Are you the publisher? Claim or contact us about this channel


Embed this content in your HTML

Search

Report adult content:

click to rate:

Account: (login)

More Channels


Channel Catalog


Channel Description:

الشرق الاوسط جريدة العرب الدولية

(Page 1) | 2 | 3 | .... | 8 | newer

    0 0

    قال الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد إنه انتهى مؤخرا من كتابة رواية جديدة تحت اسم «الإسكندرية في غيمة»، مشيرا إلى أنها ستصدر قريبا. وتتناول الرواية فترة السبعينات في الإسكندرية، وهي الفترة التي شهدت بدايات صعود المد السلفي في المدينة، مشبها ذلك بالغيمة التي أخفت وراء عتمتها أضواء المدينة وبهجتها. وأضاف صاحب رواية «بيت الياسمين» أن هذه الرواية تعتبر بمثابة الجزء الثالث في ثلاثية روائية تتحدث عن الإسكندرية بدأها بروايته «لا أحد ينام في الإسكندرية» ثم «طيور العنبر»، ثم «الإسكندرية في غيمة». وعن قراءاته الحالية، يقول: «انتهيت مؤخرًا من قراءة رواية «كادرات بصرية» للروائي والناقد السينمائي محمود الغيطاني، وهي من الروايات الجيدة، وتأتي أهميتها من تناولها لقضية العلاقة بين الشرق والغرب بروح جديدة، كما أنها كتبت بلغة سينمائية جيدة». وقرأت أيضا رواية «باب الخروج» للروائي عز الدين شكري فشير، التي لخص من خلالها أحداث الثورة المصرية. وأوضح عبد المجيد أنه يمر بأزمة صحية تمنعه من قراءة المزيد من الأعمال في الفترة الحالية، كما أن وتيرة الأحداث المتسارعة في مصر تجعل كل مثقف يصب جل اهتمامه على الأوضاع في البلد. لكنه يستدرك بقوله: «أتابع معظم أعمال الأدباء الشباب وأحرص على قراءة كل جديد، كما أتابع الأدباء من جيلي كالأديب محمود الورداني، وأحاول قراءة أي عمل أدبي جديد لأي منهم». أما عن الأعمال الأدبية التي يُعيد قراءتها من آن لآخر فيقول: «أحرص على إعادة قراءة عدد من الأعمال من أبرزها كتاب (داغستان بلدي) للشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف التي يصف من خلاله بلده داغستان في روسيا من حيث طبيعتها وشعبها وثقافتها، وأيضا كتاب (الفتنة الكبرى) لطه حسين الذي يعتبر بمثابة دراسة لنظام الحكم الإسلامي وعناصره وتصوير لنظام المعارضة في الإسلام وعناصرها». ويضيف: «أعود أيضا لقراءة كتاب (سندباد مصري) للدكتور حسين فوزي، الذي يتكون من ثلاثة فصول هي (الظلام، الخيط الأبيض والخيط الأسود، الضياء) ويحكي الكاتب جوانب مجهولة من التاريخ المصري وتفاصيل حياة الإنسان المصري». وعن طقوسه في الكتابة يقول: «أحب الكتابة بعد منتصف الليل وحتى سطوع النهار، وأكتب بالورقة والقلم، وأحب الاستماع إلى الموسيقى أثناء الكتابة. ولا بد أن أكتب داخل مكتبي حيث توجد مكتبتي لأستخرج منها ما أريد من معلومات كما أقوم بإعادة صياغة كتاباتي كثيرًا، وأحب القراءة ليلا أيضا فمن عاداتي السهر ليلا حتى الصباح». الروائي إبراهيم عبد المجيد من مواليد الإسكندرية عام 1946، حصل على ليسانس آداب قسم فلسفة من جامعة الإسكندرية، توجه بعدها إلى القاهرة للعمل في وزارة الثقافة حيث تولى العديد من المناصب الثقافية من أبرزها مستشار بهيئة الكتاب، ومدير عام إدارة الثقافة العامة بالثقافة الجماهيرية، ورئيس تحرير سلسلة كتابات جديدة بالهيئة المصرية العامة للكتاب. أصدر عبد المجيد عشر روايات منها «ليلة العشق والدم»، و«البلدة الأخرى»، و«بيت الياسمين»، و«في كل أسبوع يوم جمعة»، كما نشرت له خمس مجموعات قصصية منها «إغلاق النوافذ»، و«فضاءات» و«سفن قديمة». وترجمت رواياته «لا أحد ينام في الإسكندرية» و«البلدة الأخرى» للإنجليزية والفرنسية. وحصل عبد المجيد على عدد من الجوائز الهامة، منها جائزة نجيب محفوظ للرواية من الجامعة الأميركية عن روايته «البلدة الأخرى»، وجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب لأحسن رواية، وجائزتي الدولة التقديرية والتفوق في الآداب.

    0 0

    منذ اندلاع الثورة السورية لم يتردد المثقف والأكاديمي فؤاد عجمي في القيام بكل يمكنه لدعم المحتجين بوجه نظام بشار الأسد. ظهر على أشهر الشاشات العالمية، وكتب العديد من المقالات، وألقى خطابات غاضبة ومحبطة من تردد المجتمع الدولي، خصوصا إدارة الرئيس باراك أوباما، في التدخل وإنهاء المأساة التي يشهدها العالم كل يوم. ولكنه ذهب أبعد من ذلك، فهو الوحيد الذي نشر كتابا بعنوان «الثورة السورية» في الوقت الذي لم تطو الثورة نفسها آخر فصولها. «لماذا الكتاب؟» سئل عجمي مرة، وكان رده بأنه عالق أيضا في الجحيم نفسه والرعب الرهيب الذي علق فيه السوريون منذ عامين. مشاهد القتل المروعة والإبادات المتواصلة الذي ذهب ضحيتها لحد الآن أكثر من ثمانية وسبعين ألف قتيل ومليون مهجر جعلت العالم كله عالقا في هذا المزاج المؤلم السوداوي، وهو ما أدى، كما يقول المؤلف، إلى إلحاح فكرة هذا الكتاب الذي لم يفكر يوما به. يدخلنا عجمي منذ البداية في ذكرياته الضبابية عن سوريا الأسد التي كانت تشي بالنهاية المأساوية التي وصلت لها الأحوال اليوم. ذهب عندما كان صغيرا لدمشق بغرض إلقاء نظرة على الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان في زيارة لدمشق أثناء احتفالات الوحدة بين مصر وسوريا بين عامي 1958 – 1961. رأى الشاب الصغير شبح عبد الناصر من بعيد وهو يحيى الجماهير السورية الغفيرة، ولكن الذي لم يفته هو سجن المزة سيئ السمعة المخصص للمعتقلين السياسيين الذين يدخلون إليه وفي الغالب لا يخرجون منه. شعر الشاب الصغير بالانقباض وتذكر مدينته بيروت المطلة على البحر الأبيض المتوسط، ولكن دمشق المدينة التي رآها في تلك الرحلة مختلفة ومخيفة.. إنها تلتفت بالكامل إلى الصحراء. بعد أربعة عقود تقريبا، عاد عجمي إلى الحدود السورية - التركية مع فريق قناة «سي إن إن»، والتقى المهجرين السوريين الهاربين من بطش النظام، وتذكر حينها دمشق، أعرق العواصم التاريخية حول العالم، التي حكمها الأب حافظ الأسد بالحديد والنار، والآن يقوم الابن بتدميرها بشكل منظم. كتاب عجمي (ترجمته مؤخرا «دار جداول للنشر») لا يتحدث في الواقع فقط عن تفاصيل الثورة، ولكنه يكشف عن التاريخ الطويل الذي أوصلنا إلى هذه اللحظة. في منطقة الشرق الأوسط المتمايزة مذهبيا، كان هناك نوع من الإحساس بالعزلة لدى الطائفة العلوية التي سعت للاستقلال بوطن خاص بها، ولكن بعد أن توحدت سوريا باتت الحكمة السائدة في الجبال التي تقطنها الغالبية العلوية تقضي بأن وقت العزلة انتهى. كان الكبار يقولون للشبان الصغار: «دائما اذهب للأسفل، لا تصعد أبدا للأعلى». النزول للأسفل يعني المشاركة بفعالية في الواقع الجديد لأن العزلة تعني الاضمحلال. لهذا بزغت شخصيات علوية منضبطة ومكافحة كان بينها الشاب حافظ الأسد. لكن صعود الرئيس السابق حافظ الأسد اعتمد بشكل أساسي على القوة والرعب والاعتقال والتعذيب التي طالت حتى المقربين منه. كان هذا المخرج الخطأ الذي سلكه حافظ الأسد في الوقت الذي اختارت فيه أقليات أخرى مخارج علمية أو تجارية في صراعها للبقاء في منطقة شديدة الاضطراب سياسيا واجتماعيا. يقول عجمي إن القوميين أرادوا توظيف العروبة لضم الأقليات تحت سوريا موحدة، ولكن حافظ الأسد استخدم العروبة المدعومة بالقوة والعنف والسجون، لضم الآخرين لحكم الأقلية. بالعنف والدهاء والخبرة والمناورة استطاع الرئيس الراحل حافظ الأسد إبقاء بركان الغضب تحت السطح، ولكن عندما جاء الابن، بشار الأسد، بعمر الرابعة والثلاثين تصاعدت الآمال بأن أسلوب الأب القديم الحديدي سينتهي وسيدخل الجميع مرحلة إصلاحية وتصالحية جديدة يقودها طبيب العيون، الذي يجيد التحدث بالفرنسية والإنجليزية، ويعشق سماع الأغاني الغربية. مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون رأت الرئيس الشاب أيام العزاء وشعرت بصدق نواياه وسمته «الرئيس الإصلاحي». انطلق بعد ذلك ما سُمي بالربيع السوري. خرج من المعتقلات العديد من المساجين السياسيين، وارتفع سقف الحرية في الصحافة وسمح للصوالين الثقافية والفكرية بأن تعقد جلساتها وتناقش قضايا لم يكن يحلم بها أحد في عهد الأب. تفجرت مواسم السياحة وتدفقت الاستثمارات. السجائر الأجنبية التي كانت تهرب في السابق باتت متاحة للراغبين، وأصبح من حق الشخص أن يملك جهاز فاكس.. لكن هذا الربيع كان سريع الذبول.. تمت عمليات اعتقال واسعة، وأغلقت الصوالين الثقافية، وعادت البلد من جديد للمزاج البوليسي التي لم تغادره منذ عقود. يقول أحد المساجين السياسيين إن الفرق بين حكم الأب والابن، أنه في حكم الأب نسحب للسجن من دون محاكمات، وفي حكم الابن نسحب للسجن ولكن بمحاكمات صورية. كان من الواضح للجميع أن الابن يريد أن يبعث برسالة للجميع يقول فيها إنه هو الآن الحاكم الجديد، وأن هذا هو أسلوبه الفريد في الحكم. لكن الابن لم يمكن يتمتع بدهاء الأب وخبرته السياسية. يقول المؤلف نقلا عن المفكر برهان غليون إنه «عندما مات الأب، عرفت أن الابن سيكون أكثر خطورة منه. الأب كان رجلا سياسيا وله ارتباطات سياسية. الابن لم يكن لديه أي خبرة سياسية. لم يكن قادرا على التعامل مع مجتمع معقد إلا باستخدام العنف أكثر من أبيه. أوروبي التعليم، لكنه مفصول عن الواقع، ومحاط بالحراس الشخصيين». اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري كانت هي المناسبة التي أراد فيها الأسد الخروج من ظل الأب، ولكن هي اللحظة التي كتبت نهايته ونهاية نظامه. يكتب عجمي: «اغتيال هذا القائد السني الشهير سيصطاد الأسد ونظامه». الحريري لم يكن قائدا عاديا، فهو ذو كاريزما عالية، بالإضافة إلى علاقاته الواسعة ونجاحه سياسيا ورجل مال. يكتب عجمي: «مجال عمل الرئيس الحريري كان متركزا على لبنان، لكن النظام الطائفي الممرور في دمشق لم يكن متأكدا من ذلك». كل هذه المزايا أوغرت صدر الرئيس الجديد الذي طلب من الحريري في اجتماع بين الرجلين استمر لمدة 14 دقيقة أن يُمدد للرئيس اللبناني إميل لحود، لأن هذه رغبة الرئيس بشار الأسد نفسه، كما قال. عاد بعدها الرئيس الحريري إلى بيروت، وقدم استقالته وصوت على التمديد، ولكن الحريري اغتيل في عملية تفجير مروعة ليتحول بعدها إلى شهيد ورمز للحرية ضد طغيان نظام الأسد. استمرت بعدها عمليات الاغتيال في لبنان التي ذهبت ضحيتها شخصيات شجاعة مثل سمير قصير وجبران تويني وغيرهما. كان واضحا أن الابن أراد أن يتجاوز شخصية الأب، ولكن الوقت والناس كانا مختلفين هذه المرة. أراد الأسد أن يخرج مرة أخرى من ظل أبيه، وكانت هذه المرة عبر قتل الطفل حمزة الخطيب. «أولاد درعا» هو عنوان لفصل كامل شرح فيه عجمي هذه المأساة. في هذه المدينة الحدودية الفقيرة والمفرغة من أي حضور للدولة إلا في الأجهزة المخابراتية والأمنية، خرجت مجموعة من الأولاد الصغار وكتبوا على الجدران عبارات معادية للنظام. تم القبض بسرعة عليهم وتمت إعادتهم لأهلهم ولكن جثثا مشوهة. كان من بينهم الطفل حمزة الخطيب التي تحول إلى أيقونة للثورة. انفجر غضب سكان أهالي درعا، ولم يستطع حتى القناصة القادمون من دمشق تخويفهم وإخماد غضبهم. يكتب عجمي: «درعا كشفت عن الطريق وأخجلت المدن الأخرى». من حينها والقوات الأمنية والجيش وشبيحة النظام تمارس عمليات القتل المروعة التي طالت حتى الأطفال الصغار كما في مجزرة الحولة الشهيرة. يعيش هذه الأيام نظام بشار الأسد أيامه الأخير، وقد دعا عجمي، منذ وقت طويل، إدارة الرئيس أوباما للتدخل وإنهاء معاناة السوريين، لأن الأسد الابن المدلل وعديم الخبرة والمصاب بعقدة النقص، لن يرحل قبل أن يدمر الدولة ويسمم النسيج الاجتماعي، ويراكم مشاعر الانتقام، وهذا بالفعل ما أثبتته الأيام. سيرحل نظام الأسد مع كل شبيحته وأجهزته الأمنية قريبا كما هو متوقع، ولكن الآلام والأوجاع والكوابيس التي سيتركها خلفه ستبقى طويلا. قراءة كتاب عجمي «الثورة السورية» سيساعد على الأقل في فهم كل مسببات هذه الآلام في سوريا وخارجها أيضا.

