Are you the publisher? Claim or contact us about this channel


Embed this content in your HTML

Search

Report adult content:

click to rate:

Account: (login)

More Channels


Showcase


Channel Catalog


Channel Description:

الشرق الاوسط جريدة العرب الدولية

older | 1 | (Page 2) | 3 | 4 | .... | 8 | newer

    0 0

    مفتاح فهم العالم العربي اليوم وفي المستقبل هو الماضي؛ فلا يمكن فهم الثورات التي تعرف باسم الربيع العربي إلا إذا وضعت داخل سياق تاريخ العرب الطويل. ما هي جذور هذا الارتباك وهذه التعقيدات التي يتسم بها الفهم «الغربي» للعالم العربي؟ كيف بدأ هذا التمييز بين «الشرق» و«الغرب» الذي نرسمه دائما؟ وما مدى صحته؟ ومن هو المخطئ الذي تسبب في أن تسير الأمور على هذا النحو؟ هل سيستطيع الربيع العربي طرد الشياطين الذين دخلوا بيننا؟ ليست هذه سوى بعض التساؤلات التي يطرحها هذا الكتاب ويسعى للحصول على إجابة عنها. يكشف لنا جون ماكهيوغو قرونا من التطور الفكري السياسي والاجتماعي، منذ الإمبراطورية الرومانية إلى يومنا الحاضر. إنه يصطحب القارئ في رحلة تتجاوز العناوين، فهو يقدم سلسلة من نقاط التحول التي مر بها التاريخ العربي، بداية من بعثة الرسول محمد وتوسع الدين الإسلامي، وصراعات القرون الوسطى، والعصور الحديثة والصراعات ضد الاستعمار الأجنبي، وبزوغ التأسلم ونهاية حكم المستبدين. والأهم من ذلك أنه يكشف كيف وصل العالم العربي إلى رسم وضعه الحالي ويسلط الضوء على الاختيارات التي تلوح في الأفق في أعقاب الربيع العربي. وفي ضوء الاكتشاف الحديث المتمثل في التمييز بين التأسلم والدين الإسلامي، يعيد ماكهيوغو تعريف وتوضيح جذوره، وكذلك جذور فروعه الأكثر تطرفا من أصولية وإرهاب تجاهلتها الدوائر الأكاديمية والسائدة لتشكلها في الجانب البعيد عن الضوء من التاريخ. إنه يستكشف ويوضح كيف أن العلاقة بين الإسلام والتأسلم والعلمانية لا تزال تحدد معالم الدول العربية حتى يومنا هذا، وطريقة تعاملهم معها هو ما سيحدد مستقبلهم. وهذا ما يمنح الكتاب أصالة، فقد تمكن المؤلف من إلقاء ضوء جديد على 1400 عام من التاريخ العربي. ويتضمن النصف الثاني من الكتاب، المخصص لأحدث جزء من تاريخ كل دولة عربية منذ تأسيسها، أهم الاكتشافات. ويوضح ماكهيوغو تفصيلا ظهور الهوية المميزة لكل دولة وصراعاتها المستمرة بين العلمانية والطائفية السياسية، وأبرزها التأسلم. وفي الفصل الأخير، الذي يحمل عنوان «شيء يتصدع: الربيع العربي وما بعده»، يكشف ماكهيوغو أحدث حل وسط بين الجانبين يجب أن تنفذها الحكومات التي تشكلت حديثا. ويهدف هذا الكتاب إلى توضيح أن ما حدث على مدى عقود، بل قرون، ليس صدام حضارات، بل سلسلة من الأحداث التاريخية والسياسات المضللة، وجهل متعمد أوجد وعمق الصدع بين أوروبا والولايات المتحدة من جانب، والعالم العربي من جانب آخر. ونتيجة لذلك، كان الباب ينفتح أحيانا على عدمية أخلاقية تستخدم فيها وسائل مشبوهة للوصول إلى النتيجة المرجوة. وعندما يحدث هذا تتشكل حلقات من العدوان الذي يزداد عمقا. ومن هنا تأتي أهمية فهم كيفية وصول العالم العربي إلى ما هو فيه حاليا من أجل رأب الصدع. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بمعرفة التاريخ الذي يكشف لنا تأثير الثقافات المتحضرة واستفادة كل واحدة من الأخرى. ويكشف لنا ماكهيوغو من خلال هذا أن «الصدام» المزعوم غير موجود. كتاب «مختصر تاريخ العرب» (A Concise History of the Arabs) عمل جيد أصيل ومقدمة مثيرة عن العالم العربي. إنه مختصر وليس تاريخا كاملا، ويهدف إلى تعريف القارئ الغربي بتاريخ العرب للمرة الأولى. إنه يفترض جهل القارئ التام ويستهدف غير المختصين. وقدم جون ماكهيوغو طريقة لفهم هذه القصة المعقدة المستمرة، من شأنها أن تنور عقل من يقرأها. وحتى الذين يعرفون قليلا عن قصة العرب سيجدون الإثارة والتشويق في هذا التاريخ الجديد مجدولة بنسيج متعدد الطبقات من المعرفة والتعاطف. وليس إنجازا صغيرا أن تجمع أربعة عشر قرنا بداية من فجر الإسلام إلى الصحوة العربية الجديدة بين دفتي كتاب يسهل على القارئ الإبحار فيه، وكذلك إلقاء ضوء جديد على تاريخ العرب. إنه مفعم بالحياة وجذاب، وذو قيمة كبيرة بالنسبة إلى الذين يسعون إلى فهم عمق وتعقيد القضايا المعاصرة في العالم العربي.

    0 0

    لفت إليه أنظار النقاد والكتاب بقوة حين فازت روايته «كيرياليسون» بجائزة ساويرس الأدبية في الرواية عام 2009، وقبلها حصل على جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2003 عن مجموعته القصصية «إغماءة داخل تابوت». حاليا، يقرأ الروائي المصري هاني عبد المريد رواية «الفسكونت المشطور» للكاتب الإيطالي «إيتالو كالفينو». ويقول عنها: «كالفينو صاحب عبارة نافذة، ورؤى فلسفية، فقد استطاع أن يعبر عن الانقسام وربما الفصام الذي نعيشه في رواية قصيرة وبديعة، مما دفعني حقا للبحث عن باقي أعماله، أعجبت جدا في الرواية بشخصية هامشية ذكرت ربما في نصف صفحة فقط، وهي الفسكونت المسن أيولفو، الذي بلغ حبه للطيور مداه، حتى إنه أدخل بسريره قفص الطيور الكبير، وترك قصره، وعاش مع الطيور، وكانت وجبته تقدم له مع علف الطيور، وبقي هكذا في انتظار عودة ابنه من الحرب». يعود عبد المريد للشعر دائما في قراءاته فهو يمثل له استراحة مهمة، وعلى حد قوله: «الشعر يرمم روحي ويصالحني مع العالم؛ لذا أعود دائما لأمل دنقل، ومحمود درويش، وصلاح عبد الصبور، ومحمد الماغوط، والشاعر الشاب محمد أبو زيد». ويعلق على الكم الهائل من الكتب التي تصدر سنويا، قائلا: «من الصعب أن أعود لما قرأت، أفضل دوما اكتشاف عالم جديد، وإن كنت أعود أحيانا كما أسلفت للشعر وربما (ألف ليلة وليلة)، وقصص تشيكوف القصيرة». وحول روايته الجديدة، التي أوشك على الانتهاء منها يقول: «لم أستقر على اسمها بعد، فهي رواية متعددة الخيوط، أعيش الآن مع شخصية (عبد الجليل)، الذي يعمل (رفاء) يرتق الملابس الممزقة، وهو شخصية بسيطة، غير متعلم، لكنه يمتلك ذلك الخليط العجيب من الحكمة، والفن، والسخرية، يموت، وتتكشف حياته رويدا رويدا لابنه». صدر لعبد المريد مؤخرا مجموعة قصصية عن دار «ميريت» بعنوان «أساطير الأولين»، وهي المجموعة القصصية الثالثة له، يقول عنها: «تضم 27 قصة، يجمعها خيط سردي واحد، حيث يقع سكان بناية سكنية في ورطة تدعوهم للاجتماع، واللجوء للحكايات في محاولة للتسلية، وإزاحة الغمة، وهنا تتوالد قصص المجموعة قصة تلو أخرى، والقصص لا تناقش قضايا كبرى بقدر ما تنبش في تلك الندوب الصغيرة التي قد لا نراها، لكنها موجودة، وتمس روحنا. المجموعة تعتمد تيمة الحكي المنساب بطريقة عفوية طوال الوقت، في محاولة للتأريخ لأصل الحكايات». ليس لدى عبد المريد طقوس خاصة للقراءة، فهو يقرأ في أي وقت، وفي أي مكان، في المواصلات والأماكن العامة، منفصلا تماما عن العالم ولا يلتفت إلى الضجيج. يشير عبد المريد إلى أن هناك أمرا يقوم به دوما من الممكن اعتباره طقس قراءة، يقول: «يحدث ذلك عند اختيار الكتاب الذي سأقرأه، أتصفح عدة كتب، واختار أحدها، وأكون فكره عامة عنها جميعا، ثم أقوم بترتيبها ترتيبا تنازليا، فأقوم بقراءتها تباعا، دائما يكون هناك كتاب في انتظار دوره، وكأن ذلك أحد دوافع القراءة لدي». أما عن طقوس الكتابة، فيقول: «في الكتابة، الوضع يختلف، إذ لا بد من الهدوء الشديد، ولا بد أن يكون باب الحجرة التي أكتب فيها مغلقا، وأن أكتب، على ورق مفرط، ويكون معي كمية كبيرة، أتوتر، لو شعرت بأنني فقط أكتب على ورقة أو ورقتين». عن القراءة الإلكترونية، يؤكد عبد المريد أنه يقرأ الكتب الإلكترونية، لكنه ما زال كلاسيكيا بعض الشيء، وكما يقول: «أفضل النسخة الورقية، وملمس الورق، ورائحته، ولكنني لا أرفض الكتاب الإلكتروني، بل قرأت بالفعل عشرات من الكتب الإلكترونية، ولكنني في الحقيقة ألجأ إليها فقط عندما أضطر، وذلك بعدم توافر نسخة ورقية من كتاب أبحث عنه». يضيف عبد المريد: «حتى الآن، ما زال تأثير الكتب الإلكترونية على الورقية ضعيفا، فما زال الكتاب الورقي، هو المهم والمفضل، ولكن مع التطور التكنولوجي، وانتشار لأجهزة (التابلت) بسعره الزهيد، ومع التطور، وبالمنطق، وطبيعة الأشياء، فبالتأكيد المستقبل للكتاب الإلكتروني». * من أعماله: «إغماءة داخل تابوت» - قصص - الهيئة المصرية العامة للكتاب 2003. و«عمود رخامي في منتصف الحلبة» - رواية - الهيئة العامة لقصور الثقافة 2003، و«شجرة جافة للصلب» – قصص - المجلس الأعلى للثقافة 2005، و«كيرياليسون» - رواية - «الدار» للنشر والتوزيع 2008، و«أساطير الأولين» – قصص - «ميريت» للنشر والتوزيع 2012.

    0 0

    مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الإيطالي أندريا تورنييلي، أحد كبار المختصين بشؤون الفاتيكان والقضايا الدينية المسيحية الكاثوليكية، كما أنه كان من المقربين من البابا المستقيل لسنوات طويلة حتى قبل أن يصبح بابا. وهو يقدم هنا صورة متكاملة عن سيرة حياة هذا الرجل الذي شغل وسائل الإعلام لأسباب شتى بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. فمن هو هذا البابا يا ترى؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا ما معناه: ولد جوزيف راتزنجير الملقب حاليا بالبابا بنديكتوس السادس عشر في قرية صغيرة بإقليم بافاريا في ألمانيا عام 1927، وفي السادس عشر من شهر أبريل (نيسان) على وجه التحديد. وكان والده ضابطا في البوليس الألماني، وكاثوليكيا ملتزما بشعائر دينه ومتحمسا جدا لها. ومعلوم أن ألمانيا كانت ولا تزال مقسومة إلى قسمين من الناحية المذهبية: قسم بروتستانتي في الشمال أساسا وهو يشكل أغلبية نسبية، وقسم كاثوليكي موجود في الأقاليم الجنوبية عادة. ولهذا السبب فإن الصغير جوزيف راتزنجير ورث عن عائلته ذلك العداء المذهبي للبروتستانتيين. وسوف تلاحقه هذه المشاعر المذهبية زمنا طويلا وربما حتى اليوم. فالبروتستانتيون يتهمونه بأنه لا يحبهم حتى بعد أن انتخب بابا للفاتيكان. وربما لم يكونوا مخطئين، فهو يعتبرهم في قرارة نفسه مجرد هراطقة! وبالتالي فليس المسلمون هم وحدهم الذين يكرهونه ويشتبهون به، وإنما البروتستانتيون أيضا، بل هم بالدرجة الأولى. من هذه الناحية فليس مأسوفا عليه! فهو رغم علمه الكبير بقي متعصبا كاثوليكيا. للتأكد من ذلك يكفي أن نقارن بينه وبين عدوه اللدود هانز كونغ المنفتح كل الانفتاح على الأديان والمذاهب الأخرى، وبالأخص على الإسلام والبروتسانتية. أين الثرى من الثريا؟ تحية للمجدد الكبير البروفسور هانز كونغ. ثم يقول لنا المؤلف بأنه كانت له أخت راهبة تدعى ماريا، وقد كرست حياتها كلها له ولخدمته حتى ماتت عام 1991، وكانت تهتم به وبشؤونه المنزلية ونظافة ملبسه وطعامه.. إلخ. وله أخ راهب أيضا ويدعى جورج، وهو أكبر منه بسنتين ولا يزال حيا. وفي عام 1939 دخل الشاب جوزيف راتزنجير إلى الدير لكي يتلقى التعاليم الدينية ويصبح راهبا، ولكن اندلعت في العام نفسه، كما نعلم، الحرب العالمية الثانية، وعندئذ أجبروه على الانخراط في منظمة الشبيبة الهتلرية. وكان عمره آنذاك اثني عشر عاما فقط، ومع ذلك فسوف يعيبون عليه ذلك لاحقا، وسوف يحاول غلاة الصهاينة استخدام هذه المسألة لابتزازه والضغط عليه حتى بعد أن أصبح بابا. ومعلوم أنهم خبراء في هذا المجال ولا يشق لهم غبار. ولكن البابا صرح في مذكراته بعد سنوات طويلة بأنه لم يطلق طلقة نارية واحدة في حياته رغم كل تلك السنوات التي قضاها في صفوف الشبيبة الهتلرية أولا، ثم الجيش الألماني ثانيا. وقد هرب من الجيش قبيل استسلام ألمانيا وانهيار النظام النازي بأيام قليلة. وعندئذ اعتقلته قوات الحلفاء عام 1945، حيث التقاه الكاتب الألماني الشهير (أو الذي سيصبح شهيرا لاحقا) غونتر غراس. ومعلوم أنه هو أيضا كان منخرطا في صفوف الشبيبة الهتلرية، وقد اعترف بذلك مسببا فضيحة نسبية، أو فرقعة حقيقية في الأوساط الأدبية والسياسية. ولكن اعتقاله لم يدم طويلا؛ إذ سرعان ما أطلقوا سراحه؛ نظرا لعدم أهميته في النظام النازي. وهكذا عاد إلى الدير من جديد لكي يواصل علومه الدينية، ثم دخل بعدئذ إلى جامعة ميونيخ، حيث درس الفلسفة وعلم اللاهوت في آن معا. وقد حضر رسالة دكتوراه تحت العنوان التالي: «شعب الله وبيته في العقيدة اللاهوتية للقديس أوغسطينوس». وهو أعظم قديس في المسيحية ويعد من المرجعيات اللاهوتية الكبرى. وفي تلك السنوات كان جوزيف راتزنجير يركب الدراجة ويجوب شوارع مدينة ميونيخ الجميلة طولا وعرضا. وكان شغوفا بالعلم لا يشبع. وقد درس الفلسفة المثالية الألمانية التي تعتبر أعظم فلسفة في العصور الحديثة. ونقصد بها تلك الفلسفة التي أسسها كانط ثم تابعها من بعده بأشكال شتى فيخته، وشيلنغ، وهيغل، والشاعر الكبير هولدرلين، وسواهم. وبالتالي فالرجل لم يحصر نفسه بالعلوم الدينية أو اللاهوتية، وإنما تجاوزها إلى البحوث العلمية والفلسفية. ولذلك أصبح لاحقا أكبر عالم وفيلسوف في تاريخ البابوية منذ أن كانت قد تأسست قبل ألفي سنة وحتى اليوم. ولهذا السبب عينوه أستاذا لعلم اللاهوت في جامعة بون بين عامي 1963 - 1966، وأصبح بالتالي أصغر أستاذ جامعي من حيث سنه أو عمره في كل أنحاء ألمانيا. وابتدأت شهرته تصعد وتكبر شيئا فشيئا. ثم أصبح أستاذ علم اللاهوت في كلية توبنجين بين عامي 1966 - 1969، وهي الكلية التي خرجت سابقا الثلاثي العبقري الشهير: هيغل، شيلنغ، هولدرلين. ومن كان عميد الكلية آنذاك؟ إنه العالم اللاهوتي المجدد الكبير هانز كونغ الذي ذكرناه آنفا. ومعلوم أنه اختلف معه لاحقا واتهمه بالرجعية، وحذر من انتخابه بابا في روما. ولكن يبدو أنه غير رأيه فيما بعد وتصالح معه بعد أن زاره في مكتبه بالفاتيكان. والواقع أن هانز كونغ من كبار المجددين في العلوم اللاهوتية المسيحية. هذا في حين أن جوزيف راتزنجير أصبح محافظا جدا بعد أن كان تقدميا من الناحية الدينية والعقائدية. نعم.. لقد كان جوزيف راتزنجير تقدميا ومجددا أثناء انعقاد المجمع الكنسي المشهور باسم الفاتيكان الثاني بين عامي 1962 - 1965، وقد دعا آنذاك إلى تجديد العقيدة المسيحية لكي تساير العصر وتتصالح مع الحداثة. وأيد القرارات اللاهوتية الانفتاحية الجريئة التي اتخذها هذا المجمع الشهير. ولكنه فيما بعد تراجع عن خط التجديد بعد أن رأى اللاهوتيين الألمان يقتربون من الماركسية ويعتنقون الأفكار اليسارية. وعندئذ خاف على العقيدة المسيحية وأصبح أكثر تحفظا أو محافظة، إن لم نقل رجعية. وفي عام 1969 عينوه أستاذا لتاريخ العقائد في جامعة راتسبونغ التي ألقى فيها محاضرته الشهيرة عام 2006 وأثارت عليه نقمة العالم الإسلامي كله. ومعلوم أنها تركت جرحا لا يندمل. ولكنه في ذلك الوقت، أي قبل سبعة وثلاثين عاما، كان مجرد أستاذ لتاريخ العقائد في تلك الجامعة. لا ريب في أنه محق بإدانة العنف الذي ترتكبه الجماعات المتطرفة باسم الله أو الدين. ولكن هذا العنف اللاهوتي غير محصور بدين واحد كما أوهم، وإنما هو موجود في جميع الأديان، وإن في فترات متفاوتة من تاريخها. ومذهبه البابوي الكاثوليكي كان مشهورا بارتكاب العنف والقمع باسم الدين إبان القرون الوسطى ومحاكم التفتيش وملاحقة العلماء والمفكرين. فلماذا نسي ذلك كله فجأة؟ أين الموضوعية في البحث وهو العالم الكبير؟ ثم ما معنى قوله بأن المسيحية متصالحة مع الفلسفة والعقل على عكس الإسلام؟ هذا كلام ديماغوجي لا يصمد أمام الامتحان على الإطلاق؛ فالمسيحية، وبالأخص مذهبه الكاثوليكي البابوي، كانت من ألد أعداء العقل والعلم طيلة قرون وقرون. وإلا فلماذا حاكموا غاليليو وقطعوا لسان جيوردانو برينو وأرعبوا معظم مفكري الغرب على مدار عدة قرون؟ لا ريب في أن الكاثوليكية تصالحت مع العلم والعصر مؤخرا بعد الفاتيكان الثاني. وهي تشكر على ذلك، ولكن ماذا فعلت قبل ذلك؟ ثم كيف نسي أن الإسلام هو الذي حمل إلى أوروبا مشعل النور والحضارة وساهم في نهضتها؟ عيب عليه وهو العالم الكبير أن يتناسى كل ذلك أو يطمسه. على أي حال فإنه التقى عام 1977 كارول وايتاولا الذي سيصبح بابا روما بعد عام واحد فقط تحت اسم يوحنا بولس الثاني. وكان لقاء ناجحا وموفقا. والواقع أنهما كان يعرف بعضهما بعضا عن طريق المراسلة منذ زمن طويل. وكان يجمع بينهما حب الفلسفة والعلوم اللاهوتية. ولذلك عينه يوحنا بولس الثاني عام 1981 المسؤول الأعلى عن شؤون العقيدة المسيحية في الفاتيكان. وكانت شهرته قد طبقت الآفاق بصفته عالما لاهوتيا من أعلى طراز، ولكن المجددين خشوا من نزعته المحافظة، بل اتهمه البعض بأنه يريد أن يعيد محاكم التفتيش إلى سابق عهدها! والواقع أنه فصل الكثير من الأساتذة المجددين من مناصبهم الجامعية بعد أن اتهمهم بالانحراف عن نهج العقيدة القويمة المستقيمة (أي ما يدعى في المصطلح اللاهوتي بالأرثوذكسية العقائدية). ولذلك أصبح الكثيرون يخشونه ويهابونه ويكرهونه في الوقت ذاته. ولكن لم يكن أحد يشك في أهميته كفيلسوف وكعالم لاهوت لا يشق له غبار. والواقع أن سبب تشدده يعود إلى خوفه من الحضارة الحديثة التي أغرقت في الماديات والشهوات، ومعه الحق في ذلك من هذه الناحية. انظروا التطبيل والتزمير لزواج الشواذ في أوروبا، واعتبار ذلك قمة الحضارة والرقي والتقدم! بل ليس حقهم في الزواج فقط، وإنما في تبني الأطفال. وهكذا يصبح الطفل عائشا بين رجلين بدلا من أن يعيش بشكل طبيعي بين رجل وامرأة، أو أم وأب. ولذا فهو يحاول أن يقنع الأوروبيين بالعودة إلى القيم الدينية والروحية وعدم اختزال الحياة في مجرد متع حسية وشهوات لا تشبع ولا تنتهي. باختصار فإنه يريد أن يعيد الشعوب الأوروبية إلى المسيحية بعد أن خرجت منها أو تخلت عنها على أثر فويرباخ وماركس ونيتشه وفرويد وعموم الثورات الفكرية والسياسية الحديثة. فهل سينجح في ذلك يا ترى؟ الأمر مشكوك فيه؛ نظرا إلى انغماس الأوروبيين في حياة الحداثة وعدم رغبتهم في العودة إلى الدين من جديد. ولكن لا أحد يعلم ما الذي سيحدث في مستقبل الأيام، فربما شبعت البشرية الأوروبية من الشهوات المادية وعادت إلى الروحانيات من جديد.

