Are you the publisher? Claim or contact us about this channel


Embed this content in your HTML

Search

Report adult content:

click to rate:

Account: (login)

More Channels


Channel Catalog


Channel Description:

الشرق الاوسط جريدة العرب الدولية
    0 0

    لا تزال كلمات المتنبي حول الكتاب قائمة، فهو «خير جليس» بالنسبة لي. كان «القرآن الكريم» أول الكتب التي تعرفت عليها، ومن جميل الصدف أنني كنت أقرأه وأسمعه في آن واحد، كنت مأخوذا بالقارئ الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، وكذلك بالشيخ أبو العينين شعيشع. ولا تزال تتردد في مسامعي تلك الآيات البليغة التي كانا يجوّدانها بطريقة مذهلة. وأستطيع الزعم أنني أحفظ كثيرا من السور بسبب تلاوة هذين الشيخين الجليلين. كان «القرآن» يملك سحره علينا، خاصة وهو كتاب سماوي له قدسيته عند المسلمين وسائر المؤمنين، كما أنه أقدم كتاب عربي وصلنا حتى هذه اللحظة، وهو يعد الكتاب السماوي الوحيد الذي كتب في زمن النبوة، ومن قبل الصحابة أنفسهم، وبالتالي لم يفقد من كلماته شيئا. تأتي القصص الشعبية وعلى رأسها «الزير سالم، وأبو زيد الهلالي، وعلي، والغول» في مقدمة الكتب التي كنا نتداولها في صبانا الأول، لكننا بعد تخطينا الصف الرابع الابتدائي، وبسبب وجود مكتبة في مدرستنا، أخذنا نقرأ قصص الأطفال وبعض الروايات التربوية المترجمة. في الصف السادس الابتدائي نصحني الصديق العزيز والشاعر المبدع كاظم الحجّاج بشراء بعض الروايات المهمة. وكانت «دار الهلال»، ومطبوعات «كتابي»، وكتاب الجيب، من أول الكتب التي بدأت في اقتنائها، وحسب المصروف المتوافر لي آنذاك. كنا نتناقش حول بعضها مثل روايات «موت في الظهيرة» لإرنست همنغواي، و«الأم» لمكسيم غوركي، و«غادة الكاميليا» لألكسندر دوما، وغيرها من الروايات التي كانت تتوافر آنذاك، لكن الانتقالة الأخرى كانت في التحول لقراءة بعض الكتب الفكرية والنقدية وحياة الفنانين التشكيليين وكتب التاريخ أيضا؛ حيث بدأت أتفحص الموضوع، وأمعن في بعض مفاهيمه وأفكاره العامة. في المتوسطة، أصبحت عندي مكتبة صغيرة، فيها أعمال جبران خليل جبران، والمنفلوطي، وجرجي زيدان، وتوفيق الحكيم، وعباس محمود العقاد، ثم تطورت فدخلت بعض روايات وقصص نجيب محفوظ، وحنا مينا، وغيرهما. عند دخولي معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1964، أصبحت المسرحيات والأدب العراقي وبعض الدراسات التي تنشرها مجلة «المجلة»، و«الفكر المعاصر»، و«الكاتب المصري»، من أهم المصادر الثقافية لي، كانت القراءة كلها باللغة العربية ولم أنتبه إلى أهمية تعلم لغة أجنبية آنذاك. اليوم وأنا أراجع تاريخي مع الكتاب، أشعر بأنني قد أضعت أوقاتا ثمينة دون الاستفادة منها في قراءة كتاب أو دراسة أو بحث ما، لكن الكتاب لا يزال جليسي الأثير، وقد أدعي أنني أستطيع الآن أن «أتمتم» بثلاث لغات إلى جانب العربية. * فنان تشكيلي عراقي

