Are you the publisher? Claim or contact us about this channel


Embed this content in your HTML

Search

Report adult content:

click to rate:

Account: (login)

More Channels


Showcase


Channel Catalog


Channel Description:

الشرق الاوسط جريدة العرب الدولية

older | 1 | 2 | 3 | (Page 4) | 5 | 6 | .... | 8 | newer

    0 0

    أصدرت رابطة الكتاب السوريين العدد الأول من مجلتها الفصلية «أوراق» الذي جاء في 400 صفحة. العدد تصدرته لوحة للفنان السوري المعتقل يوسف عبدلكي، وكتب مقدمته د. صادق جلال العظم، رئيس تحرير المجلة وقسمت «أوراق» إلى عدة محاور. في «المحور الفكري» نشرت المجلة دراسة لعزمي بشارة عن «الثورة والمرحلة الانتقالية» طرح فيها عدة إشكاليات تتعلق بهذه المرحلة الخطيرة مستنتجا في خاتمة مقاله، أن «الضمان الرئيس لحلها هو مشاركة المجتمعات في السياسة والمجال العام إلى درجة تجعل إدارة عجلة التغيير إلى الخلف غير ممكنة». ونشرت المجلة مقابلة مع أمين معلوف ترجمها محمد الجرطي ذكر فيها أنه سعيد لكونه عاش ليرى ثورات الربيع العربي. ورأى في هذه المقابلة أن الإسلام يتوافق مع قيم الديمقراطية ومع العلمانية. سلافوي جيجيك، الفيلسوف السلوفيني كان موضوع مقابلة أخرى استنتج فيها أنه «بعد الثورات العربية صار التغيير الجذري في العالم ممكنا». وترجم عدي الزعبي للمجلة ثلاثة لقاءات أجراها الموقع مع الكتاب والناشطين السوريين ياسين الحاج صالح وبكر صدقي وحازم نهار. وجه ياسين الحاج صالح في مقابلته رسالة للسياسيين الغربيين قائلا فيها: «اخرسوا رجاء وكفاكم غباء وعجرفة!»، أما بكر صدقي فبين أن الإسلاميين والعلمانيين التحقوا بالثورة بعد فترة من بدايتها، ووضح حازم نهار بداهة عودة السوريين لثقافتهم الدينية دفاعا عن أنفسهم. رفيق شامي، الروائي السوري الذي يكتب بالألمانية، قدم دراسة تناولت إشكالية قديمة في الثقافة العربية تكشف عن الخلل المتبادل بين اللغوي والديني والثقافي، والمتمثل في الخلاف حول عدد أحرف العربية هل هي ثمانية وعشرون أم تسعة وعشرون. ويتناول عادل بشتاوي أيضا قضية لغوية إشكالية هي «المحكيات والفصحى»، معتبرا أن «أساس الكلام المحكيات لا الفصحى التي ابتكرها». ويعالج سمير سعيفان، الكاتب والباحث الاقتصادي في مقالته «دور مزعوم للنفط والغاز في الصراع على سوريا». ويتناول عدنان عبد الرزاق موضوع التهديم الممنهج للاقتصاد السوري ويعتبر أن مقولة «الأسد أو نحرق البلد» مقولة عدمية زادت تكلفتها على 50 مليار دولار. ونشر سليم البيك مقالا تحدث فيه عن مواقف الحركات والأحزاب الفلسطينية من الثورة السورية ملاحظا تشابهات كثيرة بين هذه الحركات والأحزاب رغم اختلافاتها الآيديولوجية، معتبرا أن القيادات الفلسطينية أصبحت عبئا على شعبها. أما الشاعر الأردني أمجد ناصر فقدم قراءة في كتاب «السيطرة الغامضة» للكاتبة والأكاديمية الأميركية ليزا وادين، متناولا جوانب مهمة منه مثل تحليلها لآلية صناعة الديكتاتور من خلال «تقديس القائد» وصناعة الصورة وفي تأسيس نظام أمني واستخدام سياسة خارجية للتغطية على السياسة الداخلية، معتبرا في نهاية مقاله أن سقوط أيقونات النظام هزت الحكم وأسست لسقوطه. الكاتب والشاعر الليبي فرج العشة قدم قراءة تاريخية لسوريا التي سماها «فريسة الأسد»، مركزا على السياسة التدميرية التي طبقها النظام السوري على كل سوريا، كما أشار إلى الاختلافات بين ليبيا وسوريا جيوبولوتيكيا واستراتيجيا، من حيث مجاورة إسرائيل وحزب الله وقرب إيران منها. أما الأكاديمي التونسي عز الدين عناية فكتب مقالة عنونها «رسالة إلى أخي المسيحي في سوريا»، معتبرا أنه «في عصر الطغيان ضاق فهم المسيحية لدينا، كما ضاق فهم الإسلام، حتى بتنا نرى خلاصنا في طمس ذاكرتنا». وتساءل عمر قدور في مكان آخر: «متى يثور الكتاب على أنفسهم؟»، مشيرا إلى أنه بعد أن خرج السوريون مضحين بأرواحهم لمقارعة أعتى الأنظمة «فذلك مدعاة لأن يتمتع المثقف بجرأة موازية ليثور على ثقافة السلطة وعلى نفسه أيضا». أما خطيب بدلة ففكك في مقالته «سوريا دولة القانون» القوانين السارية المفعول في سوريا بدءا من قانون الطوارئ وأمن الدولة والمخابرات العامة وصولا إلى أمن «البعث» وقوانين أخرى كثيرة تجيز الإعدام بسبب الرأي وحماية المجرمين مثل المرسوم التشريعي رقم 69 الذي يحصر ملاحقة عناصر الشرطة والأمن السياسي والجمارك المتهمين بممارسة التعذيب بالقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة رغم أنهم حسب القانون يتبعون وزارة الداخلية. ملف العدد احتفل بشعراء كرد يكتبون باللغة العربية بمقدمة ضافية لإبراهيم اليوسف. المخرج السينمائي والكاتب هيثم حقي كتب عن مدينته حلب مستعيدا تجربة في الحراك المدني شهدتها المدينة وقام حقي بتصويرها في فيلم «حلب.. البعض يفضلها قديمة»، ويشير في مقالته إلى مقتل أخته سوسن حقي خلال قصف النظام كلية العمارة بحلب مع 82 طالبا وطالبة. مارتن ماكنسون، الأركيولوجي الفرنسي، قدم كشف حساب طويل للأماكن الأثرية وذات القيمة التاريخية العالية التي قام النظام بتدميرها، معنونا مقالته «تحطيم الذاكرة وتقسيم شعب: ما لم يدمره تيمورلنك». فادي عزام، الروائي والشاعر السوري قام من ناحيته بمقابلة شاب مبدع متخف ابتكر أسلوبه الخاص للمشاركة في الثورة السورية من خلال طوابع الثورة السورية التي تمجد العمل السلمي وتحاول ردم الهوة بين مختلف الفئات في المجتمع السوري، أو كما يقول «الكل سواسية بالطبع.. ما عدا الشبيحة!». فادية لاذقاني قدمت قراءة أدبية لمعرض الفنان والنحات السوري عاصم الباشا «تحية إلى نمير»، وهو أخوه الذي قتلته قوات النظام السوري. وقدمت المجلة لقاء خاصا أجراه الكاتب والمخرج الفلسطيني حسام عاصي مع المخرج الأميركي بن أفليك، الذي قال فيه إن الأميركيين يتهمون العاملين في هوليوود بأنهم يساريون متطرفون، بينما يعتبرون في الخارج أميركيين شوفينيين. أما علي سفر، الإعلامي السوري، فقدم قراءته لفنون الثورة السورية واعتبرها قطيعة مع ماضي الاستبداد. ونشرت المجلة أيضا مجموعة من القصص القصيرة لكتاب سوريين وعرب، وكذلك مراجعات نقدية. وكانت المجلة قد احتفلت بانطلاقتها في لندن في 15 أغسطس (آب) ضمن مجموعة من الفعاليات التي يشارك فيها كتاب ومثقفون سوريون وعرب في العاصمة البريطانية.

    0 0

    عن دار «فيبر وفيبر» للنشر بلندن صدر خلال هذا العام الجزء الرابع من رسائل ت.س. إليوت (1888 - 1965) الشاعر الأميركي المولد الإنجليزي الجنسية الذي أحدث ثورة في شعر القرن العشرين بقصائده «الأرض الخراب» و«الرجال الجوف» وغيرها، والناقد الذي نحت عددا من المصطلحات كتب لها الذيوع والانتشار مثل «المعادل الموضوعي»، والكاتب المسرحي الذي عمل على إحياء المسرح الشعري في عصرنا بعد أن سادت لغة النثر خشبة المسرح، وقد امتد تأثيره عبر عدة قارات وترك بصمته على عدد من الشعراء والنقاد العرب مثل بدر السياب وصلاح عبد الصبور ولويس عوض ورشاد رشدي وغيرهم. ويضم هذا الكتاب الذي يقع في أكثر من ثمانمائة صفحة مراسلات إليوت في عامي 1928 - 1929. وهو الجزء الرابع من مراسلاته. سبقه الجزء الأول ويغطي سنوات 1898 - 1922، والجزء الثاني ويغطى سنوات 1923 - 1925، والجزء الثالث ويغطي سنوات 1926 - 1927. حررت الأجزاء زوجة الشاعر الثانية والوصية على تراثه اليري إليوت (وقد رحلت عن عالمنا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012) بالاشتراك مع هيو هوتون، ثم چون هافندن، وهذا الأخير أستاذ للأدب الإنجليزي بجامعة شيفلد البريطانية. حفل العامان اللذان تغطيهما هذه المراسلات بانشغال إليوت بإصدار المجلة الأدبية التي ظل يحررها من عام 1922 حتى عام 1939 وهي مجلة «ذا كرايتريون» (المعيار). وكانت مجلة ذات أفق أوروبي واسع، عملت على توثيق الصلة مع غيرها من المجلات الثقافية ذات المستوى الرفيع في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. ويحفل المجلد بمراسلات إليوت مع الكتاب والشعراء الذين يوافون المجلة بمقالاتهم وقصائدهم وقصصهم. يقبلها للنشر حينا ويعتذر عن عدم نشرها لأسباب مختلفة في أحيان أخرى أكثر عددا، إذ كان حريصا على أن تظل المجلة محتفظة بمستواها العالي، من دون مجاملات أو نظر إلى شهرة الأسماء. كتب إليوت رسائله المنشورة هنا في غمرة همومه الشخصية، إذ كان قد اقترن في 1915 بفتاة إنجليزية - يفيان هاي وود - لا تنقطع شكاواها من أمراضها البدنية والنفسية والعصبية، مما أدى - كما هو محتوم - إلى تعاسة الطرفين في حياتهما الزوجية، وتوتراتها المستمرة. وقد انتهى هذا الزواج التعيس بانفصاله عنها في عام 1933 (قضت سنواتها الأخيرة في مصحة للأمراض النفسية، وبها توفيت عام 1947). ولم يفارقه قط، صوابا أو خطأ، الشعور بالذنب، إذ عد نفسه مسؤولا جزئيا عما حدث لها، ومن ثم قضى السنوات التالية لوفاتها في حالة تكفير عن الذنب، وفحص للذات ومساءلة للضمير، لم يقرب فيها امرأة - على حد علمنا - وأخذ نفسه بشدة متناهية فلم يستجب لأي من نساء كثيرات وقعن في حبه من طرف واحد، مبهورات بشهرته ونبوغه والاحترام الفائق الذي يحظى به في الأوساط الأدبية حتى من خصومه، فضلا عن وسامته الشخصية وأناقته وجاذبية سلوكه وحديثه. على أن هذه المرحلة القاتمة من حياته قد آذنت بانتهاء حين عرف الحب - في خريف عمره - لسكرتيرته الشابة اليري فلتشر التي أصبحت زوجته في عام 1957 - رغم فارق السن الكبير بينهما - ومنحته في أواخر عمره السعادة التي حرم منها طويلا. ويضم الكتاب عددا من رسائل هذه الزوجة الأولى عاثرة الحظ - ييان هاي وود - إلى صديقاتها مثل الليدي أوتولين موريل (التي كانت في وقت من الأوقات عشيقة للفيلسوف برتراند رسل) وماري هتشنسون (التي كانت عشيقة للناقد الفني الإنجليزي كلاي بل). ورسائل ييان أشبه بصرخات منطلقة من القلب تشي بشعورها بالوحدة وخوفها من المستقبل وآلامها العضوية والنفسية، إذ ترى الهوة تتسع بينها وبين زوجها العبقري، وشبح الجنون يتهددها. كذلك يضم الكتاب مراسلات إليوت مع والدته شارلوت إليوت (وكانت شاعرة ثانوية) التي كان شديد التعلق بها، وقد رحلت عن الدنيا من دون أن يتمكن من رؤيتها (كانت تعيش في أميركا وهو يعيش في لندن) في سبتمبر (أيلول) 1929، وبعض رسائل إليوت إلى شقيقه الأكبر هنري إليوت. والمجلد - إلى جانب ما يلقيه من أضواء على حياة إليوت الشخصية - وثيقة مهمة لما يحفل به من آراء إليوت في الأدب والنقد وأحكامه على معاصريه من الأدباء. إنه - مثلا - يكن تقديرا عاليا لأدباء ومفكرين فرنسيين مثل الشاعر الرمزي پول اليري. وعلى الجانب الآخر نراه يعبر عن ازدرائه لكثير من الشعراء والأدباء الإنجليز والأميركيين في عصره. ويتسم موقفه من الروائي الإنجليزي الكبير د. هـ. لورنس (صاحب رواية «عشيق الليدي تشاترلي») المعروف بدعوته إلى تحرير الجسد من محرمات العصر اليكتوري وإطلاق العنان للغريزة الجنسية بالازدواج الوجداني، فهو يقر بعبقريته الروائية ولكنه يرفض آراءه - من منطلق ديني أخلاقي - ويصف رؤيته بأنها روحية، ولكنها روحية مريضة. وفي مراسلات إليوت مع الناقد الإنجليزي أ. أ. رتشاردز يناقش قضايا مهمة مثل: ما دور الفلسفة في الشعر، وما هي الصلة بين معتقدات الشاعر وشعره، وهل يمكننا مثلا أن نتذوق «الكوميديا الإلهية» لدانتي، بما تقوم عليه من فكر كاثوليكي، إذا كنا نعتنق فكرا مغايرا أو نرفض فكره المسيحي برمته، كما أن مراسلاته مع الناقد الإنجليزي بونامي دوبريه - الذي كان أستاذا للأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة 1925 - 1929 تضم سخرية لاذعة من تدني مستوى الطلبة الجامعيين المصريين! ومع الإقرار بأهمية هذه الرسائل تلزمنا الأمانة بأن نقول إن إليوت لم يكن كاتب رسائل عظيما مثل الشاعر الرومانتيكي الإنجليزي چون كيتس، أو الروائي د. هـ. لورنس. فقد كان إليوت أقرب إلى التحفظ والرسمية والميل إلى الكتمان، ومن ثم لا نجد في هذه الرسائل إفصاحا واضحا عما يبطنه. وهو - ككل إنسان - لا يخلو من متناقضات. وفي أحيان قليلة يذم في مجالسه الخاصة أدباء كان يشيد بهم على الورق. وربما هاجم أدباء - لاختلافه معهم دينيا وسياسيا واجتماعيا - هو في أعماقه معجب بهم يحرص على قراءة كل ما جرت به أقلامهم. وهناك أكثر من ألف رسالة كتبها إليوت لإميلي هال، وهي فتاة أميركية كان يحبها في صدر شبابه ولكن علاقتهما لم تنته إلى خطبة أو زواج (أصيبت بصدمة قوية حين علمت أنه تزوج سكرتيرته اليري فلنتشر، إذ لم تفقد الأمل قط في أن تتوج علاقتهما بالزواج). وقد اشترط إليوت في وصيته ألا تنشر رسائله إلى إميلي إلا عام 2020 حرصا منه على خصوصية العلاقة وألا يكشف عنها الستار إلا بعد رحيله هو ومحبوبته القديمة عن الدنيا. ولا ندري هل يمتد بنا العمر حتى نرى هذه الرسائل - بعد سبع سنوات - أم لا. ولكن من المحقق أن الأجيال القادمة ستجد فيها ما يشوق وما يسد فجوات واضحة في معرفتنا بهذا الشاعر الكبير الذي لم يكن يخلو من متناقضات ومن تعقيد. ستقدم هذه الرسائل - إذا استعرنا عنوان رواية لچيمز چويس - «صورة للفنان في شبابه» عاشقا وشاعرا في طور التكوين وناقدا متبرعما ودارسا للفلسفة وابنا وأخا وطالبا جامعيا وأميركيا يطمح ببصره إلى الأفق الأوروبي.