    0 0

    مع نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي، زاد عدد الروايات الأميركية عن حرب العراق. ربما ليس لهذا صلة مباشرة بمرور 10 سنوات على غزو العراق. لكن، لها أيضا صلة بظاهرة تاريخية أميركية، وهي أن الروايات (والأفلام السينمائية التي تعتمد على هذه الروايات) تكثر بعد مرور سنوات على نهاية كل حرب. حدث هذا في روايات (وأفلام): الحرب العالمية الثانية، وحرب كوريا، وحرب فيتنام. طبعا، تصدر روايات خلال الحروب، لكن، أغلبية الروايات تصدر بعدها، وأحيانا بعدها بسنوات كثيرة. وقد يكتب روايات الحرب جيل جديد من الروائيين حتى لم يكن مولودا وقت الحرب. بدليل أنه، حتى اليوم، تصدر روايات عن الحرب العالمية الثانية (بل وعن الحرب الأهلية الأميركية، وحرب الاستقلال الأميركية). كل جيل من الروائيين يحاول أن يبدع، ويضيف خليطا جديدا من الخيال والواقع. * «الطيور الصفراء» * في بداية هذا العام، صدرت رواية «يالو بيردز» (الطيور الصفراء) للروائي كيفين باورز، الذي اعتبر أن من أسباب كثرة الروايات مؤخرا عن حرب العراق هو لكشف «أكاذيب السياسيين ونفاق الصحافيين». يقول عن روايته هذه: «ليس صدفة أن رواية (الطيور الصفراء) نجحت، ونالت أكثر من جائزة. إنها تساعد الشعب الأميركي على فهم ما حدث أكثر مما قدم له الصحافيون. ومن أسباب كتابتي لهذه الرواية هي أسئلة الناس: كيف هي الحرب؟ ما هو إحساس الأميركي وهو يحارب؟ كيف يقتل الأميركي العدو؟ من هو العدو؟». وقال: «لم تكن مشكلة الحرب هي نقص المعلومات. قرأنا صفحات وصفحات، وشاهدنا فيديوهات وفيديوهات. لكن كانت مشكلة الحرب هي أن الناس يريدون أن يحسوا بها، وكيف أثرت على الجنود، ليس فقط جسمانيا، ولكن، أيضا، عقليا ونفسيا».. وبالمعنى نفسه، كتب بول هاريس، صحافي بريطاني يراسل صحيفة «الغارديان» البريطانية من نيويورك: «مع نهاية عقد من الحروب، يجد الأميركيون الوقت ليتأملوا. انتهت مرحلة الصحافيين، ونقل أخبار الحرب، وجاءت مرحلة الأدباء والفنانين. انتهت الخطط، والأرقام، والأخبار اليومية، وجاءت مرحلة الانفعالات العاطفية. هذا خليط من حزن، وغضب، وإدانة، وحيرة، وخوف». * «اقتل وانسَ» * وقال هنري جونسون، مؤلف رواية «فايار آند فورغيت» (أطلق النار وانسَ): «ليست صدفة أن روايات الحرب بدأت بعد نهاية الحرب. نحتاج لبعض الوقت لنتأمل، ثم نكتب. أرهقتنا عناوين الصحف ونشرات الأخبار في التلفزيون، يوما بعد يوم، نشرة أخبار بعد نشرة أخبار. دبابات، وطائرات، وقتلى، ودمار، وخراب. نريد أن نتنفس قليلا، ثم نكتب». في رواية «اقتل وانس» قصص شخصية عن جنود أميركيين؛ قصة عن جندي أميركي قتل طفلا عراقيا، ثم عاد إلى أميركا، وذهب إلى «مول» (مركز تجاري)، وشاهد عربا يتكلمون بلغة عربية، وارتبك. وقصة عن جندي أصيب بمرض «بوست تروماتيك» (ما بعد أحداث عنيفة). ليس بعد أن عاد إلى أميركا، ولكن، قبل أن يعود. وكان ذلك سبب تسريحه، وإعادته إلى أميركا. وقصة عن جندي عاد إلى أميركا، وسأل أصدقاءه: «ما معنى ما فعلت في العراق؟». * «بيلي لين» * أما بنجامين فاونتين، مؤلف رواية «بيلي لين»، فهو يقول بيقين كامل: «بسبب هجمات11 سبتمبر، غزونا دولة لا صلة لها بهجمات 11 سبتمبر». ويضيف: «هناك إحساس عام بالحزن في هذه الروايات. هناك (مناخوليا) تفزع وتخيف. لكن، لا توجد روايات عما بعد الحزن، عن الدروس المستفادة». وقال: «أنا نفسي صرت ضحية الغضب. وهذا هو ما جعلني أكتب هذه الرواية. ربما الذين سيكتبون بعدي، سيكتبون عن دروسها لأولادنا وأحفادنا». ووصف حرب العراق بأنها «بول شيت وور» (حرب براز البقر). وقال: «قرأت رواية (هومر) عن حرب طروادة. قرأت عن حشد الجنود للانتقام بسبب خطف هيلين، زوجة الملك منالوسس، ملك طروادة. قرأت عن لماذا ضحى الآلاف بأرواحهم لأن امرأة خُطفت. قرأت عن الحزن والاكتئاب الذي عاناه الجنود وهم عائدون إلى وطنهم. لماذا حاربنا؟ لماذا قتلنا؟ لماذا قتلنا؟». وقال: أعتقد أن حرب طروادة أيضا كانت «بول شيت وور» (حرب براز البقر). لم يغب الشعر أيضا عن حرب العراق، وخاصة أشعار الجنود الأميركيين الذين حاربوا هناك. ومن أشهر هؤلاء بريان تيرنر، الذي اشترك فيها. يقول في قصيدة له: الحرارة مائة درجة.. حتى عند مغيب الشمس بمنظاري المكبر أقف على سطح منزل.. وأنظر إلى المنازل المجاورة أبحث عن بندقية موجه نحونا أيضا.. ابحث عن ابتسامات بنات لكن.. تحجب الستارات البنادق والبنات يقف البوم على أغصان أشجار العنب وينبعث صوت الأذان من المئذنة وفي وقت لاحق، نشر تيرنر ديوان «أنا هنا.. أيتها الرصاصة». وفيه قصيدة «مرثية» إلى ميلر؛ زميله الذي انتحر في العراق. منها: كان يوم الاثنين.. صباحا وطائر السمان حط عند نهر دجلة وضغط «ميلر» على الزناد ودخل النار فمه وطار السمان من نهر دجلة وفي الديوان نفسه، قصيدة «أشباح»، وفيها: أشباح جنود أميركيين تمشي بالليل في «البلد» متعبة لا تعرف الطريق وسمعت صوتا روحانيا من المئذنة وشاهدت أشجار النخيل تنحني نحو مكة * جنرالات وصحافيون * بالإضافة إلى الشعراء، والروائيين، والمسرحيين، كتب أميركيون آخرون عن حرب العراق، وبقية الحروب الأميركية ضد الإرهاب. ويمكن أن يقسم هؤلاء إلى قسمين: جنرالات وصحافيون: أولا: مذكرات الجنرالات الذين قادوا الحرب، مثل كتاب «أميركان سولجر» (جندي أميركي) الذي كتبه الجنرال تومي فرانكس، قائد قوات الغزو. وأيضا، مذكرات جنود حاربوا في العراق، مثل كتاب «هاوس تو هاوس» (من بيت إلى بيت) الذي كتبه ديفيد بلافيا، عن معركة الفلوجة. ثانيا: انطباعات صحافيين، مثل «غرين زون» (المنطقة الخضراء) الذي كتبه شاندرا ساكران، مدير تحرير صحيفة «واشنطن بوست.» وكتاب «فياسكو» (فضيحة: المغامرة العسكرية الأميركية في العراق) الذي كتبه توماس ركز، وهو صحافي أيضا في «واشنطن بوست». لكن، يوجد فرق بين الكتب التي كتبها صحافيون، والتقارير الإخبارية اليومية التي أرسلها صحافيون. وطبعا، من أسباب ذلك أن الصحافي يقضي سنوات ليكتب كتابا، ويعتمد على معلومات وتطورات ما كان يعرفها عندما كتب الخبر، أو لم يكن هناك حيز، أو وقت لها. ومثال على شكوى الروائيين من تقصير الصحافيين في تغطية حرب العراق ما حدث لصحيفة «نيويورك تايمز». فبعد سنة من الغزو، اعترفت أن بعض أخبارها «لم تكن دقيقا كما أنها كان ينبغي. أو اعتمدت على معلومات من عراقيين في المنفى كانوا يريدون تغيير النظام». واستقالت جوديث ميلار، التي كتبت كثيرا من أخبار ما قبل غزو العراق، بعد انتقادات بأن أخبارها كانت غير دقيقة، وكانت مؤيدة للرئيس السابق بوش. واضطرت الصحيفة على في افتتاحية رئيسية.

    0 0

    حين أحاول أن أستذكر أول كتاب تصفحته، وأثر بي في حياتي، تختلط علي أوراق كتب قليلة شاءت الظروف أن تضعها في يدي. ماذا يجد من كتب، فتى نشأ في بيت فقير بائس، لا أحد فيه يعرف القراءة، وفي مدينة ليست فيها مكتبة عامة، ومدرسة لا تحوي سوى الكتب المقررة، ولا ترتاح كثيرا لما تسميه بالكتب الخارجية؟ أحيانا أعد قراءتي للقرآن، وحفظي لبعض من آياته في «بيت ملا» غير بعيد عن بيتنا الطيني في مدينة هيت، وأنا في سنوات دراستي الابتدائية الأولى.. هي تجربتي الأولى مع كتاب مهم مؤثر! لكني أتذكر أن هذا الملا وكان كفيف البصر مسنا عليلا، يجعلنا ننفق وقتا معه نهفي له في مراوح من الخوص، ونكش الذباب عن وجهه ورجليه، حتى ينام أكثر مما ينفقه معنا في تعليمنا، أو تفسير شيء لنا. ومع ذلك أتذكر أن جزالة العبارة القرآنية، وفخامتها، كانت تحاول اجتذابي حتى الآن! لا مفر للكثيرين من محبي القراءة أو الأحلام الرومانسية من جيلنا، من المرور بالفترة المنفلوطية، قرأت معهم «العبرات» و«ماجدولين» وغيرهما من الترجمات المحورة على يد المنفلوطي؛ بما يلائم مزاجنا الشرقي، وقد شحنت خيالي بشجنها، وآلامها وآمالها المحطمة! أسلمني المنفلوطي بكل لطف وسلاسة لمحمد عبد الحليم عبد الله لأقرأ له «بعد الغروب» و«لقيطة» و«شجرة اللبلاب»، وغيرها من رواياته الرومانسية الحالمة بلغتها الرقيقة الحزينة الناعمة! كنت لا أزال في المدرسة المتوسطة، عندما قدم لي صديق هو جار لنا أيضا، كتابا سميكا ما إن فتحته حتى تهت بين صوره الملونة، وموضوعاته الشيقة، والمثيرة، وعبقه القديم المنعش، كانت أعداد من مجلة «المصور» المصرية، كان الشقيق الكبير لصديقي يجلبها من بغداد، وقد قام بتجليدها بشكل أنيق! وجدتني أجول في واحة خضراء ندية بعد هجير جاف في مدينتي، فصار هذا الصديق والجار الكريم؛ يمدني بمجلدات أخرى من «آخر ساعة» «الكواكب» ثم «الهلال» و«الرسالة» فكنت أسهر معها الليالي جائلا على صفحاتها في زوايا الحياة الثقافية، والسياسية في مصر، وبلدان عربية مختلفة. أرى وجوه شعرائها وزعمائها، معالمها قصورها وحدائقها وشوارعها، أماكن الجد واللهو، حتى إنني حين حللت في السنوات الأخيرة في القاهرة كنت أشعر؛ وكأنني قد تجولت في شوارعها، وحاراتها في طفولتي، بل أحيانا أحس، وكأنني كنت أعيش هنا، وفي مدينتي بنفس الوقت، ولم يكن يفصل بينهما لا بحر ولا وصحراء ولا حدود! لم أعد أتذكر أي إنسان طيب أعارني رواية «بداية ونهاية» لنجيب محفوظ؛ فالتهمتها في يوم وليلة، قدم لي أحدهم، رواية قصيرة لدستويفسكي اسمها «نيتوتشكا»! أتذكر غلافها الجميل الصغير، وكان من مطبوعات حلمي مراد، أعارني آخر رواية «البؤساء» لفيكتور هيكو، لا تزال شخوص هذه الروايات تعيش في وجدان طفولتي الذي يسايرني وأنا أخطو إلى النهاية، ولا أتذكر «نفيسة»؛ إلا وأحس برعشة جارحة في القلب لمصيرها الأليم! وإذا أتلمس نوازعي اليوم أجد أن هذه المجلدات من المجلات المصرية المكتنزة بالكثير من الموضوعات والصور المتنوعة، والجو القرآني والروايات الأدبية هي التي جعلتني اليوم مشطورا أو منقسما بين عالمين: عالم الصحافة بما يحتوي من حياة صاخبة وصراعات محتدمة وتجليات غريبة، وعالم الأدب بما فيه من نبض عميق لروح الإنسان، وبوح خفي حميم يكاد يضيع تحت الصخب اليومي! وأجدني اليوم موزعا في كتابتي بين المقال الصحافي الذي أراه ضروريا تحت تأثير وهم أو حقيقة، مشاركة في التأثير على مجرى الحياة ومصائر الناس، وبين كتابة القصة والرواية التي هي تقارب الناس في معاناتهم العميقة؛ إزاء ثوابت الحياة الكبرى، ووجودهم الهش القلق سريع الزوال! ما زلت أقارب لغة الصحافة الواضحة المباشرة الدقيقة، بنفس القدر من الذي أقارب فيه لغة الأدب التي تحتمل الظلال والغموض والتهويمات المحتمة! لا أجد غضاضة في المزج بين اللغتين، أو استعمالهما متوازيتين، فكل منهما لها طاقة خاصة للاقتراب من الحقيقة وكنه الأشياء في مسارها أو انكفائها، ورحلتها نحو أطوار أخرى أكثر بهاء وجمالا. * قاص وروائي عراقي، له أكثر من خمسة عشر كتابا، منها «صفارات الإنذار» مجموعة قصص، (بعد مجيء الطير) مجموعة قصص، (المرآة)، مجموعة قصص، «طفل السي إن إن» رواية، «الانحدار»، رواية «التيه في أيس» مجموعة قصص، «لارا زهرة البراري» مجموعة قصص، «قصة حب لزهرة الأوركيديا» مجموعة قصص. ترجمت له قصص إلى الإنجليزية والألمانية والدنماركية والنرويجية.

    0 0

    لا تنطبق اشتراطات البطل التراجيدي أو الإشكالي على شخصية دعبول على الرغم من حياته المأساوية المُفجعة حيث وجد نفسه وحيدا مُشرّدا بعد أن ماتت أمه وأخته «بدرية» في الحريق الذي امتدّ إلى منزلهم من المستودع الإنكليزي في «باب السيف». قد يتعاطف القارئ مع هذه الشخصية الشعبية، لكنه لا يحاول تقليدها أو تقمّصها، وربما يكون السبب الرئيسي في عدم اعتناق مثل هذه الشخصيات هو هامشيتها، وانسحابها إلى الحافات والمناطق المهملة التي لا تثير شهية الآخرين، ولكنها تثير في القارئ «الشفقة والخوف» كما يذهب أرسطو. يأخذ دعبول من البطل الإشكالي بعضا من خصائصه المعروفة مثل «السعي نحو القيم الأصيلة، بينما يعيش هو في عالم متفسِّخ»، كما أنه لا يصل إلى تحقيق هدفه المنشود، وقد يتخاذل إلى الدرجة التي يقترب فيها من البطل السلبي الذي يفكر كثيرا، ويفعل قليلا، أو ربما لا يصدر عنه أي فعل على الإطلاق. يمكن اعتبار دعبول شخصية بايرونية لأن «بطلها يغرق في الوحدة والغموض، ونادرا ما تراه يبتسم، أو تسمعه يتأوّه». وعلى الرغم من توفر بعض الأجواء الرومانسية لدعبول، إلا أن مساحتها الضيقة لا تتيح لنا القول إنه بطل رومانسي، ذلك لأنه يعيش الأجواء الرومانسية في أحلامه الفنتازية ومخيلته المشتعلة جرّاء الوجد الشديد أو التجليات العاطفية أكثر مما يعيشها على أرض الواقع. إذن، يمكننا أن نطلق على دعبول توصيف البطل السلبي الذي يكتفي بردود الفعل المحدودة التي تظل تدور في ذهنه ومخيلته من دون أن يقوم بأي فعل يُذكر. * البنية المتداخلة * لا تعتمد رواية «دعبول» على خط زمني مستقيم، فالرواية قائمة في جزء كبير منها على فعل التذكر والاسترجاعات الذهنية. وحينما يُطل علينا دعبول في مستهل الرواية نراه رجلا يعاقر الخمر، ولا ينادم إلا صديقه علي الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية مترفة، لكنه وجد في دعبول ضالته المنشودة. وبغية توضيح هذه البنية المتداخلة لا بد لنا من اختصار قصة الرواية. فدعبول الذي فقد أمه وأخته وجد نفسه مشردا في مزارع الزهاوي التي لا يدري كيف وصل إليها، ثم نلتقيه عند عربانة عزوري التي يبيع فيها المأكولات حيث يناديه عزوري بضمير المخاطب المؤنث متصورا أنه فتاة بسبب شعره الطويل. لم يجد دعبول ضيرا في أن يتخفى وراء مظهر فتاة، وأن يستعير اسم أخته «بدرية» التي قضت نحبها في الحريق. وحينما تروق له هذه الشخصية المُستعارة يتقنّع بشخصية بائع الفجل لاحقا كي يتابع حركة مصطفى الدلال الذي يخطط للإيقاع بسليمة الخبازة، وسلب ثروتها سواء تلك التي جمعتها بشق الأنفس أم التي ورثتها من زوجها الطاعن في السن الذي فارق الحياة. لا تخلو هذه الشخصية المقنّعة لدعبول من مفارقات ومواقف طريفة فحينما أرادت «رحلو»، زوجة عزّوري أن تصطحبه إلى حمّام النساء هرب لكي لا ينكشف أمره فالتجأ إلى بيت حفيظة حتى لا تنكشف شخصيته الحقيقية. وحينما تقرر حفيظة أن تذهب لزيارة مرقد الكاظم وتترك طفليها الصغيرين حيدر وفاطمة مع بدرية ينكشف أمرها أو أمره. لا يجد دعبول بُدا من الهرب إلى منزل بدري وسكينة اللذين عاملاه بالحسنى، ورعيا موهبته الموسيقية التي اكتشفاها حينما عزف على العود وغنّى أول مرة في منزل حفيظة قبل أن تكتشف ذكورته المموهة وراء شعره الطويل وملابسه الأنثوية. تتطور علاقة دعبول مع هذه العائلة السورية، لكن التحقيقات الجنائية تثبت مشاركته في لقاءات مريبة لا تحبذها الدولة، عند ذلك يقرر العودة إلى دمشق ليترك وراءه هذا الشاب الذي لم يعتد مواجهة الحياة من دون العودة لاستشارة بدري وسكينة اللذين أمدّاه بالمعرفة الحياتية التي تتجاوز العزف والغناء إلى ضرورة تعلّم القراءة والكتابة، والدعوة إلى العلم هي بحد ذاتها حدث قدسي من وجهة نظر دعبول الذي بدأ يكتسب خبرات عميقة تمتد من تعلم العزف، وغناء المقامات المتنوعة، إلى إتقان النجارة، وصناعة الأعواد، هذا إضافة إلى سويعات الصمت والتأمل التي يقضيها لوحده أو بصحبه رفيقه ونديمه المفضّل علي. وحينما يموت هذا الأخير يرفض دعبول الإقرار بموته أو المشاركة بدفنه على المذهب الذي لم يؤمن به طوال حياته، فلقد غيّر علي مذهبه واتبّع مذهب الراهبة التي صادفها بالقرب من نهر الكانجي. إن قصة حب دعبول تزدهر من طرف واحد، فهو الذي كان يعاني بصمت من دون أن يمتلك القدرة على البوح. فمذ رأى عنقها البض، وساعديها البيضاوين حينما كانت تخبز ذات مرة تعلّق بها وأحبها، لكنه كان يشعر في قرارة نفسه بأنه يطارد شبحا لا وجود له، خصوصا حينما تزوجت ذلك الرجل السامرائي الذي أخذها وتوارى عن الأنظار. إن الجانب الإشكالي في هذه القصة العاطفية التي تتأجج من طرف واحد يمكن صياغته بالسؤال التالي: «عمَّ يبحث دعبول في سليمة، هل يبحث عنها حقا أم عن أمه أو أخته فيها»؟ كان هناك هاتف داخلي ينبئه بأنها لا بد أن تعود ثانية إلى المضارب التي نشأت فيها، وأحبتها، وكرّست جل حياتها لها. وبالفعل صدقت نبوءته وعادت فتنكّر ثانية بشخصية بائع الفجل كي يراها أو يسمع صوتها في الأقل، هذا الصوت الجميل الذي أسره على مدى سنوات طويلة. يحاول دعبول أن ينقذها من فخاخ مصطفى الدلال وألاعيبه التي تنصّب على توفير الحماية والأمان والرزق الوفير، لكن أنّى له أن يفعل ذلك وهو الذي يستجير بسكينة حتى في خياله وتمنياته العابرة التي يتساءل فيها ماذا عساه أن يفعل، فلا سند ولا ملاذ سوى كأس العرق، وأوتار العود، وبضعة مقامات لا تفلح في تبديد وحدته القاسية. * استعمال الحواس * إن ما يلفت الانتباه في رواية «دعبول» هو اللغة المهجنة المكتنزة التي تجمع بين الأدب والفن من جهة، وبين استعمال الحواس وتوظيفها بطريقة فنية معبِّرة جدا. فقد وظّفت بورتر الحواس الخمس برمتها، فمنذ مفتتح النص الروائي نرى دعبول وهو يميّز بين نغمات الجوزة والقانون، وبين مقام الصبا والبيات، وحينما يصبح عوّادا صار يعرف أنّ لكل عود وقعه الخاص الذي لا يميّزه حتى العازف المتمرس، بل صانعه الذي يضع فيه قطعة من فؤاده. ثمة أمثلة كثيرة لا يمكن حصرها على توظيف حاسة السمع، ولكننا سننتقل إلى بعض الحواس الأخرى لنؤكد صحة ما نذهب إليه. فحاسة البصر تأخذ قسطا لا يقل أهمية عن حاسة السمع، وهذه الهيمنة متأتية من كون الروائية أمل بورتر هي فنانة تشكيلية بالأساس فلا غرابة أن تحضر الألوان الحارة والباردة وانعكاسات أشعة الشمس وضياء القمر على صفحات مياه دجلة وشرائعها المتعددة، كما تحضر الزهور الملونة، وأوراق الأشجار اليانعة على الستائر، والوسائد، وأفرشة النوم، وأغلفة العود القماشية. لا بد من الإشارة في خاتمة المطاف إلى أن سليمة الخبازة هي شخصية مستعارة من رواية «النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان، أما بقية الشخصيات فهي حقيقية، لكنها وجدت طريقها إلى هذا النص الروائي بفعل المخيلة المتوهجة التي تتوفر عليها الروائية التي أفلحت في عملتي التناص والتلاقح مع رواية فرمان التي ورد ذكرها توا.