    0 0

    الطعم الأول لجذبي لعالم الكتب الواسع الأرجاء هو عندما انتقلت وأنا طفلة صغيرة مع أهلي من مدينة البصرة المتعددة الطوائف والأديان والقوميات، إلى ناحية الزبير القريبة، المحافظة المتوجهة شبابيك بيوتها لداخل صحن الدار، حيث الصمت والعزلة. اضطررت أن أصنع لي، للقضاء على السأم، من خرق القماش شخصيات أتسامر معها فأتسلى. هذه هي الأم الحنون، وذاك الأب الصارم، وتلك الابنة المؤدبة. دخلت المدرسة الابتدائية بالزبير، وفيها تعلمت حروف الهجاء. في الثالث الابتدائي عثرت على مخزن للقرطاسية أثناء عودتي للبيت، فوجدت كنزا لا أنساه، فيه كتب جيب في سلسلة للأطفال مؤلفها كامل الكيلاني، عددها ما يقارب الستين. كانت البداية لتعلقي بالكتاب حتى الآن. ساعدني بعد ذلك والدي وأخي الكبير نجيب، وكلاهما مبتليان بنفس الحماس للكتب، الأول يطالع كتب التراث باستمرار... والثاني منهمك في جمع كتب من ثقافتنا العربية المعاصرة، قبل أن يلتفت إلى الإنجليزية والفرنسية. أثناء عودتنا للبصرة وانضمامي لثانوية البصرة للبنات، أذكر أول كتاب أعطاني إياه شقيقي للقراءة في سن الثالثة عشرة، كتاب «آلام فرتر» لغوته، ويعتبر بطله أحد أهم الشخصيات الرومانتيكية في الأدب العالمي الحديث، ثم أردفه بكتاب آخر لتوماس هاردي هو روايته «تيس سليلة دربرفيل»، فكانا مرشدين ومعلمين لي من دون ضجة. أثناء ذلك تيسر لي أن أقرأ كتاب «الأم» لمكسيم غوركي، ثم أشعار ناظم حكمت التركي، بالإضافة إلى جو شعراء البصرة المفعم بأفكار ومبادئ القرن العشرين، في ضرورة المساواة بين البشر ورفع الحيف عن المسحوقين والمنبوذين، وأخص بالذكر منهم الشاعر بدر شاكر السياب، آنذاك. كان قريبا من أخي والأخير واسطة لنا لنقل أخباره ونوادره، ومن ثم جلب ديوانه «أساطير» الذي تحدث فيه عن حبه لامرأة مختلفة عنه دينا، لتكون بداية تفتح فكرة أن الحب لا دين له، كما ظهر بوضوح في الديوان ومن عنوانه. لم أكن أعرف الإنجليزية آنذاك، لكن لدي كتابي المفضلين باللغة العربية، من أمثال توفيق الحكيم والمازني وطه حسين، ويحيى حقي ويوسف إدريس بعد ذلك. عندما كانت مصر رئة واسعة لأبناء العربية جميعا تجود بالهواء النقي ليستنشق بما يؤنسهم ويفيدهم. ثم ظهر غسان كنفاني وسميرة عزام وإميل حبيبي وأمين معلوف، وغيرهم من أدباء فلسطين وسوريا ولبنان وبقية البلاد العربية كلها، تبعا لوصول إنتاجاتهم للعراق. بعد وصولي لندن سنة 1965 انخرطت بالبحث عن وسيلة لتسليتي، فاستعنت بالقاموس لفك اللغة الإنجليزية وأنا خرساء. عانيت ما عانيت لكي أفك مغاليقها، وكلما تعلمتها أكثر ازددت رغبة في فك طلاسمها. أول كتاب قرأته بالإنجليزية كتاب «الغريب» لكامو، ثم «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، ثم تجاوزتهما لكتب أخرى حين شرعت بمطالعة رواية الفرنسي بروست، وهي «البحث عن الزمن الضائع» بالإنجليزية. استغرقت قراءتها أربع سنوات، وبقيت مصرة على إتمامها. جذبتني بعدها رواية الكاتب اليوغوسلافي إيفان أندريتش بعنوان «جسر على نهر درينا»، التي فازت بجائزة نوبل للآداب في نهاية الأربعينات، وقد تنبأت بما سيحصل في يوغوسلافيا بعد وفاة تيتو، وانقسام البلد في نزاع الصرب والبوسنة والهرسك. تمتعت بكتابات روائيات من أمثال جورج إليوت وشارلوت وإميلي برونتي وجين أوستن وفرجينيا وولف وكوليت، ويجب ألا أنسى روائية مغمورة فذة ظهرت في الثلاثينات ثم اختفت أثناء الحرب العالمية الثانية ونسيت تماما في الأوساط الأدبية، اسمها جين ريس، أسلوبها قريب من أسلوب جيمس جويس في رواية «يوليسيس» من حيث استعماله لتيار الوعي والسخرية. وقد سمعت بها عندما تم اكتشافها في السبعينات. * روائية عراقية وكاتبة قصة قصيرة. من رواياتها: «السابقون واللاحقون»، و«حبل السرة»، و«القامعون» و«شوفوني... شوفوني»، و«من لا يعرف ماذا يريد»، دار المدى، دمشق، 2010. ومن قصصها القصيرة: «الغناء» و«الروح وغيرها».

    0 0

    ليس العرب وحدهم من يترجمون آداب الحضارات والشعوب الأخرى بكثير من التأخر. فهذا الكتاب، الذي ترجم أخيرا من الإيطالية إلى الفرنسية، دليل على أن الفرنسيين أيضا يفعلون ذلك، ربما بشيء من الكبرياء «بضاعتنا ردت إلينا!»، أو بنوع من الكسل. الأسباب كثيرة، ولكن هذا حرم القارئ الفرنسي والفرنكفوني من معرفة كثير من الأفكار التي كانت تعبر عنها الروائية الفرنسية الكبيرة، التي استطاعت روايتها «العشيق» إغواء أكثر من مليونين من عشاق أدبها. ويمنحنا هذا الكتاب الذي ترجمه الصحافي والناقد الأدبي روني دي سيكاتي، متعة التعرف على جوانب من شخصية الكاتبة الفرنسية الكبيرة، وعلى أصدقائها (من بينهم جورج باتاي، موريس بلانشو، جيل مارتيني إدغار موران، وإليو فيتوريني وغيرهم) وعلى الكتاب العزيزين على قلبها، وأيضا على مواضيع كثيرة أخرى (طفولة الكاتبة وسنواتها الباريسية والنقد الأدبي والسينما والمسرح وغيرها). نحن أمام امرأة متناقضة ومتحولة ولا تجد حرجا في ذلك. لقد آمنت الكاتبة: «بأليندي، نعم، وبثورة 1917 وبربيع براغ، وبالفترات الأولى من كوبا، وبتشي غيفارا». وانتسبت للحزب الشيوعي الفرنسي، ولكنها على الرغم من عضويتها في الحزب، تقول: «حين كنت أكتب كنت أنسى كل آيديولوجيا، وكل ذاكرة ثقافية. (...) أعتقد أننا لا نكتب من أجل توجيه رسائل إلى القراء، بل نفعل ذلك بالنظر إلى أنفسنا، من خلال إحداث قطيعة مع الأساليب التي سبقتنا، ومن خلال إعادة ابتكارها، كل مرة.». وتقول منتقدة غياب الحرية لدى الكتاب الحزبيين وعلى رأسهم الشاعر الفرنسي الكبير لويس أراغون: «هل تعرفين كاتبا حزبيا فعل ما فعلته؟ لا تحدثيني عن سريالية أراغون. كان يكتب جيدا. نقطة نهاية. لكنه لم يغير شيئا. لقد ظل ممثلا وفيا للحزب (الشيوعي)، يعرف كيف يفتن بالكلمات». وقد ارتبطت الكاتبة بصداقة عميقة مع الرئيس الفرنسي الراحل ميتران. وتعود صداقتهما إلى ما قبل وصول متيران إلى الإليزيه، وتعترف بأنه من الأشخاص النادرين الذين كانت تحرص على إرسال كتبها الجديدة إليه. وتقارن بينه وبين الرئيس شيراك: «أحدهما (ميتران) متفتح وجاهز لاستقبال التغيرات والحوار، أما الآخر (شيراك) فهو غارق في لغة متجاوزة، ويدافع عن أمة أنانية وعن مجتمع منغلق، بشكل حصري، على نفسه وعلى الخوف من كل ما يأتي من الخارج. سواء تعلق الأمر بمثقفين أم بيهود أو عرب أو صينيين أو أرجنتينيين أو فلسطينيين». تتطرق المؤلفة إلى الكتابة فتقول: «إن الكتابة ليست سرد قصة، ولكنها تناول ما يحيط بها، وخلق لحظة بعد أخرى من حول القصة. التطرق إلى كل ما يوجد ولكن أيضا التطرق إلى الذي يمكنه أن لا يكون أيضا، أو يمكن أن يكون قابلا للاستبدال، مثل أحداث الحياة. القصة ولا حقيقتها، أو غيابها». وتضيف واصفة شعورها: «حين أكون على وشك الكتابة، أحس باجتياح الكتابة أكثر مما أحس بها حين أكون في ذروتها. ما بين الرغبة والمتعة يوجد الفرق نفسه الذي يوجد بين الفوضى البدائية للمكتوب (الكلي والعصي على القراءة)، والنتيجة النهائية التي تسترخي وتستنير على الصفحة. الفوضى توجد في الرغبة. وأما المتعة فليست سوى هذا الجزء الصغير جدا مما استطعنا الوصول إليه. أما الباقي، أي ضخامة ما نرغب فيه، فهو يبقى هنا، ضائعا إلى الأبد». والأكيد أن الكاتبة لو كانت حاضرة في أيامنا، هذه، التي شهدت فيها فرنسا اعترافا رسميا وبرلمانيا بزواج المثليين، لقاومت هذا النزوع (وكانت تنفر من كتاباتهم). وترى أن هذا النزوع يفقد «هذا البعد الأسطوري والكوني الذي لا ينتمي إلا لجنسين متقابلين (المرأة والرجل)». وتضيف: «لهذا السبب لا يمكني اعتبار رولان بارث كاتبا كبيرا، إذ كان يوجد شيء ما يعيقه بشكل دائم، كما لو أنه كانت تنقصه التجربة الأقدم في الحياة. معرفة المرأة»، وسبق لها أن لذعته في مكان سابق من المحاورة: «انظري إلى ما كتبه رولان بارث عن الحب. مقاطع فاتنة وبالغة الدقة وذكية وأدبية ولكنها باردة». وقد نال فيليب سوليرز حظه من النقد: «أما سوليرز فهو محدود جدا. إن شخصا يبذل قصارى جهوده من أجل جلب الجمهور العريض إليه ومن أجل التحدث عن نفسه، من خلال فضح البورجوازية عبر مواضيع لم تعد تصدم، في الحقيقة، أحدا، لا يمكن أن تكون لديه ثقة كبيرة في نفسه». ولا تترك دوراس الروائي آلان روب غريييه، صديقها وزميلها في الرواية الجديدة، من دون أن تسلط عليه بعضا من رشقاتها: «إنه لامع جدا ومتحمس.. أتذكر إنه مرة اتهمني، من دون رغبة في الأذى، بأنني أكرر نفسي، كما لو أن الإلحاح على تناول بعض المواضيع، من كتاب لآخر، يعني، بالضرورة، الافتقار إلى التخييل. إن كل نص جديد أكتبه يحل محل القديم، يوسعه ويغيره». والحقيقة أنه لا يمكن الإشارة إلى كل الفوائد والدرر التي يتضمنها الكتاب، ولعل منها إشارات بيوغرافية صريحة (من نوع علاقتها مع والدتها، ومع أخويها ومع عشاقها الكثيرين) تمكن من معرفة أفضل بنصوص المؤلفة، التي استطاعت أن تقدم خدمة كبيرة للرواية والأدب الفرنسيين. وروايتها «العشيق» (وقد فازت بجائزة الغونكور سنة 1984، بعد أن كادت تخطف الجائزة ذاتها سنة 1950، عن روايتها «سد في مواجهة المحيط الهادئ»، وهي السنة ذاتها التي طردت فيها من الحزب الشيوعي الفرنسي)، ترجمت إلى أكثر من 20 لغة أجنبية، واقتبس منها فيلم سينمائي عرف نجاحا كبيرا. وليس لنا بدّ من التنويه، ونحن بصدد هذا الكتاب الذي يحيط بكثير من جوانب حياة دوراس، بنضالها الصريح من أجل استقلال الجزائر، وبكونها من موقعي «بيان 121» الداعم للثورة الجزائرية. أسلوب دوراس سهل ممتنع (وهو ما جعل كتبها وخصوصا «العشيق» تتحول إلى رواية شعبية، فعلا) ويبتعد عن الحذلقة والتصنع، وتطلق عليه الكاتبة مصطلح «الكتابة المألوفة»، وتعرفها بأنها: «كتابة شبه شاردة ليست في عجلة من أمرها من أجل التقاط الأشياء، بل من أجل أن تقولها. أتحدث عن قمة الكلمات، عن كتابة تعدو على القمة، من أجل أن تسرع وكي لا تضيع». يحتاج هذا الكتاب، بالتأكيد، لمن ينقله إلى لغة الضاد!

    0 0

    خصصت سلسلة «أيام مصرية»، التي تهتم بتقديم صفحات من التاريخ المصري والعربي، عددها الأخير لتوثيق لحظات فارقة في حياة الشعوب العربية من خلال صحافتها وبعض الوثائق النادرة التي تعود لحقب زمنية مختلفة من القرن العشرين. وبحسب أحمد كمالي، المشرف العام على تحرير السلسلة: «يأتي العدد الجديد من السلسلة الذي يحمل رقم (47) من إصداراتها الوثائقية، ليؤكد على الدور المهم الذي لعبته الصحافة في قيادة الحركات الوطنية عبر سنوات صعبة هدفت فيها الدول العربية إلى التحرر والاستقلال من الاحتلال الأجنبي، وذلك من خلال الوثائق والصور التي تبرز هذا الدور، واستعراض لحظات من المجد العربي وتنمية الشعور بأهمية نشر ثقافة العروبة، كون عالمنا العربي يعيش اليوم لحظات قاسية تكاد تحيط ببنياته وشعوبه وتضرب بقوة آماله وأحلامه». وفي إطار ذلك الهدف؛ يحمل العدد ملفا بعنوان «صحافة العرب.. زمان»، يبرز بعض الصفحات الأولى ومانشيتات صحف صدرت بعدة دول، أبرزها عدد جريدة «صوت العرب» السورية الصادر يوم الاثنين 3 فبراير (شباط) عام 1958 والذي يحمل خبر إعلان الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا. ومن الملفات الأخرى التي نشرت في العدد المذكور توثيق بالصور لزيارة الملك فاروق للمملكة العربية السعودية عام 1945، وإهداء الملك عبد العزيز آل سعود له خنجرا وسيفا مرصعين بالحجارة الكريمة، وأيضا إهداء الملك فاروق العاهل السعودي سيارة كاديلاك. ويحمل غلاف العدد صورة للملك فاروق بالملابس العربية وقت الزيارة، إلى جانب صور أخرى يحملها الملف عن استقبال الملك عبد العزيز ضيفه ومرافقيه في الخيمة التي أعدت لهم خصيصا. وفي ملف شبيه، جاء تناول العدد لزيارة ملك ليبيا إدريس السنوسي لمصر عام 1952 بعد الثورة المصرية، وكيف وصل لمصر بالقطار، وزيارته للواء محمد نجيب قائد عام الجيش آنذاك في منزله. ونشرت «أيام مصرية» أيضا مقالا صحافيا يعود لعام 1934 بعنوان (الإمبراطورية العربية.. وهل آن أن تتحقق؟) كتبه عبد الرحمن عزام (الذي شغل لعدة سنوات موقع الأمين العام الأول لجامعة الدول العربية). ملف آخر يحمله العدد عن كتاب الرحلة الحجازية الصادر عام 1910 يتناول توثيقا بالصور لرحلة الحج التي قام بها حاكم مصر الخديوي عباس حلمي الثاني للأراضي الحجازية لأداء فريضة الحج. ويفرد العدد صفحات أخرى لملف مصور بعنوان «من ألبوم الرئيس جمال عبد الناصر»، يتضمن صورا لزيارات الرئيس المصري الراحل لعدد من الدول العربية في فترة الخمسينات. وبحسب مشرف السلسلة يأتي إصدار هذا العدد التذكاري بمناسبة «معرض نوادر الصحافة العربية»، الذي احتضنته القاهرة مؤخرا ونظمته مكتبة الإسكندرية، والذي أتاح فرصة للمواطن العربي ليشاهد للمرة الأولى نسخا أصلية من صحف عربية تخص 14 دولة ويعود تاريخ بعضها للنصف الأول من القرن العشرين. و«أيام مصرية» هي سلسلة تاريخية مصورة، تصدر بالقاهرة منذ عام 1995، هدفها تقديم صفحات من التاريخ المصري موثقة بالصور والوثائق.

