه إلى الآباء والأمهات والأبناء على حد سواء (انظر تحليلا لهذه القصة من مجموعة الشاروني «رسالة إلى امرأة» في كتاب يحيى حقي «خطوات في النقد»). و«الجد حسن» ليحي الطاهر عبد الله (1942 - 1981) ذات مذاق صعيدي صميم، تنم على موهبة في الحكي ينفرد بها هذا القاص الذي توفي - قبل أن يكتمل عطاؤه - في حادث سيارة. لقد تمكن أمثال يحيى الطاهر وسعيد الكفراوي ومحمد البساطي ومحمد مستجاب ومحمد روميش وعبد الحكيم قاسم من أن يحققوا حلم يوسف إدريس؛ «تمصير» القصة القصيرة ونقلها من مرحلة التأثر بتشكوف وموباسان وإدجار بو إلى تقاليد القص المحلي في القرية والمدينة. و«القاهرة مدينة صغيرة» لنبيل نعوم جورجي (المولود في 1944)، وهو مهندس عمل في الولايات المتحدة الأميركية وتأثر بكواباتا وبورخس والتراث الصوفي العربي. إنها قصة قوطية توفي على الغاية في رسم الجو واستخدام اللغة على نحو إيحائي يتسم بالقصد في التعبير. هنا مهندس قاهري يقع في حب فتاة غجرية ترعى الأغنام في حديقة أمام بيته (قارن موقفا مشابها في رواية نجيب محفوظ «قلب الليل»). وينتهي الأمر بأن يعدمه قومها في الصحراء الشمالية الغربية من مدينة القاهرة على نحو شبيه بما يحدث لجوزيف ك. بطل كافكا في خاتمة رواية «المحاكمة». والكتاب الثاني الذي أريد أن أتحدث عنه هو «حكايات المواجهة: ثلاث روايات مصرية قصيرة»، من تأليف يوسف إدريس (مطبعة الجامعة الأميركية بالقاهرة) وترجمة الدكتور رشيد العناني. والمترجم هو أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة إكستر البريطانية. له باللغة العربية كتاب «المعنى المراوغ» (وهو مجموعة مقالات نقدية) وكتاب «عالم نجيب محفوظ من خلال رواياته» وكتاب «حصاد القول» (وهو يضم مقتبسات من روايات نجيب محفوظ وأقاصيصه وأحاديثه الصحافية) وكتاب «نجيب محفوظ: قراءة ما بين السطور»، فضلا عن مقالات كثيرة متفرقة عن كولردج، وإزرا باوند، وقاموس «المورد»، وتوفيق الحكيم وغير ذلك من المواضيع. وله بالإنجليزية كتاب «نجيب محفوظ: البحث عن المعنى»، وكتاب «نجيب محفوظ: حياته وعصره» وكتاب «تمثيلات عربية للغرب: مواجهات الشرق والغرب في القصة العربية» (لندن ونيويورك، الناشر: رتلدج 2006). وقد ترجم إلى الإنجليزية رواية محفوظ «حضرة المحترم»، وشفّعها بدراسة تحليلية مدققة. كما ترجم إلي الإنجليزية مسرحية ألفريد فرج «على جناح التبريزي وتابعه قفة» تحت عنوان «القافلة». يضم كتاب «حكايات المواجهة» ثلاث قصص متوسطة الطول (نوفيلا) لإدريس، تغطي الفترة من أواخر خمسينات القرن الماضي حتى أوائل ثمانيناته. وهذه القصص هي: «سره الباتع» (1958) «السيدة فيينا» (1959) «نيويورك 80» (1980). والكتاب، كما هو واضح من عنوانه، يجمع بين أعمال تشترك في خيط واحد هو خيط المواجهة بين الشرق والغرب، وما تولده من تفاعلات وتوترات. إنه خيط ممتد في أدبنا العربي منذ مطلع القرن الـ19 حتى يومنا هذا؛ تجده بصور مختلفة في «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» للطهطاوي، و«الساق على الساق» للشدياق، و«حديث عيسى بن هشام» للمويلحي، و«الأيام» و«أديب» لطه حسين، و«عصفور من الشرق» للحكيم، وبعض أزجال بيرم التونسي، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و«جسر الشيطان» لعبد الحميد السحار، و«الساخن والبارد» لفتحي غانم، و«أصوات» لسليمان فياض، و«الشاطئ الآخر» لمحمد جبريل، و«محاولة للخروج» لعبد الحكيم قاسم، و«شيكاغو» لعلاء الأسواني و«بروكلين هايتس» لميرال الطحاوي وغيرهم. والمواجهة في هذه الأعمال تتخذ عادة شكل رحلة يقوم بها رجل عربي أو امرأة عربية من الشرق إلى الغرب، حيث يقع في حب امرأة أو رجل غربي. وكل طرف يمثل ثقافته المغايرة لثقافة الآخر. ويوسف إدريس (1927 - 1991)، بما يشبه الإجماع النقدي، هو أمير القصة العربية القصيرة، مثلما أن محفوظ هو أمير الرواية. وكاتب هذه السطور لا يشارك النقاد رأيهم في إدريس، فهو يراه كاتبا متفاوت المستوى على نحو بالغ، له روائع لا تنكر مثل بعض أقاصيص «أرخص ليالي» و«جمهورية فرحات» و«حادثة شرف» و«لغة الآي آي» و«قاع المدينة» و«بيت من لحم». ولكنه - في غير ذلك - لا يعدو أن يكتب نوادر مسلية، أو يصور مواقف مسطحة يعوزها العمق، فضلا عن عيوب لغته وافتقارها - في أحيان كثيرة - إلى الجمال الفني، وإن لم تفتقر إلي الحيوية. والواقع أن إدريس - كما كتبت عنه في موضع آخر - هو طفل النقد الأدبي المدلل. لقد دلّله النقاد - مع استثناءات قليلة - وأسرفوا في تدليله. نحن نتكلم وكأنه الكاتب الأوحد للقصة القصيرة وننسى أن نجيب محفوظ كتب قصصا قصيرة لا تقل أهمية عن رواياته (رائعته «زعبلاوي» مثلا) وتتفوق على أي شيء كتبه إدريس. وهناك أقاصيص أخرى ليحيى حقي وإدوار الخراط وشفيق مقار ويوسف الشاروني وسليمان فياض وغالب هلسا وزكريا تامر، لا تقل عن قصص إدريس، وأحيانا تتفوق عليها. والكتاب الراهن برهان على ما أقوله هنا: فهذه القصص متفاوتة المستوى على نحو بالغ، وليس فيها ما يمثل إدريس في أحسن أحواله. «سره الباتع» و«السيدة فيينا» قصتان متوسطتا المستوى تحملان - ولا شك - لمحات من موهبة إدريس - أو عبقريته إن شئت - ولكنهما لا تمثلان وحدات عضوية متكاملة. أما «نيويورك 80»، فهي بالغة الرداءة على نحو مؤكد، تمثل الهوة التي كان ينحدر إليها هذا الكاتب في بعض الأحيان. وحتى الناقد الراحل عبد الرحمن أبو عوف - وكان من أشد المتحمسين لإدريس - لم يملك إلا أن يدينها. على أن الكتاب يغطي جانبا من إدريس لم ينل حقه من الدراسة حتى الآن، ويلفتنا إلى تعدد اهتماماته ورغبته في ارتياد آفاق جديدة. والترجمة - مثل ترجمة دنيس جونسون - ديفيز - ممتازة، تنم على كفاءة واقتدار. هذان كتابان جديران بالاقتناء، نتطلع إلى أن نرى صداهما عند أدباء الإنجليزية ونقادها، ودارسي القصة العربية من غير العرب.