    0 0

    يبدأ الكاتب المغربي الدكتور شرف الدين ماجدولين، مؤلف كتاب «الصورة السردية في الرواية والقصة والسينما - قراءة في التجليات النصية»، كتابه الصادر عن دار «رؤية» بالقاهرة، بالتساؤل التالي: ما الفرق بين أن تقرأ صورة وأن تؤولها؟ ويجيب عن السؤال بقوله إن قراءة صورة عمل تصنيفي تنصرف إلى البحث في الحدود، وتنشغل باستجلاء «المكونات» و«القيم» و«الوظائف». إنه عمل نظري، تمثيل لخبرات الوعي في تمييز الأثر الجمالي، وإفراغ له في مفاهيم وحدود. أما التأويل فيتعلق بالمعنى، إنه تجاوز للآلة الناقلة إلى ما تنقله، وانشغال بالمعلول على العلة، فما العلة إلا حامل للقصد بمستوياته الرمزية والفكرية والدلالية. من هنا، كما يرى الكاتب، كانت القراءة «ضرورية» للناقد، بينما التأويل تجاوز غير لازم، وقيمة مضافة، تستمد قيمتها من قدرة المؤول على الفهم والتفسير والاستيعاب لمقومات الصور وأبعادها. لكنه يؤكد أن انشغاله هنا سيتركز على قراءة اللغة السردية في أعمال الفن والأدب، باعتبارها «صورة» لا ترتبط بالضرورة بمسألة التأويل، لأنه يرى أن السرد «إنجاز غير بصري» يشكل صورته التجريدية ووسيلته في التخييل وتظهير المتخيل، ولا بد من أن يلجأ المتأمل لعالم الصور إلى سلوك تصنيفي عند الحديث عن تشكيلات الصور في فنون النثر المرتكز على قاعدة السرد، أي فرز صورة السرد الأدبي مثلا عما سواها في الشعر والنثر والمسرح، ولكن أيضا قدرة الصور السينمائية على استبطان الفعل واستدعاء المؤثرات البصرية. يقع الكتاب في 151 صفحة (من القطع الصغير)، وينقسم إلى ثلاثة فصول: الأول - في الصورة الروائية، والثاني - في الصورة القصصية، والثالث - في الصورة السينمائية. في الفصل الأول يعرض الكاتب للجيل الذي يطلق عليه جيل «بلاغة الانكسار» التي هي مزيج من سمات الواقعية والتسجيل والتمثيل الساخر والتكيف الشاعري والذهني في البناء الدرامي للنص الروائي. وهذا هو جيل جبرا إبراهيم جبرا وجمال الغيطاني وغالب هلسا وحنا مينا وعبد الرحمن منيف، أي الجيل الذي جاء بعد نجيب محفوظ، وأنتج - حسبما يرى الكاتب - شكلا شديد التجانس للاستبطان والكشف التغريبي يمتلك «سننا بلاغية» مميزة. ثم يتوقف الكاتب عند المنجز الروائي للكاتب حيدر حيدر الذي يرى أنه ينتمي إلى جيل ما بعد جيل «بلاغة الانكسار» الذي تتميز أعماله بهيمنة بتجربة الرحيل والمنفى عليها، لذلك يجد أن من الطبيعي أن ينفذ حيدر إلى أجواء شخصيات تقتسم في ما بينها سمات التوتر والتيه والفعل الهروبي. ويقدم الكاتب تحليلا تفصيليا لرواية «موس الغجر» لحيدر حيدر، ويعود في نقده الجدلي المثير إلى الربط بينها وبين أعمال الكاتب الأخرى، ومستويات السرد عنده، وصور شخصياته وحواراتها الحسية، وينطلق بعد ذلك إلى تحليل رواية «إنانة والنهر» لحليم بركات، التي يرى أنها بحساسيتها وعمقها وعذوبتها الجارحة «توحي لقارئها منذ الوهلة الأولى بأن العمل الروائي، حين تكتمل فيه شروط الإبداع، يتحول إلى رؤية كاشفة، بغيابها يمحى وجه كبير من