    0 0

    يطرح الدكتور جورج قرم في مقدمة كتابه «حكم العالم الجديد» سؤالا أساسيا ليستفيض في دراسة معمقة ‏للإجابة عن جوانب المسألة كافة. هل العولمة حتمية؟ هو، أولا، يرى أن الحديث عن ‏عولمة الاقتصاد والمجتمعات وصيرورتها نحو «الإجمالية»، بمعنى دمج الاقتصاديات ‏الوطنية في الاقتصاد العالمي الإجمالي عبر تحرير الأسواق، بات مألوفا منذ الثمانينيات من ‏القرن الماضي، وبتنا نرتوي بتفاهات رتيبة همّها الحديث عن متطلبات العولمة وضرورة ‏التأقلم معها. حتى إن ثمة دليلا تقنيا معتمدا في تقويم درجة اقتصاد ما بالعولمة أعدته ‏منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يستند إليه في تصنيف البلدان وفقا لدرجة شمول ‏العولمة لاقتصادياتها. قلما يطرح في هذه الأوساط التساؤل حول ما تمت عولمته: هل هي أصناف جديدة من ‏العطور، أو مواد التنظيف، أو حفاضات الأطفال، أو السيارات، أو أصناف من ‏الأطعمة المجلدة يتناولها المرء ويستمتع بها من دون معاناة في تحضيرها؟ أم هي ‏المعرفة والتقنية اللتان تسمحان لكل المجتمعات بالمضي قدما والارتقاء بنحو أسرع ‏على درب الرفاه والازدهار؟. كيف يتم جعل السلع المادية أو غير المادية معولمة؟ ‏وبأي عصا سحرية، وبفضل أي جبابرة يقبضون بقوتهم الخارقة على العالم بأسره؟. ‏وكيف السبيل إلى الحد من سلطاتهم الهائلة وإعادة شيء من الرشد والفلسفة الأخلاقية ‏إلى النظام الاقتصادي المعولم بحيث نستطيع تحقيق التصحيح الفعال لانحرافات هذا ‏النظام ومظالمه الأكثر ضررا؟ يرى المؤلف أن كل تأمل نقدي في وسائل الحد من مساوئ العولمة المتحققة لتفكيك ‏آلياتها الأكثر ضررا، سيتوقف على مدى ملاءمة التحليلات التي تستثيرها مساعي ‏توفير الأجوبة عن تلك الأجوبة. لقد كان بالإمكان تعليق الآمال على أن تؤدي الأزمة ‏المالية والاقتصادية التي هزّت العالم منذ عام 2008 إلى إطلاق إصلاحات واسعة ‏تحت ضغط مضاعفة الحركات الاحتجاجية، لكن شيئا من هذا القبيل لم يحصل لأن ‏متخذي القرار وصنّاع الرأي لم يبرحوا يتباهون بحسناتها، كخلق «آليات سوق» جديدة ‏بلا انقطاع، وما توفره من الربح السريع والمضاربات المالية. المستغرب، كما يرى الكاتب، أن هناك انعداما لفعالية الاحتجاجات، بخاصة إذا أخذنا ‏في الاعتبار ما برهنت عليه الحركات الباحثة عن عولمة بديلة من حيوية على الرغم ‏من أن الأزمة الراهنة كشفت النقاب عن أكثر ما في الإجمالية الاقتصادية من وجوه ‏تصدم الضمير، ثم إن الأزمة نفسها، تماما على غرار أزمة عام 1929 من القرن ‏الماضي، تجعلنا نتحسس اللامعقولية التي تتميّز بها عولمة من نوع معيّن. إن مواصلة إطلاق العنان لاستهلاك يشمل سلعا عبثية الطابع لا حاجة فعلية لها في ‏الحياة إلا التباهي باقتنائها، ولـ«ابتكارات» مالية أكثر فتكا جرى تطويرها من قبل ‏علماء أفذاذ في الرياضيات ممن وظفتهم المصارف المتخصصة في الاستثمارات لتزيد «سُميّة» المنتجات وعدواها، وتروج لها، كل ذلك ليس سوى رأس جبل الجليد لعملية ‏تفكيك المجتمعات، وانهيار تماسك فضاءاتها الاجتماعية والاقتصادية والمالية. يرى المؤلف أنه بعيدا عن أي اعتبار أخلاقي ومعنوي متصل بالعدالة في توزيع ‏المداخيل، فإنه من المناسب معاينة انهيار التناغم والتماسك في الفضاءات الاقتصادية ‏التي تضم المجتمعات المتنوعة الآهلة بالكوكب. وليس هذا الانهيار في تماسك ‏الفضاءات الاجتماعية الاقتصادية ظاهرة جديدة، بل هو ثمرة تفكك مزمنة لبنى ‏المجتمعات، عملية بدأت مع فتح الأميريكتين وواصلها الاستعمار الأوروبي لأفريقيا ‏ومناطق شاسعة من آسيا وأستراليا. في أعقاب العصر الاستعماري، ضاعفت الليبرالية الجديدة الظافرة من حجم هذه الحركة ‏التفكيكية للبنى، عن طريق نزع الحمايات التي كانت لا تزال تضبط إلى حد ما ‏تبادلات السلع والخدمات، وحركات الرساميل، وحركة الأفراد. وضمن هذا التيار الذي ‏يبدو عصيا على الاحتواء، يتم تفكيك بنى المجتمعات وتفتيت الأسر بواسطة حركات ‏هجرة واسعة المدى، ويجري انتزاع تدريجي لصلاحيات أجهزة الدولة الضامنة للفضاء ‏الاقتصادي للمجتمعات، أو يجري إخضاع تلك الأجهزة في غالب الأحيان للمصالح ‏الخاصة العائدة للمجموعات المستفيدة من العولمة وما تمارسه على قطاعات عريضة ‏من الرأي العالمي من تأثير آيديولوجي ذي طابع ديني شبه كامل. وهذا يواصل تعميم ‏العولمة اليوم، ما صنعته القرون السالفة من أعمال في تفكيك البنى الاجتماعية. وهذا ‏في نظر بعضهم هو موضع الإعجاب والتملّق، أمّا في نظر البعض الآخر فهو ‏مثار كره ومقاومة. يرصد المؤلف جملة التحليلات والوصفات والنظريات والكتب التي صدرت خلال ‏السنوات الأخيرة لوصف ونقد أضرار العولمة الاقتصادية، ويعدد الكثير من هذه ‏المؤلفات التي لا مسايرة فيها ليخلص إلى أن البعض قد استوحى المذهب الماركسي ‏لمناهضة العولمة ومنددا تنديدا شديدا بالنظام الرأسمالي وبسياسات الغرب للسيطرة على ‏العالم. بينما ركز البعض الآخر على العبث بموارد الكوكب وعلى آثار النزعة ‏الاستهلاكية على العلاقات الاجتماعية و«جعل كل ما في العالم سلعة»، أو على ‏سيطرة وسائل الإعلام على الأذهان. وأخيرا فقد انتفض بعض المؤلفين من أصحاب ‏الجرأة الذين انتسبوا سابقا إلى النخبة الاقتصادية المسيطرة في وجه ما رأوه داخل ‏النظام بالذات فنددوا به تنديدا شديدا مقترحين إجراء إصلاحات جوهرية قبل أن تنفجر ‏الأزمة بالذات، وذلك بغية أن تكون للعولمة آثار إيجابية وليس آثارا مفككة فحسب. لا يحاول المؤلف استعادة تلك التحليلات، إنما يسعى إلى سبر العوامل الثقافية ‏والاجتماعية والسياسية والاقتصادية الكثيرة التي منحت حركة العولمة تلك القوة منذ ‏نصف قرن. إن هذه الحركة تبدو اليوم غير قابلة للكبح، لا سيما أنها أصبحت تمسّ ‏الكثير من البلدان الواقعة خارج النطاق الغربي، من قبيل تلك البلدان المسماة «ناشئة» ‏أو «صاعدة» في جنوب شرقي آسيا، أو مجموعة كبيرة تقريبا من البلدان العملاقة الحجم ‏بعدد سكانها كالصين والهند والبرازيل. من ناحية أخرى تبدو العولمة مندرجة بعيدا ‏ضمن المنطق الحتمي للأمور إلى حد يجب معه عدم الاستغراب من أن الأزمة ‏الاقتصادية لم تستطع منذ 2008 شيئا سوى إثارة مقترحات إصلاحية جزئية جدا ركزت ‏بصورة أساسية على تحكم أفضل بالنظم المصرفية المعولمة. أما في الأوساط السياسية والأكاديمية، فلم يلاحظ المرء، عمليا، أي اتهام حقيقي ‏لطبيعة العولمة وما اتخذته من أشكال، بل على العكس من ذلك جرت معالجة الأزمة، ‏حصريا تقريبا، باعتبارها مشكلة تقنيات مصرفية ومالية ينبغي إصلاحها، أو ضبطها ‏في أفضل الأحوال. فالحاضن الوحيد للمواجهة كان مؤتمر البيئة العالمي المنعقد ‏بالدنمارك في ديسمبر (كانون الأول) سنة 2009 الذي اختتم بجلسة سادتها ممارسات ‏تتصف بالفظاظة وقلة لياقة غير مألوفة.. وفيما عدا ذلك، فإن إجراء أي تعيين أو ‏تحليل للأسباب الأولى التي أدت إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية المتعاقبة، ‏وخصوصا تدهور بيئة العالم المادية والإنسانية، يؤكد أن التفكير لا يزال، إلى حد ‏بعيد، أسيرا لتنديدات متكررة رتيبة بأضرار النظام الرأسمالي والنيوليبرالي الذي أرسته ‏حقبة مارغريت ثاتشر في المملكة المتحدة، ورونالد ريغان في الولايات المتحدة ‏الأميركية. وذلك أن هذين القائدين هما اللذان دفعا آليات تحرير الأسواق إلى أقصى ‏مدى، ودشنا استقالة الدولة من دورها في الرقابة والضبط. وبالمقابل، لم تتردد بعض ‏المؤلفات ذات المحتوى الصائب في تركيز هجماتها باتجاه عالم المال في البورصات، ‏والخداع الذي تمارسه النماذج الرياضية التي غزت العالم المالي، والإيمان الساذج ‏بعصمة تلك النماذج. فهل من العبث إذن محاولة التفكير في إمكانية أن نضع قيد ‏العمل، آليات من شأنها كبح العولمة والسماح التدريجي بإعادة تنظيم فضاءات ‏اجتماعية اقتصادية تضمن مزيدا من التماسك والاستقرار لمختلف المجتمعات التي ‏تسببت فيها الكوارث والتغييرات السريعة والعنيفة الناجمة عن موجة عولمة الأسواق ‏وتحريرها في جميع أنحاء العالم؟ إن الأمر ملح مع أن غلاة أنصار العولمة ‏والمستسلمين لنظامها يعتبرون أنه لا جدوى من ذلك. يرسم المؤلف بالخطوط الدقيقة خريطة الحجج وما يعاكسها في إطار النقاشات الحامية ‏الوطيس الدائرة اليوم بين أنصار العولمة وأنصار العولمة البديلة. ويحصر المسائل ‏المركزية التي تقوم عليها تلك النقاشات، وذلك عن طريق تعيين الافتراضات الفلسفية ‏التي تحركها. فالمسألة تتعلق بخلافات فلسفية قديمة مزقت تاريخ أوروبا، حتى إنها ‏شكلت عوامل حرب مخيفة، سواء أكان داخل المجتمعات الأوروبية أم فيما بين هذه ‏المجتمعات ذاتها. لقد عانى الفكر الانتقادي من فقدان الثقة بسبب إخفاقات اشتراكية «الاتحاد السوفياتي» ‏وانهياره. أمّا النماذج البديلة التي مثلتها الصين وفيتنام وكوبا فإنها لم تشكل نماذج ‏تكفي جاذبيتها لتشكل مصدر إلهام للمدارس الفكرية التي تكونت لاحقا وكانت تنادي ‏بالعولمة البديلة، في وقت طوى فيه النسيان الفكر النقدي الذي كان في فترة سابقة موضع ‏تقدير بالغ في عالم الديمقراطيات الليبرالية، حين كانت المواجهة بين نظامين فلسفيين ‏واقتصاديين متناقضين من أجل السيطرة على العالم. لقد مهدت هذه الفترة للفترة التالية، ‏إذ إن انهيار أحد النظامين أتاح للآخر أن يجني لنفسه كل ما زُرع من قبل، ويستكمل ‏بسرعة مهمة «بسط العولمة» التي بدأت عام 1492 مع وصول كريستوفر كولومبوس ‏إلى أميركا. لقد أدى انتصار النظام الليبرالي والرأسمالي على النظام التوجيهي المتسلط المتذرع ‏ببناء الاشتراكية إلى رضا ذاتي وقناعة عامين حقا، لا نزال تحت تأثيرهما على الرغم ‏من سلسلة من أدبيات انتقادية للعولمة تميزت في أغلب الأحيان بمستوى رفيع، ولم ‏تبرح النخبة الحاكمة للعالم تتجاهلها. وفي هذا السياق الجديد، يُنظر إلى جميع الذين يريدون ممارسة الفكر الانتقادي على ‏أنهم مفكرون كئيبون وساخطون أبديون، لا تعيرهم وسائل الإعلام أي اهتمام، بينما ‏تأقلم التعليم والإعداد الجامعيان، والأبحاث الأكاديمية بصورة سريعة مع امتثالية الفكر ‏الجديدة. وقد شهد تعليم العلوم الإنسانية والاجتماعية انقلابا شاملا، وبخاصة تعليم ‏الاقتصاد، بالترافق مع ظهور كثرة من المدارس والمعاهد للتجارة وإدارة الأعمال. هكذا ‏تكون جيش من الشباب العاملين في سبيل «الإجمالية الاقتصادية» تحت سقف ‏إيديولوجيا نيوليبرالية ظافرة، عديمة الثقافة تنتج يقينيات متزمتة. فعمَّ العزوف عن ‏التفكير في مستقبل مغاير أو في حلول مبتكرة للمشكلات المجتمعية الكبرى، وأصبح ‏أوسع أفق للنقاش هو في مشكلات البيئة والاحتباس الحراري، ثم يقفل النقاش على كل ‏ما تبقى من قضايا بذريعة وجود نظام ليبرالي وديمقراطي أثبت تفوقه على سواه، فلماذا ‏البحث، إذن، عن مشكلة لا وجود لها والمحافظة على أوهام فتاكة إلى ما لا نهاية؟ ‏فوفقا لوجهة نظر النيوليبراليين المتعصبة، تكون أي عودة إلى جعل الدولة محركا ‏للتغيير مجددا، سبيلا يشرع الباب حتما أمام شبح النظام الشمولي. تحت عنوان «تعاليم تجربة مكتسبة، على هامش السلطة المعولمة» يستعيد المؤلف ‏بعض التحليلات التي كتبها منذ عقدين لفضح ما كان قد بدأ يظهر في فترة بسط فيها ‏الاقتصاد النيوليبرالي الظافر هيمنته المتعاظمة على النظام الاقتصادي العالمي. ‏ومحاضرته الشهيرة في معهد دراسات التنمية الجامعي عام 1996 التي بين فيها ‏أهمية إنشاء الآليات المولدة لأشكال مختلفة من الإثراء ذي الطابع الريعي التي ليس ‏لها أي علاقة بالتقدم المنجز في الاقتصاد الحقيقي، والتي رثى فيها «المعاني الضائعة» ‏للاقتصاد السياسي بفعل اجتياح النماذج الرياضية لجميع فروع المعرفة الاقتصادية. ‏وتجربته كوزير مالية في لبنان 1998-2000. كما يفرد فصلا يتحدث فيه عن التحول ‏المخيف لنظم تعليم الاقتصاد تحت عنوان «الاقتصاد: سياسي أم علمي؟». كتاب علمي لا يقبل الاختزال، فلكل كلمة موقعها، وكل فكرة تتماسك بسابقتها ولاحقتها ‏وتطالب بإعادة التفكير فيها من جديد وإعادة التشكيل كي تكون الحاضنة لعالم جديد. ‏

    0 0

    للذاكرة صوت، يتسلل أحيانا ليجس لحظتي الساكنة، وليستنفر ما فيها من سنوات ركضت طويلا في سوح القراءات وعوالم الكتب بحثا عن حقيقة هاربة دوما.. صوت الذاكرة صوت غامر، لأنه عميق، ولأنه ينفر أحيانا مثل طفل مسكون بلذة تكسير ألعابه المنزلية. لا يمكنني إلا أن أنصت إليه لأستعيد من خلاله صورا عابرة ولذات ظلت عالقة بسنواتي الغضة. ملامح الصور تتسلل مع الصوت، تدغدغني بالكثير من الشغف، وكأني فعلا أبحث عن لحظة حب مكسورة، أو إحساس بالحرية لم يجلب لي سوى المزيد من القلق.. تعلقت بهذه الصور وكأنها صور لأبطال منقذين، مثلما انشددت إلى صور لنساء ساحرات يخرجن من الكتب، وهن يتركن دفقا من عطورهن الباذخة عند حافات العمر. ما تركه جبران خليل جبران من صوت، كان عميق الغور في نفسي، أستعيده كلما أحسست بزحمة العالم الذي يركض بها كالعدائين، أو يضعني عند صخب فاجع.. كتاب «الأجنحة المتكسرة» كان ورطتي الأولى في تلمس كشوفات القصة المتخيلة، التي يختلط فيها الشعر بالحلم، وكشوفات أن أدرك أن العالم من حولي يحرضني على الهروب من يومياتي الكئيبة، لأكتشف عالما مغايرا، عالما مسكونا بحب صوفي يمكنه النفاذ إلى الروح، ويبيح لي أن أتخيل سحره، وأن أذهب بعيدا مع سوانحه بحثا عن الجمال والمعرفة. ما زلت أستعيد الكتاب وكأنه صورة غائمة للذة الساحرة، اللذة التي قادتني منذ الطفولة لاكتشاف جغرافيا اللغة بوصفها فنا جماليا وبناء تشكيليا، اللغة التي ظلت تصنع لي عالما لا أجده في الواقع، لكنه يمثل لي جرعة الاطمئنان التي لم أزل أعيش توهجاتها وبهاءها. أتذكر ليلة قراءته، وكأنها لصق لحظتي الآن، إذ كان اليوم التالي موعدا للامتحان النهائي في المرحلة الابتدائية، وكنت أجد نفسي مأخوذا بقلق غريب بين أن أقرأ كتاب الرياضيات، أو كتاب «الأجنحة المتكسرة» الذي اشتراه عمي من المكتبة وتركه على الطاولة. أخذني القلق الساحر إلى خيار أن أطير مع الأجنحة، حتى لو كانت مكسورة، وبالفعل سهرت للساعة الثالثة صباحا لأنهي قراءته، مع شعور بالطيران والامتلاء، والاستعداد لقراءة كتاب الرياضيات برغبة أكثر إثارة. هذا الكتاب صنع لي غواية التعاطي مع الكتاب، والانحياز إليها تماما، حتى بت أجد أكثر اطمئناناتي سعادة حين أكون في غابة الكتب، إحساس بالصيانة والوجود، وحتى بالأصوات التي تخرج من الكتب وكأنها أصوات لحيوات تخصني وتشاطرني إحساسا دافقا بالسحر والأمان، وحتى النوم عميق وسط هذه الكائنات المليئة بالحياة.. مع شعور غريب بأن احتفاظي بكتاب «الأجنحة المتكسرة» بعد كل هذه السنوات ظل يحمل معي ذلك الإحساس الطفلي بأني كنت أحد مكتشفي العالم، أو بأني العاشق الذي توهم سحر لحظات حبه مكسورا، لكنه ظل الحي الذي تغمره السعادة بوجود ذكرى من يحب. إنه كتاب للحياة، وكتاب لذاكرة ما زالت تسمح لأصوات كثيرة تبادلني يقظتها وأحلامها الدافقة.