    0 0

    بدأت القراءة على نحو منهجي منتظم منذ سن العاشرة. ولم تزايلني هذه العادة الذميمة (التي لا أتمنى الشفاء منها) حتى هذه اللحظة، وقد أشرفت على الـ70.. 60 عاما من إنفاق الوقت والجهد والمال ونور البصر فيما لا يجدي. أم أنه في النهاية يجدي؟ كانت البداية كتابين مترجمين عن الإنجليزية: أحدهما سيرة للرئيس الأميركي إبراهام لنكولن محرر العبيد، والآخر عنوانه «العلم يدعو إلى الإيمان»، وهو محاولة للتوفيق بين الدين والعلم. تزامن هذا مع اكتشاف أدب الطفل والشاب الذي أبدعه كامل كيلاني؛ قصص فكاهية، وقصص من ألف ليلة وليلة، وقصص هندية، وشكسبيريات مبسطة، وأساطير، وقصص علمية، وقصص من التراث العربي. وكانت مجلة «سندباد» متعة أسبوعية تتجاور فيها رسوم حسين بيكار مع أقلام سعيد العريان وعادل الغضبان وفريد أبو حديد. ثم جاءت سلسلة «أولادنا» التي قدمت «بينوكيو» و«آلة الزمان» و«أوليفر تويست». في مرحلة لاحقة كانت سلسلة «كتابي» لحلمي مراد تقدم ملخصات لروائع الفكر العالمي، مع لوحات ملونة على ورق صقيل. وروايات الهلال تترجم «الفرسان الثلاثة» لألكسندر دوماس الأب، و«حذار من الشفقة» لستيفيان زفايج وغيرها. مع الدخول في مرحلة المراهقة، بتحولاتها البدنية والعقلية والروحية، وعذاباتها العاطفية، وتساؤلاتها الدينية، اتخذت الأمور منحى أكثر جدية شكّل باقي حياتي. تبلورت اهتماماتي في ستة ميادين؛ الأدب ثم الفلسفة ثم علم النفس ثم التاريخ ثم الدين ثم الفيزياء الكونية وعلم الفلك، بهذا الترتيب من حيث الأهمية. لم أتمكن قط من أن أهتم جديا بالسياسة أو القانون أو الاقتصاد أو الرياضيات أو الرياضة البدنية أو الحاسوب، وكلها ثغرات واضحة (بل فاضحة) في تكويني. في الأدب، حين التحقت بكلية الآداب بجامعة القاهرة وقعت في حب ت.س. إليوت بفضل أستاذي رشاد رشدي، وفي حب سارتر بفضل ترجمات سهيل إدريس ودار الآداب البيروتية و«لا منتمى» كولن ولسون. تزامن هذا مع تلمذتي على يد أمين الخولي، الذي فتح لي بكتابه «مناهج تجديد في اللغة والنحو والتفسير والأدب» طاقة على التراث العربي الكلاسيكي. كانت علامات الطريق فيما بعد هي مجموعة إدوار الخراط القصصية «حيطان عالية» (والخراط عندي أعظم أدباء العربية قاطبة في القرن العشرين)، شعر أدونيس (وهو عندي أعظم شاعر عربي منذ وفاة المعري)، نجيب محفوظ،، شفيق مقار صاحب «السحر الأسود»، لويس عوض صاحب «العنقاء»، صلاح عبد الصبور. وفي الآداب الأجنبية شكسبير (خاصة عطيل)، راسين، الشعراء الرمزيون الفرنسيون في القرن التاسع عشر، أونيل، سترندبرج، التعبيرية، السيريالية، مسرح العبث. في الفلسفة تحدد قدري بقراءة كتاب عبد الرحمن بدوي «دراسات في الفلسفة الوجودية»، ثم كتابات زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا، وثلاثية يوسف كرم عن الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطى والفلسفة الحديثة، وكتاب ستيوارت ميل «حول الحرية»، الذي جعل منة ليبراليا. في علم النفس، قرأت فرويد وآمنت به. فقدت الطفولة وصلات القرابة براءتها في عيني، وأصبح الكون مليئا بالرموز الجنسية، ورغبات العدوان والموت والارتداد إلى الرحم وصدمات الميلاد والمشهد الأولي. في التاريخ همت بكتاب الدكتور توفيق الطويل «قصة الكفاح بين روما وقرطاجنة»، وتمنيت أن أكتب رواية عن بطلي هانيبال، وكتاب «جنكيز خان» للين يوتانج من ترجمة صوفي عبد الله. كان أهم ثلاثة مفكرين مصريين عندي هم: طه حسين («قادة الفكر» قادني إلى التاريخ والفكر اليوناني) والعقاد («ابن الرومي» وجهني إلى أهمية الدراسات النفسية) وسلامة موسى («تربية سلامة موسى» جعلني أومن بالعلم وحرية المرأة والتطور الدارويني). لكن القراءة وحدها لم تكن تكفى، كان هناك اهتمامي بالفن التشكيلي (خاصة في عصر النهضة الإيطالي وجويا والانطباعيين الفرنسيين وسريالية دالي وتشويهات فرنسيس بيكون وتعبيرية إدوارد مونش). والموسيقى الكلاسيكية (خاصة مندلسون وسترافنسكي) والسينما (بدءا من أفلام رعاة البقر في الغرب الأميركي إلى انجمار برجمان مرورا بشارلي شابلن ولوريل وهاردي وأبوت وكوستلو وهتشكوك). هل أنصح الشباب بشيء؟ كلا، فلست أومن بجدوى النصائح، ولم أكن في شبابي أستمع إلى نصيحة أحد. فقط أقول لهم: اقرءوا. اقرءوا كل ما يقع تحت أيديكم ولو كان قصاصة جريدة ملقاة في الشارع. القراءة (كما يقول العقاد) تجعل الساعة من العمر ساعات وتزيد من ثروات النفس والبيان. إنها الإدمان الوحيد الذي لا يعارضه الأطباء والقانون والمربون، وأفضل عادة سيئة تفتق عنها ذهن هذا الحيوان الراقي الذي ندعوه الإنسان.

    0 0

    عنوان رواية الأديبة العراقية إنعام كجه جي «طشاري» التي صدرت حديثا عن «دار الجديد» في بيروت، لا ينسحب فقط على المضمون وهو يروي حكاية تشرذم العراقيين في أرجاء البسيطة، وإنما أيضا على أسلوب السرد المتشظي. حكاية العمة وردية إسكندر، الطبيبة النسائية المسيحية التي انطلقت من «الموصل» إلى محافظة الديوانية في بداية عملها المهني لتؤسس هناك أول صالة لتوليد النساء في بلدة صغيرة، ومن ثم ما آل إليه مصيرها مع زوجها وأولادها وأحفادها بعد حروب دامية متتالية، ستشكل محورا تروي من خلاله الكاتبة قصص الأقليات ومعاناتهم في منطقة تحترق. تفتتح الرواية بمشهد وصول الدكتورة وردية إلى قصر الإليزيه في باريس، لحضور حفل يقيمه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على شرف البابا بنديكتوس السادس عشر، يدعى إليه عدد من اللاجئين العراقيين المسيحيين الذين يجلسون في الصفوف الأولى. هذا المشهد سرعان ما يبدو، مجرد مقدمة لنلحق بخيط سيرة وردية منذ دخلت كلية الطب في بغداد رغما عنها، مرورا بذهابها إلى الديوانية في خمسينات القرن الماضي، لبدء عملها هناك إثر تخرجها، ومن ثم كفاحها لتحسين ظروف توليد ومعالجة مريضاتها، وشرائها لسيارة يوم كانت السيارات ندرة والنساء السائقات محدودات العدد، ومن ثم تعرفها على زوجها جرجس، المناضل الناصري، العائد من حربه في فلسطين، وولادتها لأولادها الثلاث. كل هذا تسرده كجه جي بوتيرة متقطعة بحيث إن الراوية الأساسية وردية تستعيد كل هذه الذكريات بعد وصولها إلى باريس، بعيدا عن أولادها، بانتظار الالتحاق بابنتها هنده في كندا. إقامة فرنسية بين بلدين وحياتين لامرأة كانت تأمل بشيء من الوداعة والسكينة بعد خدمة بلدها وشعبها، فإذا بها مشتتة مشرذمة لا تجد وطنا إلا صندوق ذكرياتها. في باريس تكون العمة وردية إلى جانب ابنة شقيقها وزوجها وابنهما الصغير إسكندر، الذي تصيبه اللعنة هو الآخر، فيفتتح على الإنترنت مقبرة إلكترونية افتراضية يجمع عليها موتى العراقيين الذين يطلبون منه ذلك، لعل ما فرقته الحياة يجمعه الموت. مقبرة تأتيه فكرتها، بعد أن يعرف برغبة العمة في الموت في بلدها، هذه العمة التي ستكون له بمثابة الجسر الذي يربطه ببلده من خلال حكاياها وقصصها، هو الذي لم يزر العراق إلا مرة واحدة. في الرواية تشعبات كثيرة، وتجوال في الأمكنة التي تتنقل فيها وردية وباقي الشخصيات. في الموصل هناك عائلة وردية وإخوتها ووالدتها، وفي الديوانية التي تنتقل إليها بعد ذلك، حياة أخرى، هناك المربيات والمرضعات والمريضات، ووزير الصحة، ومدير الصحة اللبناني سليمان فرنجية مع زوجته لوريس، وهي عائلة مسيحية أخرى، لكن من شمال لبنان هذه المرة تنضم إلى الرواية. هذا عدا جرجس الذي ستتزوجه وردية وتسكن مع والدته الكبيرة في السن. ثم هناك محطة الأردن التي لا بد منها للمهاجرين العراقيين قبل الانتقال إلى أي مكان آخر، وصولا إلى باريس التي ستشكل منصة بانتظار أن تتمكن الدكتورة من الالتحاق بابنتها في كندا. تستسلم كجه جي لنهج تداعيات الذاكرة في رواية حكاياتها المتداخلة، مما يجعلها، تقدم وتؤخر، تتنقل بين القصص، تقفز بين الشخصيات، تترك لراوية أخرى غير العمة وردية أن تتدخل في السرد. تسوق ذاكرة العمة أو الدكتورة وردية المشاهد على هواها، فهي التي تقود اللعبة، وتجول بنا حيث شاءت، وكيفما ساقها الحنين. أمر يربك القارئ أحيانا الذي يبحث عن نقطة ارتكاز يستند إليها، في تلافيف ذاكرة العمة المهاجرة التي تكتوي بجمر الماضي، وقلق المستقبل. بموازاة حياة الدكتورة وردية، هناك تجربة ابنتها الدكتورة هنده، التي تشاء الأقدار بعد أن تهاجر إلى كندا أن تعيش حياة شبيهة جدا بما أسسته والدتها في العراق، وفي الديوانية تحديدا، لكن في منطقة نائية من هذه البلاد الصقيعية، ومع السكان الأصليين هناك. كافحت الدكتورة وردية من أجل تحسين حياة النساء في الديوانية وها هي هنده، تفعل ما يشبهه مع مدمني الخمور من المهمشين والسكان الأصليين من الهنود الحمر في كندا. من روايتها «الحفيدة الأميركية» إلى «سواقي القلوب» وصولا إلى «طشاري»، النساء المسنات العراقيات الآتيات من الموصل، هن بطلات إنعام كجه جي، لكل منهن تجربتها ومعاناتها، في بلد نزف طويلا، وعصفت به المحن دون رحمة. نساء الحروب، لسن كغيرهن من النساء وإنعام أرادت أن تتبعهن وتستنطقهن، في كل مرة وكأن تجربتهن تختصر الألم العراقي كله. في «طشاري» ثمة تركيز على المسيحيين، وتعريج على ما أصاب اليهود أيضا. رغبة في إبراز روح التآخي القديم، من خلال مشاهد مشاركة المسيحيين للمسلمين طقوسهم، في عراق متسامح، متعايش ودود. مع الحرب، تتغير الصورة، وتبدأ التهديدات من الجماعات المتطرفة، التي تريد أن تختطف ياسمين لتزوجها عنوة لأحد أهل الجماعة، مما يدفع بعائلتها لتزويجها من رجل لا تعرفه في دبي، إنقاذا لها، هذا غير المرأة الحامل بالحزام المفخخ التي تقتحم عيادة العمة وردية، مما سيجعلها تفهم أن البقاء في العراق صار مستحيلا. ربما أن التركيز على مسيحية وردية أنسى الروائية الجانب العاطفي الذي يغني الرواية عادة ويمنحها طراوتها وعذوبتها. مرت حكاية تعارف الدكتورة الشابة وردية بزوجها جرجس، وكأنما لا حب ولا عشق جمعا بينهما، مع أن ثمة تلميحات إلى إعجاب وردية بالرجل الذي تلقت نبأ طلبه ليدها بموافقة لا تردد فيها، بل فرح وإقبال. بقيت إنعام كجه جي في روايتها «طشاري» تقريرية، غير معنية كثيرا بحكايا القلوب، وهمسات الأرواح التواقة للقاء بعضها خارج لوعة العذابات العراقية الطويلة. الحرب ثم الحرب والنضال من أجل البقاء، بين السفارات والمطارات وتعبئة الأوراق، وقص حكايات العراقيين مع جوازات سفرهم وعلى الحدود، وفي محطات الانتظار، وخصوصية المسيحيين العراقيين تحديدا، هو ما يشغلها ويحرك بوصلة روايتها.