    0 0

    يرى كثير من المراقبين أن دور الإعلام الفضائي العربي كان ملتبسا خلال الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في عدد من البلدان العربية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ويعود ذلك إلى المبالغة في التركيز على قضايا معينة أو الانحياز إلى بعض الأطراف السياسية وتضخيم دورها، وفي نفس الوقت تجاهل دور قوى أخرى. وقد تحكمت الدوافع الآيديولوجية والأهداف السياسية بمتابعة القنوات لأحداث الاحتجاجات، نظرا لأن أغلب وسائل الإعلام الفضائية مملوكة من الدولة، أو تحصل على دعم مالي ولوجيستي من الدول التي تبث. ورغم ذلك، لعبت القنوات الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي دورا مؤثرا وإيجابيا تمثل في استفادة الجماهير الشعبية من الطاقة التي خلقتها فيها وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، لمواصلة الاحتجاجات ضد محاولات تيار الإسلام السياسي فرض شكل جديد من الاستبداد، بعد فوزه بالسلطة عن طريق الشرعية الانتخابية، خصوصا في مصر وتونس، فتم الانتقال إلى شكل جديد من الاحتجاج بدلا من «التنظيم الفضائي» عندما شكل الشباب الواعي حركات جديدة، تطالب بتحقيق المطالب التي رفعتها الاحتجاجات «حرية، كرامة، عدالة اجتماعية»، وترفض سلطات الشرعية الانتخابية، التي تنكرت لوعودها وانفردت بالسلطة، وحرمت الحركات الاجتماعية والقوى السياسية الأخرى من المشاركة في صنع القرار السياسي، حيث نجحت حركات «تمرد» في مصر وتونس في تنظيم مظاهرات مليونية حقيقية، استطاعت إسقاط سلطة الإخوان في مصر وإضعاف سلطة حركة النهضة في تونس التي فقدت قدرتها على الاستمرار في التحكم بالسلطة، على الرغم من مساندة بعض النخب السياسية لها. يبدأ الباحث الدكتور سويم العزي، في كتابه الجديد المعنون «نظرة ثانية بخصوص الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي والحراك السياسي العربي»، بطرح تساؤلات عن هدف القنوات الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي، منها: «ما الكيفية التي تتمكن بها شبكات التواصل الاجتماعي من خلق التأثير؟ وهل هناك أهداف محددة وراءه؟ وما الوسائل التي تتمكن بها من جلب الانتباه حول قضايا معينة دون غيرها؟ هل تخفي وراءها عملية التلاعب بالمشاعر بهدف استعمار مشاعر الأفراد؟ ولغرض الإجابة على تلك التساؤلات يقوم الباحث بمعالجة الموضوع من زاويتين، الأولى من الزاوية السسيولوجية لغرض التعرف على ماهية عمل الفضائيات، وثانيا من الزاوية السيكولوجية بهدف الوقوف على الآليات التي تؤثر فيها على السلوك الاجتماعي» ص 5. وعند تحليله لأسباب تزايد أعداد الذين يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي، التي لم تقتصر على منطقة جغرافية معينة، بل تشمل كل دول العالم المتطورة منها والمتخلفة، يرى أنها تعود إلى حاجة الفرد إلى إثبات الذات. ففي الدول المتطورة أدى المجتمع الاستهلاكي إلى تهميش أعداد واسعة من المواطنين، نتيجة قيام الهرمية الاجتماعية على التملك التي تتمتع بها قلة من السكان، أما في المجتمعات النامية «المتخلفة» فإن القهر السياسي والاجتماعي حرم الأغلبية من ممارسة الحرية. لذلك أصبح كل هؤلاء يبحثون عن وسيلة يتجاوزن بها واقعهم، فوجدوها في شبكات التواصل الاجتماعي كواقع افتراضي لإشباع الذات. يناقش الباحث هذه الموضوعات وغيرها في خمسة فصول، حيث تناول في الفصل الأول العلاقة بين الديمقراطية ووسائل الإعلام، مشيرا إلى أن وسائل الإعلام يمكن أن تكون قوة ضد الديمقراطية، بسبب عدم قيامها بوظيفتها الإعلامية بشكل صحيح، خصوصا التجارية منها، فتصبح وسائل إعلام تدافع عن ثقافة السلطة القائمة، بسبب تملكها من قبل أقلية من الشركات المتعددة الجنسية التي ترتبط بوشائج متنوعة مع السلطات الحاكمة ونخبها المتنفذة. أما في الفصل الثاني فقد قام الباحث، بتحليل الآليات السيكولوجية للتأطير السياسي للفضائيات الإعلامية، متناولا مفهوم الخبر كسلعة تقوم بتسويقها، حيث تركز وسيلة الإعلام على خلق علاقة عاطفية بين المعلومات التي تقدمها والفرد، مما يخلق تبعية المشاهد لوسيلة الإعلام باعتبارها «المصدر الرئيس للثقافة والمتعة». تناول الفصل الثالث الفضائيات العربية الإخبارية، التي دخلت إلى المجتمع العربي في بداية تسعينات القرن الماضي، باعتبارها وسائل إعلام مملوكة للدولة تعكس وجهات نظر الجهات الرسمية حول التناقضات والصراعات السياسية والاجتماعية، مما أدى إلى نقل الصراعات الوطنية من محيطها المحلي إلى المحيط العربي، فلم يعد، على سبيل المثال، الصراع العرقي والقبلي في السودان والعراق وكذلك الصراعات الطائفية في لبنان والعراق وغيرها من البلدان ذات صبغة محلية، بل أصبح المجتمع العربي يتفاعل مع مجريات هذه الصراعات ويؤثر عليها سلبا أو إيجابا، تبعا للمعلومات التي تقدمها الفضائيات العربية. يناقش الباحث في الفصل الرابع دور شبكات التواصل الاجتماعي في الحراك الشعبي، من خلال تغيير وظيفتها من اللهو والدردشة، إلى التنافس مع القنوات الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى في توجيه الرأي العام لأهداف محددة، وتبتعد عما تطرحه القنوات الفضائية ورغبات السلطات الحاكمة ورقابتها مما جعلها تتحول تدريجيا إلى «سلطة خامسة» نتيجة الدور السياسي الذي تقوم به بعد أن أصبحت لها وظائف محددة، حسب رأي سيغريد بارينغورست (Sigrid Baringhorst)، من أهمها: الوظيفة البرنامجية لتعبئة الاحتجاجات، الوظيفة الإدراكية لخلق الإنتاج المعرفي والاتصالات، الوظيفة الوجدانية لتكوين الهيئة الافتراضية، الوظيفة التكنيكية لاستخدام الإنترنت كسلاح وهدف، وأخيرا وظيفة التنظيم الاجتماعي لشبكات عابرة للقارات. كما أن لهذه الشبكات وظيفة سيكولوجية تتمثل في إشباع رغبة الأفراد في إثبات الذات، «ما دمت موجودا على الإنترنت وأرى الآخر والآخر يراني فأنا موجود». في الفصل الخامس، يحلل الباحث أسباب التخبط الفكري والسياسي التي وقعت فيها حركة الاحتجاجات الشعبية، مشيرا إلى أن ذلك يعود إلى غموض مواقف النخب المثقفة وقلة عطائها الفكري، الأمر الذي أدى إلى أن تقع تحركات الجماهير الشعبية تحت تأثير الشعارات السياسية اليومية، مما أفقدها الديمومة بسبب عدم توفر غطاء فكري لها، بمعنى آخر إن تحرك الناس يقوم على العاطفة السياسية وليس الوعي الثقافي، وهذا ما يفسر ضعف المشاركة في الانتخابات التي أعقبت سقوط الأنظمة الاستبدادية في عدد من البلدان العربية، حيث تراوحت نسبة المشاركة بين 50 - 60% في حين خرج الناس بالملايين إلى الشوارع طلبا للحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية... ص 171. الكتاب ممتع ومفيد، على الرغم من حاجة القارئ إلى مستوى معين من المعرفة بعلم النفس السياسي والاجتماعي، حيث مزج الباحث بينها لعرض موضوعاته. وتتمثل أهمية الكتاب في: أولا: إلقاء الضوء على دور القنوات الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي التي نجحت في تحفيز المشاعر لدى أعداد كبيرة من الناس في الكثير من الأقطار العربية للمطالبة بحقوقها، من خلال الاشتراك في الانتفاضات والاحتجاجات، والأسباب التي أدت إلى عدم تحقيق الاحتجاجات النتائج المرجوة منها، بعد أن خطفت القوى التقليدية السلطة، خصوصا قوى تيار الإسلام السياسي، التي امتزجت خبرتها التنظيمية بالمال السياسي والدعم الإعلامي الخارجي. ثانيا: تناول جديد لدور وسائل الإعلام، التي تحولت وظيفتها من صنع الرأي العام إلى صنع السلوك السياسي للأفراد، أو بمعنى آخر أصبحت وسائل الإعلام هي الرأي العام، بعد أن أصبحت المادة التي يحصل عليها الفرد من القنوات الفضائية قادرة على تعديل السلوك السياسي له، لأن المعلومات التي يقدمها التلفزيون تستند إلى فكرة «إن الخبر الذي أشاهده يجب أن أصدقه لأني أراه أمام عيني»، حسب قول أولكا كوكنا (Olga cuenca). ص 11 «نظرة ثانية بخصوص الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي والحراك السياسي العربي». المؤلف: د. سويم العزي. الناشر: دار الحكمة، القاهرة، 2013. عدد الصفحات 200 من الحجم الكبير.

    0 0

    صدر عن دائرة الثقافة والإعلام صبالشارقة كتاب نقدي جديد للدكتور رسول محمد رسول يحمل عنوان «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة». وفي حقيقة الأمر لا يقتصر الكتاب على حاستي اللمس والبصر، وإنما يمتد إلى الحواس الثلاث الأخرى أيضا وهي السمع والشم والذوق. لا تنحدر السردية العربية من وجهة نظر رسول إلى النفس التسجيلي الساذج، بل إنها ترتقي إلى الواقع من خلال فهمه وتحويله إلى واقع متخيل يستجيب لشروط الإبداع السردي، لأن السرد يسرب الواقع شئنا أم أبينا. يضم الكتاب دراسات معمقة لـ17 رواية عربية تتمحور على الحواس المذكورة أعلاه وقد تبنى الناقد منهج التحليل السيميائي الذي «يبتغي دراسة المعنى والتمثيل والإشارة والعلامة والتواصل كما هي متخيلة في بنية المسرود روائيا». لا بد من تقسيم الكتاب على وفق البلدان والفضاءات العربية التي رصدها الناقد وهي العراق والخليج العربي ومصر والمغرب، آخذين بنظر الاعتبار أن العراق قد حظي بحصة الأسد وهي ثماني روايات، ويليه الإمارات بأربع روايات، والسعودية بروايتين، ورواية واحدة لكل من مصر والمغرب. ما يجمع هذا العدد الكبير من النصوص الروائية هو تناول الذات سرديا؛ الذات كجسد مقهور ومستلب مرة، ومحبذ ومرغوب به مرة أخرى، كما أن تمثيلات الجسد لها حصة كبيرة تتجاوز الأنا لتمتد إلى الزمان والمكان والمصير الذي تواجهه الشخصيات التي وضعها الباحث تحت مشرطه النقدي الحاذق. لقد توصل الناقد إلى أن تمثيل الجسد الأنثوي العراقي لا يخرج عن إطار العطب والمهانة لأن النصوص الثمانية التي فككها الناقد لا تخرج عن فضاء الخطف والتعذيب، والاغتصاب السياسي والأخلاقي، والموت كنهاية مرتقبة. لا شك في أن بعض الأسماء العراقية ضالعة في الإبداع السردي، ومنهم محمد خضير ومحمود سعيد وعالية ممدوح، وهذا التقييم لا يقلل من أهمية الأسماء الخمسة الأخرى فلكل منهم بصمته الخاصة، ونكهته التي تختلف عن الآخرين. يصنف رسول رواية «كراسة