    0 0

    كتاب الشاعر سيف الرحبي هذا («نسور لقمان الحكيم» - دار الآداب - بيروت) كتاب إصغاء إلى الذات الكاتبة بكل ما يداخلها من رؤى مصدرها الذاكرة أو الخيال، أو ينبثق عنها من أفكار تجمع بين الواقع والتاريخ، أو يحف بها من حيوات، وتمر به من مشاهد.. الحياة شاغلها.. الحياة كما يريد لها أن تُرى وتُعاش. تشط به الأمكنة، وتتراكم أمامه (وأحيانا عليه) الأزمنة، فلا يجد أمامه من مآل سوى العودة إلى الطفولة، وإن كان الشباب، الذي يحاكيه بلغة الكهولة، هو ما يبني لغة الكتابة عنده.. وهي لغة تدخل في تأليفها أحداث بدت مدلهمة، أو هي هكذا، ووقائع منفتحة على أماكن، وأشخاص شكلوا فضاء آخر للكتابة كثيرا ما نجده يعمد إلى «أسطرته» من خلال الكتابة برؤيا الشاعر، لا برؤيته، وبلغة الأسطورة القائمة على محمولات واقعية عمادها الأمكنة وأزمنة البشر.. فإذا ما مر بمدينة، أو من أخرى تقبع عند سهل جبل، وجد في هذه وتلك «أسطورة قائمة بذاتها»، محاولا أن يستعيد «مشاهد ولقطات» من أماكن أخرى يدعوها «أماكن الذاكرة»، وإن «أضحت نائية وعصية». وهنا يندغم الشعر بالرؤيا في تكوينها هذا ليكتب قائلا: «قلتُ سأطوي الجبال/ كأرض خلاء/ وارى ما وراء الأفق/ قلتُ: سأطوي الغيوم/ كأرض خلاء/ وأرى ما وراء النجوم/ قلتُ: سأطوي السماء/ كسجادة/ وأرى ما وراء السراب». الحضور والغياب يتقاسمان حدود الكتابة في نصوص الكتاب، ويشتركان في أفقها.. والحضور الأكثر كثافة هو للحلم، والحلم بحر، والأمكنة والأزمنة تغتسل «من جفاف الوقائع في مياه موج الأحلام وتدفقها اللامحدود بقرار وسقف». وأما الغياب فهو الوجع الذي يسكن الحياة منه والكلمات، ليجد «الاحتفاء بالموت»، وقد تمسكت يده بخطوات بعض من عرف فشدتها إليه.. «صار يغطي على الاحتفاء بالحياة ولحظات أنسها الزائل».. لا لشيء إلا لأنه أنقذ الغائب «من براثن الواقع والزمن»! وإذا كانت الرؤى هي ما ينسج منها حكاياته (ومشاهداته)، فإن مرجع هذه الرؤى هو الذات الكاتبة بما استشفت من تمثيلات الواقع، أو اختزنت من ذكريات التاريخ الذي نجده يستعيده بعلوّه وانخفاضه معا، مستندا إلى رواية الراوي في ما يقول وهو يرى من الخلفاء من نخرهم الضعف والتشظي، فإذا بمدينة مثل بغداد - كما ينقل الرواية عنها مؤرخها الخطيب البغدادي - تتحول، من بعد استيلاء البويهيين على سلطانها «من حاضرة العالم، بما لهذه العبارة من معاني القوة والجمال والمعرفة والنفوذ، إلى مسرح للفتن، وتتابعت على أهلها المحن، فخُرّب عمرانها وانتقل قطانها (...) إذ تسرب سلطانها الحقيقي إلى الأعاجم الذين تولوا الكثير من أمرها، فآلت إلى ما آلت إليه من تراجع حضاري وأفول».. وكأنه ينظر إليها في حاضرها وما آلت إليه اليوم من بعد احتلالها، وانصراف شؤونها إلى أيد بويهية أخرى، ليقول: إن التاريخ يعيد نفسه.. وكما أن لكم في الحاضر مأساة مركبة، فإن لكم من الماضي عظة وعبرة. وبصورة بالغة الشعرية يرسم صورا أخرى، كصورة ذلك المحارب الذي واجه الموت ولم ينجُ منه.. فتهاوى.. وراح «الطائر يحلق فوق الأكمات والهضاب، يتبعه السرب بعيونه التي تكاد تخترق حجب الغيب، باحثة، هي الأخرى، عن عين ماء، عن غدير ترتاح في راحته وتروي ظمأ الأسفار الطويلة، متقلبة بين حرها وبردها»... و«يدور السرب دورات متعاقبة، تسقط نظرة الطائر على جثة المحارب الذي قضى عطشا في هذه المسغبة التي تعشي سرابات صخورها أعين الطير والبشر..». وكثيرا ما يُعلن عن أن الأشياء تظهر له ظهور رؤيا، كظهور «الجبل الأخضر» عُماني الوجود وهو جالس في مقهى دمشقي، ليتمثله «مجرة حنين، وأحداثا وسلالات»، محاولا «تسلقه كتابا بأدوات وجسد لم يتعوّدا تسلق مثل هذه الوعورة والغموض..». وفي إطار هذه الرؤية الشعرية التي تتجاوز التعبير وما يتخذ من أساليب، إلى الرؤية التي تأخذه إلى «معالم» الأشياء وما تتحدد به وجودا، ليجعل منها «علامات» لمواقف وأحوال، و«سفرا في الكينونة» بحثا عن «الحوار» و«التواصل»، الأفكار والرؤى سبيله إلى ذلك. ويبحث مع، ومن خلال، من يجد نفسه يعرفهم (كشيخ المعرّة) عما يدعوه بـ«الجوهر الأهم»، منهيا إلى نفسه وقارئه ما انتهى إليه من «معرفة» عبر/ ومن خلال معرفته المتكونة به. فإذا كان (المعري) قد عرف العزلة فهي العزلة التي «تسكن العاصفة، عاصفة المعرفة والكرامة». أما ما عرف من «تزاحم الأضداد» فإنه يجد في طلب المزيد منها «إيغالا في تعب الحياة لا تلبث أن ترتطم بوجه الحقيقة الوحيدة»، والذي يلوح له وجها كالحا، وإن كان سيسلمه إلى الشعر: فمن «التأمل الفكري» إلى «التأمل الشعري» إلى الليل الذي هو مدركه، والذي يجده حنونا «أحن من سلفه بكثير، ذلك أن الطفولة الغضة فيه لوحت بيدها الغضة/ من النافذة، وواصلت الرحيل». وفي إطار هذه الرؤية/ التمثّل يجمع بين صورتين: صورة الحبيبة، وصورة الطبيعة. فإذا ما لاحت له من النافذة الحبيبة بصورتها «المضيئة/ معلقة على جدران قلبي المهدم/ لكنه العامر بالجمال/ بسبب هذه الابتسامة التي ترسلها في الفضاء المكفهر/ فيستحيل مروجا وارفة..»، ليجد أن «خيال الحرية» الذي «يسكن الليل والعاصفة» هو ما يتمثل فيه/ ويمثل له «هيبة العلو والحياة». أما من خلال الطبيعة (التي تتناغم عنده على نحو فريد، وهي واسعة الحضور في نصه) فيتمثل الشيء وضده: الطائر والبوذا، النحلة الملكة وبيت التماسيح. وتتوالى الصور في هيئة مشاهد معبرة عن الشيء ونقيضه. إلى سلطة الطبيعة، هناك سلطة الذاكرة والتاريخ، ورنينها الغامض في أعماقه «يحمله المطر والحب» مرة، ويصدر عن محاولته «الإمساك بناصية الحياة والحقيقة» مرات، مرتبطة عنده بما هو تخييلي، أو متخيل، ومعها يجد «السرابات أكثر قربا من الامتلاء والحقيقة من الوقائع الفجة لحياة يومية توهم بالحياة..». وتأخذ الصورة الشعرية أبعادها التي تتوازن في صياغات تشكيلية تنتظم مؤلفة تشكيلات العالم الذي يؤلف: فـ«المرأة الجالسة على الصخرة/ يحيطها البحر من جميع الجهات/ لا تفعل شيئا غير النظر في الأفق/ وسحب تسير ببطء/ نحو الضفة الأخرى من الأرخبيل». ومن هنا فهو، إذا شئنا دقة التعيين لطبيعته كتابا «سياحة حدّةٍ في الرؤى والأفكار، الهواجس والاستيهامات».. ومعها فهو على شيء من «الشمول المعرفي والتأمل في الإنسان والطبيعة» - كما جاء في ما عبر به عن أمر آخر، إذ تعينت صورة الكتاب وطبيعته.

    0 0

    ما كنت أعرف لهيوارث دن غير كتابيه في تاريخ التعليم والترجمة بمصر، وتحقيقه لكتاب «الأوراق» لأبي بكر الصولي. وكنت قد سمعت محمود شاكر عام 1969 يقول ما قاله إبراهيم السامرائي (كما جاء في تقديم الباحث علي العميم) عن تواضع التحقيق والقراءة في كتاب الصولي، رغم مراجعة هاملتون غب وطه حسين له كما ذكر في التمهيد. لكن كتابه أو كتابيه في التعليم والترجمة جيدان أو كانا كذلك في زمانهما (الثلاثينات من القرن العشرين)، وقد حلت محلهما منذ عدة عقود بحوث أخرى كثيرة لعلماء مصريين؛ أقدمهم جمال الدين الشيال ونفوسة زكريا وآخرون. بيد أن كتاب هيوارث دن عن العشرين سنة الأولى من حياة الإخوان المسلمين وسيرة حسن البنا ودعوته، كل ذلك تأسيسي، ويضيف إلى فهمنا لأحوال مصر في أربعينات القرن الماضي، حين ازدهرت الاتجاهات الوطنية والإسلامية وتَرَدْكَلَت بسبب ظروف الحرب ومشكلات الاحتلال البريطاني، والقضية الفلسطينية، والنظام السياسي المصري. لكن، وكما في حالة كتابه في التعليم بمصر؛ فإن هذه الأمور صارت واضحة أيضا، أو أن معلوماتنا عنها تعاظمت، وما تركت البحوث المتكاثرة في العقود الخمسة الأخيرة مقالا لقائل بما في ذلك القصة المبكرة لحسن البنا ولـ«الإخوان». ولذا، فأهمية كتاب هيوارث دن (أو فصوله المجموعة فيما يبدو على عجل على أثر مقتل حسن البنا)، أنه كان التأليف الأول عن البنا و«الإخوان». وعليه بنى كل اللاحقين، خاصة ريتشارد ميتشل. فله قيمة الأسبقية، كما أنه كاشف فيما يتعلق بعدة مسائل شديدة الأهمية، لو أننا قرأنا الكتاب دون مقارنات وتحقيقات وتدقيقات الباحث علي العميم لما تنبهنا إليها! وأريد في البداية التركيز على ما اتضح لي من خلال قراءة العميم، ثم تكون لي بعض الخواطر المستفادة من المقارنة مع كتب أخرى. كان العميم قد كتب دراسة في مجلة «المجلة» عن الصيغ المختلفة والمتوالية لكتاب سيد قطب: «العدالة الاجتماعية في الإسلام» (1949)، واستظهر أن صحة عرض ترجمة الكتاب إلى الإنجليزية من جانب مدير المخابرات البريطانية (كذا) مقابل مبلغ كبير، إنما تنصرف إلى هيوارث دَن، الذي كان قد جاء إلى مصر في الثلاثينات، ودرّس اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية، واعتنق الإسلام وتزوج امرأة مصرية اسمها فاطمة (فرت منه عام 1954 عندما كانا في بريطانيا!)، وتعاون في الأربعينات مع المخابرات، فأقام من أجل ذلك علاقات مع الشخصيات والجماعات المصرية الإسلامية والوطنية والفكرية، وكان من ضمنهم الشيخ حسن البنا، وسيد قطب. وفي عام 1941 أو 1942 شارك في مفاوضات بين البريطانيين وحسن البنا من أجل التعاون ضد قوى المحور (الألمان والإيطاليين)، وقد عرض عليه البريطانيون أو على نائبه أحمد السكري أموالا وتجهيزات، لكنه رفض ذلك. وهذه كلها أمور جديدة علي، وقد وثق لها العميم جيدا، وتتبع إنكار «الإخوان» ومترجمي حسن البنا لها خلال الأربعين عاما التالية. والأستاذ العميم يتشكك في هذا الإنكار اللاحق، لكنني أصدق ذلك. فقد كان البنا رأس الاتجاه الإسلامي المعادي للبريطانيين ومنذ منتصف الثلاثينات، ولا يستطيع أن يتحمل مثل هذه العلاقة بفلوس أو دون فلوس، ولو تعاون أو هادن لما نقل من القاهرة، ولما سجن، ولما أصر النظام والبريطانيون على إسقاطه في الانتخابات أو منعه من المشاركة فيها طوال الأربعينات. وهذا لا يعني أن البنا وزملاءه ما كانوا يستقبلون البريطانيين أيام البنا وبعده، وقد اتهمهم بذلك نظام عبد الناصر في محاكمات عام 1954. أما المسألة الثانية، فتتعلق بسيد قطب وعلاقته بهيوارث دَن وبـ«الإخوان» أيام حسن البنا وبعده. يستظهر العميم أن المستشرق البريطاني ورجل الاستخبارات تعرف على سيد قطب أواسط الأربعينات. وكان وقتها ناقدا أدبيا، وذا ميول إسلامية مستقلة. وهناك إشارات إلى نفور قطب من حسن البنا و«الإخوان»، رغم محاولات البنا التقرب منه، خاصة بعد إصدار مجلته: «الفكر الجديد» (1948) التي كان يمولها الحاج محمد حلمي المنياوي وهو من كبار «الإخوان». ولأن قطب رفض التقارب، فقد ضايقه البنا في الإعلانات، والاشتراكات، وتوقفت المجلة بسبب قانون الطوارئ عام 1949. على أن الذي ينبه إليه هيوارث دَن أن سيد قطب بدا وقتها مهما ليس في الأدب؛ بل وفي الفكر والاجتماع أيضا، لأنه طرح في مجلته قصيرة العمر المسألة الاجتماعية على أوسع مدى، واقترح لها حلا إسلاميا في مقالاته المتوالية، وهي المقالات التي أفاد منها على أثر ذلك في تأليف كتابه: «العدالة الاجتماعية في الإسلام». ولأن الاستخبارات البريطانية والأميركية كانت مهتمة خلال الحرب، خاصة بعدها، بـ«إلى أين تتجه مصر؟»، أو إلى «أين يتجه الإسلام؟» (عنوان كتاب لأستاذ هيوارث دن: هاملتون غب صدر عام 1933 وسأعود إليه، كما أصدر غب عام 1947 كتابه: «الاتجاهات الحديثة في الإسلام»، وإلى الكتابين رجع جـ.هـ. دن في التقارير التي بين أيدينا)، فقد اعتنى الطرفان بإبعاد مصر عن الشيوعية، ولا أفضل من الإخوان المسلمين وأمثال سيد قطب في الإعانة على ذلك. ويحسم العميم الأمر بأن هيوارث دَن هو الذي دبر لسيد قطب المنحة أو الرحلة إلى الولايات المتحدة للاطلاع على التجربة الأميركية في الحرية والديمقراطية! ودليله على ذلك أن دَن وصل إلى الولايات المتحدة وقت وصول سيد قطب إليها، وهناك أطلعه قطب على كتابه: «العدالة الاجتماعية» الذي كان في الطبع عندما سافر، كما أطلعه دَن على مخطوطته عن الإخوان المسلمين. وفي عام 1965 عندما كان سيد قطب يخضع للمحاكمة من جديد، كان لا يزال يتذكر أن دَن قال في كتابه عن «الإخوان» إنهم خطر على المصالح الغربية بالمنطقة. وسيد قطب في وقائع المحاكمة (التي صدرت تحت عنوان: «لماذا أعدموني؟») يعلل بذلك سبب دخوله إلى «الإخوان» في أواسط عام 1953، أي بعد مقتل حسن البنا بأربعة أعوام ونصف. والواقع - كما أوضح العميم - أن دَن ما كان في كتابه ضد «الإخوان»، فقد أوضح أنهم التنظيم الأهم بمصر بعد حزب الوفد، وأنه بحكم طبيعتهم الدينية الراديكالية إن وصلوا للحكم، فسوف يجرون تغييرات جذرية في النظام الاجتماعي والحياتين الخاصة والعامة. ولهم من ناحية أو نواح أخرى فضائل: كثرة الأعداد، وحسْن التنظيم، وأنهم يمتلكون رؤية للتغيير شديدة العداء للشيوعية، بينما لا يمتلك الوفد أية رؤية! وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا قتل حسن البنا؟ ولماذا قرر قطب الدخول في «الإخوان» بعد أن أعرض عن ذلك خلال الأربعينات، بل وإلى ما بعد مقتل حسن البنا على يد البوليس السياسي المصري؟ إن الذي أراه أن البريطانيين والأميركيين قرروا في أواخر الأربعينات، وبعد تردد، اختيار الجيش للتغيير بدلا من البيوريتانية الإخوانية على أثر تصرفات «الإخوان» في حرب فلسطين، وقتل رئيس الوزراء المصري، والانغماس في أحداث العنف والحرائق. والمعروف أن الأميركيين سلكوا المسلك نفسه في عدد من الدول العربية والإسلامية، ودول أميركا اللاتينية، بمعنى أنهم آثروا الجيش على الزعامات الشعبية الكارزماتية التي سرعان ما كانت تتجه إلى التحرر من قبضتهم، والانغمار في شعبويات تتجه نحو الاتحاد السوفياتي. ولأن العلاقات بين «الإخوان» والثورة المصرية كانت لا تزال حسنة أو واعدة بعد عام على قيام الثورة، ولا يزال «الإخوان» أقوياء ومنظمين، فربما كان الضباط «وبينهم جمال عبد الناصر الصديق الحميم لسيد قطب كما تتطابق تقارير» هم الذين دفعوه لذلك لزيادة أنصارهم بداخل الجماعة. إنما يبدو أن «النظام الخاص» الذي ازدادت سطوته داخل «الإخوان»، كان قد قرر الاتجاه للصدام، ولذلك جرت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر عام 1954. ويبقى ذلك تخمينا بالطبع، ويبقى علينا أن نلاحظ أن التجربة الأميركية في رحلة سيد قطب كانت شديدة السلبية؛ إذ لم يأت من أميركا إلا بالانطباعات الفظيعة عن التردي الأخلاقي، والانهماك في الحياة المادية المفزعة، بحسب وصفه في رسائله خلال إقامته بأميركا، وفي مقالاته بعد العودة. وتبقى مسألتان لافتتان في كتاب أو مجموعة تقارير جـ.دن.. لقد أقام إطارا ثقافيا بشأن تطورات الفكر الإسلامي، والتوجهات الثقافية والشعبية الإسلامية بمصر فيما بين الثلاثينات والخمسينات. وخلاصة وجهة نظره أن وعي الهوية والذاتية شديد الحساسية تجاه الغرب والتغريب قطع أشواطا واسعة على حساب انفتاحية وآفاق محمد عبده وبعض تلامذته. وهو يورد وقائع على ذلك من برامج الجماعات الدينية والوطنية التي بدأت بالتكون والتحول إلى أحزاب بالتدريج منذ أواخر العشرينات. وهو يستشهد على ذلك بكتاب تشارلز آدامز بعنوان: «الإسلام والتجديد في مصر»، الذي صدر عام 1932 بالإنجليزية، وترجمه إلى العربية عباس محمود، وصدر بمصر عام 1935 مع مقدمة للشيخ مصطفى عبد الرازق. والفكرة الرئيسة التي يوردها آدامز إشارة منه إلى المتغيرات في مدرسة عبده (ت. 1905) وخارجها هي تلك الجمعيات التي كثر ظهورها في العشرينات، والتي تمتلك كلها برامج للإصلاح من طريق الالتزام الإسلامي. وقد كان عددها ستا وعشرين في مطلع الثلاثينات (منها طبعا الإخوان المسلمون والشبان المسلمون)، وصارت بحسب إحصاء هـ. دَن في منتصف الأربعينات أكثر من مائة جمعية! وهناك كتابان آخران يستند إليهما هـ. دَن وهما لأستاذه هاملتون غب.. الأول عنوانه: «وجهة الإسلام» (1933)، وهي مجموعة مقالات لمختصين حررها غب وقدم لها، والمقالة عن مصر كتبها كامبفماير، وهو شاب ألماني كان مهتما بالأدب العربي الحديث، ونبه إلى الذاتية الثقافية المتصاعدة بمصر منذ العشرينات. وبهذه المقالة في الكتاب بالذات، استشهد هـ. دَن. وفي العام نفسه الذي صدر فيه الكتاب، كتب محمد عبد الهادي أبو ريده إلى غب طالبا الإذن بالترجمة، فأعطاه إياه وكتب تقديما للنشرة العربية التي صدرت عام 1934. أما الكتاب الآخر، لغب الذي استند إليه هـ. دَن، فهو: «الاتجاهات الحديثة في الإسلام»، الصادر عام 1947. وفيه يستعرض غب اتجاهات التجديد مستشهدا بعبده وإقبال («تجديد التفكير في الإسلام»)، ثم ينعطف لذكر الاتجاهات المحافظة والبيوريتانية كما يسميها ومنها شعبوية «الإخوان» والحركات المشابهة. وقد تأخرت ترجمة هذا الكتاب حتى عام 1966 (صدر بـ«دار الحياة» ببيروت في نشرة متوسطة القيمة!). أما المسألة الأخرى، التي أردت الإشارة إليها، فهي العنوان الغريب والعام لكتاب هيوارث دَن «الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة»، الذي لا يتحدث فيه إلا عن الإخوان المسلمين. فقد كانت هناك اتجاهات أخرى أقوى وأبرز، أو على نفس القوة والبروز بحسب ما ذكره العميم، ولا يقتصر الأمر على الإخوان! فلماذا كان هذا المسلك الغريب؟ إن الذي أراه أن الرجل كان مكلفا بمتابعة «الإخوان» منذ عام 1939، وعندما قتل حسن البنا في فبراير (شباط) عام 1949، جمع بسرعة من تقاريره ما يمكن نشره، وكتب لها مقدمات سريعة أفاد فيها من آدامز وغب، وكتب لها بعض الحواشي (مثل الحاشية الطويلة في الثناء على سيد قطب)، وأصدرها في نشرة خاصة أنفق عليها بنفسه، وخرجت عام 1950 عندما كان لا يزال هو وسيد قطب بالولايات المتحدة. والطريف والموحي أنه أهدى الكتاب للسير مونكتون والسير كلايتون، اللذين كانا رئيسيه عندما كان يعمل مع المخابرات البريطانية بمصر! وقد اختار لها العنوان العام إيهاما بأنها ستكون بداية سلسلة من الكتابات عن الاتجاهات المختلفة في مصر في السياسة والاجتماع والدين! كان الرجل يعرف كثيرا، وكان يحب الإعلام كثيرا، لكنه ما كان كاتبا كبيرا ولا صاحب مسار ومذهب في التفكير، وإلا لما تنقل بين تحقيق كتاب «الأوراق»، ونظام التعليم، ومتابعة العاميات بمصر والعراق، وكتابة تقارير للمخابرات عن «الإخوان» وغير «الإخوان»! فأكثر الذين عملوا أو ترددوا عليها من «المستشرقين» وعلماء الدراسات العربية في النصف الأول من القرن العشرين، كانت لهم بهذا القدر أو ذاك علائق باستخبارات بلدانهم الأصلية، لكنهم كانوا كتابا حقيقيين، وأصحاب أفكار محددة، وهذا ما لم يتوافر للسيد هيوارث دَن. ولذا، فالذي أراه أخيرا أن نصف قيمة الكتاب على الأقل، أكسبته إياها مقدمة الباحث علي العميم البديعة.