    0 0

    «تولد هذه المجلة في أعقاب شتاءين داميين عرفتهما سوريا وثورتها الباسلة لأجل الحرية والكرامة، وخلال هاتين السنتين ولدت أصوات في الفكر والأدب والفن وماتت أصوات، وعرف السوريون وجوها في الثقافة والسياسة والفكر جديدة عليهم»، بهذه العبارة جاء المقال الافتتاحي للعدد الأول لمجلة «دمشق»، التي انطلقت من القاهرة في احتفالية خاصة. ويتوزع كادر تحرير المجلة على العواصم العربية والأجنبية، ويضم كتابا سوريين وفلسطينيين ومغاربة وإيرانيين معارضين في المنفى. ويضم العدد الأول من مجلة «دمشق» ملفا فكريا بعنوان «الثورة السورية: ينابيع الغضب، تحديات الأمل وثقافة الحرية». ويكتب فيه عمار ديوب (في أسباب الثورة السورية وبعض مشكلاتها)، وسلام السعدي (السلاح في الثورة السورية - صيرورة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم)، وسلامة كيلة (عن الثورة السورية وانتصارها)، وعزيز تبسي (ظاهرة الشبيحة - مؤشرات مبكرة على انحطاط الطغمة العسكرية)، ومفيد نجم (في مآلات الثورة السورية وآفاقها المستقبلية - مقدمات أولية)، وبشار العيسى (ثورة من أجل وطن توافقي حر للسوريين وعقد اجتماعي عصري)، وصادق جلال العظم (الربيع العربي والانتفاضة الشعبية السورية)، وصبحي حديدي (المثقف السوري والانتفاضة)، ورفيق شامي (مثقفون ومرتزقة - خواطر في الثورة السورية). أما الملف الأدبي، فضم موضوعات متعددة؛ منها: «الأيام السبعة» لنوري الجراح، الذي يرأس تحرير المجلة، و«بول إيلوار - حرية ترجمة ودراسة» لشاكر لعيبي، و«يا حرية» شعر فارسي معاصر»، و«ربطة خبز مهربة إلى الثوار وعليها صورة السفاح» لعبد الله غباش، و«لاجئون فروا من البطش ونظام يكتب بلاغاته بالرصاص» لوداد ملحف، و«أنا زوجة الشهيد» لسرى علوش، و«أذهب للغداء في بيت صديقتي - يوميات في الثورة اليمنية» لريم مجاهد، و«في كره الربيع العربي وحبه» لأسماء الغول، و«مختارات من القصة الكردية القصيرة ترجمة: جان دوست»، و«بومة منيرفا: المركزية الأوروبية والصور النمطية للشرق» (خلدون الشمعة). جاءت المجلة في 400 صفحة، وتصدر بشكل شهري.

    0 0

    كان الكاتب والصحافي الشهير الراحل كريستوفر هيتشنز برفقة مجموعة من أصدقائه في أحد المطاعم الفاخرة التي تكتظ بها العاصمة الأميركية واشنطن. بينما كان منهمكا في أكل «الستيك» الشهي، لمعت في خياله فكرة ساخرة وملحة لم يستطع مقاومتها. في الوقت الذي كان يعد نفسه ليترجمها لكلمات مسموعة، تدخل الجرسون، الواقف قريبا، بطريقة مرتبكة وقام بتقطيع اللحم في طبق هيتشنز إلى أجزاء صغيرة، وتبرع بعدها بتوزيع بعض من هذه القطع على الآخرين. هيتشنز، كما كتب، صدم من تصرف الجرسون ونسي فكرته المثيرة التي كان ينوي إمتاع الحاضرين بها، خصوصا النساء. تنتظر الآن بلهفة تكملة القصة، لتتفاجأ بأن الكاتب يتوقف ليعلن أن الجرسون لم يقم بذلك على أرض الواقع، ولكن فقط في خياله الذي صار قطعة اللحم. كل حركات وسكنات وكلمات ذلك الجرسون، تبعث برسائل وقحة للزبائن بأن عليهم إما المغادرة بسرعة أو طلب المزيد من الطعام أو الشراب، لأن هناك من ينتظر ليدفع أكثر. الترجمة المجازية لسلوك هذا الجرسون المتململ غير بعيدة عن المشاهد التي ارتسمت في خيال الكاتب، كأنه يقوم بتقطيع قطعة اللحم ومن ثم يوزع بعضها وربما يأكل جزءا منها. هذا المدخل المثير استخدمه هيتشنز ليحبس أنفاس القارئ بهدف إغرائه، وقد نجح في ذلك، لقراءة بقية المقال الساخر الطويل الذي يعزي فيه هيتشنز انهيار التقاليد العريقة في المطاعم الكلاسيكية. الكثير من القصص الساخرة الشبيهة بهذه القصة، يجدها القارئ لكتاب الصحافي الإنجليزي الأميركي المعنون بـ«Arguably» أو «قابل للجدل». الكتاب يضم عددا كبيرا من المقالات الطويلة والقصيرة التي نشرها في الأعوام الأخيرة في عدد متنوع من الصحف والمجلات. صدر لهيتشنز بعد رحيله، بسبب مرض سرطان المريء، كتاب صغير الحجم بعنوان «Mortality» (وكتاب إلكتروني آخر - أو مقال مطول - كتبه بعد مقتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن). لكن هذا الكتاب الذي قام بإهدائه لمحمد بوعزيزي، كان الكتاب الأخير بالنسبة لهيتشنز، الذي سارع بتحضيره بعد أن أكد له الأطباء أن عاما واحدا فقط هو كل ما تبقى له في الحياة. أجمل ما في هذا الكتاب أنه يعيد الثقة للكتابة الصحافية الذكية والأنيقة التي تاهت في السنوات الأخيرة بين وسائل التواصل الاجتماعية المختصرة والطرح الأكاديمي الطويل والجاف. ليس هذا فقط، بل إن هذا الكاتب المثير للجدل، والمعروف بدخوله في نقاشات صاخبة حول قضايا عميقة في السياسة والتاريخ والثقافة والأدب، لم يتردد في أن يكتب قصصا ساخرة وغريبة من هذا النوع الذي يخاف الصحافيون الجادون مثله من التطرق إليها. فهيتشنز، وقلة غيره، لديهم القدرة على رؤية الأفكار الصحافية المثيرة في أماكن لا تخطر على بال؛ في مطعم أو محطة مترو أو في مكتبة أو رصيف يزدحم بالمارة أو في تصرفات جرسون مغفل. هناك دائما شيء متوار، ولكنه بحاجة إلى عقل صحافي لامع وحذق، يعرف كيف يلتقط الفكرة المندسة ويربطها بحدث أكبر منها. الكتاب يحفل بالكثير من المقالات الساخرة ذات الأفكار الغريبة التي يبرع فيها هيتشنز. في مقال آخر بعنوان «لماذا النساء غير ظريفات؟»، يطرح الكاتب قضية مستفزة أثارت سخط النساء عليه. يبدأ المقال بالإشارة إلى أنه من النادر أن يصف الرجل المرأة التي يحبها بالظرف. قد يقول إنها جميلة ولطيفة، ولكن لن يقول عنها ظريفة. هذا على العكس من النساء اللاتي يرين حتى في الرجال الثقلاء ظرفا وخفة ظل. ثم يطرح هذا السؤال: «لماذا المرأة التي يقع كل عالم الرجل تحت رحمتها غير ظريفة؟!». يجيب بعدها عن سؤاله بالقول إن «المرأة لم يكن لها دافع قوي لكي تكون خفيفة ظل من أجل أن تجذب الرجل لها. الرجل، على العكس، ومنذ آلاف السنوات، يشعر بانجذاب شديد نحو جمال المرأة. لكن الرجل الذي لا يملك الكثير من المزايا ليجذب المرأة إليه لم يكن أمامه إلا أن يطور حس الدعابة لديه حتى تقع المرأة في حبه». هيتشنز لا يكتفي بهذا السبب، بل يضيف سببا آخر. يكتب: «حس الظرف من علامات الذكاء، والكثير من النساء يعتقدن، أو هكذا علمتهن أمهاتهن، أنهن يصبحن مهددات للرجل إذا كن حاذقات جدا. ربما الرجال لا يريدون من النساء أن يكن ذكيات. إنهم يفضلونهن كجمهور لا كمنافسات». من المحتمل أن يغضب هذا الكلام المتهور المرأة، ولكنه يعود مرة أخرى ليتملقها ويرشوها بمديح لا يمكنها رفضه. يقول: «إن سببا آخر لتميز الرجل عن المرأة بحس الظرف، هو أن الرجل، منذ الأزل، لم يتمتع بالكثير من المزايا الجمالية، والطبيعة كانت قاسية عليه، لذا استخدم حس الطرفة كعزاء يواسيه ودرع تحميه بذات الوقت». لكن الكتاب يتطرق أيضا على الكثير من القضايا الجادة ويغوص أحيانا في التاريخ. في مقال بعنوان «لينكولن: الطفل البائس» يتحدث هيتشنز عن حياة الرئيس الأميركي التي كانت عبارة عن معاناة قاسية منذ الطفولة، إلى فترة رئاسته التي كانت كلها حربا باستثناء ستة أسابيع حتى نهايته مقتولا، ولكن بعد أن قام بتحرير السود. كان أبوه يستخدمه كأجير يقوم بالأعمال اليدوية الشاقة له ولجيرانه البخلاء. لينكولن الذي كان أشبه بالمملوك كما تملك الماشية، قال مرة: «لقد رأيت قدرا كبيرا من الجانب الخلفي في هذا العالم». ربما هذا ما زرع في روح لينكولن المدمرة في الطفولة كراهية العبودية، الأمر الذي جعله يطلق كلمته المشهورة عام 1858 «لا أريد أن أكون عبدا، ولا أريد أن أكون سيدا». في مقال آخر، يحكي هيتشنز بطريقة شفافة ورقيقة عن لقائه الزعيمة الباكستانية المغتالة بنازير بوتو. تشعر في بداية المقال بغضب الكاتب من بوتو بسبب مراوغتها السياسية، ولكن المقال يتحول بذلك، بطريقة ناعمة، إلى نوع من الإعجاب بشخصها لأنها صححت خطواتها، ومن ثم ينعطف مسار الكلمات لتشعر بروحها الشجاعة التي لم تمنعها التهديدات والمخاطر من قيادة سيارتها المكشوفة (وهو كان بصحبتها في إحدى المرات). بعد أن تختلط بداخلك مشاعر الغضب والفهم والإعجاب، تعرف أن المقال انحفر في صميمك. لكن هيتشنز لا يكتفي بذلك ويضيف إلى هذا المزيج المعقد من العواطف إحساس الحزن الشفاف، الراثي رحيلها الصادم. الغريب أنه لم يستخدم أبدا لغة عاطفية أو نبرة بكائية، ومع ذلك، الكلمات التي نثرها تجعل مشاعرك تتصاعد مع كل قطعة في المقال. كشف هيتشنز في الكتاب، بطريقة غير مباشرة، عن أسباب تألقه. الرجل ملتزم ومحب لعمله، وقد قال مرة إنه ولد لكي يكون كاتبا، ولا يعرف أي شيء آخر يفعله في الحياة غير ذلك. يكتب في كل يوم ما لا يقل عن 2000 كلمة، ولم يتأخر يوما عن موعد النشر، رغم أنه ينشر في أكثر من مكان؛ في مجلة «فانتي فير» أو «The Nation» أو «أتلاتنك»، أو غيرها من المطبوعات. يقول هيتنشز أيضا إنه تعلم أن يكتب كما يتكلم، أي يترجم الصوت الذي داخل عقله لكلمات مطبوعة. قد تبدو هذه مسألة سهلة للقارئ، ولكنها شاقة لمن لا يملك مثل موهبته. المحير أكثر أن هيتشنز كان مشهورا بسهراته الصاخبة وعلاقاته الواسعة وسفراته المتواصلة وحضوره التلفزيوني المكثف، فكيف إذن يجد الوقت للكتابة الأنيقة؟ هيتشنز يختار أيضا أن يذهب في كل عام أو اثنين إلى بلدان غير آمنة ليكتب عنها، لأن المكوث في الأماكن المستقرة لفترة طويلة تضعف، كما يقول، الحس الصحافي. دفع هيتشنز بكتابه هذا وهو يعلم أنه الأخير، بسبب مرضه القاتل الذي لم يكتشفه إلا بعد أن تغلغل في جسده وأصبح القضاء عليه مستحيلا. في أيامه الأخيرة، بدا صوته مختنقا وفقد الكثير من وزنه، وارتسمت على وجهه ملامح الموت. عقله كان ينهار تدريجيا وينزلق في الظلام، لكن لم يمنعه ذلك عن منح هذا الكتاب الممتع المتفجر بأكثر الأشياء جمالا في الحياة. الأفكار الخلاقة والنقاشات العميقة - التي يمكن الاختلاف مع الكثير منها - والنكت الساخرة، كلها مكتوبة بأسلوب رفيع وسلس. تعمد هيتشنز، وهو في طريقه لبوابة النهاية، أن يهدي كتابه هذا للحياة وللناس الباقين فيها، ولم ينس أن يكتب لهم نصيحته المقتبسة: «عش بكل ما تستطيع، من الخطأ ألا تفعل ذلك».