    0 0

    سوف أطرح هذا السؤال المتهور: من سيؤلف كتابا عن المثقفين الغوغائيين المزيفين في العالم العربي؟ من سيتجرأ على ذلك مع ذكر الأسماء كما يفعل بونيفاس؟ لم تخلقه أمه بعد! ذلك أنه لا توجد دولة قانون لكي تحميه إذا ما احمرت عليه الأعين وهموا بتصفيته من عدة جهات! مرة أخرى يثبت باسكال بونيفاس أنه مثقف كبير يحترم الحقيقة. ويحق لفرنسا أن تعتز به وبأمثاله. لا تقولوا هذا شيء طبيعي لأن مبرر وجود المثقف أن يحب الحقيقة ويحترمها ويدافع عنها، في الواقع إن العكس هو الصحيح. فعدد المثقفين المزيفين أو المزورين للحقيقة أو المكيافليين الذين يعتبرون الغاية تبرر الواسطة أكبر بكثير من عدد المثقفين النزهاء الشرفاء. بالطبع لن تجدوا مثقفا واحدا يقول لكم إنه ضد الحقيقة أو غير شريف! على العكس سوف يرغي ويزبد ويوهم بأنه من أكبر المناضلين الثوار، بل وقد تبلغ به الحماسة الإنشائية إلى حد المزايدة على الناس أجمعين بمن فيهم أولئك الذين عرضوا أنفسهم للخطر الأعظم ودفعوا الثمن غاليا. وهنا بالضبط يكمن التزوير والتزييف. هنا يحصل طمس الحقيقة عاليها سافلها فيصبح الأبيض أسود، والأسود أبيض. ما هو المعيار الذي نقيس بواسطته نزاهة المثقف أو عدم نزاهته؟ شيء واحد فقط: الثمن الذي دفعه جراء مواقفه. هل دفع ثمنا ما أم لا؟ هل كانت حياته الشخصية مهددة في لحظة ما أم لا؟ هل أصيب في شخصه - بشكل مباشر - أم لا؟ كل ما عدا ذلك تفاصيل. ذلك أن الحكي سهل والثرثرات المجانية من أحلى ما يكون! يمكن أن تقدم نفسك كأكبر مناضل وتملأ الجرائد بتصريحاتك العنترية وأنت عائش في أجمل العواصم الأوروبية من دون أن يصيبك أي أذى أو ضرر. صحتك تبقى كما هي لم تتعرض لأي اعتداء مجرم، وربما أصبحت مليونيرا من وراء القضية! ويتوهم الناس عندئذ أنك أكبر مناضل في التاريخ، بل وتعطي دروسا في الوطنية والأخلاق للآخرين! وهنا يبلغ الزيف والتزوير ذروته، هنا يتسخ شرف الفكر. هنا نصل إلى ما يدعى بالعهر الفكري والسياسي بالمعنى الحرفي للكلمة. لحسن الحظ فإن جميع المناضلين السياسيين ليسوا كذلك. ففيهم شرفاء حقيقيون يناضلون ضد أنظمة الفساد والطغيان من دون أي مقابل ومن دون أي منفعة شخصية. على العكس! كما يناضلون بنفس القوة ضد الجماعات الظلامية الطائفية والردة الحضارية. هؤلاء هم مجد سوريا والعرب. نلاحظ على مدار التاريخ أن كبار المثقفين هم أولئك الذين تعرضوا للملاحقات الضارية أو حتى التصفية الجسدية. وعموما ماتوا وليس في جيبهم فلس واحد تقريبا. أكبر مثال عليهم سقراط بطبيعة الحال، وقد تحول إلى «باراديغم أعظم» للثقافة والكلمة الحرة، أي أصبح «النموذج الأعلى» أو الرمز الأكبر على شرف الفكر. ولكن كان له أحفاد كثيرون ليس أقلهم المسيح، أو جان جاك روسو، أو مارتن لوثر كنغ، أو نيلسون مانديلا.. إلخ، أو حتى تلميذ تلميذه أرسطو. من المعلوم أنه عندما أحس بالخطر هرب في جنح الظلام من أثينا قائلا عبارته الشهيرة: «لن أدعهم يرتكبون جريمة ثانية بحق الفلسفة. يكفي أنهم قتلوا سقراط»!.. وعموما عندما ننظر إلى تاريخ البشرية غربية كانت أم شرقية لا نجد مثقفا حقيقيا واحدا لم يدفع ثمنا ما جراء كتبه أو مواقفه. ليس بالضرورة أن يقتل! قد يصاب جزئيا فقط ولكن بشكل موجع ودائم بعد أن نجا بقدرة قادر في آخر لحظة. أو قد يتعرض للملاحقات الضارية طيلة سنوات وسنوات، أو قد يتعرض للسجن والتعذيب، أو قد يتعرض للتشويه المعنوي والنفسي عن طريق بث الإشاعات المكثفة والمنتظمة من قبل جهات معينة.. إلخ. هناك أشكال شتى للاضطهاد والملاحقات. ويرى المفكر الفرنسي المعاصر ميشيل سير أنه لا يوجد مفكر كبير واحد نام قرير العينين قبل انتصار الحداثة ودولة القانون في أوروبا. كل فلاسفة أوروبا السابقين دفعوا الثمن باهظا من غيوردانو برينو، إلى غاليليو، إلى ديكارت الذي اكتشفنا أخيرا أنه مات اغتيالا وليس بشكل طبيعي على عكس ما أوهمتنا الرواية الرسمية طيلة ثلاثة قرون ونصف القرن ونيف. لاحظ كيف انفجرت الحقيقة بعد أربعمائة سنة إلا قليلا! وهذا يعني أن الحقيقة قد تقمع كثيرا، قد تطمس طويلا، لكنها لا تموت! لكن بعد أن موضعنا الأمور ضمن إطارها الواسع والراديكالي، لنعد إلى صلب الموضوع، لنعد إلى كتاب باسكال بونيفاس، أو بالأحرى لنعد إلى كتابيه. في الواقع إنه كان قد نشر عام 2011 كتابا بعنوان: «المثقفون المزيفون.. الانتصار الإعلامي لخبراء الكذب والتضليل». أما الكتاب الثاني الذي ظهر أخيرا في باريس فيحمل العنوان البسيط التالي: «المثقفون الشرفاء»، أو «المثقفون النزيهون»، إذا ما أردنا ترجمة حرفية. في الكتاب الأول شن بونيفاس حملة شعواء على مجموعة من الكتاب والصحافيين الذين يحتلون الواجهة الإعلامية والأضواء التلفزيونية في العاصمة الفرنسية. نذكر من بينهم الصحافي النافذ ألكسندر آدلير، والباحث السياسي فريدريك آنسيل، والباحث الآخر فرنسوا هيزنبرغ، والصحافي الجزائري محمد سيفاوي، وآخرين. هذا بالإضافة إلى برنار هنري ليفي زعيمهم الأكبر. إنه مثقف التزوير الأعظم في هذا العصر وأكبر نجم تلفزيوني فرنسي بإطلاق. وهنا تكمن مشكلة كبيرة: المثقف الحقيقي فاشل على التلفزيون أحيانا أو لا يظهر على الشاشة إلا قليلا أو حتى يهرب من الأضواء بأي شكل. أما المثقف المزيف البهلواني فيظهر كل أسبوع وأحيانا كل يوم تقريبا ومن أنجح ما يكون! ليفهم موقفي جيدا هنا: إني لا أريد الهجوم على برنار هنري ليفي بمناسبة ومن دون مناسبة. ولا أريد أن أنفي عنه أي صفة إيجابية مفيدة. فهذا موقف غير موضوعي. وأصلا ليس أنا الذي يهاجمه وإنما باسكال بونيفاس. ثانيا إني معجب بأسلوبه الجذاب في الكتابة وببعض مواقفه أيضا. وأحيانا كثيرة أقرأ مقالاته في مجلة «لوبوان» الأسبوعية الفرنسية. لقد قرأت كتابه الضخم عن سارتر واستفدت منه. كما قرأت بعض كتبه الأخرى العديدة واستمتعت بقراءتها. لماذا إنكار الحقيقة؟ ولكن من الواضح أنه مسيس أكثر من اللزوم، ومكيافيلي شاطر جدا كما يقول بونيفاس. وبالتالي فمشكلة الحقيقة ليست هاجسه الأول كما هو عليه الحال بالنسبة للفلاسفة الكبار. فهل ظلمته بعد كل ذلك؟ أما المثقفون الشرفاء الذين كرس لهم بونيفاس كتابه الجديد هذا فنذكر من بينهم الأسماء التالية: ريجيس دوبريه، المشهور جدا، وجان بوبيرو المختص بالعلمانية والبروتستانتية، وصديق محمد أركون. وقد قال للمؤلف: لو حصل وأني استخدمت أفكارا كاذبة أو محاجات خادعة في محاضراتي العامة لإقناع الجمهور بأي شكل فلن أستطيع النظر إلى وجهي في المرآة بعدئذ. سوف أخجل من حالي إلى الأبد ولن أعود أظهر بين الناس. وهذا أكبر برهان على النزاهة الشخصية وشرف الفكر. كما نذكر المفكر السويسري جان زيغلير الذي أمضى حياته في مهاجمة العولمة الغربية الجائرة التي تجوع بلدان الجنوب. ونذكر أوليفييه مونجان الذي قال إن المثقف غير التلفزيوني هو جنس في طريق الانقراض حتى ولو كان أكبر عبقري في العالم! ونذكر أدغار موران، وتودوروف، وستيفان هيسيل.. إلخ. خمسة عشر مثقفا حاورهم باسكال بونيفاس بعمق على مدار هذا الكتاب الممتع والشائق فعلا. فمن أراد أن يمضي العطلة الصيفية بكل استمتاع - وليس الركض وراء البنات! فليشتر هذا الكتاب وليذهب به إلى شواطئ البحر أو قمم الجبال. يقول باسكال بونيفاس عن مشروعه: بالإضافة إلى الجانب السلبي في الساحة الثقافية الفرنسية، فإني أردت أن أبرز الجانب الإيجابي. أردت أن أقول للأجيال الطالعة ما يلي: ليس الجميع فاسدين! صحيح أنه يوجد مثقفون مزيفون يسيئون إلى شرف الثقافة والفكر. ولكن بالمقابل هناك مثقفون محترمون يمكن أن نفخر بهم ونعتز. وبالتالي فلا ينبغي أن نضع الجميع في سلة واحدة. هذا ظلم. لا يمكن أن نضع برنار هنري ليفي من جهة، وريجيس دوبريه أو أدغار موران أو ستيفان هيسيل من جهة أخرى، في نفس الخانة! ثم يردف بونيفاس قائلا: والقاسم المشترك الأعظم بين المثقفين الشرفاء على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم الفكرية هو أنهم يرفضون قطعا مقولة: «الغاية تبرر الوسيلة». فثقافة بلا أخلاق أو بلا أفق أخلاقي وإنساني واسع لا تساوي فلسا واحدا، وكذلك السياسة. بمعنى آخر فإنهم ليسوا مكيافيليين على عكس المثقف الأضوائي الانتهازي الشاطر. يضاف إلى ذلك أنهم يسيرون عادة ضد التيار السائد، أو ضد الرأي العام الشائع الذي تتبناه وسائل الإعلام والإجماع الشعبوي الفرنسي بخصوص القضايا الكبرى كقضية الإسلام وفلسطين.. إلخ. يضاف إلى ذلك أنهم لا يقدمون مصلحتهم الشخصية على المصلحة العامة أو مصلحة الحقيقة. فالحقيقة بالنسبة للمثقف النزيه شيء له معنى ملموس على عكس المثقف الانتهازي. إنه مستعد إذا ما لزم الأمر أن يضحي بطمأنينته الشخصية من أجلها. وقد تعرض أدغار موران للمتاعب بسبب دفاعه عن الحق الفلسطيني ودعوته إلى سلام عادل ودائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين أو بشكل عام بين العرب واليهود. وقد حصل الشيء ذاته للمفكر السياسي ذي الضمير الكبير ستيفان هيسيل الذي رحل أخيرا عن عمر طويل. وأخيرا، سوف أطرح هذا السؤال المتهور: من سيؤلف كتابا عن المثقفين الغوغائيين المزيفين في العالم العربي؟ من سيتجرأ على ذلك مع ذكر الأسماء كما يفعل بونيفاس؟ لم تخلقه أمه بعد! ذلك أنه لا توجد دولة قانون لكي تحميه إذا ما احمرت عليه الأعين وهموا بتصفيته من عدة جهات!