    0 0

    «أميركا أعطتني الفرصة وأعترف لها بفضلها. إلا أنني في أعماق أعماقي رجل من لبنان، وحقيقتي الكيانية هي هويتي اللبنانية. ولو لم يكن لبنان بلدي لما عرفت من أنا».. في هذه الجملة البسيطة والعميقة في آن واحد، يوجز البروفسور فيليب سالم عقيدته الحياتية، التي تتمحور حول تمسكه الشديد بجذوره شديدة المحلية في لبنان في الوقت ذاته الذي يسطع فيه نجمه كأحد رواد وعمالقة علاج السرطان في العالم. وبين ارتباط شديد بالهوية وما فرضه نجاحه من ديناميكية عالمية، وثراء الحياة الذي شمل اتصال بنوابغ العلماء والانفتاح على مجتمعات مختلفة، ونظرته إلى السياسة، سواء الداخلية اللبنانية أو تلك الدولية المتعلقة بها وبالمنطقة على وجه العموم.. خرجت سيرتان متواليتان لفيليب سالم. السيرة الأولى صدرت بالإنجليزية عن دار «Quartet Books Limited» البريطانية في عام 2012، وهي بعنوان «السرطان والحب وسياسة الأمل.. حياة ورؤية الدكتور فيليب سالم» (Cancer, Love and the Politics of hope.. the life and vision of Philip A. Salem MD). وكتبها الصحافي بطرس عنداري، ابن قضاء الكورة في شمال لبنان،وهي المنطقة التي تحدر منها فيليب سالم. وعاش عنداري أغلب حياته مغتربا بدوره في أستراليا، حتى وفاته في مايو (أيار) 2012، وشاركت عنداري في الكتاب، الذي جاء في نحو 314 صفحة من القطع المتوسط، الصحافية النيوزيلندية فرانسيس موراني. أما السيرة الثانية، فصدرت بالعربية في نحو 300 صفحة عن دار «الساقي» اللبنانية في العام الحالي، وأعدتها الصحافية اللبنانية مهى سمارة، وعنونتها «فيليب سالم.. الثائر والعالم والإنساني». جاءت السيرة الإنجليزية في 3 أقسام، تناولت في أولها حياة سالم منذ ولادته في عام 1941 ونشأته في قرية بطرام بقضاء الكورة، مرورا برحلته العلمية التي بدأها في الجامعة الأميركية ببيروت وبوادر تكوين شخصيته واصطباغه بالسياسة.. وصولا إلى توجهه لأميركا وتخصصه في علاج السرطان، ونبوغه في ذلك المجال. وفي القسم الثاني، استعرض المؤلفان عددا من المقالات الافتتاحية المختارة مما كتبه سالم لصحيفة «النهار» اللبنانية بين عامي 1992 و2007، مع تعليق على كل مقال.. من حيث ظروف كتابته وتوقيته. وتظهر المقالات رؤية سالم السياسية والاجتماعية الناضجة والعميقة كمفكر لا يقل بحال عن سياسيين متمرسين. وتظهر المقالات اطلاع سالم الموسع على أحوال لبنان والعالم العربي بتفاصيله وآلامه.. وعلى الرغم من الشعور فور قراءتها بمباشرة وصدقية سالم، فإنها تفصح عن قدرته على التشخيص ووصف العلاج، ربما متأثرا في أسلوبه بدراسته وتخصصه كطبيب حاذق في علاج السرطان لسنوات طويلة، وهو الأمر الذي قاله سالم شخصيا عن كتاباته، عازيا جزءا من صراحته وجراءته لامتهانه الطب، الذي يستوجب الالتزام بالحقائق والوقائع. وفي القسم الثالث من السيرة الإنجليزية، عرضت مختارات من أحاديث سالم والمقابلات التي أجريت معه منذ عام 1992 وحتى عام 2010. وتم تقسيم المواضيع بهذا القسم تحت 5 فروع بحسب مواضيعها، بين ما يختص بلبنان، والعرب الأميركيين، وحقوق الرعاية الصحية، وما يتعلق بالسرطان والطب والحياة، وأخيرا إصلاح التعليم في العالم العربي. وهو ما يشير إلى اتساع قاعدة سالم المعرفية والثقافية، واهتماماته العريضة بكل المناحي المتصلة بدوائر حياته، من البلد الأم إلى الطب إلى الأفق الأكبر في المواطنة العربية. أما السيرة العربية، فصدرتها الكاتبة مهى سمارة بتقديم شرحت فيه سفرها إلى أميركا للقاء سالم، ثم عودتها إلى لبنان، وتتبعها خيوط حياته من قرية بطرام، وجلساتها الطويلة مع أفراد من عائلته ومعارفه، واستقصائها للمعلومات سواء في القرية أو بيروت أو الجامعة الأميركية. واشتملت السيرة على 5 أقسام، لكنها اهتمت بشكل أكبر باستعراض حياة سالم بقدر موسع من الموضوعية، مع عرض ثري لمراحل تطورها وتحليلات لما تأثر به وأثر فيه منذ ميلاده وحتى الآن. وفي القسم الأول، عرضت الكاتبة المرحلة الأولى من حياة سالم، تحت عنوان «المنزل الأول».. الذي تناول ميلاده في 13 يوليو (تموز) عام 1941 إبان الحرب العالمية الثانية، بالتزامن مع دخول القوات البريطانية والفرنسية الحرة إلى لبنان وسوريا الواقعتين تحت سلطة حكم فيشي المتعاون مع ألمانيا النازية آنذاك.. مع وعود بالتحرير. وتتطرق الكاتبة إلى أن ظروف ميلاد سالم، واعتقال القوات الفرنسية لوالده، عقب أسابيع من ولادته بتهمة «الإعجاب بهتلر»، لمدة نحو شهرين، ربما شكلت أول بواعث اهتمام سالم بالسياسة وتجذر الانتماء الوطني لديه لاحقا.. خاصة بعد أن تحولت قرية بطرام, في تلك الفترة لما يشبه «أمما متحدة افتراضية». بعد وجود جيوش لكل المتقاتلين بالحرب العالمية الثانية، على حسب وصف إيلي سالم (شقيق فيليب الأكبر، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية اللبناني لاحقا في عام 1982) في مذكراته. وفي القسم الثاني، تناولت الكاتبة رحلة سالم التعليمية، «من مقاعد المدرسة إلى البحث العلمي»، بحسب ما عنونت الفصل. متتبعة مسيرته التي بدأت من مدرسة ابتدائية محلية، والتي أظهر خلالها نبوغا مبكرا، ثم التحاقه بـ«كلية التربية والتعليم الإسلامية»، وهي مدرسة ثانوية تقع في طرابلس، حيث عاصر ما سمي وقتها بـ«حمى المرحلة الناصرية» (نسبة إلى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر).. قبل انتقاله لاحقا إلى «إنترناشونال كولدج» في بيروت.. وهي المرحلة التي شهدت تشكيل أول دوائر «غربة» سالم عن محيطه الأم في بطرام، وجارتها طرابلس، واندماجه السلس مع ذلك التطور. وينتقل سالم إلى الجامعة الأميركية، حيث خبر أول تردد عملي في حياته لاختيار اختصاصه.. بين ميول تتجاذبه إلى الفلسفة وأخرى إلى دراسة الطب، لكن نصيحة أخيه الأكبر إيلي الذي تولى لاحقا منصب وزير الخارجية في لبنان، وقريبه الدكتور شارل مالك، وجهته نحو كلية الآداب والعلوم، كما ألزمه وعد سابق قطعه لأمه بدراسة الطب. وفي سنوات الدراسة الجامعية، أظهر سالم نبوغا علميا، إلى جانب نواة «ثورية» متمردة على نمطية أساليب التدريس، وبداية خبرة سياسية، إلى أن تخرج طبيبا واعدا في عام 1965. وبعد الانتهاء من التدريب عام 1968، قرر سالم التوجه إلى الولايات المتحدة الأميركية للتخصص في علاج وأبحاث السرطان، وذلك في أهم مركز وقتها؛ ميموريال سلون - كيترينغ في نيويورك.. وهناك، اعتصرت سالم آلام الانسلاخ عن الوطن، والقفز إلى المجهول. حيث سيطرت عليه أجواء التشاؤم واليأس، خاصة لانشغاله في تلك الفترة بمرض أخيه الأصغر كمال. ولكن مثابرة سالم ودأبه الدراسي، جعلاه لافتا للبروفسور دافيد كارنوفسكي، أحد أشهر وأنبغ الأطباء، ومؤسس معالجة الأمراض السرطانية بالدواء الكيمائي في أميركا.. مما أدى إلى تقريب كارنوفسكي للتلميذ النجيب، وتكليفه بمهام متابعة المرضى أكثر من زملائه، ثم تطور الأمر إلى أن تبنى كارنوفسكي سالم مهنيا وأصبح بمثابة الأب الروحي له. وفتحت العلاقة لسالم آفاقا متعددة، فبخلاف نهله من نبع علم أستاذه، أثرت شخصية كارنوفسكي ذاتها في سالم، إذ كان البروفسور نفسه يهوديا روسيا مهاجرا، مما شكل جزءا من وحدة المسار.. إلى جانب كون كارنوفسكي (بحسب رأي سالم) «أستاذا في الطب من طراز رفيع، وإنسانا كبيرا وشخصية عالمية ملمة بالعلوم كافة بشتى أنواع المعرفة، وليس السرطان وحدة». وتطورت العلاقة بين الرجلين بعد أن تبين إصابة كارنوفسكي ذاته بالسرطان، وثقته في سالم ليصبح طبيبه المعالج. وكذلك زيارته إلى منزل سالم في بطرام، في طريقه إلى إيران لتأسيس مركز لعلاج السرطان برعاية الشاه (آنذاك) محمد رضا بهلوي. وقبيل وفاته، أوصى كارنوفسكي خيرا بتلميذه، وأرسله لمتابعة الدراسة في مستشفى إم دي أندرسون في هيوستن بتكساس.. وهناك تولاه الدكتور إميل فراي بعنايته، وشهدت هيوستن نجاحات متوالية لسالم، وتكوينه لعلاقات جيدة مع مشاهير العالم من خلال عمله معهم. ثم عاد سالم إلى لبنان، لمدة 16 عاما (من 1971 إلى 1987)، وهو ما تناوله الكتاب في قسمه الثالث. وتزامن ذلك مع سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، وهو ما آلم سالم كثيرا، إضافة إلى خيبة أمله إزاء الفارق الهائل بين الإمكانات في وطنه الأم وفي أميركا، والعقبات و«العقليات» المحلية. لكن صداماته مع إدارة الجامعة، ورحيل والدته لاحقا، وتحذيره من استهدافه بالخطف، واستمرار حوادث القصف المجنون، كلها حوادث متراكمة أدت إلى قرار سالم بمغادرة لبنان والتوجه لأميركا مجددا. وتكشف سمارة في كتابها عن أن سالم هاجر إلى أميركا مكرها، نظرا لتداعيات الحرب.. لكنه استقر ليحقق أحلامه التي لم يستطع إليها سبيلا في وطنه. وذلك في القسم الرابع من الكتاب.. إلا أن ذلك لم يمنعه يوما من زيارة سنوية لبلدته الصغيرة، حيث يلتقي الأهل والأصدقاء والمرضى.

    0 0

    حين أتذكر رحلتي مع القراءة أتوقف عند محطات بعينها، لعبت دورا مهما في تشكيل وعيي المعرفي ثقافيا وإبداعيا. من أبرز هذا المحطات عالم القرية بفضائه الرحب التلقائي البسيط، فأنا أنتمي لقرية مصرية، ووجدان الطفل في القرية يتكون من مظاهر الحياة بما فيها من طقوس وأفراح وعادات وأمثال، ثم بعد ذلك ننتبه لوجود الثقافة المحيطة. وأذكر أن أولى قراءاتي جاءت عن طريق أحد أقاربي والذي كان يعمل مُدرسًا بمدرسة ابتدائية، حيث وجدت معه مُلخصًا لكتاب «ألف ليلة وليلة» وبعدما قرأته تغيرت علاقتي بالقراءة والكتابة والأدب، وانفتح عالمي على دنيا أخرى مليئة بأسئلة السحر والأسطورة، والخرافة الشعبية، ومنذ تلك اللحظة عرفت أنني سأحب القراءة وستنقلني إلى عالم من الدهشة والتخييل. بعد ذلك جاءت بدايات التعرف على الكتاب المصريين مع كتب التراث وأعمال خالدة مثل رواية «المعذبون في الأرض» و«الأيام» لطه حسين، ورواية «زينب» لمحمد حسين هيكل. وبعد ذلك جاءت أعمال الكاتب المصري يحيى حقي ونجيب محفوظ، وفي أواخر الخمسينات تعرفت على الترجمات القادمة من بيروت واكتشفت الكتاب الآخرين الذين يكتبون بلغات مختلفة. لقد برزت القرية، وشكلت محور الإيقاع الذي ينتظم دوائر السرد، وعلاقات البشر وصراعاتهم مع الحياة في أغلب أعمالي القصصية ومنها: «بيت للعابرين» و«مدينة الموت الجميل» و« مجرى العيون» و«البغدادية» و« دوائر من حنين» و«حكايات عن ناس طيبين». في عباءة كل هذا ومع تراكم الخبرة والمعرفة على مدار السنين، أعكف منذ فترة وحتى الآن على كتابة عمل أدبي جديد بعنوان «20 قمرا في حجر الغلام» ولا أعرف متى سأنتهي منه تحديدًا، وهو عبارة عن نص واحد يشكله غلام تنفتح الدنيا أمامه ويكتشف أوائل زيارات الدهشة ويحاول الإجابة عن سؤال الحياة والموت والجنس والحرية وغيرها من القضايا. حاليا أعيد قراءة الأعمال الكاملة للكاتب الروسي أنطون تشيخوف وكنت قرأتها في الستينات من القرن الماضي، كما انتهيت أخيرا من قراءة رواية «تورتيلا فلات» للروائي الأميركي جون شتانبك، وبموازاتها ملحمة «الحرافيش» للروائي المصري نجيب محفوظ. هناك الكثير من الكتب التي أعود لقراءتها بين الحين والآخر لأنها تشكل لي استراحة معرفية وإبداعية، كما أن عوالمها ومناخاتها لا تزال حية، بأمكنتها وأزمنتها وشخوصها، وأنا أحرص دائمًا على استيعاب هذه العوالم لأنها تكسبني رؤية جديدة في كل قراءة. ومن أبرز هذه الأعمال أعمال الكاتب الروسي ليو تولستوي والكاتب الأميركي أرنست همنغواي وأيضا الكاتب الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز. أنا لا أستدعي الكتابة، وليست لي طقوس معينة فيها، وهنا أختلف مع رأي كاتبنا الرائد نجيب محفوظ الذي كان لا يعترف بالإلهام وكان له موعد يجلس ويكتب فيه، وأنا لا أفعل هذا، فقط أكتب عندما تتهيأ الروح للكتابة وأشعر أنني في حاجة إليها. في المحصلة النهائية، كثيرا ما أرثى لنفسي وأقول: أنا كاتب حظه بائس لأنه يحب القراءة أكثر من الكتابة وبالتالي فإن إنتاجه الأدبي قليل بسبب العشق الذي لا ينقضي مع اكتشاف الجديد في كل ما ينتجه الخيال الإنساني، ومع كل كتاب جديد يضيف معرفة جديدة ويوسع الرؤية أمام خيال الكاتب.