كانون» لمحمد خضير بأنها أنموذج لسرديات ما بعد الحداثة وقد بنى مدينته الفانتازية كبديل متخيل عن البصرة وبقية المدن العراقية التي طالها الدمار. وقد اعتمد الروائي في هذا النص على ضمير المتكلم، وهو السارد الموضوعي، والعالم بكل تفاصيل النص الروائي، كما أنه البطل والشاهد والمشارك في الأحداث. وقد لبت تقنية الاستذكار هذا النمط من التمثيل السردي الذي استدعى من خلاله رسامين إسبانيين وهما غويا وبيكاسو اللذين صورا الخراب الذي حل ببلدهما إثر الحروب المتعاقبة فبنى كل منهما مدينته الفانتازية المتخيلة، لأن المدن التي عانت من ويلات الحروب ونكباتها قد أصبحت مشوهة ومغتصبة، وباعثة على الإحساس بالألم، والشعور بالمرارة. لا تخرج رواية «الطعنة» لمحمود سعيد عن إطار الخراب الذي حل بالعراق وطنا وشعبا، فهي أنموذج للعنف الجسدي، والاغتصاب، ومحاولات لتركيع الإنسان العراقي بشتى السبل، وطعنه في شرفه وكرامته. فالرفيق الكبير الذي زار مدرسة ما في البصرة أعجب بالمعلمة «حسن» وقرر ابتزازها ومساومتها على شرفها مقابل إخلاء سبيل زوجها د. ودود الذي زجوا به في السجن. وحينما تمانع ويتعذر إقناعها يلجأ إلى ضربها ضربا مبرحا، ويغتصبها في نهاية المطاف، ويزرع في بطنها جنينا لابنة سوف تسميها «شامة»، وهي تحمل كل ملامح المغتصب التي تؤرق «حسن» ليل نهار. وعلى الرغم من اقتصاص منظمة إسلامية كانت تتخذ من إيران مقرا لها من المغتصب وإعدامه، فإن زوجها د. ودود لم يظهر لا حيا ولا ميتا. لقد لعب الصوت دورا مهما في هذا النص القائم على التنصت، وتسجيل الأصوات والمكالمات بطريقة سرية تفاجئ المجني عليها التي جرى استباحتها وتحطيمها، لكنها لم تُهزم. يلعب الصوت دورا مهما في رواية «غرام براغماتي» حيث يترك «بحر» رسائل صوتية إلى «راوية» فتحول هذه الأخيرة الصوت الأيقوني إلى جسدية مضاعفة مشبعة بصوت الحبيب. لقد تعاضد الصوت والشم واللمس لخلق مشهدية التواصل المحكي. وتندرج رواية «أقصى الجنون.. الفراغ يهذي» لوفاء عبد الرزاق في إطار روايات المنفى، لكن أسباب النفي سياسية. فثمة سجن، وتعذيب، واغتصاب لابنة أمام أبيها، الأمر الذي يدفع ببطلة النص للهروب من العراق والاستقرار في سوريا أولا ثم المغرب قبل أن تصل إلى لندن وتستعيد اسمها الحقيقي (وصال)، بعد أن تقنّعت بثلاثة أسماء مستعارة زينب، مريم وسكينة. ترصد رواية «القنافذ في يوم ساخن» لفلاح رحيم وقع الغربة على الأستاذ سليم كاظم الذي قرر العودة من الخارج إلى بغداد بعد السقوط، لكنه يصدم حينما يسمع بنبأ اغتيال صديقه الشيوعي شهاب بمسدس كاتم للصوت الأمر الذي يدفع للتفكير بالمغادرة والبحث عن منفى آخر. تتمحور هذه الرواية حول موقف غالبية المثقفين العراقيين من ثنائية الوطن والغربة، إذ غادروا الوطن جسديا، لكن أرواحهم ظلت عالقة هناك في سماء ما بين النهرين. كثيرة هي المعضلات التي ترصدها الرواية الإماراتية ومنها صورة الرجل الإماراتي وهي صورة إيجابية في رواية «أجراس» لزينب الياسي التي رصدت العلاقة الزوجية التي تربط أماني بزوجها سالم. فعلى الرغم من أنها تتهمه بالنسيان المفرط لمواعيد العيادة، واجتماع أولياء الأمور في المدرسة، وتجديد الجوازات، فإنه لم يتخلّ عنها، ولم يخنها مع غيرها، ولم يسارع إلى الطلاق، ولا الزواج بامرأة أخرى، على الرغم من تسلمه رسائل وصورا إلكترونية عن علاقات زوجته برجال آخرين. يؤكد رسول بأن رواية «شارع المحاكم» لأسماء الزرعوني تتمحور على الأنوثة الجديدة التي تبحث عن حرية التواصل والهوى وتقرير المصير. كما تبحث هذه الشخصيات عن عالم معاصر أكثر حبا وتسامحا مع الآخر المقبل من مجتمعات عربية. تبدأ رواية «أوجه المرايا الأخرى» لفاطمة السويدي بتمثيلات الحلم وتنتهي بتمثيلات الواقع. فمهرة تستذكر جدتها وأمها، لكن هذه الحفيدة تتعلم سرد الحكايات على الرغم من أن مدار الأم بدا رئيسا في المتن الخطابي. أما الرواية الرابعة وهي «مخطوطات الخواجة أنطوان» لفاطمة العبد الله فهي أشبه بالخروف الأسود في قطيع أبيض، إذ خرجت كليا عن «الزمكان» والشخصيات الإماراتية حيث تنقلت بين شيكاغو وبيروت وبومباي، قبل أن تحط الرحال في إسبانيا حيث يسرق الخواجة أنطوان وثائق كنسية مهمة ويهرب من المؤسسة الفاتيكانية، لكن الكنسيين يلاحقونه ويسترجعون هذه الوثائق المهمة التي تتعلق بمستقبل الوجود بما فيه الطبيعة والإنسان والمجتمع. تصور الرواية، كما يرى رسول، أزمة الذات الإنسانية وهي تعاني من هيمنة الدين الذي تمارسه كبرى المؤسسات الدينية في العالم. كما يصف الناقد هذه الرواية بأنها نص خلق واقعه الخاص به، وهو بالنتيجة ليس نصا تاريخيا ولا رواية فانتازية. ربما نكتفي بالقول إن رواية «نساء المنكر» لسمر المقرن قد سعت لتمثيل الغيرة روائيا، فـ«سارة»، التي حلت محل أسيل وارتبطت مع رئيف، الذي سيتصل بأسيل هاتفيا من لندن ليشعل نار الغيرة عند سارة. لا تنطوي هذه الرواية على بعد إشكالي، لكنها تظل عملا واقعيا ينبض بهاجس إنساني ما. أما الرواية السعودية الثانية فهي «ستر» لرجاء عالم، التي ترصد شخصية مريم