    0 0

    يصدر عن دار «مدارك» قريبا كتاب لدافني باراك بعنوان: «ماما سارة أوباما.. أحلامنا والجذور». وتعتبر دافني باراك أحد أفضل صحافيي المقابلات في العالم. أجرت كثيرا من المقابلات الصحافية المطولة مع عدد كبير من القادة والرؤساء والملوك والرياضيين ونجوم السينما والموسيقيين ومصممي الأزياء وصانعي الأحداث. جاء الكتاب حصيلة زيارات من قبل الصحافية إلى سارة أوباما، الجدة التي أصبحت السيدة الأولى في مدينتها. وهنا مقتطفات محررة من الكتاب: سارة امرأة كبيرة تلبس فستانا برتقاليا تقليديا وتضع على رأسها ربطة قماش تتناسب معه. وجهها أكثر شبابا من عمرها الحقيقي. كانت تملك ابتسامة جريئة. تعانقنا، ثم قدّمت لي ابنتها مارسات، وقادتني إلى داخل منزلها الذي امتلأت جدرانه القديمة بصور العائلة؛ لها ولزوجها الراحل، وحفيدها الأميركي. قبل أيام قلائل من قيام باراك أوباما بتأدية القسم كرئيس للولايات المتحدة الأميركية الرابع والأربعين، كانت كل من سارة ومارسات تتحدثان معنا يوميا عبر الهاتف عن أشياء كثيرة، وعن الفستان الذي يجب على سارة أن ترتديه في الحدث الكبير. لقد أصبحت الآن الجدة الأولى في البلاد. تقول الجدة سارة: «أحببت منزلنا في كيندو باي، حيث تأتي السفن بالقرب منا ومعها كل أنواع التسلية والموسيقى.. كانت النساء جميلات أيضا، عائلتي مسلمة، وذلك بسبب أن بعض التجار العرب جاءوا إلى مدينة كيندو باي وبدأوا بعض مشاريعهم التجارية هناك. لذلك استمر الإسلام في التأثير على حياتنا. تلقّى باراك (الأب) تعليمه في مدرسة ابتدائية في وقت اعتنائي به، هو وإخوته. كان صفا دراسيا يجلس فيه الأطفال تحت شجرة مع معلمة لهم. كان يلحّ في طلب الدارسة بمدرسة أكثر جدّية -حيث يكون فيها معلم حازم - أي يكون المعلم رجلا. لا نملك مثل هذه المدرسة محليا، ولا أدري كيف يُستجاب لمطلبه هذا؟!». باراك (الأب) كان قد طُرد من المدرسة، على الرغم من كل الدرجات الممتازة! إن الأمر يتعلق بموضوع الفتيات، تكشف سارة أنه كان يستغلّ جاذبيته في جلبهن إلى سكنه، ويعدهن بتحقيق أحلامهن! ذات مرة، وصل باراك (الأب) إلى البيت مبتسما، واحتضنني ورفعني عن الأرض وهو يصرخ بفرح شديد. رجعت المرأتان صاحبتا اقتراح ابتعاث باراك إلى أميركا وهما تحملان استمارات طلب التسجيل في جامعة هاواي، قام باراك بتعبئة الاستمارات وبدأ بالدراسة الجادة في المنزل يوميا بعد العمل. دفعه الحلم الأميركي إلى بذل قصارى جهده. تضيف سارة: «استمرّ في زياراته لنا، واستمرت معه الهدايا الكبيرة التي كان يجلبها لنا. كل زيارة له هي بمثابة احتفال. كان يخبرني عن مارك وديفيد وهما ولداه من روث. لم أرهما لكني سمعت عنهما من باراك وزيتوني. لم تكن تسمح روث لهما بمصاحبة باراك في زيارته لنا في كوقيلو، حيث كانت على وعي تماما برفض زوجي لها. كان حسين غاضبا من روث فليست، هي ليست امرأة أميركية فحسب، بل هي أيضا من أصل يهودي. لكن باراك كان سعيدا معها. زيارات باراك لنا وهداياه القيمة هي حديث الناس في قريتنا في ذلك الوقت. كان أحيانا يحضر ومعه أوما ومالك». اكتشفت لاحقا أيضا من خلال رسائل «آنا» أنه (تضيف الجدة) وبعد زواجهما انتقلا مع باراك الصغير الذي كان في السادسة من عمره إلى إندونيسيا. كان ذلك في عام 1967. استمرت الرسائل من آنا في جاكرتا. اتضح لي من خلال الرسائل المعبرّة والبليغة أن آنا معلمة بارعة في اللغة الإنجليزية. أطلعني باراك على كل صغيرة وكبيرة عن ابنه في إندونيسيا الذي رجع مرة أخرى إلى هاواي بعد أن أصبح لديه في ذلك الوقت أخت غير شقيقة من آنا وزوجها الإندونيسي، تابعت الأحاديث الكثيرة لباراك عن ابنه الصغير قبل أن يأتي لاحقا خبر فقدانه لوظيفته. وحدثت المفاجأة التالية لها في عام 1990م عندما دعاها باراك الابن إلى زيارته في هارفارد، التي كان يكمل فيها دراسته العليا. «هارفارد»! فكّرت سارة قائلة: «هي الجامعة نفسها التي درس فيها باراك الأب! والتي حصل منها على شهادة الدكتوراه. إنها واحدة من أفضل الجامعات! وأول الأفارقة الذين ذهبوا إليها..». زاد شوق سارة؛ إذ كان باراك الأب يخبرها في رسائله عن القصص الكثيرة التي عاشها في الجامعة. لقد أشعرها على نحو شخصي بأنهما معا سيحققان حلمهما الكبير - وأنها جزء مهم من هذا الحلم. كانت ترّدد تلك القصص في تفكيرها، المرة تلو الأخرى، في محاولة منها لتخيل الأشياء هناك. زادت علاقة سارة بباراك الصغير، وأصبحت أكثر عمقا بعد هذه الزيارة. كانت قبل ذلك مندهشة لتشابه الشكل والصوت بينه وبين أبيه الراحل، ابنها الحبيب. أما الآن فقد تعلّمت أن تنظر إلى حفيدها بشخصيته المستقلة. نعم، هو يشبه أباه في كل شيء، لكنه كان أميركيا، وكان أكثر مرونة. الأشياء بالنسبة إليه أقل دراماتيكية وبعيدة عن الإثارة الزائدة. لم يكن يمطرها بالهدايا الثمينة، ولا يوجد ذلك التفاوت الكبير بين الصعود إلى القمة والهبوط إلى القاع، كما عند والده. سمعت سارة أن حفيدها أصبح سياسيا؛ ممثل الولاية من سبرينغفيلد، الينوي. أصبح يُطلق عليه رسميا سيناتور الولاية. لم تفهم معنى الكلمة تماما، لكن مع ذلك شعرت من داخل قلبها أن هذه هي بداية الصعود عبر سلّم طويل. أي بعد خطوات قليلة تصل إلى القمة.. «لكن عليك أن تتأكد من عدم قيام شخص ما بسحب السلم نحو الأسفل.. لأنه مهما ارتفعت عاليا، فإنك ما زلت في السلّم». كانت قلقة من ذلك، محاولة الانشغال بأعمالها الروتينية. في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2004، استقبلت سارة خبرا آخر سعيدا عن حفيدها: «فاز باراك في مقعد في مجلس الشيوخ للولايات المتحدة الأميركية»! رقصت سارة فرحا وهي تفتخر بباراك كما لو كان هذا هو الخبر الكبير الذي كانت تنتظره دائما. في صيف 2006، أصبحت سارة إحدى الشخصيات المهمة المشهورة في كينيا! سيزور عضو مجلس الشيوخ باراك أوباما وزوجته ميشيل عددا من الدول الأفريقية، وعلى رأسها طبعا كينيا. كانت هناك شائعات تدور حول نية السيناتور الأسود الترشح للرئاسة. لكن كان هناك أيضا مرشح الرئاسة الأميركية السابق كنائب للرئيس مع المرشح جون كيري. في انتخابات 2008 الرئاسية للولايات المتحدة، وقبل 48 ساعة من يوم الانتخاب، كان الناس يتضرعون إلى الله من أجل فوز حفيد سارة في أميركا. كلهم كان يلهج بالدعاء؛ ممثلو الدين المسيحي، والهندوس، والمسلمون في كوقيلو، وأخيرا، وفي الساعة الخامسة صباحا بتوقيت كينيا، امتلأت تلك الخيمة الكبيرة بصيحات الفرح والنصر.. فاز باراك أوباما في الانتخابات! سوف يكون الرئيس القادم للولايات المتحدة. سيناريوهات مثيرة للعلاقة بين باراك الأب وباراك الابن والجدة والعائلة، كانت «الأحلام» تتراءى أمامهم غير أن وصول الحفيد إلى سدة الرئاسة الأميركية كان حلم الأحلام بالنسبة للجدة.

    0 0

    شكلت وحدانية خيار التطور أمام البشرية، بعد انهيار تجربة بناء الاشتراكية، في بداية تسعينات القرن الماضي، معضلة فكرية للباحثين والمفكرين المهتمين بدراسة تطور العلاقات الدولية، نتجت عنها كثرة من الإشكالات.. منها: هل وحدانية خيار التطور الاجتماعي على الصعيد العالمي المتمثل في طريق التطور الرأسمالي ينتج عنها ضرورة أخذ النموذج الأميركي للديمقراطية مثالا وحيدا للتطبيق في الدول غير المتطورة (المعروفة في الفكر السياسي سابقا بالدول النامية) التي كانت تعيش على هامش خياري التطور الاشتراكي والرأسمالي؟.. ومنها: ما هو تأثير الانتقال لوحدانية خيار التطور الاجتماعي على الصعيد العالمي على بناء الدولة الوطنية في المجتمعات التي تتخلص من الاستبداد؟.. ومنها: ما هي العلاقة بين العاملين الدولي/ الخارجي والوطني/ الداخلي في حسم الصراعات الاجتماعية على الصعيد الوطني، وما هو الحاسم فيهما؟.. وأخيرا من يعطي الشرعية للسلطات الحاكمة في الدول الوطنية، هل الشرعية الانتخابية، أم الشرعية الديمقراطية وما هو الفرق بين الشرعيتين؟ هذه الموضوعات وغيرها يتناولها الباحث الدكتور لطفي حاتم في كتابه الذي صدر مؤخرا، بعنوان «التشكيلة الرأسمالية العالمية والشرعية السياسية للدولة الوطنية»، مواصلا أبحاثه حول تطور العلاقات الدولية في ظل نظام القطبية الواحدة وتأثيراتها على بلدان الشرق الأوسط، والتي نشرها في كتابيه «آراء وأفكار حول التطور الرأسمالي» الذي صدر عام 2008، و«موضوعات في الفكر السياسي الجديد» الصادر عام 2010. يناقش الباحث أفكاره في فصلين، ففي الفصل الأول «الدول ومصادر شرعيتها» تناول الشرعية السياسية للدولة عبر تطورها التاريخي وصولا إلى تشكل نموذجين للدول في العصر الحديث، الدولة الرأسمالية والدولة الاشتراكية، وهو الأمر الذي ارتبط بظهور خياري التطور الاجتماعي، بعد الحرب العالمية الثانية. وبخصوص أسباب انهيار نموذج الدولة الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي وبلدان أوروبا الشرقية، في بداية تسعينات القرن الماضي، يرى الباحث أنها تعود، بشكل أساسي، إلى ضعف الديمقراطية السياسية وانتشار البيروقراطية في مؤسسات الدولة. في هذا الفصل يرصد الباحث الإشكاليات الفكرية - السياسية التي نتجت عن انهيار تجربة بناء الاشتراكية وتأثير ذلك على البنية الاجتماعية للدولة الرأسمالية المعاصرة، مشيرا إلى أن «الطبقة الرأسمالية أصبحت ذات سمات كوزموبوليتية بفعل ترابطاتها الاقتصادية - المالية، المالية الإنتاجية، الخدمية والإعلامية، خلافا لسمات الطبقة العاملة التي انكفأت إلى مواقع وطنية بعد سيادة الليبرالية الجديدة، بهدف الدفاع عن مكتسباتها الاقتصادية» (صـ8). وفي ما يخص تأثير التطور السابق على الدولة الوطنية، يتوصل الباحث إلى أن «القوانين الجديدة للرأسمالية المعولمة تحد من فعالية التناقضات الوطنية بسبب وحدة وتشابك المصالح الاقتصادية: الوطنية والدولية» (صـ8). وفي الفصل الثاني، يتابع الباحث تحليل التطورات الفكرية - السياسية المتعلقة بالدولة الوطنية، مركزا بشكل خاص على طبيعة الدولة الوطنية في المنطقة العربية، بالارتباط مع تأثير قانون الاستقطاب الناظم لتطور التشكيلة الرأسمالية المعولمة، مشيرا إلى أن تفاعل هذا القانون في العلاقات الدولية أدى إلى بلورة أشكال جديدة لتعامل الدول الرأسمالية المتطورة مع البلدان العربية وفق قانون يطلق عليه الباحث «قانون التهميش والإقصاء» ووفق هذا القانون يجري «تكييف الدول الوطنية عبر ضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية تؤدي لنقل تلك العلاقة من التبعية التي ميزت اقتصادها الوطني في مرحلة الاستقلال والتحرر الوطني إلى مرحلة الإلحاق» (صـ116). وبناء على هذا القانون تصبح سمة عدم التكافؤ هي التي تتحكم في العلاقة بين الدول الرأسمالية والدول العربية، وأهم نتيجة لهذه العلاقة هي عدم مراعاة المصالح الوطنية، الاقتصادية والسياسية، للدول العربية. وفي ما يخص تاريخ تطور الدولة الوطنية في البلدان العربية، قام الباحث بتحليل مسارات تطور الفكر القومي وتأثيراته على بناء الدولة، باعتباره الفكر السائد خلال مرحلة تكون الدول الوطنية بعد إنهاء السيطرة الاستعمارية المباشرة في أغلب الدول العربية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، متوصلا إلى أن الإشكالية الرئيسية للفكر القومي تكمن في غياب الديمقراطية في بنيته الفكرية، الأمر الذي أدى إلى إعاقة بناء دولة حديثة، قادرة على مواجهة مشاريع الهيمنة الغربية، وفي الوقت نفسه تلبية الحقوق السياسية والاجتماعية للمواطنين، مما أدى إلى فقدان السلطات الحاكمة والدولة معا، الشرعية الوطنية. ومن أجل إعطاء أبحاثه واقعية، انتقل الباحث من المجرد إلى الملموس، من خلال متابعة مسار تطور الدولة العراقية الحديثة التي تشكلت في عام 1921، مستعرضا سماتها التاريخية المتمثلة، حسب رأي الباحث، بأربع سمات، الأولى احتكار السلطة من قبل نخبة قليلة، والثانية اللجوء للعنف السياسي ضد المجتمع، والثالثة البناء الطائفي، والرابعة المركزية الشديدة التي أعاقت حصول المكونات القومية للشعب العراقي على حقوقها المشروعة. إن تلك السمات هيأت الظروف المناسبة لقوى الاحتلال الأميركي بعد عام 2003 لصياغة رسمية لإعادة بناء الدولة في العراق على أساس تقاسم طائفي - قومي للسلطات الثلاث، الرئاسة والحكومة والبرلمان، وأصبح هذا التقسيم لاحقا حقوقا مكتسبة، باعتباره يمثل التنوع الطائفي القومي للتشكيلة الاجتماعية للدولة العراقية. في القسم الأخير من الفصل الثاني، تطرق الباحث إلى أسباب خفوت دور أحزاب اليسار الاشتراكي في البلدان العربية، معزيا ذلك إلى تخلف بنيتها الفكرية والتنظيمية وبالتالي عدم قدرتها على مواكبة الأحداث، بعد انهيار تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وبلدان أوروبا الشرقية. ويرى الباحث أن «تغييرات السياسة الدولية التي أنتجها الطور المعولم من التوسع الرأسمالي تعمل باتجاه تحول روابط تبعية الدول الوطنية التي ميزت حقبة المعسكرين إلى ركائز لاندماجها بصيغة الإلحاق». وبناء على ذلك يقترح الباحث أن تتحول أحزاب اليسار الاشتراكي إلى أحزاب يسارية ديمقراطية لـ«تشكل وريثا تاريخيا لكل ما أخزنته التجربة الكفاحية للحركة الوطنية الديمقراطية العربية وفاعلا نشطا في صيانة الدولة الوطنية من الإلحاق والتهميش» (صـ210). وفي ختام الكتاب، يقدم الباحث مجموعة من الاستنتاجات منها: 1) إن الاستناد إلى الشرعية الانتخابية للسلطات التي تقوم على آليات الديمقراطية، الانتخابات فقط، يضعف الشرعية الوطنية للدولة، لأن بناء الدولة الديمقراطية يشترط توفير الضمانات الاجتماعية، التي تقوم على قاعدة التوازنات الطبقية للتشكيلة الاجتماعية الوطنية. 2) إن حل مشكلة الدول متعددة القوميات يتطلب بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، على أساس فيدرالي لضمان حقوق كل القوميات، بهدف تعزيز وحدتها الوطنية. 3) تطوير المفهوم الديمقراطي للوحدة القومية على قاعدة التقارب الاقتصادي العربي المتمثل في بناء أسواق عربية مشتركة، تشكل في نهاية المطاف القاعدة السياسية لاتحاد كونفيدرالي عربي واحد. 4) إن مقاومة نهج التهميش والإقصاء الذي تعتمده الدول الرأسمالية، تتطلب البحث عن أشكال جديدة للنضال الوطني، تقوم على إشراك جميع الطبقات والفئات الاجتماعية التي لها مصلحة في الحفاظ على السيادة والاستقلال الوطني، وإقامة دول تحترم حقوق الإنسان، السياسية والاجتماعية. أخيرا، تعتبر الأفكار الواردة في الكتاب، خلاصة لجهد نظري ناقد ومتابعة مباشرة من قبل الباحث، لتطور العلاقات الدولية وتأثيراتها على الدول العربية، خلال العقود الخمسة الأخيرة، مركزا بشكل خاص على نقد أفكار الباحثين في البلدان الغربية الذين يروجون لأفكار الليبرالية الجديدة، باعتبارها الوصفة النموذجية لإعادة بناء الدولة الوطنية في المنطقة العربية خلال حقبة نظام القطبية الواحدة.