    0 0

    قال مرة الرئيس بيل كلينتون إن الولايات المتحدة هي البلد الذي لا يمكن للعالم أن يستغني عنه، لقدرتها على حلحلة المشكلات العالقة وإنهاء الأزمات وتقديم العون بطريقة لا يمكن لبلد آخر أن يفعله. لكن ولي نصر، الكاتب البارز وعميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة «جون هوبكنز» له رأي آخر تبدو فيه أميركا أوباما في أضعف حالاتها خارجيا. في كتابه الصادر حديثا «الأمة المستغنى عنها.. السياسة الخارجية الأميركية في تراجع»، ينتقد مؤلف الكتاب الشهير «انبعاث الشيعة» بشدة قرارات الرئيس الأميركي باراك أوباما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط التي تحولت إلى خطابات بلاغية وفورات عواطف لحظية، كما حدث في مصر، أو امتناع عن لعب أي دور لإنهاء المجازر كما في سوريا. يكتب نصر: «هذا التغير غير المتوازن في السياسة يعرض أميركا بصورة الدولة غير الحاسمة وغير الموثوقة. إنها تكشف أننا لا نملك فعلا أي استراتيجية طويلة الأمد، وبعيدة الأهداف. يبدو أن هدفنا الوحيد هو الخروج سريعا أولا من أفغانستان، ومن ثم المنطقة كلها، تحت غطاء الحديث الاستراتيجي في التحول نحو آسيا». وفي مقطع آخر، يسخر نصر من تأكيد الرئيس الأميركي أوباما على ضرورة أميركا في عالم اليوم، مع أن إدارته اختارت الانسحاب. يكتب نصر بلغة متهكمة: «أميركا التي سُحبت من قبل الأوروبيين لإنهاء المجزرة في ليبيا، والتي تركت أفغانستان لمستقبلها غير الموثوق، والتي تمتنع أن تلعب دور القيادة لتنهي المجازر بحق المدنيين في سوريا، والتي تنسحب من التزاماتها في منطقة الشرق الأوسط لتتجه لآسيا، من الصعب أن يُنظر لها كأمة لا غنى عنها!». نصر لديه كثير من القصص التي تؤكد على تخبط البيت الأبيض خارجيا، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. في عام 2008، ذهب ولي نصر برفقة السياسي والدبلوماسي الراحل ريتشارد هولبرك إلى نيويورك، لحضور اجتماعات الأمم المتحدة المنعقدة لمدة أسبوع. لم تكن الخطابات هي المهمة، بل الاجتماعات المغلقة التي كان يلتقي فيها هولبرك بعض القادة ووزراء الخارجية، بغية التوصل لحل سياسي يجلب الاستقرار لأفغانستان. اللقاءات كانت غير مشجعة، ولكن المحبط لوزيرة الخارجية كلينتون وهولبرك هو غياب الرؤية الاستراتيجية في البيت الأبيض، الذي استبدل بالدبلوماسية الشاقة الخطابات البلاغية. وزارة الدفاع كانت تضغط لمزيد من القوات، ولكن من دون رؤية واضحة، والمستشارون المقربون من الرئيس مهووسون بالصراع الداخلي بين الجمهوريين والديمقراطيين، وأكثر ما يملأهم بالحماس هو أن تأتي العناوين المثيرة التي ستبثها المحطات الإخبارية في صالح الرئيس. في سياق التنافس بين الأجهزة الأميركية لتقديم حلول ناجعة للوضع الأفغاني، نجحت وزارة الدفاع بدفع أوباما - الذي لا يريد أن يظهر بمظهر الضعيف - للموافقة على زيادة عدد القوات وإرسال 30 ألف عنصر لتنفيذ المخطط الذي يقوم على تجفيف التعاطف مع طالبان في كثير من المناطق، ودعم زعماء القبائل بالمال والعتاد لدحرها والقضاء على الجماعات الجهادية المرتبطة بها. نجحت مثل هذه الاستراتيجية في العراق، لكن من المشكوك فيه أن تنجح في أفغانستان لأسباب متعددة، أبرزها قدرة هذه الجماعات على التخفي وتنظيم صفوفها، والعودة بشكل أقوى وأعنف من السابق. فريق وزير الخارجية يبحث عن حل طويل الأمد يتضمن التوصل لتوافق سياسي يمهد لبناء مؤسسات الدولة ويسهم بتحريك عجلة الاقتصاد بما فيه دعم القطاع الزراعي الذي سيوفر فرص عمل للكثيرين في منطقة تعتبر الزراعة فيها المصدر الأساسي للإنتاج. هولبرك كان يقول: «في بلد 8 من 9 أشخاص فيه يعتمدون على الزراعة، لن تحرز أي تقدم إلا إذا قمت بإنعاش الاقتصاد الزراعي». هولبرك كان يحاول بمشقة بالغة، وبمشاورات طويلة، إيجاد بيئة أفغانية اقتصادية سياسية وتنموية جديدة، ولكن الإدارة رضخت لمطالب القادة العسكريين الذين يعرفون كيف يضغطون ويحققون ما يريدون. لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ قام القادة العسكريون بتقديم بعض الإحصاءات المحتفلة بنجاح خطة ملاحقة طالبان والجماعات الجهادية، ولكن في الواقع لا توجد أي بوادر لانتصار محقق، لأن هذه الجماعات إذا شعرت بالضغط عليها تتلاشى، ومن ثم تعود بشكل أقوى مدعومة بالغاضبين من حكومة كابل المتهالكة المتهمة بالفساد، التي لا تملك كثيرا لتقدمه للناس. ولكن إذا كانت هذه هي الاستراتيجية الجديدة لإدارة أوباما فعليه إذن (كما يقول المؤلف) أن يلتزم بها. لكن هذا ما لم يحدث بشكل أسرع مما توقعه الجميع. قام الرئيس أوباما في منتصف عام 2011 بخطوة غير متوقعة بإعلانه عزم إدارته على سحب القوات الأميركية بحلول عام 2014. أعلن نهاية الاستراتيجية الجديدة لمحاربة المتمردين «ليس فقط في أفغانستان، ولكن كخيار استراتيجي. أميركا لم تعد بحاجة إلى مواجهة المتمردين، أو تساعد في بناء الدولة»، كما يقول الكاتب، ويضيف: «هذا ليس نهج الأمة التي لا غنى عنها، كما سماها مرة الرئيس الأميركي بيل كلينتون». في مصر أيضا قصة أخرى من قصص عدم قدرة إدارة أوباما على فهم التحولات بالشرق الأوسط والتعامل معها بواقعية. ينجح نصر بتفسير الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها الإدارة الأميركية، والتي أسهمت في تدهور الأوضاع بمصر إلى الحد الذي وصلت إليه اليوم. بعد اندلاع المظاهرات المطالبة برحيل الرئيس مبارك، أدركت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أن مصر بحاجة إلى تحول سلمي يخرج فيه مبارك بعد مدة معينة، بدل الانهيار المفاجئ بالضغط عليه لكي يغادر. يقول الكاتب: «كان من الأفضل لليبراليين المصريين، أن يبقى مبارك في الحكم لمدة معينة، بدل التحول السريع والانهيار المفاجئ.. كلينتون اقترحت على الرئيس أوباما أن يرسل مبعوثا خاصا للرئيس مبارك ليقيم الموقف من هناك، ويطلب من الرئيس مبارك أن يخطط لخروج مرتب وملائم للتحول الديمقراطي». المبعوث كان الدبلوماسي فرانك وايزنر (شغل منصب السفير الأميركي في القاهرة بين عامي 1986 إلى 1991) شارك كلينتون رؤيتها في أن التحول التدريجي للديمقراطية سيكون أفضل للقوى الليبرالية المخدوعة بزخم قوتها وعنفوانها الذي تشهده في الشارع. أوباما كان على وفاق مع هذا التصور للخروج التدريجي، وحمل مبعوثه رسالة تطلب من مبارك أن يرتب خروجه. ذهب وايزنر إلى مبارك وأخبره بذلك. وهو في الطائرة العائدة لواشنطن، ذُهل وايزنر لدى معرفته أن الرئيس الأميركي غير رأيه، وطلب من مبارك «التنحي فورا!». هذا التحول السريع في الرأي (كما يؤكد المؤلف) يعكس التخبط الاستراتيجي لإدارة الرئيس أوباما، الذي طلب من مبارك الرحيل الفوري، من دون أن يعرف ماذا عليه أن يفعل بعد ذلك. يشير نصر إلى أن الولايات المتحدة كانت مصيبة في احتضانها روح التغيير، ولكن الرئيس كان مدفوعا بحماس اللحظة وبتشجيع الشباب من أعضاء إدارته. ثم يضيف هذه الجُمل التي تعكس عدم قدرة الإدارة الأميركية على استيعاب ضخامة مع ما حدث في مصر. يكتب: «الرئيس تعامل مع خطابات مبارك ومراوغاته وكأنها أخبار الحملات الانتخابية، عندما يجب أن ترد بسرعة على كل تصريح من الحملة الأخرى، حتى تجد مكانها ضمن العناوين الأساسية في الصحف. هذا النمط يعكس تأثير المستشارين في البيت الأبيض، الذين خرجوا من حملات الرئيس الانتخابية ليسيطروا على القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية. كان لديهم القليل من الخبرة في السياسة الخارجية. ما يعرفونه هو الوتيرة المتسارعة لعالم الحملات السياسية». ماذا حدث بعد ذلك؟ هل التزم أوباما بأي خطة استراتيجية بخصوص مصر تساعدها في الخروج من الفوضى السياسية والاقتصادية التي تعيشها اليوم؟ الجواب لا، كما يقول نصر. لم يحدث أي شيء من هذا غير الصمت والمشي بعيدا، كما هي عادة الرئيس عندما تسخن الأزمات. المشي بعيدا بعد إعطاء الوعود الكلامية هو أيضا ما جمد المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية بسبب (مرة أخرى) غياب الرؤية الاستراتيجية. كل طلبات الرئيس أوباما الحاسمة في بداية رئاسته بالوقف الفوري للمستوطنات لم تحدث على أرض الواقع، وإنما ورطت الحكومة الفلسطينية التي تجاهلها الرئيس الأميركي بعد أن صعد معها إلى الشجرة، ومن ثم نزل وحيدا وسحب السلم، كما في التصريح الصحافي الشهير للرئيس الفلسطيني محمود عباس لصحيفة «ديلي بيست». كتاب نصر يتضمن كثيرا من المعرفة الدقيقة والبصيرة، ليس فقط لأن المؤلف خبير في منطقة الشرق الأوسط، ولكنه أيضا كان قريبا من كل هذه الأحداث التي فصّلها في كتابه؛ فقد كان مستشارا للراحل لريتشارد هولبرك حينما كان المبعوث الخاص للرئيس أوباما في أفغانستان وباكستان. في المقدمة، يشير نصر إلى أنه فكر طويلا قبل أن ينشر هذا الكتاب، لأنه لا يريد أن يستغل كأداة سياسية في لعبة الصراعات المستعرة دائما في واشنطن، ولكنه أراد أن يكشف عن الخلل الكبير في تعامل إدارة أوباما في الشرق الأوسط، الذي ستكون له تأثيرات كبيرة على المنطقة وعلى الولايات المتحدة نفسها. ولكن يؤكد المؤلف في نهاية الكتاب أن تلافي هذه الأخطاء واعتماد استراتيجية واقعية وواضحة قد يساعد على تصحيح الأوضاع، وإنقاذ المنطقة من الفوضى التي علقت بها. يبدو أن هذا هو التصرف الصائب، ولكن، وعلى خلفية أخبار المجازر الفظيعة في سوريا، وتقدم طالبان في أفغانستان، والفوضى في مصر، والتدهور في العراق، يصعب على الشخص أن يتجاهل التفكير بالمفارقة التالية: كيف للرجل الذي ملأ يوما العالم كله بالآمال الكبيرة، أن يكون هو الرجل نفسه الذي أجهز على أبسط الآمال الصغيرة؟

    0 0

    كيف يتم التوثيق لثورة، لم تطو صفحتها بعد، ولا تزال حية وفاعلة على الأرض.. إنها إذن مغامرة، تحمل عبئها باحث التراث الشعبي هشام عبد العزيز، حيث رصد بعين المؤرخ الحصيف المخزون الروحي والجسدي لثورة 25 يناير في مصر، في حراكه اليومي المباشر وتجلياته المتباينة، في تقاطعاتها الحية ميدانيا، ومردودها على شتى المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقانونية واللغوية، وذلك من خلال موسوعة مستفيضة، صدر جزؤها الأول عن الهيئة المصرية للكتاب. تحمل الموسوعة اسم «موسوعة ثورة يناير»، ووفقا للتقسيم الأبجدي الذي اتخذه الباحث إطارا نظريا لمنهجه، يتضمن هذا الجزء كل ما يندرج تحت حرف الألف وحتى حرف الثاء. واللافت في هذا المنهج أن المؤلف يرصد ويؤرخ لكل وقائع الثورة في إطار رؤية غير مباشرة، كأنها تتخلق بعفوية فيما وراء ظلال الوقائع والأحداث، وما تنطوي عليه من شحنات دلالية ولغوية، أغلبها وليد زمن الثورة الراهن، حتى ما تستدعيه الذاكرة من عباءة الماضي، سواء كان تعبيرا أو مصطلحا صكته المخيلة الجمعية الشعبية، فإنه يتم إزاحة محموله الدلالي الماضوي تلقائيا، ليكتسب في حراك الثورة دلالة أخرى، تمنحه نوعا من الجدة على مستويي الشكل والمضمون. وعلى مدار أكثر من 500 صفحة من القطع الكبير تكشف الموسوعة في هذا الجزء عن أنساق هذا التحول الطارئ في الوجدان المصري، وفي أنماط السلوك والعادات، وكذلك في طرق النظر للماضي والحاضر والمستقبل، ويتم هذا في سياق موضوعي محايد من الرصد والتوثيق والتقصي، يتسم بقدر كبير من العمق والشمول. فالباحث لا يتوقف عن رصد الواقعة وتوثيقها، وإنما يخلق لها مجالات رؤية مستترة في الخلفية، مما يحفز خيال القارئ، ويثير فيه شهوة التساؤل ليذهب أبعد من عملية القراءة، وهو يتلقى وقائع وأحداثا قد يكون عاشها وشارك فيها، لكن وضعها في هذا النسق من التأريخ يجعله يقرؤها بعين أخرى، وكأنها حدثت للتو. يشير المؤلف في مقدمته للموسوعة إلى هذا المنحى الجديد، متقاطعا مع «الجبرتي» كرائد لعلم التأريخ في مصر، مؤكدا على جذرية التغيير الذي أحدثته ثورة 25 يناير في الشخصية المصرية بشكل متضاد مع ما سبقها. ويبرر اعتماده على الجانب اللغوي في رصد تجليات هذه الظاهرة الثورية، لافتا إلى أن هذا الجانب شكّل، ولا يزال، محور حيوية هذه الظاهرة، كما جعل الكلام العادي للمصريين يدخل في نطاق الدلالات الاستعارية والمجازية، على عكس المدخل التاريخي الزمني الذي يعنى - في الغالب الأعم وبحسب طبيعته العملية - برصد الأحداث، بصورة آلية كما وقعت على مستوى الزمن والفعل والشخوص. ويلفت الباحث إلى تراجع أهمية هذا المدخل وجدواه في التأريخ لوقائع الثورة، في ظل حالة من التوثيق الهائلة تتضافر فيها الصورة والصوت والمتابعة المتنوعة، كما أن الثورة نفسها أصبحت ظاهرة مفتوحة على فضاء الإنترنت والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة، خاصة في مجالات المتابعة الإعلامية والرصد والتحليل الخبري. وعلى الرغم من هذا، أرى أن هذا المنحى لم يتراجع بشكل كلي، فهو يومض في طيات الموسوعة، في شكل تقاطعات وتجاورات زمنية بعينها، وفي سياق وقائع محددة ارتبطت بشخوص بعينهم. ناهيك عن أن الثورة نفسها رفعت بسلميتها على مدى 18 يوما سقف الخيال، بصورة مدهشة، أعلى من اللغة ومن الخبرة العادية للحواس. لكن ربما، ما لم يفطن إليه الباحث في عمله الدءوب المتميز، أن تركيزه على المدخل اللغوي لرصد وقائع الثورة، شكل، ضمن ما شكل، نوعا من القبض على الروح المصرية الخفية الكامنة في تضاعيف ومسارات الوقائع والأحداث، ليس فقط على مستوى عملية التحول السياسي التي يخوضها المجتمع بقوة الثورة، من عصر إلى عصر آخر، وإنما على المستوى الشخصي لإنسان هذه الثورة، سواء من النخب السياسية والثقافية أو المواطن البسيط العادي الذي وجد في الثورة ضالته في العيش بحرية وكرامة وعدالة اجتماعية، وهي شعارات الثورة الأساسية. في سياق التركيز على المدخل اللغوي الذي يبدو بمثابة حجر الأساس في عملية التحول والتغيير المجتمعي، ترصد الموسوعة مجموعة من الأفكار والألفاظ التي اكتسبت شحنات دلالية وتعبيرية جديدة تحت مظلة الفعل الثوري، وبعضها اخترعه المصريون لأول مرة، وركبوه في نسيج دلالي يتوافق مع طبيعة الحدث نفسه، سواء كان سياسيا أو اجتماعيا، ومنها لفظ «استبن»، وهو يعني في عرف المصريين، كل ما هو احتياطي، سواء تمثل ذلك في «إطار» السيارة، أو اللاعبين غير الأساسيين في مباريات كرة القدم. لكن اللفظ انتقل إلى مجال العلوم السياسية حينما أطلقه المصريون على رئيسهم محمد مرسي إبان الانتخابات الرئاسية، فقد كان المرشح الاحتياطي البديل للمرشح الأساسي خيرت الشاطر (مرشح الجماعة الإخوان المسلمين) وبعد أن نحي المرشح الأساسي حل مرسي ليكتسب صفة (المرشح الاستبن). ولا يتوقف الباحث على مجرد رصد اللفظ، بل يشير ضمنيا إلى أبرز ما أثاره من دلالات على مستوى الوجدان العام. وكان من أبرز ما أثاره هذا المصطلح من سخرية شعار سياسي مركب تداوله مصريون رافضون لـ«لإخوان»، والطريف أنهم ساووا فيه بين ما ثاروا ضده، وما يحدث في الواقع الراهن بعد الثورة.. ومن ثم يقول الشعار: «ضد مبارك أب وابن.. ضد الشاطر والاستبن». يترافق مع هذا كثير من الألفاظ الأخرى الطريفة تجمعها الموسوعة في سلتها، ومنها: «ترامادول»، «التسويد»، «تقبيل الأيدي»، «التنفس تحت الماء»، «بالونة مرسي»، «بص في ورقتك»، «بعدين»، «الأكاذيب التسعة»، «أكشاك الثورة»، «امسك فلول»، «ثورة معهاش بطاقة»، «توك توك مبارك». وبالتجاور والتقاطع مع مصطلحات قارة وثابتة وأخرى مستجدة تداولتها الثورة في مدها وجذرها السياسي والاجتماعي، من قبيل «التعديلات الدستورية»، «تسليم السلطة»، «تنصيب الرئيس»، «الثورة المضادة»، «ثورة الغضب»، «أهلي وعشيرتي».. وغيرها. مما يجعلنا أمام بانوارما حية لفضاء ثورة 25 يناير، وإضافة حقيقية لعلم التأريخ كخبرة بشرية، يؤشر لها بحيوية هذا الجزء الأول، الذي أرجو أن يكتمل عقده بصدور بقية أجزاء الموسوعة.

    0 0

    يقرأ الروائي الجزائري سمير قسيمي صاحب رواية «هلابيل»، الذي التقيناه في القاهرة، العديد من الكتب التراثية، بسبب انهماكه في كتابة الجزء الثاني من روايته «هلابيل»، وهو «عمل يستلزم الكثير من البحث، إلا أن ذلك لا يمنعني من قراءة الروايات جديدها وقديمها، ولا سيما الروايات العربية حديثة الصدور». وكان الجزء الأول من الرواية يروي سيرة البحث عن الحقيقة المتمثلة في الإسلام الفطري على لسان أحد الأموات، وهو قدور الذي «يتأمل الأحياء وتعود إليه ذاكرته أكثر مما كان عليه وهو على قيد الحياة، وبين هذا الخط الفاصل بين الحياة والموت يتم نسج الرواية، في محاولة لطرح تساؤلات تخرج عن الوصف العادي لصيرورة الأحداث وتذهب بعيدا في قضية الإنسان الوجودية مستفيدة من أوراق بابلية قديمة بكل محمولاتها الدينية والحكائية، ومستندة إلى وثائق مهمة، تاريخ اليعقوبي». وعن قراءاته الأخرى، يقول: «أحيانا أحب قراءة عمل سبق لي أن قرأته كما حصل على غرار (مرداد) للبناني ميخائيل نعيمة أو (الخبز الحافي) للمربي محمد شكري أو حتى (حدث أبو هريرة قال» للتونسي محمود المسعدي، ولكني أقرأها للمتعة لا غير. هناك كتب أعود لقراءتها مرات ومرات وأجد فيها متعة خاصة مثل كل أعمال ألبرتو مورافيا، وحنا مينا، إذ أجد في هذه الروايات نكهة خاصة تجعلني أجدد العهد بها في كل فترة». أما عن أحدث أعماله، وهي رواية «الحالم» فيقول: «هي روايتي الخامسة، وهي تشتغل على سؤال، بقدر ما تبدو الإجابة عنه بديهية بقدر ما تظهر صعبة ومعقدة عند الوقوف عليه، وهو: هل يستحق الحلم أن نضحي لأجله بكل شيء؟ تحاول الرواية الإجابة عن هذا السؤال بنحو يجمع بين الغرائبية والواقع، في نص يجمع بين طياته ثلاث روايات كاملة في الوقت نفسه، كل واحدة يمكن أن تقرأ على حدة ولكن بجمعها مع بعضها البعض، تنفتح الواحدة على الأخرى». يقرأ قسيمي ويكتب في أي وقت، فلا تشغله فكرة الطقوس، وبحسب قوله: «لا أملك طقوسا خاصة، كل مكان وكل وقت يصلحان للقراءة والكتابة، وإن كنت أميل للكتابة ليلا من دون أن يكون ذلك قاعدة». من أعماله الروائية: «تصريح بضياع»، و«يوم رائع للموت»، و«في عشق امرأة عاقر»، و«هلابيل».