الخارقة الجمال التي لا تجد ضيرا في أن تذهب إلى بعض الشقق المشبوهة، طالما أن أباها مريض ومقعد، وأخاها غارق في عالم الإنترنت. تفضح الروائية القطرية نورة آل سعد في «تداعيات الفصول» الذات الذكورية الغارقة في وحل الفساد المؤسساتي، كما تكشف النعرة القبلية، وتسلط الضوء على التصادم الحاد بين الذكورة والأنوثة. يرسم الروائي المصري عزت القمحاوي في «مدينة اللذة» معالم مدينة خيالية، كما فعل محمد خصير في «كراسة كانون»، لكن مدينة القمحاوي حوشية الجمال تستسلم لمداعبات الريح الإيروسية فيفيض ماؤها ويغمر المدينة. وربما يكون الناقد رسول محمد رسول قد اختصر تمثيل الحكاية حينما وصفها بأنه «عطر الذكورة قد اختلط بماء الأنوثة». أما العمل الروائي الأخير فهو «الملهمات» للمغربية فاتحة مرشيد، وتدور أحداثه حول حكاية إدريس مع ملهماته. ويبدو أن الروائية قد وقعت في فخ التطرف مع هذه الشخصية الإشكالية، فهو مثقف يداوي الناس لكنه عليل، وعلته أنه ارتمى في أوحال الإباحية السلبية. ويرى رسول أن مرشيد قد رسمت صورة سلبية للمثقفين العرب الذين جرى تسريد شخصياتهم في الرواية. لا بد من الإشارة إلى التقنية الجميلة التي استعملتها الروائية مع عمر الذي سيتحول إلى مروي له، وهو المغمى عليه، ملتزمة بنصيحة الطبيب الذي أوصاها بأن تسرد له بعض ما عاشه معها منذ أن تعارفا في المرحلة الجامعية. يتعمق النص أيضا بالتلاقحات التناصية المتعددة مع نصوص أندريه مارلو، فيرجينيا وولف، أوسكار وايلد وفرناندو بيسوا وآخرين.

    0 0

    لم تكن رحلتي مع الكتاب جبلية، فالكتاب من موجودات البيت قبل وجودي؛ كان في الخيمة في مخيم عقبة جبر، على طرف أريحا حيث ولدت ابنة لشاعر. ربما كان الحظ معي بوجود ذلك الأب الذي سيوفر مكتبة للجميع، بعد استقرار العائلة في مخيم الكرامة، في بيتنا الطيني التابع لوكالة غوث اللاجئين. كانت المجلات مرتبة في خزانة، سأرى «الأديب»، و«الآداب»، و«مجلة العربي»، ومجلة ترأسها ماري كعيبني، من بيت لحم، كان أبي يشارك في الكتابة فيها. كان إحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ، وعمر بن أبي ربيعة، وأبو فراس الحمداني، مؤلفين وكتبا رافقوا طفولتي. وبفعل العمر، سأختار من الرفوف كتابا ضخما: «دكتور جيفاكو» الذي عانيت في التعرف عليه، ولم يعلق في ذهني منه أكثر من أن الطبيب كان في الحرب. كنت أعرف أن وجودي في المخيم كان نتيجة حرب خسرنا فيها قريتنا «زكريا»، وعندما أعيد قراءته في بيروت، وأنا في الثلاثين من عمري، سأكتشف أني أقرأ كتابا آخر، لكني سألتقي في المكان نفسه «فوبي»، في ترجمة لرواية «ثلوج ودماء» التي أجهل، حتى الآن، اسم كاتبها. كانت أول رواية في حياتي، تظل الكلمات على غلافها الأخير عالقة بذاكرتي؛ إنها (قصة الحسناء «فوبي» التي ضحت بشرفها في سبيل عائلتها خلال الحرب العالمية الثانية). فوبي التي استعرت شخصيتها بمجرد انتهائي من قرأتها.. يا لفوبي التي جعلت مني بطلة في حصة الإنشاء في مدرستي، حين كتبت عن فتاة تضحي من أجل عائلتها في رام الله. سأكمل دراستي، وستختلف تجربتي. سأقرأ غسان كنفاني، ومعين بسيسو، وشعراء الأرض المحتلة، وكتاب مجلة «الأفق الجديد» التي كان أبي من كتابها. وسترعى بدايتي مدرسة اللغة العربية، المناضلة السياسية، فاطمة البديري حماد. كان تاريخ 15 مايو (أيار) ذكرى النكبة، عنوان موضوع درس الإنشاء، حين تركت تلك السيدة ملاحظة على دفتري: «يا ابنتي أنت تمتلكين قلما عليك أن تضعيه في خدمة شعبك». هذه الملاحظة، كانت بداية محاولة كتابة قصة قصيرة، سيتاح لي نشرها في جريدة فلسطين، في زاوية القصة. وقد أدخل عليها مسؤول الزاوية تعديلات. بدأت تلك الزاوية تستقبلني ككاتبة، لتعزز ثقتي فيما كتبت. كانت الكتابة عن فلسطين فقط؛ أنشر كتاباتي في الصحف الأردنية، وأبالغ في انتقاء اللغة. وربما ساهم اسم والدي في تسهيل النشر. لكن اللغة كانت تطغى على كل ما كتبته في تلك الفترة، وكذلك عدم الشجاعة وقلة الجرأة لأكتب عن الحب مثلا. في 1977 كانت بيروت فضاء بلا حدود للنضج والاختيار في كل شيء، وستكون الكتابة بالنسبة لي كمن يبدأ من أول اللغة. في بيروت انتميت لحركة فتح، وتعرفت على عمالقة في الكتابة، وعرفت الحرب والحب، وبدأت تجربة مختلفة منحازة إلى الرواية، أينما كانت جغرافيتها، إلى جانب البحث في التاريخ الفلسطيني القديم، منذ حطت قبائل كنعان رحلتها وشكلت هوية الفلسطيني. رسمت، وطرزت، وكتبت، وحملت نص التاريخ إلى ما أكتب. صدرت لي مجموعتان قصصيتان وثلاثة كتب عن عملي في الذاكرة الكنعانية، وسرد عن تجربتي البيروتية، وبقيت «فوبي»، ابنة الحرب، معي، تماما كما ليالي مخيم الفوار حين اصطحبني أبي لدروس محو الأمية في مركز وكالة الغوث، ورأيت صورة جمل تحته حرف «ج»، لحظتها، تركت الجمل وأحببت شكل الحرف. عبرت الستين عاما الماضية، هل كتبت روايتي الحقيقية؟ لا أعتقد.. ولا أدري إن كنت سأكتبها، أم أحملها معي في رحلتي الأخيرة. * كاتبة وفنانة تشكيلية من فلسطين

    0 0