    0 0

    كلما استعدت فكرة قراري أن أصبح كاتبا في يوم من أيام عام 1986 وحتى اليوم، يؤرقني السؤال حول معنى الكتابة وجدواها في عالم كعالمنا. فكرة الكتابة تحولت إلى فعل لأول مرة حين انبثقت من التأثر بموقف إنساني رأيته وانفعلت معه وقررت صياغته بشكل فني. لكني حين شعرت بأن موضوع الكتابة ليس مجرد نقل لمواقف من الحياة، خصوصا أنني كنت مولعا بقراءة الروايات العالمية منذ صغري وأعرف أن هناك تراثا رهيبا من النصوص التي تعتلي قمم الاحتراف الأدبي. كان علي أن أتحرر من موروثات كثيرة لتحقيق فكرة الكتابة، التخلص من نبرة محفوظ التي كنت متعلقا بها ومقلدا في تلك القصة الأولى التي كتبتها، وأن أفهم أن نقل الواقع ليس هو المعنى الحقيقي للكتابة، وإنما إعادة كتابة واقع فني مواز، وهو ما اقتضى سنوات من الكتابة التجريبية أنجزت فيها نحو 50 نصا، مزقتها كلها تقريبا لاحقا. فقد كنت أبحث عن صوتي الخاص، ومعجم خاص، ونبرة خاصة للكتابة، واستلزم ذلك جهدا طويلا. كنت منذ طفولتي مولعا بالقراءة بتشجيع من والدي، المستنير الليبرالي، الذي أدين له بالكثير. لكن، ورغم أنه كان الشخص الذي أشعل حماسي للاهتمام بالقراءة والأدب منذ الطفولة، فقد اختلف معي حين أعلنت رغبتي في الالتحاق بالقسم الأدبي في الدراسة الثانوية، ودار بيننا حوار طويل حاول فيه إقناعي بأن أدباء كثرا، وبينهم يوسف إدريس، عملوا في مهن أخرى غير الكتابة، لكي يوازنوا بين متطلبات الحياة والكتابة. اقتنعت، على مضض، لكني أيضا أصبت بالتشتت، وبالإحباط، فقد كنت أتمنى في أعماقي دراسة الفلسفة والمنطق. وانتهى الأمر بي دارسا للاقتصاد وإدارة الأعمال، وهو ما شتتني أكثر، حتى قررت العمل في الصحافة في نهاية الأمر. كان علي دوما أن أتشبث بأملي في أن أكون كاتبا، مستدعيا سيرة كتاب عصاميين علموا أنفسهم بأنفسهم، وتثقفوا، وقرأوا متكئين على جهدهم الخاص، ومحاولا التغلب على عوار عدم وجود منهج، وعشوائية القراءة، وإفلات الكثير من النصوص المهمة التي قد لا أجد إليها السبيل؛ إما للجهل بها أو لعدم توافرها، وأخيرا وليس آخرا، أن أتغلب على فكرة عدم الالتزام ببرامج القراءة والتحصيل التي تنتج عن رفاهية التفرغ، ثم وحين بدأت العمل في الصحافة، مبكرا، وحتى قبل أن أنتهي من دراستي الجامعية، بدأ صراعي الجهيد مع الوقت الذي تلتهمه الصحافة بامتياز. لا أستطيع أن ألوم والدي في النهاية؛ فهو ابن ثقافة مجتمع لا يرى أن الأدب يمكن أن يؤكل أحدا لحما أو خبزا. مجتمع ينظر، بإصرار وتعمد، إلى الكاتب بوصفه شخصا غريب الأطوار، يشتري الكتب بدلا من الملابس، ذاهلا وشاردا عما حوله. مجتمع يخشى من أي نزعة فردية ويحاربها بجلاء، ويمارس ضغوطا خفية وماكرة على عزلة الفرد ممن يرغب في أن يكتفي بالكتابة معنى لوجوده، وينظر إليه بنفور إذا لم يدخل في إطار المؤسسة الاجتماعية (الزواج). مجتمع لا يحترم الكتابة ولا الكتاب، حتى لو ادعى العكس، ولا الفردية التي يتطلبها معنى أن يكون الشخص كاتبا مستقلا بكل معنى الكلمة. فهذا المجتمع في الحقيقة يريد أن يتأكد من إيمان الفرد، وخصوصا المختلف، بكل ما يؤمن به العقل الجمعي، المغيب أساسا، حتى لو كانت خرافة، وأن ينتمي لمؤسسة أيا كانت حكومية أو معارضة، وأن يقع أسيرا للثنائية التي يمارس بها المجتمع إدانة المختلف، وهي الثنائية المتأسسة على ثقافة الحرام والحلال. مجتمع يحب التفاهة ويكرس لها وينفر من كل عميق أو مختلف، ويخلط بين الفكاهة والسخافة. لكن، كل هذه الازدواجيات التي يؤسسها مجتمع ذكوري متناقض مع نفسه، كانت في الوقت نفسه وقودا إضافيا للكتابة، ولتأسيس عقلية نقدية، ومعينا لإعادة تأمل الذات ونقدها، في مرايا الذات، ومراقبة ما قد يعتريني من آفات المجتمع من تناقضات، أو نرجسية مريضة، أو انعدام للشفافية، والذهاب في طريق هيستيريا «دكتور جيكل ومستر هايد»، التي تعيشها مجتمعاتنا اليوم صورها بإعلان صور مزيفة لأنفسنا بينما تكون بئر السر والستر مرتعا لكل الموبقات. وهكذا، أضيفت للكتابة عندي قيمة جديدة، تحاول أن تميز بين نبرة الصدق الفني والافتعال، وتؤسس لأن تكون الكتابة مركبة لكنها غير مفتعلة، وعميقة بلا ادعاء، كاشفة للسطحي والمبتذل. أن تكون كاتبا في عالمنا العربي، ربما يبدو اختيارا مأساويا. مأساة حقيقية، لكنها في النهاية مأساة تستحق، ولأن مجتمعاتنا العربية تتغير وسوف تتغير بفضل كل صوت مختلف، وبفضل الكتابة والانحياز إلى قيم العقل والإنسانية وهما معا جسدا دوما الملاذ الذي نجوت بفضله من قدر التغييب والجهل والانسياق للقطيع، وبهما أيضا ستنجو مجتمعاتنا يوما ما. * روائي مصري، من مجموعاته القصصية القصيرة: «أبيض - أحمر»، و«أشباح الحواس» و«باتجاه المآقي». ومن رواياته: «كهف الفراشات»،و «ابتسامات القديسين» و«أبناء الجبلاوي»

    0 0

    يندرج كتاب الشاعر والإعلامي علي عبد الأمير عجام، المعنون: «حنين بغدادي»، الصادر مؤخرا عن دار الأديب، ضمن سلسلة من الإصدارات العراقية التي تريد إعادة الاعتبار إلى المدينة المنتهكة، بل البلاد التي تناهبتها عواصف من الخراب والتخلف ولم تترك شيئا إلا وضربته. وميزة هذا النوع من الكتب، وهي كتب استرجاعية كتبت على الأغلب بلحظات صفاء، أنها تقذف قارئها في متن سردي قصصي صار اليوم نائيا، حتى وإن كان عمر الحدث البطل لا يتجاوز عشرين عاما. وكتاب «حنين بغدادي»، كما يقول مؤلفه: «ليس بكائية لوطن يكاد ينتزع منا.. إنه الدفاع عن جرح غائر لا يندمل.. اسمه العراق الجميل»، وعبر هذه الجملة – المفتتح، يضع القارئ على «عقدة» الكتاب، ثيمة الأساس، بلغة الدراما. إنه رحلة، رحلة في الزمان والمكان، يأخذك المؤلف فيها، بلغة أقرب ما تكون إلى بوح مجروح، إلى قصص شكلت إرث أجيال عراقية عريضة، كانت الفنون والآداب فيها تتصاهر مع بعضها البعض وهي تنتج إنسانا متحضرا لم تكبله الشعارات الحزبية، ولا الضغائن المجتمعية ولا الخلافات الدينية أو القومية.. رحلة تمتد على طول وعرض خريطة البلاد، أسهم في صنعها كون المؤلف عمل في أكثر من مكان سواء أكان عمله مدنيا أم عسكريا. وعبر هذه الرحلة نمر على بيوت، وشوارع، ومقاه وبارات وجبال ومعسكرات وساحات قتال.. أشخاص يمرون في ذاكرة الواحد منا فيتركون بصمة الأبدية وراءهم. لا يترك علي عبد الأمير عجام شاردة أو واردة في ذاكرته إلا ودونها في كتاب الرحلة هذا. ويدعم تفاصيل الرحلة بصور فوتوغرافية التقطتها عدسته في أحيان وفي أحيان أخرى كانت الصورة من خزين تاريخ البلاد المعروف. وإذ تتقافز الحيوات في ثنايا الكتاب، فإنها تنبض ببهاء يحيل إلى مرحلة من عمر بغداد، صارت اليوم مجرد ذكرى لجهة تطورها العمراني والمدني. وكتاب علي عبد الأمير عجام يثير عددا من النقاط الجوهرية في فن السيرة، وأولى تلك النقاط ما خص الأخلاق. فنحن، وإذ نوجه كشافات الإضاءة على حقبة من حياة مجتمعنا البغدادي، والعراقي، بحاجة إلى أن تكون تلك الإضاءة منصفة، وأخلاقية، ومعبرة بحق عن شجون ومسرات تلك الحقبة. سهل أن ترمي الجميع بالتهم وتجعل من نفسك البريء الوحيد في جريمة صنعناها جميعا، ولكن الفروسية في أن تكون رحلتك أخلاقية لدرجة نكتشف معها علامات مضيئة أسهمت في تحويل الجريمة إلى ملاذ للأمل. ومن الأخلاق إلى الصدق، وربما يقود الصدق إلى الأخلاق أو العكس. فصدق الكتاب هنا هو الذي يدفعنا دفعا، لنكون مشاركين في صياغة أحداث الرحلة لا مجرد متلقين، وهذا ما شعرت به على الأقل. الشخصيات، والأمكنة التي يتحدث عنها الكتاب صارت شيئا فشيئا شخصياتي أنا وأمكنتي أنا. صرت أعرفها جيدا، وأتفاعل معها ومع خيباتها، وذلك لم يكن ليتحقق لولا توفر شرط المصداقية في الكتابة. والمصداقية أمر تتلمسه، تشعر به على الأغلب، وهو يجرك إلى مكامنه فتستشعر معه خلجات الكاتب وهو يدون سطوره على الورق. ثم، وما زلنا في حديث شروط السيرة، أنت بحاجة إلى لغة تشير إليك بالدرجة الأساس. ويمتاز صاحب «يدان تشيران لفكرة الألم»، بلغة شعرية كان دشنها في عدد من مجاميعه الشعرية بالإضافة إلى ما عرف عنه من ولع بالموسيقى، ذلك الولع الذي دفع بنصه إلى ثراء لغوي وإيقاعي شكل تنويعات لغوية قادرة على مد خطوط من العلاقة مع المتلقي أفضل ما يمكن وصفها بالإيجابية. كتاب «حنين بغدادي» لا يكتفي بإعادة قارئه إلى زمن يوصف بالمدنية فقط بل يوغل عبر لغته وصدقه وأخلاقه في تنوير مساحات عامرة بالحب والتسامح في بلاد يتفق الجميع بحاجتها اليوم إلى شيء من ذلك البهاء والثراء الروحي.

    0 0

    عن «الدار المصرية اللبنانية»، صدر للدكتور جابر عصفور، الناقد ووزير ثقافة مصر الأسبق، كتاب جديد بعنوان «دفاعا عن التراث»، ويحتوي على أربعة أبواب هي: عن القص، ناثرون ومفكرون، إضاءات وملاحظات، محاكمة ألف ليلة وليلة. يوضح عصفور في مقدمة الكتاب أشكالا وأساليب متعددة للدفاع عن التراث، وخصوصا الإبداعي والأدبي، ملمحا إلى أن «واحدة منها هي إبراز القيم المتجددة من هذا التراث الذي لا ينحصر تأثيره في عصر واحد، وإنما يجاوز عصره أو القرون الذي شهدته زمانا ومكانا إلى غيره من العصور والقرون والأمكنة التي تمتد بامتداد الإنسانية كلها». ويرى عصفور في كتابه الذي يقع في 286 صفحة، أن الجانب الإبداعي الأصيل من التراث هو الجانب الذي يغوص في أعمق أعماق زمنه الخاص، فيصل إلى الجذر الإنساني الذي يجعله قادرا على إثارة كل الأزمنة الإنسانية في كل مكان، يعرف معاني الحق والخير والجمال، ولذلك بقدر ما يتحدث نقاد الغرب عن شكسبير وعن هوميروس الذي تتجدد معاني إلياذته وأوديسته في كل العصور، رغم اختلاف آليات تلقيها في كل زمن أو بيئة أو لغة، فإننا بالقدر نفسه، يمكن أن نتحدث عن العام الذي نجده في الأصيل من الخاص في التراث الأدبي، أو في القيمة الإنسانية التي نجدها في الإبداع المحلي لهذا الشاعر الجاهلي أو ذاك، أو هذا الناثر العباسي أو غيره من أهل المنثور أو المنظوم. ويذهب عصفور إلى أن الأبعاد الوجودية التي نجدها في شعر طرفة أو الصعاليك في العصر الجاهلي تتجاوب مع أبعاد مشابهة عند شعراء عصور لاحقة، إلى أن نصل إلى أبي العلاء المعري الذي كتب ضده المتزمتون وضيقو العقول الذين هاجموه، وناصبوه العداء، ولم يكفوا عن اتهامه بالكفر، فرد عليهم بكتابه «زجر النابح». ليس هناك، كما يقول المؤلف، ما يهدد هذا التراث في وجوده أو يقوم بتشويهه في أذهان المعاصرين، ويقطع بينهم وبين تراثهم التنويري سوى المتزمتين الذين خصهم الدكتور عصفور بفصل في كتابه، ووصف دور وظيفتهم بأنه التضييق على الناس والحجر عليهم فيما أباحه الله لهم، فعند هؤلاء المتزمتين، يقول: «كل شيء حرام وضلالة وإثم ومعصية.. البسمة غير مسموح بها.. والضحكة قلة قيمة.. والهزل الذي تستجم به النفس حتى تقوى على الباطل معصية تستوجب التعنيف والتقبيح». ويهدي عصفور كتابه هذا إلى «القاضي المستنير سيد محمود يوسف» الذي لا يعرفه شخصيا، ولكنه قرأ حيثيات أحكامه الحاسمة برفض مصادرة ألف ليلة وليلة، واتهامها بالإساءة إلى الآداب العامة أربع مرات.

    0 0

    ألف هذا الكتاب البروفسور جيرار دوليدال أحد كبار المختصين الفرنسيين بالفلسفة الأميركية وبالأخص الفلسفة الذرائعية أو البراغماتية. وفي هذا الكتاب يقدم لنا المؤلف لمحة تاريخية عامة عن أكبر فيلسوف أنجبته أميركا في تاريخها المعاصر: جون ديوي، وهو يقول منذ البداية ما معناه: ولد جون ديوي في منطقة فيرمون بالولايات المتحدة عام 1859 ومات في نيويورك عن عمر يناهز المائة تقريبا عام 1952. وقد أصبح فيما بعد أشهر فيلسوف أميركي في مجال علم التربية وعلم النفس التطبيقي. وأثر بذلك على البرامج الدراسية الأميركية وعلى أجيال متتالية من الطلاب والطالبات. والواقع أنه كان أستاذا في جامعة شيكاغو التي تعتبر من أشهر الجامعات الأميركية. وكان يدرس في قسم الفلسفة داخلها وكذلك في قسم علم النفس والتربية. وقد أسس هناك مدرسة تجريبية تحت عنوان: المدرسة التجريبية لشيكاغو. وبين عامي 1896 - 1904 أسس مختبرا علميا للدراسات النفسية التطبيقية من أجل فهم التربية بشكل أفضل، وكان يعرف التربية على النحو التالي: إنها علم النفس التطبيقي، فلا يمكن أن تربي الأجيال الجديدة بشكل صحيح إلا إذا فهمت تركيبة النفسية البشرية وحاجياتها، وقد نقلت روسيا منهجيته التربوية إليها بين عامي 1900 - 1930 وطبقتها على برامجها التعليمية قبل أن تتخلى عنها تحت ضغط الشيوعيين. والواقع أن جون ديوي كان متأثرا بالفيلسوف الألماني الكبير هيغل على الرغم من أن هذا الأخير لم يكن براغماتيا وإنما مثاليا، كما تأثر كثيرا بأفكار تشارلز داروين الذي كان قد شغل القرن التاسع عشر بنظريته الشهيرة عن تطور الأنواع، وعموما فإن أفكار جون ديوي السياسية هي أقرب ما تكون إلى الاشتراكية. ثم يردف المؤلف قائلا: كان ديوي يعتبر الروح البشرية عبارة عن أداة لا تنفك تتطور وتتيح للإنسان أن يتأقلم مع المحيط السائد، وبفضل اللغة والتربية فإن الفرد يغتني بالتجارب الجديدة عن طريق احتكاكه بأشخاص آخرين أكبر منه سنا وتجربة، ولكن ينبغي على المعرفة التي يكتسبها الإنسان أن تنصهر في شخصيته وتجاربه الذاتية لكي تصبح فعالة وذات معنى، وبالتالي فإن جون ديوي كان يدين التعليم المقدم للتلامذة على هيئة التلقين والحفظ الببغائي عن ظهر قلب، وهو للأسف نوع التعليم السائد في مدارسنا وجامعاتنا العربية، من هنا يأتي الفشل الذريع للعالم العربي على جميع الأصعدة والمستويات، فإذا فسد نظام التعليم فسد كل شيء، نقول ذلك ونحن نعلم أن التعليم لكي يكون مفيدا وناجعا ينبغي أن يلبي حاجيات الإنسان وتساؤلاته الشخصية، ولا ينبغي أن يفرض عليه فرضا عن طريق الوعظ الذي يلغي إمكاناته العقلية. والواقع أن أهمية جون ديوي تعود إلى أنه كان أول من طرح التساؤلات على التربية الديمقراطية الحديثة في أميركا، وقد بدأ يتساءل منذ بداية القرن العشرين قائلا: هل تتوافق مدارسنا مع المثال الأعلى للديمقراطية، إذا كانت تقدم للطلاب إمكانية الاعتراض عليها وعلى برامجها فإنها تكون فعلا ديمقراطية، أما إذا كانت ذات طابع تلقيني محض فإنها تكون عندئذ استبدادية، ينبغي أن نعود الطلاب على الاحتجاج والمساءلة الحرة لا على القبول الأعمى والخنوع لكل ما يلقى عليهم من دروس أو أفكار. ويرى المؤلف أن يناقشوا مضامين البرامج الدراسية بكل حرية، إلخ. أما المدرسة التي تكتفي بالتلقين والتدجين العقائدي كمدارس الشيوعيين مثلا أو الأصوليين عموما فإنها لا تخرج طلابا أحرارا أو مواطنين حقيقيين وإنما تخرج القطيع والبهائم، وبما أن طلاب اليوم هم مواطنو الغد فإنه يفضل أن تتبنى الدولة التربية الديمقراطية من أجل تخريج مواطنين أذكياء وصالحين. ولكن إذا كان جون ديوي يقبل أفكار أستاذه هيغل عن الديالكتيك، أي دراسة الصيرورة البشرية وقوانينها الجدلية، إذا كان يقبل تصوراته عن كلية الوجود وتطور الأفكار من عصر إلى عصر وقوتها التأثيرية، إلا أنه يفضل مصطلح العقل العلمي على مصطلح الروح المطلقة لهيغل، فجون ديوي يعتقد أن العلم هو وحده الذي يتطور من مرحلة إلى أخرى وهو وحده القادر على تغيير العالم ونقله من مرحلة متخلفة إلى مرحلة متقدمة. بالطبع فإنه يتفق مع هيغل على ضرورة الانتقال من مرحلة التعسف والاعتباط إلى مرحلة دولة القانون والحريات الديمقراطية الحديثة، وهنا لا يوجد أي خلاف بين الرجلين، فكلاهما مع الحداثة والعلمانية والفهم المستنير للدين. ثم يردف المؤلف قائلا: بعد أن درس جون ديوي الفلسفة وعلم التربية في جامعات ميتشيغان ومينيسوتا وشيكاغو انتقل إلى جامعة كولومبيا في نيويورك عام 1904. وكان ذلك يعتبر بمثابة ترفيع له بعد أن انتشرت سمعته أو شهرته في شتى أنحاء الولايات المتحدة الأميركية، فجامعة كولومبيا بنيويورك من أهم الجامعات الأميركية ولا تعادلها إلا جامعة هارفارد. ومعلوم أن إدوارد سعيد كان أحد أساتذتها، وقد بقي ديوي يدرس في تلك الجامعة حتى إحالته على التقاعد عام 1930، أي بعد أن تجاوز السبعين من العمر، ثم عاش بعدئذ عشرين سنة أخرى أو أكثر قليلا. وهكذا اخترق جون ديوي التاريخ الأميركي من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين. وأتاح له هذا العمر الطويل أن يشهد بل ويرافق كل القفزات النوعية والتطورات التي طرأت على الولايات المتحدة الأميركية. وأصبح هذا الفيلسوف العقلاني الحكيم رمزا على الحياة الأميركية ككل. نقول ذلك وبخاصة أنه جسد قيم الحرية والديمقراطية ومعاداة التمييز العنصري الذي كان شائعا جدا في ذلك الزمان. وهناك ميزة أخرى لجون ديوي هي أنه رفض دائما الانغلاق في اختصاصه الضيق كما يفعل أساتذة الجامعات عادة، على العكس، فإنه راح ينفتح على جميع الاختصاصات والعلوم الإنسانية، وكان يرى أن الفيلسوف ينبغي أن يكون ملما بعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم التاريخ وسواها لكي يصبح فيلسوفا حقيقيا، وبالتالي فقد كان فيلسوف الثقافة العامة الشاملة على طريقة نموذجه الأعلى هيغل. ثم يطرح المؤلف مسألة العلاقة بين جون ديوي والفلسفة البراغماتية أو الذرائعية المسيطرة على أميركا، وهنا يقول بما معناه: كان جون ديوي براغماتيا على طريقته الخاصة، بمعنى أنه كان يقبل بمسلمات هذه الفلسفة التي تسود الولايات المتحدة مثلما تسود الفلسفة الديكارتية فرنسا. وهذه المسلمات تقول ما يلي: 1- لا يمكن للفلسفة أن تعيش لوحدها في برجها العاجي وتنعزل عن بقية العلوم أو عن هموم الحياة، فالفيلسوف ينبغي أن يكون منخرطا في هموم المجتمع وقضاياه وإلا فلا معنى له ولا لفلسفته. 2 - الحقيقة التي يكتشفها الفيلسوف ينبغي أن تكون مفيدة للمجتمع وفعالة ومثمرة وإلا فهي ترف فكري لا لزوم له، وهكذا تقيم الفلسفة البراغماتية مطابقة بين الحقيقة والمصلحة أو الحقيقة والمنفعة، فكل ما ينفع المجتمع صح وكل ما يضره غلط حتى ولو كان صحيحا، من هنا الطابع البراغماتي للسياسة الأميركية والحياة الأميركية ككل. 3 - الواقع لا وجود له إلا بالقياس إلى الإنسان، وبالتالي فالفلسفة البراغماتية أو الذرائعية لا تعترف إلا بالواقع المحسوس وترفض متاهات الميتافيزيقيا التي تتحدث عن الأشياء المطلقة واللانهائية التي تتجاوز حدود العقل. 4 - غاية الفلسفة إسعاد الإنسان على هذه الأرض وتشكيل مجتمع متقدم يلبي حاجيات كل أفراده، أما كل ما يتجاوز ذلك من تساؤلات غيبية عن الموت والحياة بعد الموت فلا يهم الفلسفة البراغماتية، فهذه الفلسفة تريد تحقيق الجنة على الأرض، وهي تعتبر أن المجتمع الأميركي حققها إلى حد كبير عندما أصبح أقوى مجتمع في العالم بفضل العلم والتكنولوجيا أساسا. وختاما هذه هي المسلمات الأساسية للفلسفة البراغماتية التي كان يتبناها جون ديوي وسواه من كبار فلاسفة أميركا، ونلاحظ أن السياسية الأميركية ليست بعيدة عنها على الرغم من المغامرات الحمقاء التي قام بها المحافظون الجدد مؤخرا، فهي سياسة براغماتية عموما، ويتوقع المراقبون أن يعود القادة الأميركان إلى هذه الفلسفة التي أدت إلى نجاح أميركا وتفوقها على جميع أمم الأرض، فالبراغماتية هي فلسفة الناس الواقعيين الذين لا يؤمنون إلا بالتجربة المحسوسة والفعالية الفكرية وتحقيق التقدم المادي والحضاري، وبالتالي فالإنسان البراغماتي هو نقيض الإنسان المثالي الذي يعيش بعيدا عن الواقع أو محلقا في سماوات الأحلام.