    0 0

    صدرت للكاتب العراقي تحسين كرمياني روايته السادسة التي تحمل عنوانا غريبا بعض الشيء وهو «زقنموت»، لكن هذه الغرابة سرعان ما تتلاشى حينما نتوغل في تضاعيف النص، ونسبر أغواره العميقة التي تعود بنا إلى زمن الديكتاتور وحروبه العبثية التي كان يشنّها على الداخل والخارج على حد سواء حيث زقنا الموت زقا. فالرواية تنتمي من دون شك إلى أدب الحرب، وتحيل القارئ إلى فضاءاتها المُفجعة والمقززة في آن معا، كما أنها تستنطق الواقع العراقي إبّان عسكرة البلاد وهيمنة العناصر الأمنية والحزبية على مفاصل المدن والقصبات العراقية برمتها بحيث لم تفلت من قبضتهم حتى قرية أم العاقول النائية التي دهموها على حين فجأة واقتادوا الجنود الهاربين من خدمة العلم إلى ميدان المدينة كي يعدموهم أمام الملأ جهارا نهارا من دون أن ترتعد لهم فريصة أو يهتز لهم جفن. لا تقف هذه الرواية عند تحليل الحقبة الديكتاتورية حسب، وإنما تمتد إلى البحث والتنقيب في تاريخ جلولاء، المدينة التاريخية المعروفة التي لم تنل حظا واسعا من الدراسة والاهتمام. وحينما أعاد النظام السابق كتابة تاريخ العراق ضغط معنى المدينة بجمل مبتسرة مفادها أن «البلدة كانت ممرا حيويا لجيش - سعد بن أبي وقّاص - بقيادة - هشام بن عتبة بني أبي وقاص - لدحر الفلول المتبقية للساسانيين في واقعة - حلوان - التي تبعد عن جلولاء بعدة فراسخ»، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن جلولاء قد تحولت في غالبية قصص الكاتب ورواياته إلى «جلبلاء» في إشارة واضحة إلى أن هذه المدينة الوادعة هي جالبة للبلايا والشرور والفواجع، بينما لا تختلف هي عن أي مدينة عراقية أخرى تعرّض أبناؤها للقمع والاضطهاد ومصادرة الحريات الخاصة والعامة. * الهيمنة الرومانسية على الرغم من المنحى التراجيدي لرواية «زقنموت» فإنها تدور في فلك الحب والرومانسية والشعر العاطفي الذي تتجلى فيه شذرات فلسفية هنا وهناك، كما أن النص في جانب منه يحتفي بالمناخ الأسطوري سواء في مدينة «جلبلاء» أو في «تل الجن» حيث يأخذ الموروث الديني طابعا خارقيا يمجد السحرة والمشعوذين وبعض المنحرفين من رجال الدين الذين يدّعون أنهم من أصحاب الكرامات الذين يعيدون للمجنون عقله، والأعمى بصره، والعقيم خصوبته الجنسية كما هو الحال في شخصية عبد الخالق، جد بطل الرواية ماهر عبد الكريم الذي فقد والده في حادث سيّارة حين كان عمره اثنتي عشرة سنة. لكن هذا الشاب الوسيم الذي يكتب شعرا سيقع في حب ثلاث فتيات في عمر الورود وهن بحسب تسلسلهن في النص الروائي «مهدية»، و«مها»، و«ماجدة». والملاحظ أن هذه الأسماء الثلاثة تبدأ كلها بحرف الميم. وأكثر من ذلك فإن التشكيلية الثلاثية قد تحيلنا إلى فلسفة البناء عند والد ماهر الذي قال لصديقه ذات مرة عن البيوت التي يبنيها: «البيت الأول بِعْه، الثاني أجِّره، الثالث اسكن فيه». يا ترى، هل تنطبق هذه النصيحة على الفتيات الثلاث اللواتي أحبّهن ماهر وتعلّق بهنّ جميعا، أم أنه سيدع «الأمور تجري في أعنّتها / ولا يبيتنّ إلاّ خالي البالِ؟» لا شك في أن «مهدية» لها طعم الحبيب الأول، بينما تحتل «مها» مكانة خاصة على الرغم من أنّ أولاد خالتها الضباط قد يعرقلون هذه الزيجة، أما الثالثة ماجدة فقد ورطته في المجيء معها إلى المدرسة في مخالفة قانونية صريحة ضبطها بعض العناصر الأمنية فاشترطوا عليه أن يتزوج «مها» أو «ماجدة» أو الاثنتين معا، لكنه وقع اختياره في خاتمة المطاف على «مها» التي أحبّها وأخلص لها كثيرا. * النفس التراجيدي لم يجد ماهر بدا من الموافقة على الاقتران بـ«مها» على الرغم من جديّة التهديدات التي كانت تصدر من أبناء خالتها، لكنهم تراجعوا في اللحظة الأخيرة. وحينما أنهى إجازته الدورية كانت الحرب له ولأصدقائه بالمرصاد، فقد استشهد «موحان» وفقد ماهر كفّه اليمنى وأصيب بعطب جنسي أفقده رجولته، لذلك قررت لجنة شرحبيل الطبية «عدم صلاحيته لحمل السلاح والدفاع عن حياض الوطن». وفي الوقت الذي أعلنوا فيه عن زيارة الرئيس لمدينة جلولاء كان الرجال الحزبيون والانضباط العسكري يدهمون قرية أم العاقول ويقبضون على ماجد شبوط الذي لم يمت في حادث السيارة المحترقة، وإنما كان هاربا من الخدمة العسكرية ولائذا في قرية أم العاقول التي صادف أن يكون فيها ماهر عبد الكريم باحثا عن علاج لعطبه الجنسي الغامض. وحينما تقدمت السيارة الحوضية إلى دريئة أكياس الرمل التي تتوسط ساحة المدينة ترجّل منها أحد عشر شابا معصوبي الأعين، وموثقي الأيدي وأوقفوهم في مواجهة أكياس الرمل ثم أطلقوا عليهم وابلا من الرصاص ليسقطوا جميعا باستثناء ماهر الذي استدار إلى الوراء ليواجه الموت بصدر رحب قبل أن يتكوّم على الأرض جثة هامدة تغرق بدمها البريء، وربما كان يستذكر ما قالته «مها» ذات ليلة حب بأنها حلمت بأنهما يشنقان في الزقاق! * تداخل الأجناس يميل كرمياني إلى الشخصيات المثقفة في أقل تقدير. وفي هذا النص تحديدا نكتشف أن ماهرا شاعر كرّس جزءا كبيرا من حياته لكتابة القصائد، بل «هو يعتبر الشعر فيزياء الحياة»، ويذهب أبعد من ذلك حينما يقول «إن الشعر يمنح الحياة سرّ ديمومتها وجماليتها». ففضلا عن الوسامة يمتلك ماهر صفة الشاعر التي منحته شهرة طيبة في المدينة. تنطوي هذه الرواية على مفاجآت كثيرة تحطم رتابة السرد فمثلما نكتشف أن الجندي ماجد شبوط حي ولم يمت في حادثة تفجير السيارة، فإننا نفاجأ بالجندي الشهيد موحان شاعرا. فغبّ وفاته تجلب أمه إضمامة ورق مصففة بعناية فائقة تحمل عنوان «قدّاس حياة سافلة.. أوراق أرق موحان»، وتطلب من ماهر أن ينشرها الأمر الذي يعزز شعرية الرواية ويمنحها فضاء أوسع من الفضاء السردي، وهي ذات التقنية التي استعملها كرمياني في روايته الأولى «الحزن الوسيم» التي جمع فيها بين السرد والحوار الصحافي مجاورا بين جنسين أدبيين في آن معا. غير أن مشكلة هذه القصائد التي دسها الكاتب في متن روايته لا ترقى إلى مستوى الشعر، ذلك لأنها أقرب إلى الخواطر من جهة، كما أن القوافي قد كبّلت هذه النصوص ومنحتها صبغة افتعالية واضحة، وكان بإمكان كرمياني أن يكتفي ببعض القصائد المنثورة التي تفي بالغرض وتجعله بمنأى عن هذا الخلل الذي أربك السياق السردي لروايته الممتعة التي تنضاف إلى تجربته الروائية التي تزداد تألقا يوما إثر يوم.

    0 0

    بداية يطرح مؤلف كتاب «اقتل كل شيء يتحرك: حرب أميركا الحقيقية في فيتنام» هذا السؤال: «هل كانت حرب العراق تكرار لحرب فيتنام؟» ويجيب بالإيجاب والنفي في الوقت نفسه: بالإيجاب لأن الحربين كانتا تدخلا عسكريا أميركيا على نطاق واسع بهدف حماية الولايات المتحدة من الشيوعية، أو الإرهاب، أو «الأعداء» بصورة عامة. وبالنفي لأن التدخل العسكري في فيتنام كان أطول، وأقسى، خاصة بالنسبة للمدنيين. ومن هنا جاء عنوان الكتاب: «اقتل كل شيء يتحرك.» وحسب الكتاب، ومسؤولين أميركيين، قتلت حرب فيتنام ثلاثة ملايين شخص تقريبا، وليس مليونا كما أثبتت مصادر سابقة، نصفهم عسكريون، والباقي نساء وأطفال ورجال مدنيون. طبعا، ليس هذا أول كتاب عن التدخل الأميركي في فيتنام. فقد صدر حتى الآن أكثر من ثلاثين ألف كتاب. أغلبها، وربما كلها، تنتقد الحرب. ومن المعروف إن التدخل الأميركي في فيتنام بدأ في عهد الرئيس كنيدي عندما أرسل، عام 1961، «مستشارين عسكريين» لمساعدة حكومة الرئيس ديم في فيتنام الجنوبية، وكان حليف أميركا، وعدو فيتنام الشمالية التي كان الشيوعيون، بقيادة هوشي منه، قد حرروها من الاحتلال الفرنسي. في وقت لاحق، كتب هوشي منه في كتاب مذكراته أنه حارب الاحتلال الفرنسي مثلما حارب الأميركيون الاحتلال البريطاني في القرن الثامن عشر. وأنه يريد أن يؤسس جمهورية على خطى «جمهورية جفرسون» (إشارة إلى واحد من مؤسسي الولايات المتحدة). بعد تحرير فيتنام الشمالية، بدا هوشي منه يساعد ثوار «فيت كونغ» الشيوعيين في فيتنام الجنوبية لتحريرها من ديكتاتورية الرئيس ديم وحلفائه الأميركيين. لكن نتيجة الحرب حسمت خلال سبع سنوات، عندما وصلت قمتها في عهد الرئيس جونسون، الذي أحس أن الهزيمة آتية لا ريب فيها، فرفض أن يترشح مرة أخرى لرئاسة الجمهورية واعتزل العمل السياسي. لكن، مثلما أوضح التدخل الأميركي في العراق، كان التدخل سهلا، والخروج صعبا. لم يخرج آخر جندي أميركي من فيتنام إلا بعد سبع سنوات من إعلان الرئيس جونسون أنه لا يتوقع النصر. وحسب هذا الكتاب، هذه «السنوات الضائعة» شهدت أكثر عمليات قتل للمدنيين. ويذكر الكتاب أن الجنود الأميركيين لم يكونوا يقتلون مدنيين كثيرين خلال السنوات الأولى من الحرب، بل كانوا يأملون في كسبهم «لينشروا الديمقراطية». ولكن، خلال السنوات الأخيرة من الحرب، صار واضحا أن أقوى دولة في تاريخ العالم سوف تنهزم أمام ناس شبه عراة، وشبه حفاة، وشبه جهلاء، وشبه مرضى. لماذا قتل الجنود الأميركيون كل هذا العدد من الفيتناميين المدنيين؟ يعدد الكتاب هذه الأسباب بالشكل التالي: أولا: عسكريا: لأنهم أعداء، أو يساعدون الأعداء. ثانيا: عرقيا: لأنهم ليسوا بيضا. ثالثا: حضاريا: لأنهم أقل تمدنا. رابعا: دينيا: لأنهم ليسوا مسيحيين. لا تكمن أهمية الكتاب في أنه ركز على قتل المدنيين فقط، ولكن، أيضا، لأنه يذكر بماض شوه كثيرا، وقدم بشكل معكوس، إذ يصر البنتاغون دائما، كما يقول المؤلف على «تخليد الانتصار في الحرب، والتغاضي عن الهزيمة». لكن نيك تيرس يستدرك بقوله إن العسكريين ليسوا وحدهم في ذلك، وإنما كل الأميركيين لأنهم، أولا، يريدون نسيان الجوانب المظلمة في تاريخهم (حرب فيتنام، وتجارة الرقيق، واضطهاد النساء، واليهود، والآسيويين، واللاتينيين، الخ...). وثانيا، إنهم يخافون من اتهامهم بـ«الخيانة» إذا انتقدوا العسكريين، حتى إذا أخطأ هؤلاء. ثالثا، لاعتقادهم أن الوطنية هي تأييد الحكومة التي تحكم. وأخيرا، «يتحسر» المؤلف لأن كثيرا من الأميركيين لا يريدون الحديث عن حرب فيتنام (وقال إن نفس الشيء بدأ يحدث بالنسبة لحرب العراق، وحتى بالنسبة لحرب أفغانستان، وهي لم تنته بعد). لكن فضيلته أنه كتب كتابا عن ذلك.