الحقيقة التي تهم حياتنا وسلوكنا ونظرتنا للأشياء، محكوما عليه بالغياب الأبدي في أطواء الذاكرة». وهو يراها أيضا «شكلا نثريا بالغ الإتقان لتجليات الأنا الأعلى المثالي للأنثى العربية». ومن حيث الشكل السردي بنيت الحبكة الروائية بطريقة يطلق عليها الكاتب «الامتداد الدائري للأحداث والوظائف التخييلية، على نحو يجعل أفعال الشخصيات تدور في فلك حلقات سردية صغرى - تتصادم مع بعضها كي تؤلف في النهاية دائرة درامية موسعة، تختزل تماثلات الكون الروائي». وبعد أن يتناول الكاتب بالتحليل روايات مثل «بريد بيروت» لحنان الشيخ، و«المصري» لمحمد أنقار، و«هذيان» للإيطالي أنطونيو تابوكي، ثم «الصور القصصية» عند محمد أنقار وعلي القاسمي، يخصص الكاتب فصله الأخير للصورة السينمائية، وهو أمر نادر في كتاب يتعلق بتناول تطور الشكل السردي الأدبي في الرواية والقصة. هنا يرى المؤلف أن الصورة السينمائية تتجلى كإمكانية تمثيلية موازية للإمكانيات المتاحة في الصيغ المتعددة لفنون التصوير اللغوي والبصري، غير أنها تمتاز عنها بكونها تمتلك القدرة على التواصل بأكثر من لغة: أي أنها كما يذكر تحتوي على العناصر التكوينية للفنون البصرية، الخط والشكل والكتلة والحجم والتركيب، كما تستغل التفاعل الدقيق بين الظل والنور، وتتناول مثل فن النحت المكان بأبعاده الثلاثة، وتركز على الصور المتحركة شأن التمثيل الصامت، وهذه الصور لها إيقاع مثل إيقاع الرقص، وهذه الإيقاعات المركبة في الفيلم تشبه الكائنة في الموسيقى والشعر، كما أن الصورة السينمائية شأن الشعر خصوصا، تعبر من خلال التصور الذهني والاستعارة المجازية والرمز من خلال الفصل والإشارة، ولفظيا من خلال الحوار، وأخيرا على غرار القصة، يبسط الفيلم أو يضغط الزمان والمكان. ومثالا على براعة التكوين الجمالي في الفيلم العربي يتخذ الكاتب من فيلم «سارق الفرح» للمخرج المصري داود عبد السيد نموذجا، فهو يرى أن مخرجه - الذي يستند هنا إلى نص روائي للكاتب خيري شلبي - يراهن على تقديم صورة فنية متجانسة عن السعي الإنساني الحثيث لاختلاس لحظات من الفرح والحبور من جوف الأسى والفقدان. و«لتحقيق هذا الرهان تم وضع صيغ التصوير في قالب من البدائل الموضوعية الجزئية التي تراوح بين حدين متقاطعين مثل: الفرح - الانكسار، الحب - الخيبة، الطموح - تبخر الآمال، بحيث تتخذ كل ثنائية من هذه الثنائيات وضع المحور الجزئي الذي تبنى عليه عدة مشاهد، ويتخذ عبر تقنية المونتاج وجودا متماهيا مع الكل المحبوك». ميزة هذا الفصل أن المؤلف لا يتوقف عند حد إطلاق مقولات عامة مبهمة، بل يتمدد في بحثه في «جماليات الفيلم» صورة وسردا وتعبيرا وإخراجا، إلى تحليل مشاهد معينة يلتقطها ويتوقف أمامها دون أن يغفل علاقتها بالروح العامة لموضوع الفيلم وشخصياته وطبيعة المكان الذي تدور فيه أحداثه. والكتاب أخيرا لا شك أنه بحث مكثف شيق يجيب عن الكثير من التساؤلات التي يطرحها الكثيرون حول قيمة وأهمية الصورة السردية في الخيال العربي الروائي والبصري.