    0 0

    يعد مبارك ربيع في طليعة الروائيين المغاربة، وهو من أبرز الأسماء في هذا المجال وأكثرهم حضورا وإنتاجا. ولا تقتصر أعماله على الرواية والقصة بل لها أبحاث وكتابات متنوعة باعتباره «عميد» أساتذة علم النفس في الجامعة المغربية. * ماذا تعمل حاليا؟ - أعمل بالأساس على موضوع روائي جديد، أقول بالأساس إذ لا يمكن التفرغ لعمل روائي في بداياته، وبالتالي هناك موضوعات أخرى أشتغل عليها في الوقت نفسه، منها ما هو إبداعي قصصي، وما هو ثقافي عام أو علمي متخصص. الموضوع الذي أشتغل عليه الآن مختلف ومتميز عن تجربتي في آخر ما نشر لي، وأعني رواية «أهل البياض» الذي صدر عن دار الساقي. * وماذا تقرأ حاليا؟ - أمامي كتب كثيرة للقراءة، لكنني منهمك على الخصوص في قراءة رواية «إيبولا» للكاتب السوداني أمير تاج السر، الذي تعرفت عليه لأول مرة بصفة شخصية، في لقاء أدبي مشترك خلال المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء وأهداني نسخة من هذا العمل. * لماذا وقع اختيارك على هذا الكتاب؟ - أنا لا بد أن أقرأ شيئا، وزمني يتوزع بين القراءة والكتابة، وبخصوص هذا العمل قد يعود ذلك لظروف التعرف على الكاتب، وجنسيته لها جاذبية فهو كاتب سوداني ولم أقرأ له من قبل، ونحن عدا الطيب صالح والشاعر محمد الفيتوري، نكاد لا نعرف الكثير عن المبدعين السودانيين. * ما المواضيع التي تثير اهتمامك عند الكتابة؟ - كل ما حولي ولي به علاقة ما على نحو أو آخر، وكل ما ليس حولي ولا علاقة لي به على أي نحو ما، إنها بصدق تشكيل لعالم نحياه أو يحياه غيرنا أو نتمنى ذلك لنا أو لغيرنا، من هنا لا حدود لموضوعات تثير الاهتمام، لا حدود مطلقا من حيث المبدأ. يجب ألا ننسى أن الكاتب هو قبل كل شيء قارئ متذوق، ومن ثم هو يقيس على نفسه على الأقل، بإدراك فني معياري للجمالية. * ما أحب كتاب قرأته ولماذا؟ - قد لا تكون العلاقة بين القارئ والمقروء علاقة حب بأي معنى من المعاني، لكنها قد تكون من قبيل علاقة الإعجاب والتقدير والتأثير، وهذا يختلف حسب المراحل، وقد يمكن القول إن مثل هذه الأحوال تغلب على البدايات الثقافية للمبدع، ولا سيما مراحل اليفاعة الفكرية، حيث يكون طابع الاندهاش والانبهار غالبا فيما يتصل به الشخص في عوالم الأدب والثقافة عامة، وبدافع البحث والاكتشاف، وهذه الأحوال تتغير مع التقدم في التثقف والتأدب والإبداع. هنا يمكن أن أتحدث عن بعض الأنماط الفكرية والإبداعية التي استشعرت أنها تثير إعجابي وأتلقى جاذبيتها بحماستي لإنتاجها، في مجال الإبداع الروائي، تأتي في الطليعة كلاسيكيات الأدب الروسي لدوستوفسكي وتولستوي، وإلى حد ما وعلى مستوى آخر، مكسيم غوركي في بعض أعماله كما في رائعته «الأم» وفي مجال الثقافة والفكر أسوق نموذج سلامة موسى الذي كان واحدا من اكتشافات يفاعتي الفكرية، وبخاصة في «التثقيف الذاتي» و«تربية سلامة موسى». وفي المجال الشعري لا يمكن القفز في مرحلة النشأة والتكون الفكري وتفتح اليفاعة عن رومانسية أبي القاسم الشابي الطبيعية الجميلة، وكذا التلوينات المهجرية الوجودية الطافحة بالغربة والتساؤلات الكونية لدى أعلامها الكبار. * آخر عمل أدبي أصدرته رواية «أهل البياض» ماذا يمكنك أن تقول عنه؟ - «أهل البياض» تجربة خاصة، وحتى يتضح تميز التجربة واختلافها، أقارنها بالعمل الذي صدر قبلها أي «طوق اليمام» الذي يمثل تجربة سردية تتناول عالم البحر، بمختلف كائناته البشرية وغير البشرية وألوان صراعاته وتقلباته الوجدانية، بين قطبي الوجودية الإنسانية، أي أوج القوة وحضيض الضعف. * كيف كانت أجواء وظروف كتابته؟ - يجب أن نستحضر الفترة الفاصلة ما بين الانتهاء من كتابة الرواية ولحظة صدورها، وهي فترة قد تطول بعض الشيء، وفي حدود السنة على أقل تقدير، تضاف إليها فترة الكتابة وهي عصية عن التحديد حسب طبيعة الكاتب وظروفه، لذلك قد يكون من الصعب استحضار أجواء الكتابة، لكن يمكن القول إنها أخذت مني وقتا طويلا وجهدا لا أستطيع تقديرهما، كما إنني لم أتفرغ لكتابتها دفعة واحدة، إذ مثل هذا التفرغ لم يحدث في حياتي مطلقا بالنسبة لأي عمل أدبي أو غير أدبي. * باعتبارك أستاذا جامعيا ما النصيحة التي تقدمها لطلابك؟ - على الرغم من إنتاجي في مجال الإبداعي السردي، فإن تخصصي الأكاديمي فلسفي وسيكولوجي، لذلك طلابي المباشرون هم إنسانيون سيكولوجيون، وليسوا متأدبين أو أدباء على وجه الافتراض. من جهة أخرى طلابي المباشرون في علم النفس غير منعدمي الصلة بالآداب، لأن تخصصهم بطبيعته منفتح على الفنون والآداب كافة، ونصيحتي لطلابي من هؤلاء وأولئك ومن قرائي، أو توجيهي إليهم على الأصح، هو، القراءة ثم القراءة ثم القراءة. * هل تعتقد أن هناك أزمة قراءة في المغرب؟ - يمكن القول مبدئيا وشكليا بأن القراءة زادت، وربما أكثر بكثير مما نقدر، لكن مردودها على الكتاب والعلاقة به تبدو بعكس ذلك، في هذا العصر ارتفع عدد المتعلمين مقارنة بالسابق، كما اتسعت دائرة المقروء سواء منه الورقي أو الرقمي، لكن التعامل مع الكتاب الإبداعي خاصة والورقي منه بوجه أخص تراجع. المغرب هو نموذج للكثير من أمثاله من البلدان التي لا تزال الأمية والتأخر التكنولوجي من سماتها، فالأمر يحتاج إلى التربية على القراءة ورفقة الكتاب، وتنمية روح التطلع والاستطلاع لدى الأجيال الناشئة.

    0 0

    لم يتبق من ذاكرة مكتبة الطفل العربي في العاصمة العراقية بغداد، إحدى أقدم وأهم المكتبات في الوطن العربي، (افتتحت عام 1969)، إلا أطلالها، وذكريات روادها وأحاديثهم عنها، إذ طالها النسيان والإهمال بعد عام 2003، وغاب الطفل عنها، وتحول مقرها لمؤسسة حكومية، في وقت عجز المعنيون عن إعادة الحياة إليها. خلال زيارتي للمكان، كان الصمت وحده هو المخيم على قاعة المكتبة، ولم يكن صمت القراءة المعتاد، بل كان صمت الفراغ، إذ خلت المكتبة من أي طفل، عدا بعض موظفات يقلبن سجلات ودفاتر إدارية، فيما بدت معظم رفوفها فارغة وموحشة، والممتلئ منها علته علامات الشيخوخة، عبر كتب قديمة وممزقة أيضا لا تستطيع إغراء الطفل بتصفحها أصلا! مديرة الدار فريال فوزي، تولت إدارة المكتبة، منذ عام 2006 وحتى اليوم، قدمت لنا شيئا عن تاريخ المكتبة: «تأسست مكتبة الطفل سنة 1969 وكانت تابعة للإدارة المحلية، ثم جرى إلحاقها بوزارة الثقافة (دار ثقافة الأطفال) سنة 1999، وقد أصبحت هي الموقع البديل لدار ثقافة الأطفال منذ عام 2003 بعد التدمير الذي طال بنايتها الأصلية في بناية وزارة الإعلام المنحلة، الأمر الذي سبب تضييقا لقاعاتها وتقليصها إلى قاعة واحدة مقسمة إلى ثلاثة أقسام هي (الإدارة ومكتبة الوزارة ومكتبة الطفل والذي يحوي على الأرشيف الصحافي أيضا)». وهي عموما لا تتسع لأكثر من خمسين طفلا، (المقاعد التي بدت في القاعة لم تتعد أصلا 30 كرسيا).. وواصلت قائلة: «كان هناك دار عرض سينمائي ومسرحي ومرسم وكافتيريا وحديقة كبيرة ملحقة بالمكتبة، لكن جرى البناء فوقها لتصبح مكاتب للعاملين في الدار». وعن عدد الكتب الموجودة في المكتبة اليوم، قالت: «سبق أن فقدنا الكثير من الكتب والمطبوعات خلال الاجتياح الأميركي في 2003، وتعرضت المكتبة للتدمير والنهب والحرق، ولدينا الآن نحو 1500 كتاب أجنبي مخصص للصغار، و5400 كتاب عراقي وعربي، معظمها إهداء من جهات عدة أو من إصدارات الدار القديمة، بسبب عدم وجود تخصيص للمكتبة من إصدارات الدار الحديثة، وتم تخصيص فقط مبلغ 250 ألف دينار لشراء الكتب من الخارج، في ميزانية العام الحالي!». وتفيض بامتعاض: «من الطبيعي أن أقدم وأهم مكتبة في بغداد لا يمكن مقارنتها اليوم بأبسط مكتبة عربية في دولة مجاورة». هي شكت أيضا من غياب وسائل تشجيع الطفل على القراءة نتيجة غياب دور المدرسة، وضعف دور الأهل بالإضافة إلى انتشار القنوات الفضائية ووسائل الإنترنت التي صارت بديلا محببا للطفل وهي تعرض أفلاما وبرامج مثيرة بشكل يسحب انتباهه لها أكثر من قراءة كتاب في مكتبة بعيدة عن بيته.. كنا نستقبل زيارات دورية لطلبة المدارس، لكن الآن هناك ضعفا واضحا بسبب الصعوبات الأمنية وقرب المكتبة من حوادث التفجيرات التي حصلت أكثر من مرة في بغداد خلال الفترة الماضية. وتقول المعلمة دلال الحمداني مدرسة بلاد العرب في بغداد: «خطورة موقع المكتبة، من ناحية قربه من المنطقة الخضراء، وزيادة عدد الانفجارات والحوادث الأمنية، هي أسباب مهمة وراء عزوف العائلة العراقية عن ارتياد المكتبة مع صغارها، علاوة على إهمال المكتبة وعدم رفدها بالجديد والممتع من الكتب والإصدارات الحديثة، وغياب عرض الأفلام السينمائية المخصصة للصغار كما في السابق». أما الكاتب شفيق مهدي أحد أبرز وأهم كتاب الطفل في العراق فقال: «من المؤسف أن المكتبة تراجعت في السنوات الأخيرة من عهد النظام السابق، بعد سلسلة الحروب والحصار الاقتصادي الذي مرت به البلاد، وتواصل تراجعها بعد عام 2003 وتعرضها للحرق والسرقة من قبل عصابات تخريبية». وأضاف: «اليوم ما زالت العائلات تخشى إرسال أبناءها لأجل القراءة فيها بسبب سوء الأوضاع الأمنية، وهو السبب ذاته الذي أبعد إدارات المدارس عن تنظيم رحلات إلى المكتبة كما السابق، ناهيك عن افتقار الدار لأحدث الإصدارات والمطبوعات الخاصة بالطفل، حتى صار عدد موظفيها أكثر من عدد الكتب التي على الرفوف.. إننا نحتاج إلى حملة توعية في المدارس لأهمية القراءة، وإقامة دورات للمطالعة في العطل الصيفية، وزيادة الاهتمام بالكتب والمطبوعات الجديدة».

    0 0

    يلخص هذا الكتاب المشروع السوسيولوجي لعالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديو، ويقف على المصطلحات التي تمحورت حولها فلسفته وفكره، مع مرجعيات غزيرة ومتنوعة من فلسفة وعلم اجتماع وتحليل نفسي ولسانيات وغيرها. وهو يساعدك أيضا على تفهم أفكار سبينوزا، وباسكال وهيغل، وماركس، وهيدغر، وهوسرل، وماكس ويبر، ودوركهايم، وفرويد، وتشومسكي، وسارتر، وميرلو بونتي، وفوكو.. وغيرهم. ولا يقدم المعجم مصطلحاته بطريقة أكاديمية صارمة، إنما يترك للعقل حرية تأملها، واستنتاج ما يريد. يقع المعجم في 306 صفحات من القطع المتوسط، ويكتسب أهميته من الكيفية التي استثمر بها ستيفان شوفالييه وكريستيان شوفيري فكر بورديو، كما أنهما لم يقفا عند ذلك فحسب بل ضفراه مع معظم الدراسات التي أنجزت حوله. ويمكننا رصد هذا الاستثمار على ثلاثة محاور: أولها عمودي، يستحضر مؤلفات بورديو وفق ما تستدعيه المطالب العلمية، ووفق تطور منظوراته ما بين سنة 1958 حينما أصدر كتابه الأول «سوسيولوجيا الجزائر»، والكتاب الأخير له، الذي صدر عام 2008 بعد وفاته بستة أعوام. وثانيها أفقي، يتتبع حضور التصورات أو المفاهيم في مجموع هذه الأعمال، منوها بذلك إلى النسق الفكري الذي يحكم علم اجتماع بيير بورديو. ثم ثالثها مواز، يستحضر كتابات مفكرين وباحثين يتقاطعون أو يتباعدون مع فكر عالم الاجتماع حول مجموع القضايا المطروحة. وترجمت الكتاب عن الفرنسية د. الزهرة إبراهيم، وهي باحثة مغربية وأستاذة بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالقنيطرة بالمغرب، وقد حرصت على صياغة تصورات بورديو كما هي لما تحمله تلك الكلمات من حمولة فكرية قائمة بذاتها على امتداد تاريخ من التطور داخل مدارس الفلسفة وعلم الاجتماع.