    0 0

    من الصفحات الأولى يقدم لنا مايكل أكسورثي، الدبلوماسي السابق، الذي ترأس قسم الشؤون الإيرانية بوزارة الخارجية البريطانية لمدة عامين، نفسه كمحب متحمس لإيران. ويطالعنا إعجابه بكل ما هو إيراني، بما في ذلك طريقة طهي الإيرانيين للأرز. وبشكل ما يمكن النظر إلى الكتاب كرسالة حب إلى الإيرانيين، ومن بينهم بعض الحكام الحاليين للبلاد الذين يصعب حبهم. إذا وضعنا هذا جانبا، سنجد الكتاب مثيرا للاهتمام لسببين؛ السبب الأول هو أنه غني بالتفاصيل، وينم عن اجتهاد الكاتب في البحث، ويعرض الكثير من المعلومات حول أحداث رئيسية خلال العقود الثلاثة الماضية منذ تولي الملالي السلطة وتأسيسهم للجمهورية الإسلامية. وفي هذا السياق، استعان أكسورثي بالكثير من المصادر الإيرانية بفضل خبرته العملية باللغة الفارسية، ومعرفته بالتوجهات السياسية والثقافية في البلاد، وبذلك كان قادرا في الكثير من القضايا على فهم وجهة النظر الإيرانية، وهو ما يعد ميزة نادرة بين الغربيين الذين تحدثوا عن قصة إيران. ولأكسورثي كتابان آخران عن إيران، أحدهما بعنوان «Empire of the Mind» (إمبراطورية العقل)، وهو كتاب ممتع للغاية تمكن فيه من تناول موضوعه بتعاطف، ويقدم لنا رواية دقيقة منصفة للبنى الأساسية في الدولة والاقتصاد الإيراني، والاتجاهات الخفية الاجتماعية، وجوانب السياسة الإيرانية. مع ذلك السبب الثاني الذي يجعل كتاب «إيران الثورية» مثيرا للاهتمام هو أنه يسلط الضوء على الطريقة التي ينظر بها قسم كبير مهم من النخبة المفكرة في الغرب إلى حضارتهم وعلاقتهم بباقي العالم. أي بكلمات أخرى، نرى في هذا الكتاب رؤية غربية مختلفة للعالم؛ إذ إن أكسورثي يرفض الفكرة الراسخة في الغرب بأن كل الإنسانية تتطلع إلى، أو ينبغي أن تتطلع إلى نموذج الحرية والديمقراطية واقتصاد السوق الحر الغربي. وبهذا يختلف أكسورثي مع فرانسيس فوكوياما وتوقعه نهاية التاريخ بانتصار النموذج الغربي الديمقراطي. يكتب أكسورثي: «منذ اندلاع الثورة الإيرانية، اضطر الغرب وأوروبا إلى تغيير مواقفهم تجاه باقي العالم. في الماضي كنا نميل إلى التفكير في التنمية الأفقية في الشرق الأوسط وغيره من المناطق باتجاه نموذج اقتصادي واجتماعي غربي، والفكرة الغربية عن العصرية، بعيدا عن تقاليد حياة شعوب تلك الدول التي كان ينظر إليها باعتبارها متخلفة ومتأخرة». ويبعث أكسورثي رسالته من خلال التنبؤ بـ«هيمنة» محتملة لنماذج أخرى، من بينها النموذجان الصيني والهندي في العالم الذي تحكمه العولمة. ويقول: «لم يعد النموذج الغربي هو الخيار الوحيد». ونلمح في هذا أصداء لخطاب «المرشد الأعلى» الإيراني علي خامنئي المتكرر. وفي تحليل كاشف جدا يقارن أكسورثي بين ثورة الخميني والثورة الفرنسية والثورة البلشفية في روسيا. ويؤكد أن الثورة الفرنسية فشلت في النهاية بسبب الآيديولوجية العلمانية المتطرفة التي يمكن وصفها بالإلحادية. كان ما قدمته الثورة مختلفا كثيرا بالنسبة إلى الفرنسيين الذين ظلوا مخلصين لثقافتهم المسيحية ومنظومة معتقداتهم. وفشلت الثورة البلشفية لأسباب مشابهة، فهي أيضا كانت متعارضة مع ثقافة الروس المسيحية. على الجانب الآخر، كانت ثورة الخميني متناغمة مع التقاليد الإسلامية للشعب الإيراني، لذا كتب لها الاستمرار والإبقاء على استقرار النظام. في هذا التحليل نلمح أصداء محاضرة ألقاها محمد خاتمي، الرئيس الإيراني الأسبق، في جامعة فلورنسا منذ عقد. وأوضح خاتمي خلال تلك المحاضرة أن النموذج الغربي للتطور والتنمية قد مني بالفشل لأنه تخلى، تحت تأثير عصر التنوير، عن المعتقدات الدينية. وقال إن التنوير أصاب البشرية بحروب ومآس لا نهاية لها. الأكثر غرابة هو تأكيد أكسورثي أن طرح سؤال أخلاقي جوهري في الجمهورية الإسلامية أسهل من طرحه في الغرب. ويتذكر أكسورثي: «كتب سارتر ذات مرة أن الفرنسيين كانوا أكثر حرية تحت الاحتلال النازي، حيث لم يكن الاختيار الأخلاقي وخطورة العواقب بالحدة التي كان عليها في ذلك الوقت. ويصدق هذا على إيران. في الدول الغربية يرى الكثيرون أننا نحصل على كل شيء بسهولة وأصبحنا كسالى معنويا وأخلاقيا، ونؤمن بالنسبية، ونتجه للانتقاد اللاذع. وفي إيران أمور أساسية مثل الصواب والخطأ والحرية والقمع تعد جزءا من النقاش اليومي والاختيار. بطريقة أخرى، لا يدرك الإيرانيون، الذين تلقوا تعليما عاليا ويقدر عددهم بـ150 ألفا ويغادرون البلاد كل عام، مما يؤدي إلى أكبر هجرة للعقول في التاريخ بحسب البنك الدولي، الأمور الجيدة التي يتركونها في إيران. دعونا نتذكر أن سارتر تحت الاحتلال النازي استمر في العيش حياة مريحة من التأمل الفلسفي، في حين كان يحمل آلاف الرجال والنساء الفرنسيون السلاح من أجل طرد المحتل. وبعد تعامله مع علاقات إيران بالعالم الخارجي، ينفي أكسورثي مزاعم الحكومة الأميركية وحكومات الدول الأوروبية بأن الجمهورية الإسلامية راعية الإرهاب الدولي، وتمثل تهديدا لدول الجوار والدول الأخرى». يساء فهم إيران، كما يؤكد أكسورثي، رغم أنها ساعدت في تأسيس أنظمة شبه ديمقراطية جديدة في أفغانستان والعراق. ويشير أكسورثي إلى أن برنامج إيران النووي مثير للقلق، لكنه يؤكد لنا أن إيران «لن تستخدم سلاحا نوويا ضد إسرائيل أو أي بلد في ضربة أولى». ولا تزال إيران، كما يرى، تريد سلاحا نوويا بهدف الردع. ومن غير الواضح سر ثقته إلى هذا الحد. إنه يعتقد أيضا أن القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة، هي المسؤولة عن العلاقات السيئة مع الجمهورية الإسلامية. وفي بعض الحالات ساهمت الاعتبارات الشخصية لصناع القرار في الغرب في خلق توجه سلبي في التعامل مع إيران. على سبيل المثال رفض الرئيس جورج بوش الابن التقارب مع إيران لأنه لم يكن يريد «المخاطرة بالسياسة الخارجية» قبل حملته الانتخابية التي كان يسعى من خلالها للفوز بفترة رئاسية ثانية. وكان وزير الخارجية خلال فترة حكم كلينتون، وارن كريستوفر «بشكل خاص عدوانيا تجاه إيران» لأسباب شخصية. ويتعلق الكشف المثير للاهتمام الذي يقدمه لنا أكسورثي بالسياسة الأميركية تجاه إيران. ويكتب: «بعد انهيار الاتحاد السوفياتي كانت هناك مشكلة بطالة داخل الدولة الأميركية. وكان المتخصصون في شؤون الدول الشيوعية، خاصة الاتحاد السوفياتي، يبحثون عن عمل. ووجد بعضهم ضالته في السياسة تجاه إيران، لكن مع الأسف حملوا معهم جزءا كبيرا من أفكارهم السابقة دون مراجعتها، ووضعوا إيران محل الاتحاد السوفياتي السابق، ووصفوا الجمهورية الإسلامية بالشمولية والتوسعية والمحكوم عليها بالفشل بطبيعة الحال، ولم يكن هذا بالضرورة صحيحا». وهذا بالضبط التحليل الذي قدمه عدد من المنظرين في طهران من بينهم حسن عباسي، المحاضر في الاستراتيجية بكليات الحرس الثوري الإيراني. ويتفق أكسورثي مع رأي وزير الدفاع الأميركي، تشاك هيغل، بأن إيران «دولة ديمقراطية بشكل ما». من المؤكد أن الديمقراطية الإيرانية ليست مثالية كما يعترف أكسورثي. مع ذلك يمكن قول هذا على الديمقراطية البريطانية. ويكتب: «على سبيل المثال قال البعض إن بريطانيا لم تعد دولة ديمقراطية منذ غزو العراق عام 2003، وتظاهر كثيرون ضد الغزو، وأشارت استطلاعات الرأي إلى معارضة الغالبية العظمى له». ينسى أكسورثي أن في دولة ديمقراطية مثل بريطانيا يتم اتخاذ القرارات في برلمان منتخب لا بضغط من مسيرات حاشدة في الشوارع أو نتائج استطلاعات رأي. وحتى في ذلك الوقت كان للناس في بريطانيا حرية التظاهر ضد الحكومة، وهو أمر محظور في الجمهورية الإسلامية. كذلك في بريطانيا يمكن لأي شخص إجراء استطلاع رأي، في حين أن القيام بهذا في الجمهورية الإيرانية أمر يؤدي بفاعله إلى السجن. ويكتب أكسورثي: «هناك أسباب حقيقية تدعو إلى كراهية بعض عواقب النموذج الغربي وفكرة الغرب عن العصرية. الإدمان والتفكك الأسري وانهيار القيم الأخلاقية والتقاليد والتنميط وتسفيه الثقافة العالمية من خلال النمط الاستهلاكي...». مع ذلك تعد حقيقة قدرة أكسورثي على انتقاد النموذج الغربي بحرية من دون أن يتعرض للتعذيب أو النفي خارج البلاد، أو الاثنين، دليلا على أفضلية النموذج الغربي على نموذج الخميني الذي يتعامل مع منتقديه ومعارضيه بالطريقة نفسها التي تتعامل بها كافة الأنظمة الشمولية. وفي النموذج الغربي يتمتع المرء بحرية الاختيار، لكن ليس عليه اختيار الإدمان أو التفكك الأسري أو النمط الاستهلاكي. ويعبر أكسورثي عن قلقه من حرية الاختيار في الغرب بقوله: «مشكلة التحرر ونموذج الحرية السياسية بوجه عام يؤثران علينا جميعا. وربما ينتهي الحال بالناس إلى اختيار الأمور التي لا ينبغي عليهم اختيارها لأنها تؤذي المجتمع». ليس هذا جديدا، فكل الآيديولوجيات الشمولية تستخدم كلمات مثل «الطبقة» أو «الأمة» أو «مجتمع المؤمنين» أو «المجتمع»؛ من أجل فرض قيود على الحرية الشخصية والاختيار. في إيران، يحاول نظام الخميني تحقيق ذلك من خلال ما يسمى بـ«ولاية الفقيه» التي يكون للملا بموجبها وباسم الإسلام اليد الطولى في كل الأمور، ويجوز له منع الناس، نظريا على الأقل، من إساءة استخدام الحرية بالطريقة التي يقلق أكسورثي بشأنها. وفي حقبة الاتحاد السوفياتي كان هذا الدور من نصيب المكتب السياسي للحزب الحاكم ورجاله باسم «البروليتاريا». وفي ألمانيا النازية كان «الفوهرر» يمنع إساءة استخدام الحريات الشخصية باسم الجنس الآري. وفي إيطاليا اختار موسوليني مفهوم الدولة «الرومانية» الأسطورية للهدف نفسه. وربما يكون هذا خاطئا، لكن على عكس ما يعتقد أكسورثي، أعتقد أن هناك عددا قليلا من الإيرانيين الذين يتمنون التمتع بالحريات التي يتمتع بها غيرهم في «الغرب الفاسد الذي يوشك على الانهيار». إنهم يتمنون حرية الاختيار وتحمل مسؤولية خطاياهم ودفع ثمنها، لكنهم مجبرون تحت حكم الخميني على دفع ثمن خطايا الحكام الذين فرضوا أنفسهم عليهم.

    0 0

    تتوفر الرواية الثالثة لمحسن الرملي على أنساق سردية واضحة ودقيقة تتوزع على ثلاثة أجيال، ف«حدائق الرئيس» لا تقتصر على الشخصيات الرئيسة الثلاث عبد الله كافكا، طارق المندهش وإبراهيم قسمة، بل تتوغل زمكانيا في تاريخ الآباء والأجداد من جهة، كما أنها تمتد إلى أبنائهم وأحفادهم من جهة أخرى، وأخص بالذكر منهم ابن قسمة التي ستطلب من طارق أن يغير اسم ابنها من صدام إلى إبراهيم، نسبة إلى نبينا إبراهيم (عليه السلام) الذي «ألقوه في النار فكانت عليه بردا وسلاما». وإذا كانت روايته الأولى «الفتيت المبعثر» هي رواية قروية بامتياز، أي أنها تتخذ من القرية مكانا لها، فإن رواية «حدائق الرئيس» هي رواية مدينية تدور أحداثها في عدد من المدن العراقية، وتتجاوزها إلى الفضاء الكوزموبوليتاني حيث تمتد إلى الكويت وإيران، بينما يتوارى المغتصب جلال في أكثر من دولة محتملة قد تكون روسيا أو إيران أو البرازيل أو هولندا. تتوفر هذه الرواية على ثيمات وأفكار كثيرة لا يمكن حصرها، غير أن الثيمة المهيمنة فيها بامتياز هي الجملة التي كانت تتردد على لساني قسمة وأبيها إبراهيم: «هذه هي الحياة، كل شيء فيها قسمة ونصيب». وكأن محسن الرملي يحاول أن يغلف روايته بوشاح قدري، غير أن هذه المحاولة لا تمنعه من البوح بأسئلته الفلسفية والوجودية حينما يتناول فكرة الموت في الحياة أو يناقش غريزتي الحب والموت أو يتطرق إلى أدب السجون والمعتقلات وما يتخللهما من ألم وعذاب حقيقيين. * المشهد الاستهلالي * ابتدأ الرملي روايته بمشهد الرؤوس التسعة المقطوعة التي وضعت في صناديق الموز وبينهم رأس إبراهيم قسمة، وسوف ينهي الرواية بالبحث عن جثة هذه الضحية التي لم تأخذ التحذيرات على محمل الجد فأصبحت هدفا للإرهاب الأسود الذي كان يجتاح العراق عام 2006 على وجه التحديد. إذن، يمكننا القول إن هيكل الرواية العام يقوم في جوهره على ثلاث شخصيات رئيسة وهم «عبد الله، طارق وإبراهيم»، لكن قسمة، البنت الوحيدة لإبراهيم سوف تلعب دورا محوريا يحرف الرواية إلى مسارات لم يكن يتوقعها القارئ حتى إنها تنازع الشخصيات الرئيسة الثلاث على دور البطولة لأنها سوف تلعب لاحقا دورا صيانيا تحاول فيه أن تجمع أشلاء الأب المبعثرة الذي بدأ يمثل لها العراق برمته لأسباب كثيرة لعل أبرزها أنه كان يوثق أسماء الضحايا الذين كان يفتك بهم النظام السابق، ويعذبهم، ويشوه ملامحهم قبل أن يضع حدا لحياتهم. فيما كان أزلام النظام القمعي يمارسون دورا تدميريا لا يختلف كثيرا عما يمارسه الإرهاب وبعض المجموعات المسلحة التي روعت العراقيين منذ عام 2003 وحتى الوقت الراهن. وهنا تكمن أهمية البنيتين الصيانية والتدميرية اللتين تتوزعان على مدار النص. * الشخصيات الإشكالية * لم يستطع عبد الله أن يتستر على مجهولية أبيه، ولم يفلح في أن يتخلص من «العار» الذي لحق به، لذلك أحب كافكا، وتعلق برواياته، وتماهى حتى مع عالمه الشخصي الذي يشترك معه في الأقل بمجهولية الأب على الرغم من أننا، كقراء، سنكتشف لاحقا أن جلالا، ابن المختار هو الذي اغتصب «زكية» البلهاء فأنجبت منه عبد الله كافكا الذي سيتحول إلى إنسان كئيب ومتشائم وكسول ولا يحب العمل، لكنه سيكرس نفسه للقراءة فتتعزز علاقته بطارق المندهش وإبراهيم قسمة، لكنه يساق إلى الخدمة فيقع في الأسر عام 1982 ولم يعد منه إلا بعد عشرين عاما فيشعر أنه ميت في الحياة، خصوصا بعد أن رفض صديقه طارق أن يزوجه من أخته «سميحة» التي أحبها، لكنهم زوجوها عنوة لأحد أبناء عمومتها فهربت منه بعد أربعين يوما من الزواج. لا يختلف مصير إبراهيم قسمة عن عبد الله كافكا كثيرا، فلقد فقد ساقه في الحرب، وأصيب بالعقم، ورأى الفظائع والأهوال في حدائق الرئيس، ومات في الحياة أيضا، لكنه انتهى نهاية مفجعة على يد الإرهابيين الذين فصلوا رأسه عن جسده، حيث وصل الرأس المقطوع إلى قريته، فيما ظل الجسد ضائعا في بغداد. أما طارق المندهش فلقد أفلت من خدمة العلم لأنه كان معلما وإماما بأحد الجوامع، كما أنه الأوفر حظا بين أصدقائه الثلاثة، فهو يحب «فهدة» البدوية من جهة، ولديه علاقات عاطفية مع أكثر من امرأة من جهة أخرى، وفي خاتمة المطاف يعقد قرانه على قسمة ويذهب معها للبحث عن جثة أبيها المغدورة في بغداد. نخلص إلى القول إن هذه الشخصيات الثلاث هي شخصيات إشكالية وينطوي بعضها على جوانب إيجابية على الرغم من يأسها وقنوطها نتيجة للظروف الشاذة التي تحيط بها. * الشخصية الصيانية * أشرنا قبل قليل إلى أن «قسمة» هي الشخصية الصيانية في هذا النص الروائي، فهي التي كانت تحاول دائما أن تلملم أطراف عائلتها المبعثرة. فقد ولدت في أسرة فقيرة، لكنها كانت طموحة جدا، وقد بدأ تباشير هذا الطموح يلوح في مخيلتها منذ كانت صبية يافعة حيث كانت تتطلع إلى طارق المندهش بمحبة وإعجاب كبيرين، وحينما انتقلت إلى بغداد أحبت ضابطا طموحا جدا، لكن طموحه سيقتله على الرغم من أنه كان يحب رأس النظام السابق حيث وشم اسمه على ذراعه الأيسر، ومع ذلك عذب وقتل ودفن في حدائق الرئيس التي كان يعمل فيها إبراهيم قسمة ويوثق كل المعلومات المتاحة عن المغدورين. وعلى الرغم من أن «قسمة» كانت تشعر بنوع من البرود تجاه والدها بعد أن فقد ساقه في الحرب، إلا أنها أعادت له اعتباره ومكانته الحقيقية التي تليق به حينما قررت البحث عنه لأنه أصبح رمزا للعراق، بل إنها أحيته من جديد حينما غيرت اسم ابنها من صدام إلى إبراهيم. لقد تغيرت «قسمة» تغيرا جذريا بعد المحن التي عاشتها، والفجائع التي حلت عليها من حيث لا تحتسب، فلا غرابة أن تفهم الدنيا بطريقة أعمق من ذي قبل لأن الحياة قد علمتها أشياء كثيرة وجعلتها في خاتمة المطاف تطرح كثيرا من التساؤلات المؤرقة بصدد ابنها إبراهيم الذي لا تدري إن كان سيحمل ملامح أبيه المغدور، أم سيكون مثل الرئيس المخلوع الذي اغتصب قسمة، أم مثل أبيها إبراهيم الذي تحول إلى رمز كبير، أم مثل طارق المندهش الذي يتوفر على روح إيجابية على الرغم من تصيده للفرص، وترتيب أوضاعه المستقبلية مع النظام الجديد. لا شك في أن تساؤلات قسمة المقلقة قد تحولت إلى خليط غير متجانس في جوفها، الأمر الذي جعلها تشعر بالقرف والغثيان فأحست برغبة عارمة في التقيؤ والتخلص من هذا القيح الساخن الذي يغلي في داخلها لتترك القارئ في مواجهة النص المفتوح على مصير إبراهيم الابن الذي سيمشي على أرض الرافدين ويطأها كما وطأها مئات الآلاف من الأشخاص الذين يحملون هذا الاسم الذي ينطوي على دلالة مجازية واضحة. تنطوي هذه الرواية على ثيمات فرعية كثيرة من بينها الحب، والحرب، والاغتصاب، والرجم، والسجون، والمعتقلات، ومعسكرات الأسر، والمقابر الجماعية، والتعذيب الوحشي في العراق وإيران. كما أنها تسلط الضوء على حياة الرئيس السابق وعوالمه الخاصة التي لم نطلع عليها بهذه الدقة، حيث يأخذنا الرملي في جولة مثيرة ومرعبة في قصوره وحدائقه ويخوته الرئاسية التي تقذف المتلقي في عالم عجائبي غريب ومدهش حقا. أصدر الرملي روايتين أخريين وهما «الفتيت المبعثر» و«تمر الأصابع» وسبعة كتب أخرى تتوزع بين القصة والمسرحية والشعر ترجم معظمها إلى الإسبانية وبعضها إلى الإنجليزية.

    0 0

    من المؤكد أننا لا نوظف ميكانيكيا أو سباكا أو كهربائيا أو طبيبا إلا إذا كان مؤهلا لهذه الوظيفة، ومع ذلك فإن معظمنا يحظى بوظيفة أب أو أم من دون تدريب. ونحن ندرس ست عشرة سنة أو أكثر من أجل الحصول على شهادة جامعية نخوض الحياة بها، ولكننا نصبح آباء أو أمهات بطرفة عين، وفي سن مبكرة قد تصل إلى سن المراهقة، دون دراسة سابقة أو إعداد سابق لهذه المسؤولية الضخمة التي نجد أنفسنا فجأة وراء مكتبها. عن هذا الواقع الغريب، ولكن الصادق والحقيقي، يتحدث كتاب «دليل التربية الوالدية» لمؤلفيه الدكتور هشام الطالب والدكتور عبد الحميد أبو سليمان والدكتور عمر الطالب، الذي سيصدر عن «المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن باللغة الإنجليزية»، كما تصدر في وقت مقارب ترجماته إلى اللغة العربية وعدد آخر من اللغات. ورغم عظم دور الأبوة والأمومة وتأثيرهما في الأولاد فإن الناس ينظرون إلى هذا الأمر، للأسف، على أنه أمر غريزي وبدهي لا يحتاج إلى إضاعة الوقت والجهد بالتفكير فيه. ويؤكد «دليل التربية الوالدية» أنه ليس من قبيل المصادفة أن يرى المرء أسرة سعيدة تعيش في تناغم وانسجام، وينعم أفرادها ببيئة منزلية آمنة ومريحة يتحلى فيها الأولاد بالأدب والمعرفة والسلوك السليم؛ إذ لا بد أن تكون مثل هذه الأسرة نتاج عمل شاق ودؤوب من الوالدين لتأسيس علاقة متينة وسليمة تربطهما بأولادهما، ومن أجل تعميق التواصل والتقارب بين الآباء والأبناء من جهة، وبينهم وبين المجتمع والعالم من حولهم، من جهة أخرى. فالتربية الوالدية هي استثمار طويل الأمد، وهي أساس النجاح في بناء أسرة صحية تقوم على تنشئة الأولاد العاطفية والنفسية والجسدية، وتسهم في توفير بيئة دافئة ومتحابة، ينمو فيها الأولاد ويتطورون. ويهدف الكتاب إلى الإسهام في تقديم العون للآباء والأمهات، من خلال معالجة المشاكل التي يواجهونها، والتقليل من الأخطاء التي ينزلقون إليها في ميدان العناية بالأولاد، أو التخلص منها كليا، فهو بهذا بمثابة «دستور» للأسرة، أو «بوليصة تأمين» للوقاية من معظم الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الآباء والأمهات. ويذهب الكتاب إلى أن التربية الوالدية هي من أبرز الإشكاليات التي تواجه العالم العربي والإسلامي في وقتنا الحاضر، ويعود سبب ذلك إلى أن معظم الآباء لا يتلقون، قبل الزواج أو بعده، أي تعليم في مجال التربية الوالدية، فيجدون أنفسهم فجأة جنودا في معركة لا يملكون فيها سلاح المعرفة والخبرة والمهارة والتدريب. إنهم يعتمدون غالبا في تربية أبنائهم وبناتهم على الفطرة، وعلى المنطق العام المبني على الموروث الثقافي من الآباء أو الأجداد، وهؤلاء، على الأغلب، إما غير متعلمين، وإما يحملون مفهوما ثقافيا مختلفا لزمن مر وانتهى، ولا يستوعب تطورات العصر السريعة والمتلاحقة. ومن المؤسف أن كثيرا منهم ممن تلقى تعليما في هذا النطاق اعتمد في تعليمه غالبا على مصادر أولئك الذين كتبوا لمجتمعات غير مجتمعاتنا، وأسسوا لبيئة غير بيئتنا، ووضعوا نظرياتهم من خلال تجارب غير تجاربنا، وأسس ثقافية وفكرية، وربما دينية، غير الأسس التي يمكن أن تؤسس لنا أسرة سليمة تستجيب للواقع وللزمن وللثقافة وللبيئة التي نعيشها نحن، لا تلك التي يعيشها غيرنا. ويخاطب الكتاب، فيمن يخاطب، أولئك الآباء الذين يحاولون أن يعوضوا من خلال أبنائهم ما لم تسعفهم الحياة لتحقيقه لأنفسهم، كما يخاطب أولئك الذين فضلوا أن يتخلوا عن واجباتهم الأبوية، آباء كانوا أو أمهات، فأوكلوها إلى غيرهم، بسبب عدم وجود الوعي الكافي بخطورة هذه المسؤولية، أو بسبب عدم توافر الوقت اللازم، وهم يعيشون تحت وطأة الأوضاع المادية أو الاجتماعية في بلادهم، أو ربما بسبب ازدهار هذه الأوضاع عند بعضهم، فيتنازلون عن واجبهم الأساسي للمربيات، أو المعلمين، أو الأقارب، أو التلفزيون، أو ألعاب الحاسوب أو الإنترنت.. إلخ. ورغم عدم وجود نموذج شامل يمكننا استخدامه في موضوع العناية بالأولاد وتربيتهم، فإن هناك إجراءات إذا تم تطبيقها يمكن أن تساعدنا في تحقيق هدفنا. ولا بد أن ندرك، ونحن نسعى لإيجاد هذا النموذج الشامل، وفي ظل شعورنا بالتراجع الأسري المرير في عالمنا العربي والإسلامي، أن الطريق إلى التربية الوالدية السليمة والصحيحة أصبحت سالكة، ولم تعد الآن ضربا من المغامرة والسير على غير هدى، وأن المؤسسات الفكرية والتربوية قد بدأت تعي حجم المشكلة، وانطلقت للتخطيط التربوي السليم من أجل إيجاد حلول لها، ويشكل هذا الكتاب أحد المنطلقات الجادة في هذا المجال.