    قد يجد القارئ في هذا الكتاب تفسيرا لسوء الأداء السياسي والاقتصادي في لبنان، الذي يحرم المواطن من أبسط ظروف العيش الكريم. لقد مر لبنان كما هو معروف بأحداث جسيمة تغلب على تداعياتها، لكن تفاقم الأزمات والمشاكل السياسية والإنمائية، وتدنِّي أداء الدولة، وتفاقم الأزمات المعيشية، وتراجع حالة الخدمات العامة، زاد من يأس المواطنين في تحسين أوضاع بلادهم، خصوصا مع ما يحصل في دول الجوار من ثورات، ويرتد سلبا على الوطن الصغير المساحة. فقد ازداد الانقسام الحاد بين الزعامات السياسية اللبنانية، وارتفع الدين العام على الرغم مما أنفقته الدولة منذ ثلاثين سنة بحجة الإعمار، وعلى الرغم من موارده الطبيعية، وكفاءاته البشرية التي لا يعلم كيف يستغلها في الداخل فيرحلها إلى خارج حدود الوطن. قسّم المؤلف كتابه الصادر عن «دار الفارابي»: «نظرة بديلة إلى مشكلات لبنان السياسية والاقتصادية»، إلى جزءين: الأول يتعلق بالأوضاع السياسية، والثاني بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وفي الجزءين اقتراحات عديدة حول المعالجات الممكنة خارج الإطار التقليدي لكل من الثقافة السياسية والاقتصادية اللبنانية، وذلك اعتقادا منه بأن المشكلة التي نشعر بأنها مستعصية الحل هي مطروحة بشكل غير صحيح. يطرح المؤلف مجموعة أسئلة محورية حول إمكانية فصل السياسة عن الاقتصاد في الأزمة اللبنانية، ومصير نظام لبنان الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وما هي قدرة البلاد على الصمود أمام المتغيرات العملاقة التي تشهدها المنطقة هناك الكثير من اللبنانيين الذين يعتقدون أن الأزمة هي نتيجة سوء أداء السياسيين واستهتارهم بالمصلحة العامة، ولذلك لا ترى هذه الفئة أي فائدة من الخوض في أمور الإصلاح، طالما أن لبنان خاضع للنظام الطائفي الذي جعل خيرات البلاد مجرد تقاسم مغانم بين الزعماء. ويرى بعض اللبنانيين أن أصل البلاء هو في هيمنة سوريا على هذا النظام وتداخلها فيه بشكل متواصل، سواء خلال سيطرتها ووجودها في لبنان أم بعد خروجها من لبنان عام 2005. وفي نظر هؤلاء أن مجرد تغيير النظام في سوريا سيسمح بحل المشاكل التي يتخبط فيها لبنان. ويرى فريق ثالث من اللبنانيين أن أصل الداء في سوء تطبيق اتفاق الطائف وانحرافه نحو نظام «الترويكا» وعدم تحقيق الإنماء المتوازن والوفاق الوطني الحقيقي. وهناك فئة واسعة من اللبنانيين تعتقد أن الوضع لا يمكن أن يتحسن في ظل استمرار الصراع العربي الإسرائيلي. هذه الطروحات الأربعة تؤكد استحالة إجراء أي إصلاح اقتصادي من دون إعادة النظر في الوضع الإقليمي، وكذلك في الوضع السياسي الداخلي، وهي طروحات تؤدي كلها إلى طريق مسدود. ويرى المؤلف ضرورة إعادة النظر بشكل جذري في هذه الطروحات. ويقول إن الحكمة التقليدية ترى أن استقرار الأحوال وحسن الحكم السياسي هما القاعدة الأساسية للنمو الاقتصادي والازدهار. لكن هناك دولا مارست أنواعا مختلفة من الاستبداد والعشوائية، ومع ذلك فإن معدلات النمو الاقتصادية فيها كانت عالية. مثال ألمانيا في القرن التاسع عشر في عهد بسمارك، وتشيلي في سبعينات القرن الماضي عندما استولى الجيش على الحكم. وكوريا الجنوبية التي لم يسد فيها الفساد فقط إنما أيضا الاضطراب الأمني والحرب الشعواء التي عصفت بشبه الجزيرة الكورية، وقسّمتها إلى دولتين متناحرتين، كما يستشهد بالإنجازات الأولى للثورة الصناعية وبوادرها التي تمت في أجواء الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك، أو في حالة حرب مستمرة في إيطاليا بين الإمارات والممالك والجمهوريات الشهيرة مثل البندقية وجنوى وفلورنسا. أما الفكر الاقتصادي العربي فلا يزال يعتمد النظرة التبسيطية، فهو يجد في الأوضاع الأمنية المضطربة عذرا سهلا لتفسير العجز الهائل للمجتمعات العربية في امتلاك القدرات التكنولوجية الحديثة والمساهمة في حركة التجارة الدولية والعولمة على قدم المساواة مع البلدان التي انتشلت نفسها من الحلقة المفرغة للتخلف وأصبحت فريقا مهما في الحياة الاقتصادية الدولية، مثل دول شرق آسيا ككوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وماليزيا، وهذه الأخيرة دولة إسلامية تمكنت من الإفلات من حلقة التخلف.w يعرض المؤلف المنظومة الفكرية بين أنصار وظيفة لبنان الخدماتية والتوسطية وأنصار الإنماء المتوازن، والتي أثارت جدلا بين مدرستين. فالمدرسة الأولى استلهمت كتابات ميشال شيحا، وتبرر طرحها بالتراث الغني والمتعدد الجوانب، وتختصر هذا الإبداع بالتجارة والسياحة والهجرة والسمسرة، بينما كانت المدرسة الثانية تبرر موقفها بأن للبنان موارد مائية وزراعية مهمة وكفاءات بشرية مهمة. لذلك كانت ترى إمكانية تطوير الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد متنوع يعتمد على القطاع الزراعي والصناعي والخدماتي في آن واحد. وكانت ترى في هذا التطوير تأمينا لفرص عمل كافية لاستيعاب سرعة زيادة السكان. كسبت المدرسة الأولى المعركة إلى عهد فؤاد شهاب الذي عمل بسياسة اقتصادية واجتماعية تهدف إلى التنمية المتوازنة بين كل المناطق اللبنانية، وإلى