    0 0

    عندما كان موسى نعيم في عمر الستة والثلاثين، تم تعيينه وزيرا للتنمية في الحكومة الفنزويلية المنتخبة الجديدة. كان ذلك في فبراير (شباط) من عام 1989. لكن ما إن أمضى الشاب نعيم وقتا قصيرا في منصبه الجديد، حتى هبت في العاصمة كاراكاس موجة عاصفة من الاحتجاجات الشعبية التي أشعلتها الخطة الاقتصادية التقشفية التي أعلنتها الحكومة، والتي تقضي برفع سعر الوقود، وتخفيض حجم المساعدات الحكومية. يقول نعيم «لقد صدمنا بحجم العنف والفوضى.. البرنامج الاقتصادي الإصلاحي اتخذ معنى مختلفا. بدل أن يرمز إلى الأمل والازدهار، نُظر له كمصدر للعنف في الشارع، الفقر المتزايد، واللامساواة العميقة». ماذا يعنى كل هذا؟ هذا ما يشرحه نعيم، الصحافي الشهير ورئيس التحرير السابق لمجلة «فورين بوليسي»، في كتابه الجديد «نهاية القوة». بعد أن جرب العمل كوزير يقول نعيم إن هناك «فرقا بين القوة الفعلية والمتخيلة.. اعتقد الناس أن لدي قوة هائلة للتغيير، لكن في الواقع كانت لدي قدرة محدودة فقط على توزيع الموارد، وتحفيز الأفراد والمنظمات، وبشكل عام، على إنجاز الأشياء». حتى الرئيس البرازيلي السابق فيرناندو إنريك، الذي أعاد القوة والحياة للاقتصاد البرازيلي، يعترف في لقاء له مع نعيم، ويقول «كنت دائما متفاجئا لاعتقاد الناس أنني قوي. حتى الأفراد المطلعون والمحنكون سياسيا يأتون إلى مكتبي ويطلبون مني إنجاز بعض الأشياء ظنا منهم أن لدي قدرا هائلا من القوة، وهو ما لا أملكه فعلا»، ثم يضيف هذه الملاحظة المهمة «الفجوة بين قوتنا الحقيقية وبين ما يتوقعه الناس منا، هو أكبر وأصعب مصدر للضغط الواقع على رئيس الدولة الذي عليه إدارته». انتهت القوة إذن من يد الزعماء والوزراء والحكومات، وأصبحت «ضعيفة، متنقلة، ومقيدة». ويعود السبب، كما يقول نعيم، إلى التغيرات المتسارعة في عالمنا اليوم، والتي تحولت فيها موازين القوى التقليدية بسبب البنوك والشركات الضخمة، ومنظمات حقوق الإنسان النشيطة، ومواقع التواصل الاجتماعي المزدهرة، والمؤسسات الإعلامية المزعجة، وغيرهم من اللاعبين الصغار الذين أصبح من الصعب تجاهلهم. يحدد نعيم ثلاثة أسباب أساسية أدت إلى هذا التغير في القوة. أولا تزايد عدد السكان والأشياء في العالم (وفرة في كل شيء: الناس، الأسلحة، الأدوية، الهواتف، دور العبادة.. كل شيء أصبح كثيرا).. ثانيا سهولة تنقل الأفكار والناس.. ثالثا تغيرات عميقة في توقعات وعقليات الجماهير عنها في السابق. لا يهتم الكاتب بالحديث السائد عن انتقال القوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب، كما أنه يرفض المصطلحات القديمة مثل القوة الناعمة المتمثلة بالثقافة، أو القوة الخشنة المتمثلة في الجيوش الجرارة.. كلها فقدت هيبتها. لكن السؤال المهم هو: القوة بيد من الآن؟.. يجيب المؤلف: «ليست بيد أحد إطلاقا». وأصبح لها ملمح واضح: من السهولة الحصول عليها، من الصعب استخدامها، ومن السهل جدا خسارتها. يضرب نعيم مثلا بما حصل في ثورات «الربيع العربي» حيث أسقطت الجماهير الغاضبة رؤساء مثل مبارك وزين العابدين بن علي والقذافي. ولكن ربما تفسير نعيم بأن القوة «سهل الحصول عليها، وصعب استخدامها، ومن السهل خسارتها» ينطبق أيضا على حكومات ما بعد «الربيع العربي». حكومة الرئيس المصري محمد مرسي الهزيلة خسرت قوتها بسبب الواقع الجديد الذي نعيشه الآن، أو واقع مفهوم القوة الجديد الذي لا يبدو أن أحدا يملك مفاتيحه. يشير نعيم إلى أن أزمات العالم الاقتصادية، مثل الأزمة المالية، والسياسية، مثل مأساة الثورة السورية، تحدث بسبب تراجع القوة التي كان تملكها الحكومات في السابق. العالم وصل إلى أضعف حالاته، ولم يعد بمقدوره القيام بأعمال جماعية فاعلة. وأحد الأسباب يعود إلى أن الحكومات الغربية باتت في أغلبها مقسمة داخليا وغير قادرة على اتخاذ قرارات كبيرة يعارضها البرلمان. مثل ذلك ما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية، حيث يواجه الرئيس أوباما معارضة شرسة من الحزب الجمهوري. لكن هذا الانقسام، هو من أعراض تلاشي القوة وتنقلها بين أيدي مجموعة من اللاعبين الذين لا يتفقون على شيء. يتضح ذلك أيضا في مجال المال والأعمال. وصول الشخص إلى هرم إحدى الشركات العملاقة كان يعني في السابق أنه سيبقى لوقت طويل، لكن الحال تغير منذ سنوات، ولم يعد هؤلاء يملكون القوة القديمة. 80 في المائة من المديرين التنفيذيين الجدد تم إبعادهم من مناصبهم في السنوات القليلة الماضية. الشيء نفسه ينطبق على المؤسسات العسكرية والدينية والإعلامية، وحتى الرياضية. لكن من جانب آخر، هناك جوانب إيجابية لتلاشي القوة نهائيا. فتح الباب أمام ملايين الصغار والفقراء والسياسيين والناخبين والمخترعين لتحقيق أحلامهم ورفع أصواتهم. لقد بات العالم أكثر انفتاحا والمنافسة أكثر اشتعالا وحدة والفرص أكثر قربا. كتاب نعيم يقدم الكثير من الأرقام التي تكشف عن التحولات في طبيعة القوة، لكن الفكرة الرئيسة الذكية لكتابه لا تنجح في تفسير بعض مظاهر القوة التي ما زالت بيد اللاعبين الأساسيين مثل الحكومات. الحكومة الصينية أكثر قوة الآن من أي وقت مضى، واستطاعت أن تصعد بالاقتصاد الصيني لمستويات نمو غير مسبوقة، وأخرجت أكثر من 400 مليون صيني من خط الفقر. حكومة الرئيس أوباما كانت اللاعب الأساسي الذي أسهم في إنعاش الاقتصاد الأميركي الذي يعود تدريجيا إلى صحته، كما أن أوباما دفع بقانون التأمين الصحي رغم معارضة الجمهوريين له. وفي ما يتعلق بسوريا، فإن العديد من المحللين السياسيين يؤكدون أن التردد في استخدام القوة، وليس ضعفها أو نهايتها، هو الذي أطال عمر النظام السوري. ولم يكن من المتوقع أن يطاح بالقذافي لولا مشاركة قوات الناتو التي قادتها الولايات المتحدة والقوى الغربية. رغم ذلك ينجح «نهاية القوة» في تفسير الكثير مما يجري في عالم اليوم الذي يحتار المتابع في مظاهره المتشابكة التي تبدو أحيانا مثل الألغاز.

    0 0

    لم تكن بمدينتنا الجبايش، في قلب الأهوار، مكتبة، إنما شيدت بنايتها وأخذها الطوفان بعد افتتاحها، ونزل السقف لثقله، لأن المهندسين لم يفهموا طبيعة الأرض الواقفة على الماء، التي لا تتحمل الكونكريت والحديد، ولما أعيد إعمارها تحولت إلى مستوصف طبي! ففي عام 1959 أرسل أهالي المنطقة برقية إلى الزعيم عبد الكريم قاسم (قتل 1963)، فيها المضحك المبكي، تقول: «نريد مستوصفا وطبيبا مقيما وطريق سيارات وإلغاء حلف بغداد وإعدام الجواسيس»! قرأت هذا، قبل عامين في صحيفة «اتحاد الشعب» الصادرة آنذاك. وكنت أبحث في أرشيفها عن الحراك الإسلامي فوجدت الكثير. لكن كانت هناك مكتبتان شخصيتان، واحدة لمعلمنا الأديب المعروف فهد الأسدي (ت 1912)، وأخرى لمعلمنا عامر عبد الكريم الخيون، وبعد تحول صاحبي المكتبتين إلى بغداد، تسربت إلينا الكتب، وأول كتاب قرأته وكنت أحمله متفاخرا بيدي هو لولي الدين يكن (ت 1921)، وأظنه كان تحت عنوان «التجاريب». كنت في الصف الثالث المتوسط (1969) حينها، ولما سألني، وأنا في الطريق، مدرس اللغة العربية عما بيدي قلت بحياء: كتاب ولي الدين يكن. بعدها لاحظت عند والدي كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ (ت 255 هـ)، فأخذت أنتهز فرصة خروجه بعد الظهيرة، وأتخذ وضعه على السرير وأقرأ فيه، وما زلت احتفظ بفقرات كان والدي يجمعها من ذلك الكتاب وغيره، حصلت عليها عند رؤية الوالدة بعد فراق ثلاثين عاما. وطلب أخي الأصغر أن أنشرها باسم والدنا، لكني ما زلت مترددا، فهي نصوص فقط، وتحتاج إلى استخراج مصادرها. استعرت من نوري الأسدي زميلي في الصف وشقيق معلمنا فهد كتاب «ماجدولين» الذي ترجمه مصطفى لطفي المنفلوطي (ت 1924)، قرأته في أجواء أعتبرها اليوم رومانسية جدا بقدر رومانسية الكتاب نفسه وعذابات العاشق، قرأته وكتاب ثلاثية «ست البنات»، ولا أتذكر مؤلفها. قرأتهما وأنا في القارب، وكان طوفان صيف 1969 عاتيا، لم يترك بمنطقتنا أثرا لتراب. ومن تأثري ببطل رواية «ست البنات»، فيروز، اتخذت هذا الاسم اسما حركيا عند انتمائي لاتحاد الطلبة العام، الذي تأسس 14 نيسان 1948، وعندما قيل لي: اختر اسما مألوفا، قلت لا يكون إلا فيروز! بقيت أعيش هواجس ماجدولين وبطلي «ست البنات»، وكنت أخوض حينها أول تجربة عاطفية، انتهت بالنظرات والإشارات عن بعد فقط. وكأني بالفقيه ابن حزم الظاهري (ت 456 هـ) وهو يكشف عما تخبئه نفسه في «طوق الحمامة»: أرى دارها في كل حين وساعة ولكن من في الدار عني مغيب فيا لك جار الجنب أسمع حسه وأعلم أن الصين أدنى وأقرب كان المشهد تماما مثلما عشته. غير أن الكتاب الذي نقلني إلى مستوى ثقافي مشوب بأفكار محددة هو مذكرات نهرو؛ حصلت عليه من أحد الأصدقاء، وترددت في بداية الأمر بقراءته، لكن سهولة المبنى شجعني، ولما أتممته، سئلت في خليتي الطلابية السرية: ماذا قرأت؟ فقلت مذاكرات جواهر آل نهرو (ت 1964)، فطلب مني أن أعدها حديثا ضمن منهاجنا الثقافي. وخشيت من التجربة الأولى في الحديث أمام الآخرين بشأن من هذا القبيل، ولم يقبل عذري، فقرأت الكتاب مرة أخرى بخوف ووجل، وكأني مقبل على امتحان البكالوريا، ونجحت في التجربة، ومن حينها صرت أرشح للمسؤولية الثقافية في الخلية. كان أصعب كتاب قرأته هو «ديالكتيك الطبيعة» لفردريك أنجلز (ت 1895)، وحسبت حينها أني فهمته، ولم أقترب من كتاب «رأس المال» لكارل ماركس (ت 1882) حينها، على الرغم من وجوده مترجما، وذلك لصعوبته وعدم ميلي للاقتصاد. إلا أن كتاب «عقلي وعقلك» لسلامة موسى (ت 1958) لم أبذل جهدا في فهمه والتوافق معه، وكان نصحني بقراءته شقيقي حميد الخيون (أعدم 1980)، وكان ضابطا في الجيش إلا أنه قارئ وجامع للكتب التقدمية، ومن المفارقة بعد تحوله إلى الخط الديني نصحني أن أنسى ما قرأت، وأن أبدأ بقراءة كتاب «فلسفتنا» لمحمد باقر الصدر (أعدم 1980)، وأخذ يلح علي بمقابلته بالنجف بعد قراءة الكتاب، وبهذا حصل الفراق بيني وبينه. أما أول كتاب يهدى لي وبخط مؤلفه فهو كتاب معلمنا الأديب فهد الأسدي «طيور السماء»، ولم يبق صديق لي وزميل لم ير الإهداء، وذلك لشدة الفخر، وكتب في الإهداء مفردة «الصديق»! بعدها توجهت إلى كتب التراث، وقد حللت ببغداد، وصرت أقرأ وأدون فقرات من الكتب في دفاتر خاصة، وفقدتها، وأعدت التجربة بعد مغادرة العراق (1979)، لكن هذه المرة أدون النص مع المصدر كاملا. تلك بعض الذكريات مع الكتاب، قبل التعرف على عالم المكتبات وخوض تجربة التأليف! وما زال طعم «ماجدولين» والأجواء التي قرأته فيها، وأنا على الماء، في حافظتي، وكأن تلك البيئة كانت مسرحا لأحداثه.