    0 0

    أشهر هدف في الأعوام الأخيرة هو ذلك الذي حققه اللاعب الشهير ليونيل ميسي في مرمى فريق خيتافي. هدف أسطوري كما يوصف عادة. اللاعب الشهير ينطلق بالكرة من منتصف الملعب، ويتجاوز ببراعة عددا كبيرا من لاعبي الفريق المنافس، ويواجه الحارس، ويراوغه بطريقة ماكرة، ومن ثم يقذف الكرة في المرمى تماما فوق اللاعب الذي حاول أن يعترضها بجسده. ينطلق بعدها فرحا والجماهير مندهشة، والمعلقون يصرخون ويكادون يفقدون أعصابهم. بدا وكأن اللاعب يرقص على إيقاع موجود بعقله. من هنا يبدأ أول الدروس الجمالية والفلسفية التي يمكن أن نتعلمها من ذلك الحدث الذي تجاوز بُعده الرياضي. ماذا يعني أن يرقص على الإيقاع الذي يعزف داخل عقله؟ هذا ما يخبرنا به الكتاب الفلسفي «كل الأشياء مشرقة» للفيلسوف الأميركي هربرت درافيس، ولتلميذه شون كيلي، حيث يؤكدان أنه في لحظة من اللحظات، وبشكل غير مفهوم ولا متوقع، يبزغ بين نمط الحياة العادية عمل مشع، يتجاوز صاحبه نفسه، ونقوم نحن بدورنا بالانجذاب له. كأن قوانين الفيزياء تتوقف، والرتم العادي ينكسر، وتخرج الأشياء منا بشكل لا إرادي. هذا الالتحام في تلك اللحظة هو الشيء المشع، كما يشرح بتوسع الكتاب. لو سألت اللاعب كيف فعلها سيقول لا أعرف، لو سألت المشاهد الذي تلاشى عن نفسه مع كل لاعب يتخطاه ميسي سيقول لم أشعر بنفسي. الكل في لحظة ما انجذب لحدث ما وشعر بأنه جزء منه. هذا الغموض، وأوقات الانجذاب التي تملأ الحياة، هو ما يجعلها - بحسب المؤلفين - مثيرة ولطيفة ومشعة. بالطبع ليست المسألة متعلقة بالرياضة بل بكل جوانب الحياة تقريبا، وبحياة كل شخص منا. بين فترة وأخرى يشع شيء ما في حياة الإنسان: يدخل في علاقة حب، يتزوج، يرزق بطفل، يبدع في امتحان دراسي كان يخشاه، يحصل على عمل وينجح فيه، أو يرى شيئا جميلا من دون ترتيب، أو يضحك على موقف مربك. كل هذه أشياء مشعة على الإنسان عليه أن يفهم مكامنها الجمالية كي يشعر بقيمتها، ولكي ينتبه للمعنى الكامن في الحياة، والأهم لكي يطرد الإحساس الرهيب الخانق بأن الحياة باتت رتيبة ومن دون أسرار ومفاجآت. الهدف الأساسي هو إعادة المعنى الجمالي للأشياء التي فقدت معناها. لم يعد هناك مزاج عام للحياة يندمج فيه الجميع، بل فكرة المزاج نفسها باتت شخصية وداخلية ولا تخص الأفراد الآخرين. تأكيدا على هذا الإحساس بالغموض يشرح الكتاب دافع الذين يسعون لأن يصنعوا من أنفسهم شخصيات مختلقة هم فعلا لا يملكون أعماقها ومواهبها الدفينة. هم في الواقع يحاولون أن يجبروا أنفسهم قسرا على تمثلها، لكنهم في العادة يفشلون، لأن نهر الموهبة لا يتدفق منهم بشكل طبيعي. لا توجد بداخلهم أي موجات إلهامية ينسون معها أنفسهم ويندفعون معها بنعومة. هذا على عكس الفرد الموهوب في شيء ما (كل أحد لديه موهبة أو مواهب)، تخرج منه الأشياء بسلاسة وسهولة كميسي وغيره. لماذا لدينا صيادلة أو مهندسون أو رجال أعمال أو شعراء بارعون؟.. لأنهم يملكون الموهبة في أعماقهم ويتركون أنفسهم تسبح في تيارات الغموض. في تلك اللحظات التي تتحد فيها ميولهم ومواهبهم يتفوقون على أنفسهم، وينجزون عملا بارعا يشعرون من خلاله بجمالية الكون. من الخطأ الذهاب في الاتجاه الآخر. في الوقت مثلا الذي تقوم فيه صحافية أو مهندسة معمارية أو معلمة بالوقوف أمام هذا الاندفاع التلقائي رغبة منها في عمل أمر آخر.. هنا ينطفئ الإشعاع وتنكسر الموهبة ويشعر الإنسان بوحدته وعدمية الأشياء من حوله. هذا الإحساس بالإشعاع، والالتحام بطريقة جمالية وفلسفية للكون، هو الهدف الأساسي للكتاب. والسبب يعود إلى شعور الكثير من الناس بأنهم وحيدون أمام ثقل الاختيار. الواقع أصبح يضغط بشكل عنيف على البشر لدرجة تدفع بعضهم للاكتئاب والانزواء أو أحيانا الانتحار. في الواقع هذه هي المشكلة التي واجهها واحد من أشهر الروائيين الشباب الأميركيين واسمه ديفيد فوستر والاس. رغم نجاحه المذهل، ورواياته المقروءة، فإنه لم يستطع أن ينقذ نفسه من الإحساس الثقيل بأن الواقع يضغط عليه بقوة. يشعر بأن الوجود كله يرتمي على كاهله، وأن عليه أن يكتب دائما رواية رائعة معتمدا فقط على نفسه من دون مساعدة من أحد. المؤلفان يقولان إن هذا الروائي، على الرغم من ذكائه وبراعته، لم يفهم الفكرة التي يريدان توصيلها في الكتاب، وهي عندما تكتب شيئا ما فكأن شيء ما يتحد فيك ويُخرج أجمل ما في داخلك. تخرج منك الأشياء بطواعية وتلقائية. هذا الروائي كان يرى العكس، وبات لديه من العناد ما دفعه ليشرع في كتابة رواية في غاية الملل والرتابة، هدفه منها أن يهشم هذا الإيقاع الممل للحياة والعالم. يحاول أن يخرج الأشياء من ذاته من دون مساعدة خارجية تعينه على تنشيط الإلهام أو التعلق بالشخصيات الروائية أو حب الكتابة نفسها. كان يريد أن يختبر ويدفع مواهبه وإمكانياته إلى أقصى مدى أو كأن «تقوم بابتلاع الشمس» كما يقول كدليل على استحالة المهمة التي يجد الإنسان نفسه أمامها اليوم. لا يحدث ذلك إلا بأكثر الأساليب صعوبة وإملالا كما كان يرى. لم يستطع أن يكمل الرواية، وانتحر وهو في عمر الـ46 (هو في الواقع كان قبل ذلك يعاني من الاكتئاب لذات السبب: ثقل الاختيار!). والاس كان يعاني من الضغط الرهيب الذي يقع على عاتق الكاتب بأنه عليه دائما أن يكتب مقالا أو كتابا هو أفضل من المقال أو الكتاب الذي سبقه. محاولة الإتقان جميلة ولكنها قاتلة في الوقت نفسه، وهي تدفع كثيرا من المبدعين للتوقف تماما عن العمل لأنهم لا يشعرون بأهمية ما يقدمون. وقفوا أمام مواهبهم ولم يتركوا الأشياء تخرج بسلاسة منهم. لكن الكتاب يقول بأن على الإنسان أن يخفف من هذا العبء، لأنه ليس الوحيد الذي يتحكم في مصيره. الإنسان مشغول دائما بفكرة الإنجاز، وأن عليه دائما أن ينجز اليوم أفضل مما أنجزه بالأمس. كل هذا يثقله بإحساس الذنب والقلق الذي يتضاعف مع معرفة الشخص أن وقته محدود على الأرض خصوصا أنه، على عكس الحيوان، يسعى لتخليد نفسه قبل أن يغادر. يرى تلك المفارقة القاتلة بعينيه. الجسد الذي يموت وينهار تدريجيا والروح تجول الآفاق وتريد أن تبقى للأبد. كل ذلك يخلق هذا التوتر العالي الذي بحاجة إلى فهم جديد جمالي للحياة يهدئ ويخفف منه. لكن كيف وصلنا إلى هذه المرحلة التي يشعر الإنسان فيها بالوحدة وأن الوجود لا يمنحه أي إشارات لما عليه أن يفعل أو يختار؟ من هنا يبدأ الكتاب في دراسة تاريخ الحضارة الغربية التي مرت بتحولات جذرية فكرية وروحية. لم يكن الحال هكذا لدى الإغريق بل على العكس تماما. في ذلك الوقت كان البشر يقرأون الكون من منظور أسطوري شاعري تحركه القوى الخفية. عندما يحدث للشخص أمر جيد يشعر وكأن قوى ناعمة اهتمت فيه ورعته. يشعر بأنه ليس وحيدا وأن هناك أيادي غير مرئية تدفعه للاتجاهات السعيدة. مثلا كانوا يرون النوم كقوى خفيه تزور الفرد، وتغسل روحه وترتب أفكاره، وتهدئ من قلقه وتنعش رغباته. عندما يصحو يشعر بأنه إنسان جديد يعرف أهدافه التي لم يكن يدركها قبل أن ينام. لذا ينظر الفرد للكون ويشعر بالامتنان لهذه القوى السرية التي تحبه وتعطف عليه. لا يشعر بأنه محظوظ لأن الحظ يحدث من دون تخطيط، لكنه يؤمن بأن هناك من اعتنى به. هناك أيضا تفسير للإنسان الكاريزماتي الذي يضيء المكان ويجذب الناس حوله. بالنسبة لهم لقد تحصل على هذه الموهبة والألق غير المفهوم من هذه القوى السحرية التي تحبه وتميزه عن غيره. لكن هذا السحر والغموض تلاشى مع تطور العقل البشري. دخلت أوروبا في المسيحية التي سيطرت فيها الكنيسة على عقول الناس بالقوة والخوف، وأتى مارتن لوثر بعد ذلك وأعاد الحرية الفردية الروحية للإنسان. لكن التحول الجذري حدث مع فلاسفة التنوير الذين ثوّروا وقلبوا صورة العالم بالكامل. مع ديكارت تحولت فكرة الإنسان من شيء تابع إلى صانع للأحداث. هو الفرد الحر محور الحياة، الذي يعطى الأشياء معانيها. الفيلسوف الألماني كانط أيضا عمق هذا التصور للعالم، وأصبح من علامات نضج الإنسان أن يكون هو وحده المسؤول عن تصرفاته. وبالطبع من هنا بدأت كل الاكتشافات والاختراعات العظيمة التي حققتها الحضارة الغربية عندما أصبح الإنسان هو محور الكون، وعليه أن يكتشف نفسه، والعالم المحيط به. الكتاب يفصل طويلا في شرح هذا التحولات المهمة في الحضارة الغربية من الإغريق إلى الوقت الحالي. الآن اختفى كل السحر القديم وأصبح الإنسان هو وحده مسؤولا عن خياره. الكتاب يقول إن هذا التصور المرهق خاطئ، وإن على الناس أن يروا الأشياء الجمالية والساحرة تحدث حولهم. لا يطالب بالعودة إلى أيام الإغريق التي توجد فيها الكثير من الأفعال الهمجية أيضا، لكنه يلتقط منها فكرة الإحساس بالغموض التي تحيط بهم، ويحاول أن يطورها، من أجل أن يتصل بها الناس من جديد. ولكن هذه بحاجة أولا إلى عقول متحررة مؤمنة بقيم الحضارة الحديثة يمكن لها أن تتصل مع الماضي بطريقة جمالية وفنية وليس فكرية. أحيانا الشعور بأن هناك من هو أقوى منك قد يدفع الشخص لارتكاب الحماقات. وهذا ما كانوا يفعله البشر قبل آلاف السنوات عندما كان يسمعون ويصدقون أصواتا في عقولهم تأمرهم بالقتل أو ارتكاب المجازر، لأن عقولهم كانت مغموسة تماما في هذا العالم السحري. الفكرة كما يقول مؤلفا الكتاب ساعدت الكثيرين على تغيير وفهم حياتهم بشكل أفضل وأعمق. كيف يمكن أن يعيشوا في الحياة الحديثة ويستمتعوا فيها، ويخففوا من ضغط الواقع عليهم، ويدعوا أنفسهم تندفع بانسيابية لينتجوا ويبدعوا وفي الوقت ذاته يندمجوا في ألق هذا العالم الفسيح الجميل بأشفاقه النارية التي تخط الآفاق ونجومه الساطعة ورياحه الباردة، وموسيقاه القادمة من أعماق المجهول.

    0 0

    لم يكن مخططا لبحثي عن انقلاب الرابع عشر من يوليو (تموز) 1958 أن يتبلور ليصبح كتابا قائما بذاته. ذلك أن الدافع وراءه كان، في بداية الأمر، مجرد فضول شخصي، سببه الحاجة الملحة لفهم ما الذي جرى في العراق صبيحة ذلك اليوم تحديدا. كانت لهذه اللجاجة عدة أوجه؛ أولها الوجه الشخصي المباشر، كون أسرتي من بين أشد المتضررين من وقوع هذا الانقلاب، وكان لي من العمر أقل من ثماني سنوات يوم وقوع الانقلاب. ومن الطبيعي أن يتأثر المرء أشد ما يتأثر بالأحداث التي تمسه هو أو من يحب مباشرة، خاصة إذا ما كان الحدث من نوعية الأحداث الخطيرة والتغييرات التي جاء بها هذا الانقلاب، والتي مست كل أوجه الحياة في العراق. والوجه الآخر لاهتمامي بهذا الموضوع هو أنه سرعان ما اتضح أن هذا الانقلاب شكل نقطة تحول مفصلية على المدى البعيد، ليس بالنسبة للعراق وحده، بل للمنطقة بأسرها. يضاف إلى ذلك كله فضولي الشخصي وولعي بالتاريخ بصورة عامة. منذ وقوع ذلك الانقلاب كنا نسمع روايات مكثفة عما كان يدور في العراق من أحداث، وعلى مر الساعات. وكان معظم هذه الروايات مشوشا، لأن أكثره كان ارتجاليا أو منحازا. فقد كانت تتردد على مسامعنا أسماء الشخصيات الرئيسة المرتبطة بالانقلاب، والصراعات التي جرت بينهم، ومسلسلات الأحداث الدرامية المتسارعة والمعقدة، التي سبقت الانقلاب وتلته. ولم يكن بالإمكان لطفل وجد نفسه في خضم هذه الأحداث المتلاطمة ترتيب الأحداث حسب تسلسلها الزمني، وربط الأسباب بمسبباتها، ووضع الشخصيات في أطرها الصحيحة. وطبيعي أن يتولى العقل الباطني دفع هذه الأمور إلى طبقات داخلية من الوعي، لكي يفسح المجال أمام مشاغل الحياة اليومية. لكن، ومع مرور الزمن، كانت هذه التساؤلات والتأملات تطفو على السطح كلما تعرضت لمحفزات تستثير الذاكرة المرتبطة بها، لتعود فتطمس، ولكن إلى حين. فعندما كبرت وبلغت سن النضج، كنت أتحين الفرص لالتقاط ما أمكنني من معلومات من الأهل وجيلهم من الأصدقاء، عن ذكرياتهم وتجاربهم في ما يخص ذلك الحدث الجلل، فكان البعض منهم يفيدني بما عنده، والآخر يتحاشى تذكر تلك الأحداث، التي تركت في أعماق نفوس عامة العراقيين، خاصة أولئك الذين تضرروا منها مباشرة، ندوبا راسخة ومشاعر مرة. ورغم ذلك، فقد سعيت، بين الحين والآخر، للبحث في بعض المصادر المنشورة، أيا كانت خلفيتها، من أجل تبين خيوط الحدث، خلال ما تيسر لي من أوقات الفراغ، كوني غير متخصص في أي من العلوم الإنسانية. وبعد تقاعدي عن العمل الوظيفي وجدت أمامي متسعا من الوقت، مكنني من متابعة هواياتي المتنوعة بنفس جديد وتفرغ. ومن خلال هذا البحث الارتجالي، تمكنت من الوصول إلى عدد من المصادر الجديدة (بالنسبة لي)، كان أكثرها من نوع الكتب المنشورة، قديما وحديثا، من التي تتعلق بالانقلاب، مباشرة أو غير مباشرة. وقد كان لكل واحد من هذه المصادر حسناته وسيئاته، فإلى جانب الحسنات، كان بعضها مليئا بالتفاصيل المهمة، والتي لم يسبق أن اطّلعت عليها؛ وأخرى منها كانت تستند إلى روايات شهود عيان؛ كما كان البعض الآخر من السعة والعمق بأنه ضم خلفيات تاريخية مهمة للانقلابات الأخرى في العراق والتي سبقت انقلاب 14 تموز هذا، وكذلك حاول الربط بين الانقلاب المذكور وسياسات الدولة العراقية في العهد الملكي، الداخلية منها والخارجية؛ وكان للبعض الآخر من هذه المصادر الفضل في بحث الخلفيات الأسرية والمهنية للشخصيات الرئيسة التي شاركت في الانقلاب. وأما من ناحية الجانب السلبي، فإنني لم أجد مصدرا واحدا يسرد الأحداث بتسلسل زمني متين، أو يجمع بين كل المزايا الإيجابية المذكورة، حيث إننّي وجدت كل هذه المزايا الإيجابية متناثرة بين المصادر المتنوعة. ومهما يكن من أمر، فقد تكونت أمامي صورة عن هذا الانقلاب هي أشد وضوحا وتنسيقا من ذي قبل، رغم أنها ما زالت صورة غير كاملة. وبعد قيامي بتدوين المعلومات التي أفرزتها سلسلة البحوث هذه، وترتيبها بالتسلسل الزمني، وجدت أمامي مادة حرية بأن تكون كتابا ذا فحوى لا يستهان به، ربما كانت ذات فائدة عامة. لكني في تأملي لفكرة نشر ما توافر لي من معلومات، وجدتني أواجه ثلاثة تحديات رئيسة، هي: 1) أن المصادر المعتمدة، رغم كونها لا يستهان بها، فإنها تبقى محدودة، كوني لم أبحث أو أطلع إلا على جزء قليل نسبيا مما نشر حول هذا الموضوع، ولكون معظم المصادر الأولية تقبع في أرشيفات وعلى رفوف دوائر السجلات الرسمية والمكتبات في أماكن متفرقة ومتباعدة في أرجاء العالم، يتعسر على من مثلي الوصول إليها.. 2) كوني قد ينظر إلى على أنني منتم إلى طرف من أطراف الحدث، وهذا من شأنه أن يعرّض شهادتي للتساؤل.. 3) كوني غير متخصص في موضوع البحث. وقد تعاملت مع هذه التحديات بأن سعيت إلى الاجتهاد، بقدر ما هو ممكن بشريا وعمليا، لتقليص تأثيرات كل هذه العوامل في موضوعية البحث وسلامة التحليل. ولا أدعي بأنني وفقت إلى ذلك مائة في المائة، لكن العبرة هي في صدق النوايا والسعي إلى تحقيق أقصى درجة من الاجتهاد، ويبقى الكمال لله سبحانه وتعالى وحده. وبما أن عقل الإنسان والعلوم البشرية مهما تطورت ونمت فإنها لا بد أن تظل ناقصة، فإن كل مرحلة من مراحل البحث المعرفي تنتهي بأمل أنها تكون قد أسهمت في تمهيد جزء من الطريق الساعي إلى بلوغ الحقيقة، ليأتي آخرون ويبدأوا من حيث وصل من سبقهم في هذا الاتجاه، ويتابعوا مسيرة البحث هذه، وهكذا، تباعا، يتم تطور الأفراد وترتقي الجماعات بثقافتها وحضارتها. وعليه، فقد حرصت، قدر المستطاع، على إيلاء عملية التوصل للحدث الوقائعي، بموضوعية مادية مجردة، أهمية أولية، ومن ثم أن أنتقل بها إلى مرحلة التحليل، وبعد ذلك إلى السرد الانطباعي للحدث. وأما الجانب التحليلي فقد حرصت على أن أفصله عن الجانب الوقائعي بشكل واضح، تحاشيا لخطر الخلط بين الواقعة المادية وما يترتب عليها من استنتاجات منطقية من جهة، وبين اجتهاداتي كمؤلف، من جهة أخرى. كما اعتمدت طائفة من المراجع المتنوعة في مصادرها ووسائطها النقلية، والتي شكلت في مجملها المورد الأساسي للبحث. يركز الكتاب على تفاصيل التخطيط والتنفيذ لانقلاب 14 تموز بالذات، وأسباب نجاحه، وتداعياته على العراق. أما الجانب التحليلي فإنه يبحث في أسباب وظروف نشوء التنظيم السري الذي قام بتنفيذ الانقلاب والأحداث السياسية المفصلية في العراق وسائر العالم العربي التي أفرزت حركات المعارضة والتمرد في العراق خلال ذلك العهد، ابتداء بانقلاب بكر صدقي عام 1936، وانتهاء بقيام الاتحاد العربي بين العراق والأردن خلال شهر فبراير (شباط) 1958. كما يبحث الكتاب، وبشيء من الإسهاب، في علاقات ومواقف كل من بريطانيا والحزب الشيوعي العراقي والتيار الناصري بالنظام الملكي والحركة الانقلابية. صدر الكتاب في 443 صفحة من الحجم المتوسط عن دار «الحكمة» في لندن.