تقوية كل من القطاعين الزراعي والصناعي، إضافة إلى تقوية أجهزة الدولة الاقتصادية والاجتماعية. فأنشأ البنك المركزي والضمان الاجتماعي والمشروع الأخضر وكثيرا من المشاريع التنموية. لم تحظ الشهابية بدعم البرجوازية التجارية والمالية التي ظلت أسيرة حلم وخيال تحويل لبنان إلى جمهورية تجارية مركزة في بيروت، تخدم المنطقة، وتصبح نوعا من إمارة شبيهة بمونت كارلو. وكانت هناك مساع مختلفة لجعل لبنان جنة ضريبية. ومن العوامل التي دعمت اتجاهات المدرسة الأولى إثراء المنطقة العربية بعد عام 1973 وارتفاع أسعار النفط، وهجرة الكثير من اللبنانيين إلى الدول المصدرة للنفط وإثراؤهم السريع نتيجة السمسرة والتوسط. فوجد لبنان نفسه في نهاية الحرب أمام أعداد ضخمة من الأثرياء الذين يرون الانتعاش الاقتصادي فقط من خلال الصفقات والأعمال المخالفة للقوانين الضريبية والاقتصادية بشكل عام. والحقيقة أن الفريق الإعماري فاتته التغييرات الاقتصادية الكبيرة التي حصلت في المنطقة العربية خلال السنوات العشرين التي عصفت خلالها الحرب في لبنان. فدول الخليج العربي طورت بنيتها التحتية إلى أبعد الحدود، وأقامت مؤسسات مصرفية وتجارية وخدماتية عملاقة. وتم إلغاء التشريعات الاشتراكية التقييدية في الدول التي كانت تنحو هذا المنحى. لذلك لم يعد الاقتصاد اللبناني حاجة ماسة لاقتصاد المنطقة، إذ إن جميع الأقطار العربية المجاورة أسست علاقات وثيقة مع الأسواق العالمية الصناعية والمالية والخدماتية. إن إصلاح البنية الاقتصادية اللبنانية يتطلب إصلاح ثلاثة محاور أساسية في رأي جورج قرم: 1) النظام الضريبي لجعله يتناول المداخيل المالية والريعية الطابع وتخفيف وطأته عن المداخيل الناتجة عن نشاطات إنتاجية. 2) القضاء التدريجي على دولرة الاقتصاد، وعلى استعمال ازدواج العملة لتوليد مداخيل غير شرعية على حساب الخزينة. 3) إصلاح النظام التربوي لكي يهتم بإبقاء شباب لبنان في وطنهم، فهجرة الكفاءات ليست أمرا حتميا. ويرى المؤلف أن النظام الطائفي في لبنان نتاج تاريخه الحديث، فنظام جبل لبنان في ظل الإمارة المعنية والشهابية كان نظاما إقطاعيا عابرا للطوائف. وقد بدأ مسار تسييس الطوائف بتصاعد نفوذ الدول الأوروبية الكبرى داخل مقاطعات السلطنة العثمانية، وبعد انهيار السلطنة توسع ‏تسييس الطوائف. ‏ إن لعبة تسييس الطوائف وإدخالها في شبكات النفوذ الإقليمي والدولي يحول دون قيام دولة قوية ومستقلة. فالنظام الطائفي يعكس التوازنات الإقليمية والدولية بدلا من أن يكون أداة صالحة لتحقيق الديمقراطية التوافقية كسويسرا وبلجيكا وهولندا التي تلعب فيها العرقية أو المذهبية دورا كبيرا، ‏إنما ضمن ديمقراطية شفافة وسيادة كاملة لسلطة الدولة. أما في لبنان فالطوائف تقف حاجزا بين المواطن والدولة، فوجود الدولة مشروط باستمرار بحسن نية زعماء الطوائف، وهم بدورهم خاضعون لنفوذ دول أجنبية. فالطريق إلى السيادة يتطلب العمل على جبهتين: 1) رفض المواطنين ‏لظاهرة تسييس الطوائف من جهة. 2) فصل البنية القانونية للدولة عن البنية القانونية للطوائف من جهة أخرى.‏ ويقترح المؤلف أفكارا للإصلاح المؤسساتي في لبنان. فعلى صعيد السلطة التنفيذية يرى أن يُنتخب رئيس السلطة التنفيذية بالاقتراع العام، لأن رئيس الدولة الذي لا ينتخبه الشعب ما هو إلا صورة شكلية للحكم لا يتمتع إلا بالقليل القليل من السلطة والصفة التمثيلية. فالانتخاب على أساس الاقتراع العام سيسمح بإلغاء الالتباس بين تمثيل الطائفة وتمثيل الشعب كله. أما النظام الانتخابي الأغلبي في دورة واحدة فهو الأسوأ بين الأنظمة، فهو يكرس نظام الزعامة ووراثة التمثيل السياسي. فحكم الزعماء يعني تحويل الديمقراطية إلى حكم الأثرياء، أي أنه نقيض الروحية الجمهورية. وحده النظام الانتخابي النسبي كفيل بأن يؤمّن تمثيل كل التيارات السياسية ويشجع وجود الأحزاب التي تقدم برامج واضحة، في حين أن الاقتراع بالأغلبية في دورة واحدة يشجع الشعبية الفردية وتأثير المال ونفوذ الزعماء. يرى المؤلف أن تناول قضية الشرق الأوسط ووضع لبنان الصعب فيه من الأمور المعقدة والحساسة. فانقسام اللبنانيين منذ قرنين كان موضوعه تحالفات البلاد مع الخارج. ولا يزال هذا الانقسام يشكل نقطة التباين المحوري وفي حال لم ننجح في تخطي هذا التباين ستستمر التجاذبات المتناقضة في تمزيق لبنان. فالثقافة الأوروبية ترى في منطقة الشرق الأوسط منطقة مركزية في الصراعات الدولية. فالشرق الأوسط يحوي أكبر مخزون طاقة في العالم، ويتمتع بموقع استراتيجي بين القارات الثلاث، ومنبع الديانات التوحيدية. فلماذا تخلف العرب وتقدم الغرب؟ يكمن الجواب في نقاط يختصرها المؤلف في انقسام العرب بين مؤيد للغرب ورافض له. وقد تغلبت المدرسة الأولى، غير أن الأقاليم العربية التي تحررت من السلطنة العثمانية وقعت في قبضة الدول الأوروبية، ولم تتمكن من التوحد، وتكونت بعض المحاور المتخاصمة بين الأقطار العربية. كتاب الدكتور جورج قرم مساهمة جدية في توصيف المجتمع اللبناني والفرقاء الذين يقبضون على خناق اللبنانيين.