    0 0

    يختلف هذا الكتاب عن الكتب الصادرة حول سوريا عموما في نقطتين: أولا أن المؤلف هو المدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية - واشنطن، ويضم هذا المركز نخبة من الباحثين والدارسين والكتاب المتخصصين بأحوال سوريا خصوصا والشرق الأوسط عموما. ثانيا، هذا الكتاب محاولة لرواية تفاصيل العقد الأول من سلطة بشار الأسد، وتجربة المؤلف مع ما عرف بـ«ربيع دمشق». حقيقة الأمر أن كثيرا من الأنظمة العربية حاججت بعدم وصول الاحتجاجات إليها، بسبب اختلاف الظروف، على الرغم من أن المشترك بين هذه الأنظمة هو أكثر بكثير مما تختلف عليه. فهي تشترك في هيكل النظام التسلطي مع اختلاف الدرجات، وفي إهانة الكرامة الإنسانية لمواطنيها عبر التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء والقانون والتمييز وغير ذلك. لذلك، اعتبر الرئيس السوري أن سوريا محصنة وبعيدة عما شهدته دول عربية أخرى، مثل تونس ومصر واليمن وليبيا «بسبب قرب الحكومة السورية من الشعب ومصالحه»، على حد تعبيره. وبسبب موقفه المعادي للولايات المتحدة والصراع مع إسرائيل، متناسيا أن الثورات التونسية والمصرية والليبية واليمنية لم تكن ذات دوافع تتعلق بالسياسة الخارجية، وإن كان الفشل في هذا المجال من أسباب تأجيجها، بقدر ما كان نتيجة الفشل المتراكم لإدارة الشؤون الداخلية. يرى المؤلف أن سوريا حالة مثالية للثورة، حيث اجتمع فيها الفشل السياسي والإخفاق الاقتصادي، فهي لم تحقق لا الخبز ولا الحرية، فضلا عن قصص الفساد التي يتناولها السوريون بشأن رجال أعمال محدثي النعمة اعتمدوا على التحالف مع الأجهزة الأمنية من أجل تكديس ثرواتهم لتفضح الهوة بين طبقة تزداد ثراء ومجتمع يزداد فقرا، فهناك 30 في المائة من السوريين تحت خط الفقر. أخر في سوريا الثورة الخوف من قمع الأجهزة الأمنية، وتحفيز ذاكرة الخوف التي ترسخت لدى السوريين بعد أحداث الثمانينات من القرن الماضي، التي خلفت أكثر من 30 ألف قتيل وما يزيد على 125 ألف معتقل سياسي، و17 ألف مفقود لا يعرف مصيرهم حتى الآن، فضلا عن سِيَر التعذيب التي يتداولها السوريون مما يشكل رادعا نفسيا يلجم أي تحرك مطلبي أو سياسي. لقد راكم حزب البعث الحاكم، منذ وصوله إلى الحكم في سوريا عام 1963 تاريخا حافلا من الممارسات الاستخباراتية والأمنية بحق شرائح الشعب السوري كافة من الأحزاب المعارضة، إلى التيارات الدينية، إلى المثقفين وحتى المواطنين العاديين. وكان هذا النظام التسلطي أداة للاستمرار في الحكم لما يقارب الخمسين عاما. لقد تحول الحزب إلى مؤسسة بيروقراطية، فقد جرى المزج بين دوره كحزب سياسي والسلطة، وأصبح الحزب نتيجة ذلك يخضع لسلطة الأجهزة الأمنية التي تراقب فعاليته وأنشطته، لذلك، يتندر السوريون بالقول إن «حزب البعث» ليس إلا فرعا إضافيا للأجهزة الأمنية. هذه الأجهزة هي الاستخبارات العامة (أمن الدولة) التي تتبع رسميا وزارة الداخلية، والأمن السياسي الذي هو دائرة من دوائر وزارة الداخلية, والاستخبارات العسكرية واستخبارات القوى الجوية اللتان تتبعان اسميا وزارة الدفاع. يشرف على هذه الأجهزة المختلفة مكتب الأمن القومي التابع للقيادة القطرية لحزب البعث. إن لكل هذه الأجهزة مهمات المراقبة المحلية، وتمتلك فروعا في كل المحافظات، وفروعا مركزية داخل العاصمة، باستثناء استخبارات القوى الجوية ذات المهمات الخاصة. وفي ظل حمى التنافس الأمني بين الأجهزة المختلفة فقد توسع دور بعض الفروع بشكل كبير على حساب الإدارة التابع لها. وقد بلغ عدد الموظفين في أجهزة الأمن السورية المختلفة 65 ألف موظف بدوام كامل، وعدة مئات من الألوف بدوام جزئي. ووفقا لذلك هناك رجل استخبارات لكل 153 مواطنا سوريا، وهي النسبة الأعلى في العالم. هذه العلاقة بين الدولة والمجتمع، كما يقول المؤلف، أسقطت مفهوم المجتمع المدني، فنشأت مرحلة أشبه بالتكيف، خصوصا مع حل النقابات المهنية، والجمعيات المتعددة المقاصد، فالمجتمع المدني المؤهل يبرز التأثيرات الإيجابية التي تنبع من الانضمام إلى جمعيات ونقابات تساهم في إدارة شؤون الدولة وتعضدها. بينما في الدولة التسلطية فالمجتمع المدني موظف لدى الجماعة المسيطرة لإضفاء الشرعية على الكتلة الحاكمة، مما يولد «المجتمع المدني المقاوم». لقد مارس الحكم في سوريا سياسة التراجع والتقدم، وهذه السياسة في سبيل توازنها تحتاج إلى إدارة تتصف بالحذر والحكمة والسرعة في الأداء، وتتطلب إطلاق روح من الحماسة القائمة على الأمل بالتغيير لمستقبل أفضل داخل الشرائح والفئات الاجتماعية المختلفة. وبشار الأسد لم يتمكن من تحقيق التوازن فاجتمعت ضده شرائح المجتمع المستيقظة لتحرك الشرائح النائمة ويصبح الكل في موقع الاعتراض والخصومة، يستخلصون حقوقهم بقوة السلاح. إن نجاح شباب مدينة درعا الجنوبية في كسر حاجز الخوف دفع بالثورة للتمدد والاستمرار، وبالثوار للتصميم لاستكمال ثورتهم، وأنه لا يمكن وأد هذا الأمل على الرغم من توسع حملة الاعتقالات وسقوط الشهداء بسبب اللجوء إلى العنف المفرط. فالسلطات الأمنية تعاملت مع هذه المطالب والمظاهرات وفق السياسة الأمنية القمعية ذاتها، باتهام من قام بها بأنهم «عصابات مسلحة» مما زاد من الغضب على السلطة لأنها لم تحترم دماء الشهداء. وإذا حللنا الشعارات المستخدمة في المظاهرات السورية في بداياتها، نجد قدرة فائقة لدى الشباب السوري على إدراك طبيعة السلطة الحاكمة، وإبطال تأثير مفعولها السياسي والإعلامي. فالنظام السوري يفرط في استخدام لغة التخوين ضد كل معارضيه أو المنشقين عنه، عبر وصمهم بالعمالة لأميركا أو إسرائيل. فكان رد الشباب السوري عبر شعار «الخاين يللي بيقتل شعبو». كما أن الإعلام الرسمي وصف من قاموا بالمظاهرات بأنهم «مندسون»، فأطلق الشباب السوري عبر مواقع التواصل الاجتماعي الأقوال منها: «أنا المواطن السوري.. أعترف بأني مندس في المطالب الوطنية للشعب السوري، وسأدافع عن حقي بالاندساس». بالتأكيد ساهمت هذه التكتيكات في إبطال التأثير الإعلامي والسياسي الرسمي، ودفعت مزيدا من الشباب إلى التظاهر والمطالبة بحقوقه السياسية والاقتصادية. انطلقت الاحتجاجات الشعبية من درعا، ودرعا محافظة طرفية تعرضت للتهميش والإهمال، كما تعرض أبناؤها لتدني مستوى الرعاية الصحية والتعليمية، لذلك يملك شبابها كل مقومات الثورة وعدم الرضوخ، إضافة إلى أن المجتمع العشائري في المدينة ولد مزيدا من التضامن بين أبنائها. فلم يستطع النظام التصدي، وأسقط في يده عزل المحافظة أمنيا وسياسيا. لقد ابتدأت الثورة في المكان المثالي الذي كان عليها أن تبدأ فيه. ومع تزايد الاحتجاجات والمظاهرات وتصاعدها في أكثر من مدينة سورية برز السؤال ساطعا: من يقف وراء الاحتجاجات؟ وما دور المعارضة السورية؟ وهل ستلعب المعارضة في المستقبل دورا في توجيه مسار الأمور فيما لو سقط النظام السوري الحاضر نتيجة لتصاعد الاحتجاجات واتساعها؟ لا بد من القول، في البداية، إن الانتفاضة السورية هي انتفاضة شعبية غير منظمة، ودون قيادة موحدة، ولا تدين بأي آيديولوجيا. وبحكم شدة القبضة الأمنية كان من المستحيل تماما وجود حالات منظمة أو شبه منظمة لحركات شعبية حتى ولو نشطت في السر، لذلك وجدنا عشوائية عارمة في مناطق خروج المظاهرات في كل المدن السورية تقريبا ومن دون تنظيم مسبق، وعشوائية أخرى في طريقة رفع الشعارات على الرغم من تركيزها الكبير على الحرية والكرامة كرد على احتقار الدولة الأمنية السورية في تعاملها مع مواطنيها. لكن، مع تطور الاحتجاجات، كانت المظاهرات تزداد حجما من أسبوع إلى آخر، كما أن المطالب والشعارات أصبحت أكثر جرأة حتى توحدت بشكل ما تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». فكان من الطبيعي بعد ذلك، أن يخرج قادة ميدانيون قادرون في كل مدينة على تنظيم المظاهرات وحركتها ومحتوى الشعارات. لقد لعب القادة الميدانيون دورا محوريا، ولم يرتقوا بعد كي يصبحوا قادة على المستوى الوطني، لأن هذا الأمر يحتاج لبعض الوقت. كما لعب المسجد دورا محوريا، خاصة في المدن كنقطة انطلاق للمظاهرات أكثر من كونه موجها لها. فتطبيق قانون الطوارئ لمدة تزيد على 47 سنة، لم يعمل فقط على حظر المظاهرات والتجمعات، وإنما قضى على التقاليد الضرورية لتمرين الشباب على الخروج والتظاهر من أجل المطالبة بحقوقهم. عليه، واستنادا إلى الكتاب، يمكن تقسيم المعارضة السورية اليوم إلى 3 أنواع رئيسة ممن يلعب دورا في تصاعد الاحتجاجات: المعارضة التقليدية: وهي تشمل أحزاب المعارضة التي أبعدت أو رفضت الدخول في «الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة» التي تشكلت عام 1972، ثم انتظمت فيما يسمى «التجمع الوطني الديمقراطي» عام 1983. ويغلب على هذه الأحزاب التوجه القومي واليساري. يضاف إليهم «الإخوان المسلمون» الذين انعدم وجودهم على الأرض نتيجة القانون 49 الذي يحكم بالإعدام على كل منتسب لـ«الإخوان»، لذلك فتأثيرهم في هذه الأحداث ضعيف، حتى بعد أن اتخذوا قرارهم في دعم الاحتجاجات في سوريا. لعبت هذه المعارضة دورا ثانويا في قيادة المظاهرات، على الرغم من أن كل وثائقها السياسية التي صدرت خلال العقود الماضية كانت تطالب برحيل النظام. ولا بد من القول هنا إنه نظرا إلى خبرة أعضائها السياسية الطويلة، فإن هذه المعارضة التقليدية تتمتع بالخبرة السياسية الضرورية في التفاوض، ربما من أجل إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة، وربما لهذا السبب قامت الأجهزة الأمنية السورية باعتقال كل قياداتها على الرغم من أنها تدرك دورها المحدود في إخراج المظاهرات. القادة الميدانيون: هم نوع جديد من القادة، يتمتعون بالاحترام داخل مدنهم المحلية، أثبتوا قدرة على القيادة وتنظيم المظاهرات وتوجيهها. وفي الوقت عينه، امتلكوا القدرة على أداء خطاب صلب مناهض للنظام. وهم ينتمون بمعظمهم إلى الطبقة الوسطى ذات التحصيل العلمي العالي. يتعذر على النظام قمعها عبر اعتقال قياداتها، لأنه في كل يوم تتوالد قيادات جديدة تقود المظاهرات وتحرض عليها. النشطاء الحقوقيون ونشطاء الإنترنت: أبدى هؤلاء قدرة رائعة ونادرة على كشف انتهاكات حقوق الإنسان وفضحها، وإيصال هذه المعلومات إلى المنظمات الحقوقية الدولية، مما ساعد على تأليب الرأي العام العالمي وزاد من حجم انتقادات المنظمات الدولية، الأمر الذي أضيف إلى الضغوط الدولية، التي كان أبرزها إرسال لجنة تحقيق دولية إلى سوريا للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان. اجتمعت هذه المعارضات، واجتمع الرأسمال «الهارب» والمثقف «المهاجر» والخصم السياسي والمضطهدون المنكل بهم والمقموعون الذين صودرت حناجرهم، وأقرباء الضحايا من اليمين واليسار والمتدينين والعلمانيين والأصوليين متوسلين أجسادهم العارية والإنترنت و«فيس بوك»، وكل ما يتوافر لهم للعبور بسوريا نحو الجمهورية الرابعة تحت ظلال الحرية.

    0 0

    يولد الطفل في كنف العوائل «الميسورة» وهو يلهو ويعبث بالعلب الخاوية والدمى المتراكمة هنا وهناك، بينما ولدت أنا وترعرعت في عز عائلة يغوص أفرادها في بطون الكتب والمجلدات التي تفترش وتحتل عشرات الرفوف المرصوفة على جدران غرفة واسعة المساحة، فتستهويني ألوان تلك الكتب المجلدة بعناية ودقة، وهي تزدهي فوق تلك الرفوف العالية، فأروح ألهو وألعب وأقلب في أوراقها، والوالد الأديب الكبير والصحافي المعروف، يطرب وهو يرقب تعلقي بالكتب بديلا عن الدمى المهشمة والمتناثرة في غرف الإخوة الأربعة، فيشير علي بقراءة كتب عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وطه حسين وسلامة موسى وتوفيق الحكيم وكرد محمد علي وجبران خليل جبران والتغني بأشعار شوقي وإيليا أبو ماضي والرصافي وغيرهم. تعلقت في سني ما بعد الدراسة الابتدائية، بكتابين هما «رسائل من والد إلى ولده» لخير الدين يكن، و«الأدب العصري في العراق العربي» لأبي: رفائيل بطي، وكان لهما تأثير كبير في مسيرة حياتي، إذ جعلني الأول، أحاول تقليد المؤلف في تضمين جملة الرسائل المتبادلة بيني وبين الوالد أثناء وجودي خارج الوطن لغرض الدراسة، وهي رسائل تربوية لي من أب خبير، والثاني، أعانني في غور سبل المعرفة والبحث الجاد في الكتابة. لم يدر في خلدي، أن تعلقي بالكتابين المذكورين وأنا ألج ميدان الكتابة لاحقا، أنهما سيجعلاني أسهب في تأليف ما ينيف على خمسة عشر كتابا، تتناول السيرة والمذكرات وتدوين تاريخ الصحافة العراقية، إلى جانب طبع ثلاثة أجزاء من كتابي (الوجدان)، وإخراج جزأين من كتاب «رفائيل بطي – ذاكرة عراقية»، وبالأخص، كتابي الأخير الصادر قبل أسابيع الموسوم بـ«عراقيون في الوجدان» الذي يحكي وجهة نظري من الناحية الوجدانية عن ثلاثين شخصية عراقية، عسكرية وسياسية وثقافية معروفة خدمت الوطن، فأعطى هؤلاء له حبا، بقدر ما أعطاه الوطن لهم من وجدان. إن مهنة الصحافة هي مهنة البحث عن الحقيقة وليست البحث عن المتاعب كما يحلو للكثيرين أن يصفوها، وكل من يتخذها مهنة شريفة له، يجد نفسه وهو يسرع الخطى لأن يكون حارسا على تلك الحقيقة، وخير معين للصحافي الناجح، هي الثقافة، وخصوصا باللغة الأجنبية إلى جانب لغة الأم. وهذا ما دفعني إلى التمسك بالكتاب أينما ذهبت، سواء في غمرة العمل الإعلامي، أو في خضم النشاط السياسي، فالكتاب هو خير جليس للمثقف المنتج في كل الأوقات والأزمان. ولهذا، تشكلت لدي مكتبة تضم الكثير من مذكرات الساسة العراقيين والعرب والأجانب، والكثير من كتب التاريخ القديم والحديث، أبرزها كتاب الحاكم المدني للعراق بعد الاحتلال بريمر، وهو كتاب يعطيك الدليل عن خبايا السياسة وخطرها، على يد جهلة السياسة. وحكايتي مع الكتاب، أي كتاب، تنبع من حق هذا الكتاب علي في مسيرة العطاء لهذا الوطن، منذ أن زودتني مكتبة الوالد في شارع الزهاوي بمنطقة الأعظمية بالزاد المعين، إلى أن حاولت السياسة، كما هو معروف، إبعادي عنها كجزء من متطلباتها، إلا أني بت أكثر التصاقا وولعا بالقراءة، لأنها أضافت إلي إضافات في عناوين السياسة وخباياها، في حلوها ومرها، وهي بحر من آلاف الصفحات الواجب تتبعها للوقوف على الوجه الناصع للحقيقة، كل الحقيقة، نتلقاها، لنمنحها بدورنا إلى المتلقي في كل وسائل المعرفة إيفاء منا، لدين في أعناقنا. * كاتب ومؤرخ صحافي، يلقب بـ«عميد الصحافة العراقية». صدر له أخيرا «عراقيون في الوجدان» ومن أعماله الأخرى: - «الصحافة العراقية، ميلادها وتطورها»، «صحافة العراق، تاريخها وكفاح أجيالها»، «صحافة تموز وتطور العراق السياسي»، «صحافة الأحزاب»، «أعلام في صحافة العراق»، «الموسوعة الصحافية العراقية»، «الصحافة اليسارية في العراق»، «كتاب الصحافة العراقية في المنفى»، «أبي»، «الخيانة الكبرى»، «قضايا صحافية»، «الوجدان» بمجلدين.

older | 1 | (Page 2) | 3 | 4 | .... | 8 | newer