    0 0

    منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) سنة 2001، زاد الاهتمام بالدين وسط الأميركيين، وعادوا للتاريخ ليقرأوه من جديد.. دينيا! وليس كتاب «آيات مقدسة.. حرب مقدسة» أول وآخر كتاب عن الجانب الديني في حرب الاستقلال الأميركية (ضد الاستعمار البريطاني في القرن الثامن عشر). ومع زيادة الكتب عن الإسلام والمسلمين، وعن المسيحية والمسيحيين، زادت الكتب التي إن لم ترد تحويل كل تاريخ أميركا إلى تاريخ ديني، فإنها تريد إضفاء صبغة دينية عليه في الأقل. مؤلف هذا الكتاب هو جيمس بيرد، أستاذ تاريخ الأديان في جامعة فاندربيلت (ولاية تنيسي). وقد قسم كتابه إلى فصول لم يخل أي عنوان منها من الطابع الديني، الذي يحرص على التأكيد عليه في الكتاب كله. ومن هذه العناوين: «خطب دينية تدعو إلى الشجاعة، لا الجبن» و«خروج النبي موسي كان هجرة دينية» و«النبي أرميا كان نبي العنف» و«النبي داود كان بطلا ثوريا» و«عيسى جعلنا أحرارا» و«غضب الله الأكبر» و«الكتاب الأميركي المقدس». وير بيرد: «حرب استقلال مقدسة، أو غير مقدسة، يؤمن الأميركيون بأن أي حرب يعلنونها هي حرب مقدسة، حتى إذا كان الهدف منها سياسيا أو استراتيجيا». وهكذا كانت الثورة الأميركية بالنسبة للمؤلف للأسباب التالية: أولا: كان الدين هو الحافز الأول. ثانيا: كان الله يدعم الأميركيين، وثالثا: حب الوطن سياسي وديني في نفس الوقت. لكنه يستدرك، في مكان آخر، بقوله: «إن حرب الاستقلال كانت (علمانية، سياسية، وطنية). لكن الأميركيين خاضوها كحرب دينية». وأشار الكتاب إلى ما قال قسيس في ولاية كونيتيكت، وهو صمويل شيروود، في عام 1776: «يقف إلى جانبنا الله سبحانه وتعالى. وجميع القوى في السماوات العلى، وأعداد كبيرة من الملائكة. جاءوا إلى سواحلنا للدفاع عنا، ولحمايتنا». لكن ماذا عن «الآباء المؤسسين»؟ كانوا قسمين: متدينين يؤمنون بأن «الوطني الحقيقي هو الإنسان المتدين»، كما تقول ابيغيل أدامز، زوجة الرئيس أدامز، الرئيس الثاني بعد الرئيس واشنطن: «يجب أن يكون الوطني الحقيقي متدينا». كما أن الجنرال واشنطن أمر خلال حرب الاستقلال بأن يلحق بكل فرقة رجل دين ليصلي مع الجنود، وليعظهم، وليقول لهم إن الله معهم. ووصف واشنطن واحدا من هؤلاء القساوسة بقوله إنه «يتقرب من الجنود، ويؤثر عليهم بمعرفته للأهداف العادلة التي نحارب من أجلها». وخلال الحرب، لم يقسم واشنطن بأن قواته ستنتصر، لكنه كان يقول إن الله لن يخذلهم لأنهم يحاربون من أجل العدل والحق. ونعرف من الكتاب أن أدامز، الرئيس الثاني، كتب إلى جفرسون، الرئيس الثالث: «الإنجيل هو أحسن كتاب في العالم». لكنه أضاف: «إنه كتاب جمهوري مقدس». من بين الآباء المؤسسين «الملحدين» (في رأي المتدينين). أما القسم الثاني فهم الآباء غير المتدينين مثل جفرسون الذي كتب عن «مسيحية من دون عبادة المسيح». وكذلك توماس بين، مؤلف كتاب «كومون سنس» (العقل البديهي)، الذي كان خليطا من الوطنية والتدين. وفسر بين الإنجيل بأنه دعوة المسيح للشعوب بأن تكون حرة من الاعتقادات الخاطئة. وفسر التوراة بأنها دعوة ملوك بني إسرائيل لمقاومة اضطهاد الملوك والأباطرة. وكتب: «يقول الكتاب المقدس إن الملكية (البريطانية) من كبائر الذنوب». و«غضب الله على بني إسرائيل بعد أن أفسد ملوكهم». لهذا، «إذا يريد الأميركيون طاعة الله، لا بد أن يرفضوا الملكية، ويعلنوا الجمهورية (مساواة الناس أمام بعضهم البعض، وأمام الله)». ويتوصل المؤلف إلى نتيجة أن «الحرب ضد الإرهاب» التي أعلنها الرئيس السابق بوش الابن، بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، هي، في نظر بعض الأميركيين، امتداد لحرب الاستقلال من الناحية الدينية. وأشار إلى جدل في ذلك الوقت، اشترك فيه بوش نفسه عن «الحرب العادلة». وكان القصد هو «الحرب المسيحية» التي أيدها البعض، وعارضها البعض الآخر. وكان الرئيس بوش نفسه استعمل كلمة «كروسيد» (حرب صليبية) عندما أمر بغزو أفغانستان (لم يكرر ذلك بعد أن قال له مستشاروه إن الكلمة «حساسة» بالنسبة للمسلمين). ولم ينس بوش أن يختم كل خطبه في ذلك الوقت بعبارة «يوفقكم الله، ويوفق الولايات المتحدة». وحتى الرئيس باراك أوباما يقول ذلك. وكأنه يريد منافسة بوش في مسيحيته.

    0 0

    شعر الشاب اليهودي بنيامين أنه لا يستطيع تحمل التهكم المعادي للسامية من أقرانه في المدرسة، ولذا قرر اقتحام قلعة الإنجليزية بإحراجها، فعمد إلى ارتداء الصدريات القرمزية والصفراء، ورابطات العنق الزهرية الشكل، والسراويل الفضفاضة. وأكثر ما كان يثير الصدمة، هو الطربوش. هناك بعض الأشخاص العمليين من غير المفكرين الذين يتوهمون أنهم كتاب - مثل يوليوس قيصر على سبيل المثال - وهناك بعض الكتاب الذين يحلمون بالعمل، مثل اللورد بايرون. وربما تكون الفئة الأكثر إثارة للاهتمام هي أولئك الذين يعيشون الأحداث التي يتصورونها في كتاباتهم، وأبرز مثال على ذلك هو بنيامين دزرائيلي؛ هذا الزعيم الذي هيمن على السياسة البريطانية لفترة من الزمن خلال القرن التاسع عشر. وكان دزرائيلي روائيا يمتلك طموحا جامحا وارتقى حتى أصبح زعيما لحزب المحافظين، ويعد بمعنى من المعاني المؤسس الفعلي لهذا الحزب. واستغل دزرائيلي هذا المنصب لارتقاء سلم السلطة حتى أصبح أحد أكثر رؤساء الوزراء بقاء في منصبه في العصر الفيكتوري. ولعل الشيء المثير للاهتمام هو أن الأفكار التي عبر عنها في خمس روايات على الأقل من رواياته تشمل أسس البرنامج السياسي الذي وضعه حيز التنفيذ عندما شغل منصب رئيس الوزراء. ويمكن إضافة طبقة أخرى لعمل دزرائيلي الأدبي والسياسي، وهي تطوره الشخصي بشكل ملحوظ للغاية. دزرائيلي هو موضوع سيرة جديدة كتبها وزير الخارجية البريطاني السابق دوغلاس هيرد (الذي يحمل الآن لقب لورد) ويشاركه الكتابة إدوارد يونغ. ويؤكد هيرد ويونغ على أن دزرائيلي كان يعيش حياتين، وكأنه رجلان امتزجا في رجل واحد. وولد دزرائيلي لعائلة يهودية انتقلت من فلسطين إلى المغرب، ثم إلى البرتغال وإسبانيا، ومنها إلى مدينة فينيسيا الإيطالية، قبل أن ينتهي بها المطاف في إنجلترا حيث ولد بنيامين. ونظرا لأن الأسرة لم تكن متدينة للغاية، رغم أنها لم تتخل تماما عن تراثها اليهودي، كانت الأجيال التي ولدت ونشأت في إنجلترا لا تجد صعوبة تذكر في التعود على طابع الحياة في إنجلترا. وفي الحقيقة، كان يمكن النظر إلى بنيامين على أنه نموذج مثالي للرجل الإنجليزي، ولكن المشكلة في ذلك الوقت هي أن جزءا كبيرا من المجتمع الإنجليزي لم يكن يعتقد ذلك. كانت الهوية الإنجليزية موضع تمسك شديد في القرن التاسع عشر، إذ لم تكن كلمة «بريطاني» قد استخدمت كمظلة لتشمل رعايا ملكة بريطانيا. لم يكن اليهود الأقلية الوحيدة التي حرمت من حقها في المواطنة خلال الفترة التي عاشها دزرائيلي، فحتى الكاثوليك لم يكن بمقدورهم التصويت أو شغل المناصب العامة. وكان الأسكوتلنديون والآيرلنديون البروتستانت لا يحصلون على أكثر من رتبة «ملازم» في مغامرات بناء الإمبراطورية البريطانية. ومن ثم، لم يكن من المستغرب أن يشعر الشاب بنيامين أنه لا يستطيع تحمل التهكم المعادي للسامية من أقرانه في المدرسة، ولذا قرر اقتحام قلعة الإنجليزية بإحراجها. وتمكن من ذلك في البداية من خلال اختلاق شخصية «داندي»، فبدأ في ارتداء الملابس التي من شأنها أن تجعل الإنجليز غريبي الأطوار، وعمد إلى ارتداء الصدريات القرمزية والصفراء، ورابطات العنق الزهرية الشكل، والسراويل الفضفاضة. وأكثر ما كان يثير الصدمة، هو الطربوش. ونظرا لعدم وجود فكرة لديه عما يبدو عليه الرجل الشرقي فقد أطلق شعره. ولم يكن بنيامين وحده الذي حاول جذب انتباه الطبقة البرجوازية عن طريق الصدمة؛ فكان هناك بروميل، وتبعهما في وقت لاحق أوسكار وايلد، الذي مارس الفن أيضا. نجح هذا التكتيك في منح بنيامين شهرة كبيرة في أوساط المجتمع اللندني، وأقنع سيدات الوسط اللندني الراقي بدعوة بنيامين إلى صالوناتهن كرفيق على طاولات العشاء، ليضيف البهجة على الأمسيات التي تتسم بالكآبة عادة. وسرعان ما تعلم بنيامين سرا هاما وهو أن النساء أقل عنصرية من الرجال. كانت النساء حبيسة «غرف الثرثرة»، في حين كان الرجال يجتمعون لتدخين السيجار ومناقشة القضايا الهامة، وبدأ في معاملة النساء كبشر. وقد ساعده هذا النهج في تأمين وضع جيد له طوال حياته. واقع الأمر أن دزرائيلي اعترف قرب وفاته بأن جزءا من نجاحه يعود إلى النساء. هذا لا يعني أنه كان زير نساء؛ فقد كان يحب زوجته ماري آن، أرملة أحد أقرب أصدقائه، التي ظلت وفية له حتى النهاية. ففي روايته «إنديميون» يحقق سياسي شاب النجاح بفضل مساعدة سيدات أدركن مواهبه. تجسيدا لذلك كانت الملكة فيكتوريا أحد المعجبين به، وكرمته بصورة لم تكرم بها أحدا آخر، رغم عدائها له في البداية. بعد ذلك، قرر دزرائيلي معالجة قضية أصوله اليهودية. عادة ما يتبنى اليهود المهاجرون في المجتمعات الأوروبية الليبرالية استراتيجية أو استراتيجيتين.. الأولى هي إنشاء غيتو خفي من خلال قصر أنفسهم على مهن وحرف معينة، وتجنب الاشتغال بالسياسة وعدم لفت الانتباه. الاستراتيجية الثانية كانت الاستيعاب، وهو ما يعني إطلاق أسماء غير يهودية، وإرسال أبنائهم إلى مدارس الأثرياء أو حتى تبني النسخة المحلية من المسيحية. وقد تبنت عائلة دزرائيلي الاستراتيجية الثانية، بدءا بوالده إيزاك، الذي كان ينظر إليه باعتباره إنجليزيا أكثر منه يهوديا. لكن بنيامين سرعان ما تعلم قيود تلك الاستراتيجية؛ فاليهودي غالبا ما تحدده الصورة التي يراه بها الآخرون، التي تكون في كثير من الأحيان عدائية بالكاد، لا كيف يرى هو نفسه. لذلك، قرر أن يتمسك بيهوديته، رغم اعتناق عائلته الإنجليكانية وتعميده في الكنيسة الإنجليزية كما هو المعمول به. ولإيجاد وسيلة لتأكيد تراثه اليهودي دون رفض الإنجليزي، فقد أمضى عامين من شبابه في التجوال في الشرق الأوسط، من القسطنطينية إلى القاهرة عبر دمشق وبيروت والقدس، وتعلم أساسيات التركية والعربية والعبرية. تبين هيرد ويانغ أن الرحلة كان لها تأثير عميق على رئيس الوزراء فيما بعد، لكنهم رغم ذلك، غاب عنهم بعض غموض الهوية الداخلية لدزرائيلي التي قام هو ببنائها. فقد كان يرى أن اليهودية والمسيحية والإسلام يعودون إلى نفس الديانة الإبراهيمية، ويفترض حرية التنقل عبر حدودها كما تمنى. وحتى نهاية حياته، غالبا ما كان دزرائيلي يستخدم شعار «الله أكبر» لإنهاء مناقشة أو جدال. في عام 1868 وفي اليوم الذي تم تعيينه رئيس الوزراء، قال لصديقه جيمس كيلي: «كما نقول في الشرق: الله أكبر». الشرق بالنسبة لدزرائيلي كان مصدرا للحكمة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتنظيم المجتمع. واعتقد أنه رغم القوة الصاعدة في عالم شكلته الثورة الصناعية، لا يزال لدى الغرب الكثير كي يتعلمه من «شرقه». هذه الفكرة حاضرة، إما بوضوح أو بشكل غير مباشر، في أعماله الأدبية بدءا من روايته الأولى «فيفيان غري». وفي «تانكرد»، أبرز روايته. فهناك الحكيم الشرقي الذي يقوم على تعليم شاب إنجليزي أسرار المجتمع الجيد. وفي «كوننغزبي»، أشهر رواياته تتحدث شخصية شرقية «سيدونيا» إلى المؤلف، وتتطور قصة اتحاد بين إنجلترا الفتية والشرق العجوز. أما روايته التالية «نهضة الإسكندر» فكانت أكثر ولعا بالشرق، سواء من ناحية المضمون أو النبرة. وفي رواية «سيبل» أو «أمتان» يدور موضوع الرواية عن اتحاد بين النبلاء الإنجليز والشعب، الطبقة العاملة التي شكلتها الثورة الصناعية. وحتى في «لوثاير»، التي طور فيها رؤيته بشأن النهج القومي الاستعماري الإنجليزي، كان الحوار بين الشرق والغرب حاضرا. لم يكن من المستغرب ألا يمنع معارضو دزرائيلي ولا سيما ويليام غلادستون أنفسهم من الهجوم على «يهوديته»؛ فقد وصفه غلادستون بـ«المشعوذ العبري». وذهب الفيلسوف الأسكوتلندي توماس كارليل إلى وصف دزرائيلي بأنه «قرد سخيف». كان دزرائيلي يحلم بالأرستقراطية الروحية في أمة من الطبقات الوسطى الجديدة. واستخدم نهجه المحافظ في الحفاظ على المؤسسات الرئيسية، مثل النظام الملكي والبرلمان، وتعزيز دور الكنيسة الإنجليزية، لكنه كان يعلم أيضا أن الحوار ضروري لإنجاح أي إصلاح اجتماعي. ومن ثم اتخذ عددا من الإجراءات يمكن أن تجعل منه اشتراكيا أكثر من كونه محافظا. كان من بين هذه المعايير إضفاء الشرعية على النقابات، وتخفيض وتحديد ساعات العمل، ومنح العمال العطلات والعقود. ويمكن وصف دزرائيلي أيضا بالإمبريالي، لدوره في مؤتمر برلين الذي عقد في الفترة بين عامي 1884 - 1885 الذي قامت فيه القوى الأوروبية بتحديد إمبراطورياتها الاستعمارية. وكان دزرائيلي أيضا هو من اشترى حصة مسيطرة في قناة السويس من الخديوي بأربعة ملايين دولار اقترضها من مصرف روتشيلد وقام بترشيح صديق مصرفي له كحاكم فعلي لمصر. وقد قضى هيرد ويانغ بعض الوقت في إثبات أن بعض العبارات الشهيرة التي تعزى إلى دزرائيلي لم تكن له. لكني أنقل واحدة من العبارات التي لم يثر حولها الجدل: «لا تتصرف تحت ضغط الرأي العام وإلا أصبحت عبدا له». وربما يؤدي السياسيون في كل مكان أدوارا جيدة لو أنهم تفكروا في هذه الحكمة الشرقية.