    0 0

    أعترف أن حياتي في الكتب! فمنذ كنت صغيرة وأنا لا أنام إلا وحولي عدد من الكتب في فراشي، كانت لنشأتي الأولى في أسرة تقدر القراءة وتثمن قيمة الكتاب جيدا وفى ظل عصر كان يتسم بتشجيع القراءة والثقافة الفضل في تشكيل النواة الأولى لميولي نحو القراءة وعشقي للكتاب إلى أبعد الحدود. وأعتقد أن الطفل عندما ينشأ بين أبوين يعشقان القراءة فإنه يعتاد على أجواء الثقافة ويتربى على حب الكتاب، وهو ما حدث معي فأول ما فتحت عيناي عليه هو جورنال والدي، الذي كنت أنتظر حتى يقرأه ثم آخذه دون أن يشعر لأستمتع بقراءته بالإضافة إلى الصحف التي كان يقرها إخوتي الكبار ومنها تكونت مداركي نحو قيمة الكتاب. وقد بدأت رحلتي مع الكتاب مبكرا عندما التحقت بالمدرسة كان بجوارها مكتبة عامة رائعة اكتشفتها بالصدفة ذات مرة وأنا عائدة للبيت ومن يومها تعلق قلبي بها وتوطدت علاقتي بعالم الكتب. وأذكر أن أول كتاب قرأته كان موسوعة اسمها «كل شيء» كانت تصدر في مجلد ضخم يتضمن معلومات عن كل شيء فانجذبت لقراءته خاصة وأنه كان يحتوي على صور جميلة وكاريكاتير، كما قرأت أيضا في فترة الطفولة كتاب «هل تعلم» وكان فيه كتب وصور وكذلك ملخصات للكتب الأخرى، كذلك كنت أحرص على شراء سلسلة «كتابي» للكاتب حلمي مراد، وقد التقيت به فيما بعد وقلت له إنني أدين له بحياتي بسبب ما قرأته له من أعمال ملخصة ورائعة في هذه السلسلة منها مثلا «روميو وجولييت». ولا شك أن هذه الكتب وسعت مداركي وزادتني اطلاعا على ما حولي. أتذكر في فترة المراهقة أنني عثرت في مكتبة البيت على كتاب «الجوهرة السوداء» لأرسين لوبين وكان ضمن سلسلة تصدر حول مغامرات هذه الشخصية ورغم مشاعر الرعب التي كانت تكتنفني إلا أنني كنت أستمتع كثيرا بها وأنا في فراشي في عز برد الشتاء. ولا شك أن هذه الخلفيات الثقافية بفضل علاقتي المبكرة بالكتاب كان لها الأثر الكبير على دراستي وتوجهي العملي فيما بعد. فعشقي المبكر للأدب الغربي والروائع العالمية المترجمة كان له الفضل في اختياري لدراسة الأدب الإنجليزي. كما أدين بالفضل أيضا للكتاب في تفوقي الدراسي وإتقاني للغات الأجنبية حتى أصبحت أقرأ بها، ومنها كانت نقطة التحول للكتابة والأدب والصحافة لأن قراءة الكتب تنشط الرغبة في الكتابة وتكسبني القدرة على السرد والحكي، بمجرد أن أستوعب كتابا قرأته أجدني أسارع للكتابة رغبة في التعبير عن فكرة ما. لا أنسى أن أجمل وأثمن هدية في حياتي كانت عبارة عن كتاب أهداه لي زوجي عند عودته من أستراليا. على مدى رحلتي الطويلة مع الكتاب لم تختلف اهتماماتي أو اختياراتي للكتب، ولكن خلال مشواري الأدبي كنت أحرص على قراءة الكتب الأدبية والروايات والترجمات ومع انشغالي بالكتابة الصحافية بجوار الأدب جعلني أهتم أكثر هذه الفترة بالقراءة في المجالات الإخبارية التي تمدني بالمعرفة والأخبار، ومع ذلك لا تخلو مكتبتي من نفائس الكتب وذخائرها لدرجة أن ابني عندما عاد من أميركا ورأى مكتبتي أوصاني بألا أتصرف فيها وقال لي: «حافظي عليها لأن مكتبتك أهم شيء سنرثه منك». من أهم ما تحتويه مكتبتي مجموعة من أمهات الكتب التي حرصت على اقتنائها منها «ألف ليلة وليلة» فعندي منها نسختان وكتاب «الأغاني» للأصفهاني وكتاب «مصر القديمة» لسليم حسن و«دائرة المعارف الإسلامية» والكتب الإسلامية الأجنبية مثل كتاب هانز كونج عن الإسلام، والموسوعة الإسلامية لكارين أرمسترونج وكتب الفتاوى التي تساعدني وأنا أكتب. ورغم أنني تخلصت من كتب كثيرة أثناء انتقالي من شقة لأخرى، نظرا للزحام الذي تسببه في المكان إلا أنه لا يخلو مكان في بيتي حاليا من الكتب، فأنا أحرص على أن تكون هناك مجموعة من الكتب بجواري في غرفة المعيشة على مدار اليوم لأقرأها، وهي من أهم عاداتي، كما أنني أقرأ مجموعة كتب معا في وقت واحد وأركز فيها جميعا وأعيش معها متعة الائتناس بالكتاب! * كاتبة مصرية: من كتبها ورواياتها: الحجاب - رؤية عصرية - الصيد في بحر الأوهام - خواطر رمضانية - الإسلام وتحديات العصر - عودة إلى الفضفضة - المرأة الجديدة - جواز على ورق سوليفان وشجرة اسمها الود.

older | 1 | .... | 3 | 4 | (Page 5) | 6 | 7 | 8 | newer