    0 0

    هذا هو آخر كتاب صدر لمحمد أركون بالفرنسية بعد رحيله بثلاثة أشهر فقط، وهو يتحدث فيه عن موضوع الساعة؛ أي المشاكل الأخلاقية والفقهية والسياسية التي تشغل العالم العربي والإسلامي حاليا. وقد أراد توسيع المسألة الأخلاقية لكي تشمل ليس فقط المسار العربي الإسلامي وإنما الأوروبي الغربي أيضا؛ فالغرب مأزوم أخلاقيا ويعاني انحرافات خطيرة وإن كانت أزمته من نوع آخر. لقد أراد البروفسور أركون دراسة المسألة الأخلاقية والفقهية القانونية من جميع أبعادها، ومن خلال الماضي والحاضر على حد سواء. وهو يهدف من خلال هذا الكتاب إلى تحرير الفكر العربي من السجن الدوغمائي المتحجر الذي رسخته حركات الإسلام السياسي والأصولية الإسلاموية منذ عام 1970. والواقع أن الخطاب الديني المهيمن علينا حاليا يجهل أو يتجاهل المكتسبات الإيجابية والتحريرية العظمى للحداثة الأوروبية. وهو بجهله هذا يحرم نفسه الأدوات الفكرية والمعرفية النقدية التي من دونها سوف يظل على هامش حركة التاريخ والعولمة الكونية. وبالتالي فلا يكفي أن نجتر إلى ما لا نهاية أقوال الفقهاء القدامى وفتاواهم أيا تكن أهميتهم ومكانتهم. فالماضي مضى ولن يعود. لا ريب في أنه ينبغي الاطلاع على منجزات الفكر الإسلامي الكلاسيكي فيما يخص هذه المسائل وبخاصة منجزات الفلاسفة والمعتزلة وكبار الفقهاء والعلماء. ولكن ينبغي تجاوزها لأن حلولهم كانت مبدعة ومناسبة بالنسبة لعصرهم لا بالنسبة لعصرنا. على هذا النحو يحصل التواصل والقطيعة مع التراث. نأخذ منه روحه، جوهره، حسه الأخلاقي، ونطرح القشور والقوالب المتكلسة. هناك قيم روحانية وأخلاقية عالية في التراث الإسلامي الكبير. ولكن ينبغي تحيينها، تجسيدها، نفض الغبار عنها، ثم صهرها داخل بوتقة الحداثة. على هذا النحو تحصل المصالحة التاريخية بين الأصالة والمعاصرة، أو بين الإسلام والحداثة. يتألف الكتاب من أربعة فصول كبيرة تتفرع إلى أقسام كثيرة. الفصل الأول يستعرض التقلبات التي طرأت على المسألة الأخلاقية داخل الفكر الإسلامي عبر مساره الطويل. وهنا يتحدث أركون عن المصادر الأساسية الثلاثة للأخلاق: أي الدين، والفلسفة، والثورات العلمية التي تعاقبت على أوروبا منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم. ثم يتحدث أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي السابق في السوربون عن ذلك التوتر الصراعي الشهير بين العقل والإيمان. وهنا يقيم مقارنة مضيئة بين الأخلاق السائدة في الحضارة الرأسمالية الغربية، والأخلاق السائدة في ظل الأنظمة الإسلاموية الأصولية. ونلاحظ أنه ينتقد بقوة كلتا الجهتين. أركون لم يكن ينتقد فقط دوغمائية الجهة الإسلامية وطابعها القمعي على المستوى الأخلاقي. لاحظ الكبت الجنسي الرهيب مثلا أو ملاحقة المرأة على كل شاردة وواردة والاشتباه بها، ناهيك عن حد الرجم في الأنظمة الأصولية الطالبانية أو رش وجوههن النضرة بحامض الأسيد لتشويه جمالهن، ناهيك عن جرائم الشرف المرعبة، إلخ. ما علاقة كل ذلك بالأخلاق الحقيقية؟ وإنما كان ينتقد أيضا وبالحدة نفسها إباحية الغرب وتحلله من كل القيود واختزال الأخلاق إلى مجرد براغماتية منفعية أو إشباع للغرائز الاستهلاكية. لاحظ كيف يتحدثون الآن عن زواج الشواذ، أو عن استئجار بطون الأمهات! شيء مرعب ويدل على أنها حضارة فقدت صوابها وثوابتها الأخلاقية. لحسن الحظ أن هناك مقاومة لهذا التوجه الانحرافي داخل المجتمع الفرنسي نفسه. نعم هناك شرائح كبيرة من الرأي العام تقف في وجه هذا الانزلاق الخطير الذي قد يدمر العائلة ويقضي على الحضارة الإنسانية بكل بساطة. بمعنى آخر فإن المسألة الأخلاقية معكوسة: من جهتنا هناك زيادة في الكبت والحرمان، ومن جهتهم زيادة في التسيب المادي الشهواني وانعدام كل الضوابط والكوابح. هكذا نلاحظ أن العالم الإسلامي يعاني شيئا والعالم الغربي يعاني عكسه. ولكن خير الأمور أوساطها كما يقول التراث الإسلامي