    0 0

    ما زالت الكاتبة الأميركية الساخرة فران ليبوفيتز تحاول العودة للنوم، بعد أن قضت ليلة فاشلة لم تتمكن فيها من كتابة أي شيء يستحق الاحتفاظ به. في الساعة 12:30 ظهرا، يتصل عليها شخص يصف نفسه بمنتج للأفلام الكوميدية، ويطلب منها أن توظف حسها الساخر لتكتب نصا يمكن تحويله لفيلم كوميدي ناجح. ولكن الكاتبة ترفض وتسخر من فكرة المنتج، الذي قال إن عليها أن تأتي لمدينة لوس أنجليس «لنتكلم في هذا المشروع»، لترد عليه: «ماذا يعني أن نتكلم؟ نحن نتكلم الآن!»، ضحك المنتج وكرر عليها الطلب. وافقت هذه المرة، ولكن بشرط واحد فقط وهو «إذا فزت بجائزة نوبل للفيزياء!»، تغلق السماعة على أصداء قهقهاته، وتحاول من جديد العودة للنوم، ولكنها تفشل. تقرر النهوض. تخرج وتذهب للأصدقاء على أمل أن تعود للبيت وتستطيع كتابة شيء جيد. تعود لشقتها بعد ساعات، تمسك بالقلم وتحدق في الورقة طويلا، تنجح في كتابة العنوان، ولكن لا شيء بعد ذلك، تخربش على الهامش، ولكنها، وبعد وقت طويل، ما زالت تحدق في الورقة الفارغة. في الساعة الرابعة فجرا، لم تكتب أي شيء، تجول بنظراتها بيأس في المكان حولها، ومن ثم تنهار مقاومتها وتستسلم للنوم. تكتب «الكنبة تنتصر. فوز آخر للأثاث». هذه هي المقدمة الاعتذارية في كتابها المعنون بـ«قارئ فران ليبوفيتز» - عبارة عن مجموعة منوعة من المقالات - عن صعوبة الكتابة الإبداعية التي تجعلها تنتظر ساعات طويلة من دون أن تكتب حرفا واحدا. لذا، تقول في إحدى نصائحها المحبطة لمن يفكر في الكتابة: «قليل جدا من الناس من يملك الموهبة الفنية. إذا وجدت نفسك تحترق ولديك رغبة عارمة في الكتابة أو الرسم، ما عليك إلا أن تأكل قطعة من الحلوى وسيختفي مثل هذا الشعور. قصة حياتك لا تصنع كتابا جيدا. لا تفكر حتى في المحاولة». ولكن ليبوفيتز، التي نشرت عددا قليلا من الكتب، لا تعتبر نفسها من الفئة القليلة التي تملك مثل هذه القدرة الإبداعية. في إحدى مقابلاتها تقول إنها أكسل كاتبة في العالم، حيث تقضي الكثير من الوقت في الاستلقاء والقراءة، ومن دون أن تكتب كلمة واحدة. ولكنها تدرك الصعوبة البالغة في كتابة شيء حقيقي، لذا تقول إن أغلب الناس لديهم فكرة رومانسية سطحية عن الفن والإبداع، لهذا هم يندفعون للكتابة من دون تردد، لتمتلئ بعدها المكتبات بملايين الكتب الفارغة والساذجة. تتهكم ليبوفيتز على الغرائب والمفارقات الموجودة في الحياة، مثل أن صغار العمر يعتقدون أنهم يعلمون لأنهم فعلا لا يعلمون. لهذا، هم يرون كل شيء مختلفا كحدث جديد ومبهر. نفس هذا الحس الساخر الكئيب موجود لدى المخرج الشهير وودي ألن، الذي قال مرة بأنه في كل 100 سنة يموت كل الناس، كأنه يتم شفطهم من سطح الأرض، ليظهر بعدها ناس جدد مندهشون من الحياة ويطرحون ذات الأسئلة التي طرحها من سبقهم، ليتم بعد ذلك شفطهم من جديد، وهكذا هي الحياة. عندما يمل كبار السن ويشعرون بالعبثية وعدم جدوى الأشياء، يكون صغار العمر في ذروة اندهاشهم من الحياة. لذا، تقدم ليبوفيتز بعض النصائح التي قد تفيد هؤلاء الشباب. قد يشعر الواحد منهم بالإلهام الذي يأتيه في لحظات عاطفية ليدفعه للكتابة حتى يعبر عما بنفسه، ولكنها تنصحه بألا يفعل. تكتب: «إذا انبهرت بأشعة الشمس المنعكسة على سيارة مستخدمة في أحد المواقف، ورأيت في تلك الصورة ما يعبر عن المصير المحتوم للإنسانية. لا تقم، تحت أي ظرف من الظروف، بكتابة ذلك». إنه إلهام ساذج مخادع يغش فيه الكاتب نفسه، لذا تواصل سخريتها عبر تقديم عدد آخر من النصائح مثل: «إذا أردت أن تتقدم في الحياة. فاحصل على محام وليس على كتاب». وفي مكان آخر تكتب: «في الغالب أن الثروة والقوة هما نتيجة للتوالد، وليس للقراءة». هذه نافذة أخرى تغلقها لمن يعتقد أن امتهانه للكتابة سيدر عليه الملايين، التي تأتي في الغالب نتيجة الوراثة. ولكنها لا تتوقف عند ذلك، قلمها الشرير يسخر أيضا من الحالة الرومانسية الإلهامية التي يعتقد الكثير من الكتاب أنهم يعانونها ويتمزقون بسببها. تقول الكاتبة بأن العلامات التي تشير إلى أن شخصا ما سيصبح كاتبا تظهر منذ الولادة. أول كلمتين يقولهما الرضيع الذي سيصبح كاتبا في المستقبل هي «الأسبوع القادم» مما يعني أنه لم ينه كتابه أو مقالته التي تحتاج مزيدا من الحذف والإضافة. الرضيع الكاتب يرفض أن يأتي مع توأم من أجل أن يكون واضحا جدا. والرضيع الكاتب سيتأخر عن موعده في الولادة ثلاثة أسابيع على الأقل، لأن لديه مشاكل في التحرير! كتابات ليبوفيتز المؤلمة الساخرة منعكسة على شخصيتها المختلفة حتى شكليا. يظن من يراها لأول مرة أنها من الناشطات النسويات الملتزمات، ولكن يبدو أنها منزعجة من طنين المنظمات النسوية، حيث تقول: «طالبن بأن تكون المرأة الطرف الأقوى والصامت أيضا». تم طردها من الثانوية العامة، وتعتبر نفسها، وهي المدخنة بشراهة، من كبرى المدافعات عن حقوق المدخنين والمدخنات. أي شيء تعتقد أن لديك قناعة مريحة عنه تقوم بقلبه رأسا على عقب بطريقتها المتهكمة المزعجة. حتى فكرة الجمال الداخلي التي نحبها لكي تخفف علينا بشاعة أشكالنا، تقوم ليبوفيتز بسحبها منا، حيث تكتب: «معظم البشر غير جميلين. الخطأ الأكثر شيوعا في ما يتعلق بالمظهر، هو اعتقاد الفرد أن عليه أن يستخف بالجمال الشكلي حتى يشرق الجمال الحقيقي للروح. إذا كان بداخلك شيء يقول لك ذلك. فأنت لست بجذاب». لا تحب الحيوانات من أي نوع، هي أيضا «لا تحب فكرة الحيوانات نفسها!»، لذا وجودهم غير مرحب به في بيتها وتضعهم خارج قائمتها. وتضيف: «لا أريد لهم الأذى. لا أريد أن أضايقهم إذا لم يقوموا بمضايقتي.. يجب أن يبقوا في الخارج.. في الخارج لا يعني خارج البيت، ولكن في غابات أميركا الجنوبية. لماذا يأتون إلى هنا؟»، وتوجه بعد ذلك كلامها لملاك الحيوانات وخصوصا الكلاب، حيث توبخهم بالقول: «لا تخرج لتمشي الحاشية - الكلاب - المحيطة بك. قمت بتمشية نفسك». ولكنها بعد ذلك توجه حديثها مباشرة إلى الكلاب التي تم العبث بها. تقول لهم: «إذا كنت كلبا ومالكك اقترح أن يلبسك سترة. فاقترح عليه أن يرتدي ذيلا!». وتقدم أيضا بعض المعلومات للكلاب، حيث تكتب «من المؤكد أن الكلب الذي يعتقد أنه الصديق الوفي للإنسان، لم يقابل في حياته محامي الضرائب». وتوجه خطابها مباشرة للطيور، التي يعتقد غالبية الناس أن سجنها هو تعذيب لها لأنه يحد من حريتها وانطلاقها، ولكنها تعتقد العكس. تحسد الطائر وتخاطبه: «إذا كنت الطائر الوحيد في قفص من الذهب. فابدأ بعد الخيرات التي تنعم بها». وتشعر أيضا بمأساة طائر البوم الذي بات يحجز في البيوت على اعتبار أنه طائر أليف.. تبدي المؤلفة تعاطفها وتخاطبها: «إذا كانت طائر بوم وتم حبسك في البيت كطائر أليف. فإنني أدعم رغبتك الشديدة في الصراخ». وماذا عن الشعور بالسعادة والسلام الداخلي الذي ينشده الجميع في الحياة؟ هذا غير موجود في قاموس ليبوفيتز، التي تؤكد أنه «لا يوجد هناك ما يسمى السلام الداخلي. هناك فقط القلق أو الموت. أي محاولة لإثبات العكس ستحتوي على سلوكيات غير مقبولة». هي أيضا لا تحب الطبيعة وليست من الأشخاص الذين ينادون بالعودة لها. في الواقع، هي من الأشخاص الذين ينادون بالعودة للفنادق! هي أيضا تكره الطبيعة لأن ليس فيها كراسي مريحة للجلوس! يتوهم الشخص أن لديه شيئا داخليا يميزه عن بقية البشر. هذا أيضا غير صحيح بالنسبة لها. الشيء الوحيد الفريد في كل إنسان هو قدمه أو قدمها التي لا تشبه قدم أي شخص آخر في الكون. هذه الكاتبة المجنونة سحبت منا كل شيء وتريد منا الآن أن نفتخر فقط بفرادة أقدامنا!

    0 0

    على مدار سنتين متواصلتين راح جيل كيبل يجوب العالم العربي طولا وعرضا من مشرقه إلى مغربه لكي يفهم ما حصل، لكي يرى بأم عينيه تلك الثورات العارمة والثوار. كان يريد أن يطرح أسئلة من النوع التالي: ماذا حصل لشعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي رفعها الشباب الذين دشنوا الربيع العربي؟ أعتقد أن جيل كيبل مفتون بالعالم العربي، وهو يرى فيه، ليس وحده بل جيله كله، صورة أوروبا قبل مائتي سنة عندما كانت لا تزال في طور الانتقال من العصور الوسطى إلى عصر الحداثة. وبما أنه أحد ورثة فلاسفة التنوير الكبار من أمثال فولتير ومونتسكيو وروسو وكوندورسيه الخ فإنه يرى فينا طفولة أوروبا أو بالأحرى طفولة الحداثة في بدايات انطلاقتها الأولى. وبالتالي فهو يفهم نفسه وحضارته بشكل أفضل إذ يهتم بنا ويدرسنا ويكرس عمره لنا. فانفجارات الربيع العربي تذكره حتما بالثورة الفرنسية وبقية الثورات الأوروبية وكل تلك الاختلاجات الهائجة والمخاضات الهائلة والآلام. أقول ذلك على الرغم من الفارق الهائل بين الثورة الفرنسية والانتفاضات العربية. فالأولى تمخضت عن نظام مدني علماني ديمقراطي حديث في نهاية المطاف، هذا في حين أن الثانية تمخضت عن نظام أصولي أو إخوان مسلمين! يضاف إلى ذلك أن كتب الرحلات إلى الشرق كثيرة جدا في الاستشراق الفرنسي بالمعنى الإيجابي العالي لكلمة استشراق. إنها ممتدة على مدار العصور منذ أيام فولني وحتى العصر الراهن مرورا بفلوبير ولامارتين وجيرار دو نيرفال.. على مدار سنتين متواصلتين إذن راح جيل كيبل يجوب العالم العربي طولا وعرضا من مشرقه إلى مغربه لكي يفهم ما حصل، لكي يرى بأم عينيه تلك الثورات العارمة والثوار. كان يريد أن يطرح أسئلة من النوع التالي: ماذا حصل لشعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي رفعها الشباب الذين دشنوا الربيع العربي؟ ولماذا سرقت الثورة من بين أصابعهم وقطفت ثمارها حركات الإسلام السياسي، التي كانت مترددة في البداية ولم تركب الموجة إلا بعد بضعة أيام من اندلاع الثورة. وبالتالي فليست هي من دشنت الانتفاضات العارمة وإنما شباب وشابات خرجوا بخفي حنين في نهاية المطاف. وهذا يعني أن حركة التاريخ قد تتمخض عن شيء معاكس للهدف التحريري الأولي المتوخى منها كما يقول هيغل. فالمليارات قد تفعل فعلها وكذلك رواسب التاريخ المتراكمة والماضي الانحطاطي الذي لا يمضي. لكن المليارات لا تصنع حضارات! تلزم عقول مستنيرة وتوجهات تقدمية مستقبلية، لا ماضوية رجعية. ولكن هل لولا فساد هذه الأنظمة الشمولية البوليسية وعقمها واستبدادها كنا قد وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من كوارث وفواجع؟ أقول ذلك وأنا أفكر في الحالة السورية التي فاقت كل التصورات من حيث ارتكاب الفظائع المرعبة من كلتا الجهتين كما يقول جيل كيبل. ولكن المسؤول الأول عن المآل المخيف الذي وصلنا إليه هو النظام الحاكم بطبيعة الحال. لماذا لم يعرف كيف يستدرك الانفجار، كيف يستبق الإعصار؟ لماذا لم تحصل الإصلاحات في الوقت المناسب؟ لماذا لجأت أجهزته فورا إلى الحل البوليسي والإجرامي القذر؟ لا يمكن كبت شعب بأسره إلى ما لا نهاية كالشعب السوري. لا يمكن وضعه في الثلاجة إلى الأبد. كان واضحا أنه سينفجر بين لحظة وأخرى بعد طول احتقان. كل هذا ينبغي تصحيحه والاعتذار عنه إذا ما أردنا لسوريا الموحدة أن تستمر. وإلا فلتحكم كل فئة مناطقها والسلام عليكم! كفى تدميرا وقتلا! هذا هو الحل الوحيد، على الأقل حتى تكون النفوس قد هدأت والعقول قد استنارت. إذا كنتم تريدون تحاشيه لأنكم مرعوبون من شبح التقسيم فينبغي أن يحصل إجماع وطني بين كافة التيارات الفكرية - السياسية من سلطة ومعارضة ما عدا الجماعات التي تتبنى الأفكار الطائفية صراحة أو ضمنا. كل ما نرجوه هو أن لا يكون قد فات الأوان.. ولكن المشكلة أعقد من ذلك في الواقع بكثير. إنها آتية من أعماق التاريخ البعيد. تاريخ بأسره يتفجر الآن أمام أعيننا كالزلزال أو البركان.. تاريخ التعصب الطائفي الأعمى الذي دمر أوروبا سوف يدمر العرب أيضا قبل أن يولدوا من جديد. هذا هو ثمن النهضات أو الانطلاقات الكبرى. لا نهضة من دون تفكيك أو تعزيل، لا تعمير من دون تدمير. وعلى أنقاض الماضي العتيق ينهض المستقبل الوليد. شكرا لديكارت العظيم و«مقال في المنهج». شكرا للعبقريات الفلسفية! مللنا من تلك المقالات الصحافية السطحية التي تنثال علينا يوميا من دون أي فائدة. وبالتالي فالمشكلة أكبر من الجميع حكاما ومحكومين. وقد خرجت عن حد السيطرة تماما. وسوف تجرفنا كلنا في تيارها الهادر كما يجرف السيل العارم كل ما أمامه. نحن حطب المرحلة المقبلة، نحن وقودها. فالمشكلة التراثية إذا ما انفجرت حرقت في طريقها الأخضر واليابس.. بعدي الطوفان! حقا إن آلام الشعب السوري وبقية الشعوب العربية تجسد آلام البشرية حاليا. وهذا هو المعنى الثاني لعنوان الكتاب. الشعب السوري العظيم يدفع الآن فاتورة الخلاص المخضبة بالدم. إنه يدفع ضريبة التحرر الباهظة وثمن المخاض العسير نيابة عن الأمة العربية كلها. فنساؤه الحرائر أصبحن سبايا أو خادمات عند الشعوب! من يستطيع أن يتحمل مسؤولية كل هذا الدمار؟ سوريا كلها تحولت إلى أنقاض.. ثم هناك سؤال آخر هام يطرحه جيل كيبل وهو: لماذا نلاحظ أن الصراع المذهبي السني - الشيعي هو في طوره لأن يحرف هذه الثورات عن مسارها الصحيح؟ فقد كانت في البداية ثورات من أجل العدالة والحرية فإذا بها تتحول إلى «جبهة نصرة» و«قاعدة» وتفجيرات عشوائية إجرامية وهيجانات طائفية مدمرة. إذ أقول ذلك فإنه لظلم وخطأ فادح أن نختزل الشعب السوري الكبير إلى مجرد هؤلاء. ولكنهم موجودون على الأرض بقوة ويمثلون مشكلة حقيقية تمنع انبثاق سوريا الجديدة. بل إنهم سيؤدون مباشرة إلى تقسيم سوريا بفتاواهم التكفيرية وتفجيراتهم الإرهابية التي أرعبت العالم وشوهت صورة الإسلام لعشرات السنين المقبلة. وهنا تكمن مشكلة لاهوتية ضخمة تتجاوز سوريا بكثير. بل وتتجاوز العرب لكي تشمل الإسلام كله. وهي مشكلة القرن الحادي والعشرين من دون أدنى شك مثلما كانت الفاشية أو الشيوعية التوتاليتارية مشكلة القرن العشرين. هذه هي بعض الأسئلة التي يطرحها جيل كيبل بشكل مباشر أو غير مباشر في كتابه المشوق والهام. لحسن الحظ فإن جيل كيبل تحاشى تلك النزعة الباردة الجافة واللاإنسانية للعلوم الإنسانية! فلكي يثبت أحدهم علميته أو موضوعيته فإنه يحشو كتابه حشوا بالجداول الإحصائية والمعادلات الرياضية. كم صدمت بذلك عندما وصلت إلى باريس في أواسط السبعينات من القرن المنصرم. كم شعرت بالانزعاج والقرف من العلم والعلماء! كنت أجد أمامي مؤلفات ضخمة لا ماء فيها ولا حياة ولا إحساس عاطفي ولا اهتزاز لآلام الإنسان المبرحة. أهذا هو العلم أم أنه إفرازات حضارة ميكانيكية تكنولوجية فقدت روحها وجوهرها؟ لحسن الحظ فإن هذه الموجة البنيوية المتغطرسة والإمبريالية انتهت. أقول ذلك على الرغم من أن فيها بعض النقاط الإيجابية من حيث الدقة الموضوعية ولكنها بالغت وأسرفت. ولهذا السبب انصرف القراء عن تلك الكتب التي تتحدث عن الإنسان وكأنه «روبو» أي إنسان آلي لا إنسان حقيقي من لحم ودم. على العكس راح كيبل يطلق لسجيته وموهبته الأدبية العنان فنتج عن ذلك كتاب خاطف يجذبك إلى قراءته جذبا من البداية حتى النهاية. هذا لا يعني أنه غرق في الشطحات الصوفية والابتعاد عن مادية الواقع! لا، ولكنه عرف كيف يربط الخاص بالعام، والتقرير الصحافي الميداني بالجذور التاريخية الإسلامية والماضي البعيد. لقد عرف كيف يربط الآني الراهن، بالمدة الطويلة للتاريخ كما يقول بروديل. وهنا تكمن فوائد النزعة الأكاديمية والتخصص العميق. فمن دون ذلك لا يمكن إضاءة الموضوع ولا يمكن تجاوز الكتابة الصحافية المتسرعة والسطحية عموما. شكرا للصحافيين المحترفين وألف شكر ولكن كلامهم لا يكفي لفهم الظواهر الكبرى وإنما يبقينا على عطشنا وجوعنا. كان أستاذنا أركون يتحدث عن أهمية المنهجية التقدمية - التراجعية التي تدرس الماضي على ضوء الحاضر، والحاضر على ضوء الماضي. وكان يلوم العلوم السياسية على أنها تحصر منظورها بشريحة زمنية قصيرة لا يمكن أن تؤدي إلى إضاءة المشكلة من جذورها، بكل أبعادها. فمن دون هذه المنهجية الأركيولوجية لا يمكن أن نفهم سبب انفجار الصراعات الطائفية التي تكاد تدمر المنطقة وبالأخص الصراع السني - الشيعي ولكن أيضا الإسلامي - المسيحي. يكفي أن نلقي نظرة على حالة مصر. في الواقع أن هذا الشيء كان متوقعا ولا يمكن أن يفاجئ إلا السذج أو العميان. أنا شخصيا كنت أرى ذلك مقبلا بأم عيني منذ ثلاثين سنة على الأقل. ولا يعني ذلك أني عبقري أو متنبئ العصور الحديثة. فالحمار كان يدرك ذلك. ولا أعرف لماذا أكون أكثر غباء من الحمار الذي أكن له كل مشاعر الاحترام والتقدير لأنه كان صديق طفولتي.

(Page 1) | 2 | 3 | .... | 8 | newer