    0 0

    حتى الآن كانت النساء بالنسبة لماكس فريش هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة، وتكون هذه المرة بغداد؟ لا أظن أن ماكس فريش، الكاتب السويسري المولود في 15 مايو (أيار) 1911م، في زيوريخ، كان قد قرأ «قطار الشرق السريع» لجون دوس باسوس، الصادر بالإنجليزية عام 1927 في لندن ونيويورك، لكي يقوم بعد ثلاثة عقود من رحلة الروائي الأميركي الشاب، برحلة هي الأخرى طويلة ومتعرجة، قبل أن يصل إلى هدفه المنشود: بغداد. لكن متى كان ذلك ضروريا؟ الكتَّاب هم أصلا جوالو آفاق، مثلما هم جوالو كلمات. فريش نفسه يعرف ذلك: «إنه في النهاية قدر مهنتي، أنني أستطيع أن أكون متشردا»، كما كتب على بطاقة لأمه أرسلها لها في الطريق. كان عمر فريش 46 عاما، وكان انتهى للتو من كتابة ما سيصبح أحد أشهر كتبه: «هومو فابر»، عندما قرر الذهاب إلى بغداد. في 31 يوليو (تموز) 1957 كتب إلى صديقه وناشره، بيتر سوركامب، يخبره كيف أنه عاش أسبوعين شاقين جدا، بسبب الموعد المحدد لتسليم الرواية التي ستجعل الروائي والمسرحي السويسري يحتل مكانا مرموقا في الأدب العالمي، لكن ذلك غير مهم، بقدر ما يريد أن يخبره أن طبيبا نمساويا يدير مستشفى للأطفال في بغداد، طلب منه أن يرافقه إلى بغداد. «لقد وافقت على الفور. هروب؟»، يكتب فريش لصديقه متسائلا. من يتابع حياة ماكس فريش، فلن يستغرب أنه كتب ذلك. حياته كلها هروب. على الأقل حتى الآن، أو خاصة بعد انفصاله عن زوجته ومعها أطفالهما الثلاثة قبل ثلاث سنوات من رحلته تلك. سواء في فترة زواجه تلك، أم في الفترة التي لحقت، لم يستقر فريش في علاقة ثابتة. علاقات عابرة. ما إن يدخل في علاقة حتى يهرب منها إلى علاقة جديدة. جملته المشهورة التي كتبها لصديقته، وله من العمر ثلاثة وعشرين عاما، تقول: «أنا أومن بقوة الحب وعدم الإخلاص». صحيح أن عدم الإخلاص للنساء يوازيه عدم إخلاص للمكان أيضا. النهاية لا أظن أن هناك كاتبا في العالم فاق فريش في تنقلاته، لكن الشرق، أو بغداد، اسمان ظهرا فجأة في قاموس ماكس فريش. وفي عمر السادسة والأربعين. اليوم يبدو ذلك ليس مهما، لكننا نتحدث عن عام 1957، عندما كان الشرق ما يزال عالما غامضا، يعرفه الأوروبيون فقط من قصص «ألف ليلة وليلة»، إذن لا نتحدث عن مغامرة السفر بسيارة، والطرق لم تكن معبدة مثلما هي اليوم. ذلك ما يفسر رد فعل صديقه وناشره سوركامب. «أنا مستغرب ومرتعب»، كتب له وهو لا يخفي قلقه. طبعا لا يستطيع ثنيه عن الرحلة، لكنه يريد أن يفهم. لماذا بغداد؟ لماذا هذا القرار المفاجئ وبالشكل البارد؟ لماذا هذه اللامبالاة، عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين؟ إن ليس تجاه صديقه وناشره، فعلى الأقل تجاه أمه التي لم تخف قلقها عليه، منذ أن فقد أباه الذي توفي مبكرا. فحتى ذلك التاريخ لم يكن فريش قد قام برحلة شبيهة في حياته، لا قبلها ولا بعدها. في 22 أغسطس (آب) 1957، تبدأ الرحلة الجديدة والفريدة من نوعها في حياة فريش. تبدأ من سويسرا، حيث يلتقي فريش الطبيب وزوجته، رفيقيه في الرحلة، اللذين نعرف أنهما سيقودان السيارة، لأن فريش لم يملك في ذلك الحين إجازة قيادة. لا يبوح فريش باسميهما الصريحين يكتفي بالرمز لأحدهما (الزوج) بحرف «ب». الطريق الذي ستسلكه الرحلة والانطباعات التي سيمر بها فريش، والأحاديث التي دارت بينه وبين رفيقي الرحلة، كل ذلك سنعثر على أغلبه في البطاقات البريدية التي بعثها إلى أمه. الباقي في دفتر ملاحظات صغير يحمل عنوان «رحلة إلى بغداد»، يمكن العثور عليه في أرشيف فريش في زيوريخ. هكذا نعرف أنهم قطعوا آلاف الكيلومترات، مروا في شوارع سيئة، ناموا في الطريق، كان عليهم تبديل إطارات السيارة أو تصليحها في بعض الأحيان، سوء الجو داخل السيارة بين رفاق الرحلة، صديقه يلجأ للصمت، حتى الآن محادثات قليلة، أمر يزعج فريش. لكنه رغم ذلك يواصل الرحلة. كانوا ما يزالون في نيش، في يوغوسلافيا، وكان بإمكانه أن يقول لصديقه وداعا، أن يعود أدراجه، خاصة أنه يعرف أن أمامهم ما زالت آلاف الكيلومترات، وطريق صعب، لكنه لم يفعل ذلك. كأن الصعوبات تلك هي تأكيد للمغامرة التي بدأ بها. التغلب على الصعاب يجعله يشعر بالراحة. ها هم يقطعون جبال صربيا ومقدونيا، الريف اليوناني ببيوته البيضاء وأبوابها المطلية بلون اللازورد. بعد سالونيكي، تركيا، وبعد الاستحمام في البحر، يشعر رفاق الرحلة بالراحة، التوتر ينتهي، حتى إنهم يبدأون يخاطبون بعضهم من دون ضمير الجمع (حضرتكم في اللغة العربية)، بعد ذلك تأخذ الرحلة إيقاعا آخر، كل شيء يجري بسرعة، ها هم في الشرق، يقتربون من هدفهم بغداد. وبدل أن يتجهوا في سيارتهم ناحية العراق، باتجاه بغداد، قرروا اختيار طريق آخر. ساروا باتجاه الحدود السورية. حتى في سوريا، لم يقرروا الذهاب شرقا أو إلى الجنوب الشرقي باتجاه بغداد، بل ساروا باتجاه بيروت، ومنها إلى دمشق، ثم إلى عمان، من هناك إلى القدس، ثم العودة مجددا إلى عمان، ثم بعد تصليح فرامل السيارة، إلى بغداد. باستثناء القدس، لم تجد أغلب المدن التي مروا بها طريقها إلى دفتر ملاحظات فريش. وهو يعترف لناشره سوركامب كيف أن القدس (اليوم) تركت عنده أقوى الانطباع. عكس بيروت «باريس الشرق الأوسط». لم تترك عنده ولو القليل من الانطباع. كل ما كتبه عنها، أنهم بعد رحلة جميلة على الطريق الساحلي، وصلوا إلى بيروت، وتناولوا عشاءهم مع النبيذ، وأنه سيمرض في اليوم الثاني، في المعدة. تفاصيل مقتضبة، كأنه أمين لأمه التي عندما سألته عن حاله، في برقية بعثها لها من القدس، أخبرها بأنه سيكتب لها مفصلا من بغداد. كل شيء سيتغير عندما يصلون إلى بغداد. وهذا ما شعر به فريش مباشرة حتى قبل عبورهم الحدود العراقية. 800 كيلومتر هي المسافة بين عمان وبغداد. أغلبها صحراء مشتعلة باتجاه العراق. درجة حرارة بحرارة الجمر. عند استراحة على الطريق ووسط الحر، يلمس فريش معدن السيارة. إنه يحترق تحت لهيب الشمس. لكن لا حرارة حارقة تزعج. لا غبار. الطريق ينبسط أكثر أمامهم، قائلا لهم ها أنتم على أبواب ميزوبوتاميا، الأرض الواقعة بين دجلة والفرات، ها هي بغداد أخيرا، تلوح في الأفق، ها هي المدينة التي كانت مدينة الخلافة يوما، مدينة «ألف ليلة وليلة»، وهدف الرحلة المنشود. ومباشرة عند وصولهم هناك، لا يكادون يصدقون ذلك، كأنهم قاموا برحلة عابرة للتاريخ، لا بد أن يجري كل شيء بسرعة، تناولهم العشاء، ثم ذهابهم المبكر إلى الفراش، هذه المرة النوم على سطح الفندق. تجربة أولى له. لكن التجربة الأقوى هي النهوض مبكرا، والذهاب عبر شوارع وأزقة وأسواق بغداد. فريش نفسه لا يصدق أنه أخيرا وصل بغداد؟ بدل أن يتجول في اليوم الثاني في بغداد، يذهب ومعه رفيقاه إلى 90 كيلومترا ناحية الجنوب الغربي، إلى بابل. كأنه حتى وهو في بغداد يؤجل لقاءه بها، مثل عاشق يحمل في جيبه رسالة حب ولا يريد فتحها لكي لا يصبح ما سيقرأه جزءا من الماضي. حتى بابل لا تجد طريقها بالشكل الذي تستحقه في دفتر ملاحظاته. فالمدينة التي وصفها مؤرخ الأنتيك هيرودوت بأنها ليست «أشهر وأقوى مدينة، إنما هي أيضا أجمل مدينة بين كل المدن التي نعرفها»؛ أو المدينة التي أراد البشر فيها بناء برج يصعد إلى السماء «برج بابل»، لكي يكونوا بموازاة السماء؛ المدينة الأسطورية هذه التي «هرب» إليها فريش، لم تترك انطباعا قويا عنده. كل ما نعرفه هو «ويسكي على ضفاف الفرات، القمر، نخل، نواعير سقي تجرها خيول، النهر، سفينة، واحة»! لكن ماذا عن بغداد؟ فبعد العودة من بابل، لم يعد هناك مفر أمام فريش. لا بد من مواجهة بغداد. ولا ندري إذا كان السبب درجات الحرارة المرتفعة في ذلك الفصل من السنة التي تصل حتى الخمسين درجة مئوية، أم هي الخيبة التي استحوذت على «الهارب» فريش، والتي جعلته أشبه بمشلول عن الحركة؟ «كل يوم هذه الحرارة العالية، الظهيرة الحارة، النوم حتى التصبب عرقا....»، يكتب فريش، دون أن يقول لماذا اختار الذهاب في الصيف؟ كما أن بغداد ليست المتحف العراقي فقط، الذي سيزوره ورفيقاه، وحيث سيرى بنفسه «المخطوطات الأولى في تاريخ البشرية»، الحلي والأختام، مثلما هي ليست فقط مسجد الكاظمين، الذي يصفه فريش بـ«المسجد الذهبي»، يلمع بقببه ومناراته التي تشع ذهبا. صحيح أن المتحف الوطني لفت نظر فريش، مثلما فعل جامع الكاظمين، لكن بغداد التاريخية، بغداد التي كانت ذات يوم العاصمة التاريخية للعالم الإسلامي، خاصة في زمن هارون الرشيد الذي يعرفه الغربيون من «ألف ليلة وليلة»، ومن العلاقة الدبلوماسية والتجارية والصداقية التي ربطته بالملك شارلمان، حتى إنه أهداه عام 902 فيلا تعبيرا عن تفاهمهما: «الخليفة والقيصر عمودان للعالم» رغم اختلافهما في الدين، بغداد التاريخية في القرن التاسع الميلادي، التي ازدهرت فيها العلوم والفلسفة والفنون، بغداد هذه كما يبدو لم تهم فريش كثيرا. وحسب دفتر ملاحظاته، اعتمدنا عليه هنا، لا نكتشف أي عطش عنده للتعرف على بغداد التي جاء إليها، بعد تحمل المغامرة تلك. أما منح الحيز الأكبر من الملاحظات بالكتابة عن بغداد، كمكان للحفلات، وسهرات شرب الكوكتيل فيجب ألا يكون سببا لتحمل رحلة بهذا العناء. لنلاحظ: بعد زيارة مسجد الكاظمين مباشرة يكتب فريش عن حفلة عند جوس.. ويسكي ومشروبات أخرى وسهرة حتى ساعات متأخرة من الليل. إحدى أول الروايات التي قرأتها في اللغة الألمانية بعد وصولي هامبورغ، كانت رواية «شتيلير» لماكس فريش، وذلك عام 1982، على ما أتذكر، سحرتني الرواية، وأذهلني فيها في المقام الأول الإصرار العجيب عند بطله شتيلير على الهروب. ليس من المكان وحسب، بل من نفسه أيضا. ولو كنت قرأت قبلها روايته «هومو فابر»، التي سأقرأها لاحقا، لما أذهلتني فكرة الهروب التي حوتها، لأن الهروب ولاحقا الخوف، هما العمودان اللذان بنا عليهما فريش رواياته ومسرحياته. في روايته «هومو فابر»، يتحدث فريش عن الخوف الذي يلاحق بطله، و«يصطاده من مكان إلى آخر». هومو فابر، البطل العقلاني، تسحقه الأحداث غير العقلانية في حياته، حتى تجعله ينهار. وفريش؟ ألم يجرب الهروب مثل بطله مرات عدة؟ أليست تلك الوسيلة الوحيدة لتجنب الانهيار، إن لم تكن الوحيدة لتجنب الانتحار؟ حتى الآن كانت النساء هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة ويكون ملاذه هذه المرة بغداد؟ وهم جديد يختلف عن وهم الهروب إلى النساء.