الكبير وكما يقول المعلم الأول أرسطو أيضا. فالكرم حد متوسط بين الإسراف والبخل، والشجاعة حد متوسط بين التهور والجبن، وقس على ذلك. وقد كان أركون فيلسوف التوازن والاعتدال: لا إفراط ولا تفريط. لا أستطيع أن أدخل في كل متاهات هذا الكتاب المكثف الذي يتأرجح باستمرار بين تحليل نواقصهم وتحليل نواقصنا عن طريق منهج المقارنة المضيء لكلتا الجهتين. في الفصل الثاني من الكتاب يتحدث أركون عن الحقوق الإنسانية داخل الفضاء التاريخي للبحر الأبيض المتوسط. وهو فضاء واسع يشمل العالم العربي من جهة والعالم الأوروبي من جهة أخرى. بمعنى آخر فإنه يشمل كلتا الضفتين، كما يقول جاك بيرك؛ فنحن نعيش على ضفة وهم يعيشون على الضفة الأخرى، ولا يفصل بيننا إلا هذه البحيرة الهادئة التي تدعى: البحر الأبيض المتوسط. كم قطعناها مرارا وتكرارا عندما ننتقل بالطائرة من الرباط أو تونس أو الجزائر أو بيروت أو الإسكندرية إلى باريس ومدريد وروما إلخ؟ وهنا يطرح أركون هذا السؤال: هل يمكن التحدث عن أصول إسلامية لحقوق الإنسان؟ ثم يقيم مقارنة نافعة جدا بين الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدره سالم عزام في اليونيسكو بتاريخ19-9-1981 والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948. في الحالة الأولى تتخذ حقوق الإنسان الصفة الإسلامية وفي الحالة الثانية الصفة العلمانية الكونية: بمعنى أنها موجهة إلى جميع شعوب الأرض أيا تكن أديانها وأعراقها أو تراثاتها ولغاتها. إنها تنطبق على الإنسان في كل زمان ومكان دون أي تمييز. ونلاحظ أن أركون يرفض صفة العالمية أو الكونية التي ادعاها عن غير حق إعلان سالم عزام. لماذا؟ لأن الإعلام الإسلامي لحقوق الإنسان خاضع للمرجعيات الدينية الإسلامية التي لا تنطبق إلا على المسلمين؛ فهي مرفوضة من قبل الشعوب الأخرى سواء أكانت مسيحية أم يهودية أم بوذية أم كونفوشيوسية أم هندوسية إلخ.. بمعنى آخر وحده الإعلان العلماني لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة ينطبق على الجميع ويستحق لقب الكونية. وهو إعلان يستمد مرجعيته الفكرية من فلسفة الأنوار لكانط وجان جاك روسو ومونتسكيو.. إلخ. وهنا يكمن الفرق بين مرجعية الحداثة ومرجعية التراثات الدينية الخصوصية. فالتراث البوذي مثلا محصور بالبوذيين ولا يعترف به المسلمون أو اليهود أو سواهم، وربما لا يعرفونه أصلا. إنه مقدس بالنسبة للبوذيين فقط. نقطة على السطر. وقل الأمر ذاته عن التراثات الدينية الأخرى أيا تكن عظمتها وسعة انتشارها عالميا. وحدها الفلسفة التنويرية العقلانية تنطبق على الجميع دون استثناء. بهذا المعنى فإن فلسفة الأنوار كونية في حين أن التراثات الدينية تظل خصوصية ومحصورة بأصحابها. ولكن رغم كل ذلك فإن أركون يعترف للإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان بميزة أساسية: وهي أنه يعترف بشيء اسمه إنسان أو حقوق إنسانية. فهذا شيء مرفوض من قبل المتطرفين. من هو الإنسان حتى نعترف به؟ إنه لا شيء، إنه حشرة.. وقل الأمر ذاته عن الديمقراطية حاليا؛ فمشاركة قوى الإسلام السياسي في العمليات الانتخابية أكبر دليل على أنها تراجعت عن فكرة الحاكمية الثيوقراطية واعترفت بالحاكمية الشعبية مصدرا أعلى للشرعية. ولكنهم الآن أصبحوا يعترفون بحكم الشعب على الأقل ظاهريا. هكذا نلاحظ أن الحداثة تتغلغل في العالم العربي حتى عن طريق الأصوليين! وهنا يكمن مكر العقل في التاريخ. إنه يستخدم حتى أعداء التقدم لتحريك عجلة التقدم! وهي فكرة هيغلية بامتياز كما هو معلوم. لا أستطيع التوقف عند كل فصول هذا الكتاب المهم ولكن لا يمكن أن أختتم هذا العرض قبل التوقف عند الفصل الثالث الذي يتخذ العنوان التالي «الأديان التوحيدية على أفق 2010» بحثا عن معنى المستقبل. وحده الفصل الرابع والأخير سوف أهمله ليس لأنه الأقل أهمية ولكن لأن المجال يضيق. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. يلاحظ المفكر الجزائري الكبير أن المسيحية الأوروبية متفوقة على اليهودية والإسلام من حيث الانفتاح على الحداثة والتخلص من دوغمائيات القرون الوسطى. وقد تجلى ذلك بعد المجمع الكنسي المشهور باسم الفاتيكان الثاني حيث تصالحت المسحية البابوية مع الحداثة وقدمت تنازلات كبيرة لها. أما المذهب البروتستانتي فكان قد تصالح مع الحداثة قبل ذلك التاريخ بزمن طويل وسبق الكاثوليك إلى ذلك. وسبب ليبرالية المسيحية الغربية واستنارتها أنها تعيش في أحضان مجتمعات أوروبية ديناميكية جدا ومغموسة بالحداثة العلمية والفلسفية من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها. هذا في حين أن المجتمعات الإسلامية تشهد موجة تتريث هائلة منذ انتصار الخميني عام 1978 بل وحتى منذ ظهور حركة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا عام 1928. وبشكل من الأشكال يمكن اعتبار الخميني «إخوان مسلمين» وإن كان شيعي المذهب؛ فقد خرج على أصول التشيع الكلاسيكي عندما سيّس المذهب مثل حسن البنا، ودعا إلى حكم ولاية الفقيه. وهو المعادل الموضوعي لمفهوم الحاكمية عند المودودي وسيد قطب. في كلتا الحالتين تبقى الكلمة الأخيرة لرجل الدين. ويرى أركون أن الإسلام السياسي الحالي بكلا شقيه أحدث قطيعتين خطيرتين على المستوى المعرفي؛ القطيعة الأولى كانت مع التراث الإنساني والفلسفي العقلاني للعصر الذهبي المجيد الذي يشمل القرون الستة الأولى من عمر الإسلام، حيث أشرقت أنواره على العالم. بعدئذ انهارت الحضارة الإسلامية ودخلنا في العصور السكولائية التكرارية الاجترارية أو ما يدعى بعصر الانحطاط، ولا نزال غاطسين فيها حتى الساعة. وأما القطيعة الثانية التي نعانيها فهي مع الحداثة الأوروبية المتواصلة استكشافا وعلما وفهما منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم؛ فهي أيضا مجهولة أو مرفوضة من قبل حركات الإسلام السياسي التي تعد الغرب بمثابة الشيطان الأكبر. وبالتالي فتشطب ليس فقط على سياساته الظالمة وإنما أيضا على كل حضارته بما فيها الجوانب الأكثر تحريرا للروح البشرية. وهكذا يذهب الصالح بجريرة الطالح ونحرم أنفسنا فتوحات الحداثة العلمية وكنوزها الفلسفية التي لا تقدر بثمن. وهكذا نؤبد تخلفنا إلى الأبد. على نفسها جنت براقش! وكنتيجة لهاتين القطيعتين الكبيرتين، الأولى مع الذات، والثانية مع الآخر، فإننا نعاني حاليا ما نعانيه. أخيرا يرى أركون ما يلي، وهنا أصل إلى عمق تفكيره وبيت القصيد: نحن بحاجة إلى الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة لكل الطوائف والمذاهب دون استثناء. كل واحد مدعو للخروج من جلده، من سجنه، من قفصه. ولكن هذا لا يكفي، في رأيه، وإنما ينبغي الخروج أيضا من الدوغمائية العلمانية المتطرفة للغرب ذاته. لا ريب في أن معارك فولتير وسواه كانت مشروعة في القرن الثامن عشر ضد الطائفية والمذهبية ويشكر على ذلك كل الشكر. ولكن تحليله للظاهرة الدينية لم يعد كافيا الآن. إنه يبدو اختزاليا أو تبسيطيا أكثر من اللزوم. تحليل كانط كان أعمق منه وأنضج بكثير؛ فالدين أخطر مما نتصور وأعقد من ذلك، ولا يمكن القضاء عليه بهذه الطريقة. يمكن القضاء على الأصولية الدينية ولكن ليس على العاطفة الدينية السامية. لا أحد يستطيع القضاء على الدين، معاذ الله! يمكن القضاء على الفهم الانغلاقي والمتعصب للدين، ولكن ليس على الدين ذاته كما توهم فلاسفة التنوير الراديكالي. الدين سيبقى إذن بعد عملية التفكيك الفلسفية الهائلة التي يدعو إليها أركون، والتراث الإسلامي سوف يظهر عندئذ على حقيقته بكل نقائه وعظمته وسموه بعد عملية التفكيك - أو التعزيل - هذه لا قبلها. وهذا يعني أننا دخلنا في صيرورة رهيبة نرى بداياتها ولا يعلم إلا الله نهاياتها. وهنا تكمن أكبر مغامرة استكشافية -وأخطر مغامرة! - في تاريخ الفكر العربي. ولا يمكن للعرب أن يصلوا إلى بر الأمان، إلى الشاطئ الآخر، إلا بعد خوض غمراتها.