    0 0

    صدر أخيرا كتاب «زيلوت (الغيور): حياة يسوع الناصري وزمانه». وسريعا، احتل المركز الثاني في لائحة الكتب الأكثر مبيعا في صحيفة «نيويورك تايمز». والأول في لائحة كتب «أمازون» في الإنترنت. كاتبه هو رضا أصلان، أميركي من أصل إيراني. عمره 50 سنة. ولد في إيران، وجاء إلى أميركا مع عائلته التي تركت إيران بعد الثورة عام 1979 بقيادة آية الله الخميني. يعيش الآن في ولاية كاليفورنيا، حيث يدرس فن الكتابة، ويحاضر في المواضيع الدينية. وتخلط آراؤه بين خلفيته الإسلامية وتربيته الأميركية. ويمكن وصفها بالانفتاحية والوسطية في نفس الوقت، رغم أن علماء مسلمين انتقدوه، لكن، جاء النقد الأكبر من مسيحيين، وخصوصا أجهزة إعلامية أميركية محافظة. لحسن حظ أصلان، استفاد من انتقادات أميركيين لكتابه الأخير. انتقدته مذيعة تلفزيون في قناة «فوكس» اليمينية. وكان النقد حادا، وانتشر في الصحف والإنترنت، وساعد على زيادة مبيعات الكتاب. ذلك لأن مذيعة الشؤون الدينية لورين غرين (ملكة جمال سابقة) كررت سؤال: «لماذا يكتب مسلم عن المسيحية؟» وكأنها تريد إثبات مؤامرة بأن أصلان يريد تشويه المسيحية، والترويج لنفسه عبر كتابه. «في المقابلة، كرر أصلان أربع مرات أن تخصصه الأكاديمي في الأديان. وأنه قضى العشرين سنة الأخيرة يدرس شخصية المسيح. وحصل على شهادة دكتوراه، وعلى ماجستير في اللاهوت من كلية اللاهوت في جامعة هارفارد. وأن كتابه نتيجة أبحاثه كمؤرخ وأكاديمي، وليس تعبيرا عن إيمانه الشخصي». وكرر للمذيعة بأنها «غير عادلة» في أسئلتها. لكن، كررت المذيعة أسئلتها: «أنت مسلم، لماذا تكتب كتابا عن المسيحية؟» و«لا تختلف نتائج بحثك عما يقول القرآن عن المسيح». ماذا يقول أصلان في كتابه؟ إنه يعارض الصورة السلمية السائدة في الغرب عن المسيح بأنه مسالم، و«نبي السلام». بل يرى أنه كان «مناضلا شرسا من أجل الحرية». وكان «يهوديا وطنيا». وكان «يريد تحرير الأرض المقدسة من حكم الرومان، وإرساء مملكة دينية يهودية نقية». غير أن ناقدين قالوا إن الكتاب لم يقدم تفاصيل عن أسباب تغير المسيح من «جهادي» إلى «سلمي»، أو من «سلمي» إلى «جهادي». وإن الكتاب لم يتمعن في تفسيرات رجال دين مسيحيين لآلاف السنين. وقال ناقدون إنه سرق آراء علماء دين مسيحيين. وكان المؤلف، كما يذكر في مقدمته، قد وصل إلى أميركا وعمره 15 سنة. ولأن عائلته لم تكن متدينة، ولم تكن تهتم بتربيته تربية دينية، أو اطلاعه على أي شيء عن الدين، بدا هو يبحث بنفسه. وقاده البحث إلى كنائس، وإلى معسكرات صيفية كنسية. وذكر أنه كان مسلما في إيران. لكن، كان إسلامه غير ديني، «مثل أن أكون فارسيا»، وذلك لأن والدته كانت «مسلمة غير راسخة الإسلام»، وكان والده ملحدا. لكن، في أعماقه، قال المؤلف إنه لم يترك الإسلام، وإن والدته، في أعماقها، لم تترك الإسلام. وإنها «تصلي عندما لا يشاهدها أحد (قد يقصد زوجها)». ولم يختف القرآن الكريم من المنزل. لكن، لم تكن مشكلاته دينية فقط. واجهته مشكلة لونه، ولغته الفارسية، ولهجته الأجنبية. وصار يدعي مبكرا أنه ليس إيرانيا، بل مكسيكيا. وقال: «مثل غيري من المهاجرين صغار السن، ضحيت لأكون أميركيا. ولم تكن تلك التجربة طيبة، كما أنظر إليها الآن بعد أن كبرت في السن». وبدأت الشكوك تحل محل اليقين. وكتب: «غضبت، وتأثرت، وتمردت. وبدأت أفكر في دين أجدادي (الإسلام). وبعد أن كبرت، عدت إلى هذا الدين، وكأني عدت إلى صديق قديم بعد سنوات فراق طويلة». وقال إن عودته إلى الإسلام لم تكن تعني توقفه عن دراسة المسيحية. وذلك لأنه أكاديمي، يدرس الأديان، بصرف النظر عندما إذا كان ينتمي إلى دين معين أم لا.

    0 0

    أعلن يوما أن أسوأ لحظات غربته علمه بوجود معسكرات للقتل الجماعي أقامها الصرب لتعذيب المسلمين، وفي إشارة إليها صرح بأنها دمرته حتى إنه رغب في استشارة طبيب نفسي، لكنه بدلا من الاستشارة أجمع على أن يبتر لغته الأم من كيانه وألا يعود إلى الكتابة بها.. «فلغتي هي لغة البوسنة قبل الحرب وتلك قد انتهت». إنه الكاتب الأميركي ألكسندر هيمون، المولود عام (1964) في سراييفو، غير أنه لا يشعر بانتماء إلى القومية الصربية، ويعرّف نفسه بأنه أوكراني نسبة إلى جذور والده. أكثر ما يضجر هيمون هو السؤال عن هويته على الخريطة الممزقة ليوغوسلافيا سابقا، ففي روايته «رجل لا وجود له» (2002) - كتاب أغرى النقاد بمقارنته بالروائي البولندي المولد الإنجليزي المستقَر جوزيف كونراد - يسأل أحد الأميركيين البطل إن كان صربيا أم مسلما فيجيب «إنني مركب.. لك أن تعتبرني بوسنيا». وكما هو حال البطل يصر هيمون في ما يشبه الحدة «لستُ صربيا.. إنني بوسني». كان قد انتهى المقام بهيمون بعد اندلاع الحرب ببلده لاجئا معدما لا يتحدث سوى إنجليزية السياح في شيكاغو، لكنه أتقن الإنجليزية وأنشأ يؤلف قصصا بها، بل إنه قام بنحت عدة كلمات إنجليزية بنفسه! وأثنى النقاد على استخدامه المبتكَر للغة وقدرته على التعبير عما يشاء بشغف ودقة على حد سواء، إلا أنه لا يمكن اعتبار «مَن لا يصور إلا شرق أوروبا ومواطنيها» كاتبا أميركيا. الحق أنه يقف موقف العداء أمام العديد مما يفخر به الأميركيون. ففي قصته «غرفة سمورا» (2004) يحاول أميركي أن يدمج أحد مواطني البوسنة في المجتمع، فيلقي عليه دروسا مرتجلة في التاريخ الأميركي، ويجعله يتطلع بإعجاب إلى خُصى كبيرة زينت أرابي الآباء المؤسسين؛ ويقص عليه الملحمة العظيمة لإنقاذ العالم من خطر كارهي الحرية «قصها في عدة حلقات (فيتنام، غرينادا، الخليج)؛ وشجعه على التفرج على التلفزيون كي يُقدّر ثراء الثقافة الأميركية حق قدره؛ ورسم للرأسمالية لوحة زيتية رحبة بعدة ضربات بسيطة من فرشاته – السوق الحرة، المشاريع الحرة، فلوس في البنك». لقد منحت أميركا هيمون جائزة مؤسسة «بين دبليو جي سيبولد» ومنحة جوجنهايم ومنحة «العبقرية» من مؤسسة ماك آرثر، بيد أنها كثيرا ما خذلته إنسانيا، وهو لا يتوانى عن تسديد عينين ساخرتين إلى عنصريتها «حادثتُ أناسا حسبوا يوغوسلافيا - وكانت تتمرغ في الدماء وقتها - كلمة خاطئة الهجاء صحيحها تشيكوسلوفاكيا. خاطبتُ آخرين يمقتون الأجانب نم دون أن يخجلوا من إعلامي بمقتهم. ولكن أسوأ ما كان هم مَن حسبوا أني أحيا الحلم الأميركي وتوقعوني مفعما بالبهجة لوجودي هنا، ومنهم أستاذ جامعة مرموقة دافع (دفاعا بليغا) عن الإبادة الجماعية». في روايته «مشروع لازاروس» (2008)، الفائزة بجائزة مؤسسة «يان ميشالسكي»، يصوب هيمون ضرباته إلى التمييز العرقي في أميركا. وهو يصفها «برواية أبو غريب»، السجن العراقي، إذ يصور أحد مشاهدها رجل شرطة في شيكاغو يتخذ وضعية جذابة ليلتقط أحدهم صورته مع جثة شخص هارب من مذابح شرق أوروبا. وفي قصة «جوزيف برونيك الأعمى» (1999) يعري هيمون نموذج راعي البقر الأميركي المنتهز للفرص، الغافل عن العالم، المتجرد من أي رقة. يجاهر أحد الأميركيين من غير مواربة بأن الحرب محمودة، وإن لم تنشب الحروب، إذ سيتبقى أناس أكثر من اللازم! يجد المسألة أشبه بقانون الانتقاء الطبيعي، مثلها مثل السوق الحرة. خيرهم مَن يعلو على السطح «أما الحثالة فبالسلامة. أنا لا أعرف عنك الكثير أيها الروسي، لكنك ما دمت وصلت هنا فلا بد أن لك قيمة، مثل هؤلاء المهاجرين يا رجل، كانوا رعاعا في بلادهم، ولما جاءوا إلى هنا أضحوا مليونيرات أوغادا. لذلك نحن أقوى دولة وسخة في العالم، لأنه لا بقاء هنا إلا للأقوى». وهكذا روى هيمون حكايات احتفى بها النقاد سنوات، والآن يبوح إلينا بشهادته الأليمة عن تاريخ سراييفو بوحا شخصيا لا ينقصه التفرد، وفي الوقت ذاته كوني الأثر. غالبا ما تطغى على السير الذاتية - لا سيما بأقلام الأدباء - المراجعات والتجميل. وبوسع القارئ أن يستشف الحكمة بأثر رجعي. كان الروائي الأميركي بيتر أورنر قد قال يوما إن «ذاكرتنا تكذب، وما سيرنا الذاتية إلا تجميع لأعظم لحظات هرائنا ليس إلا». لكن هيمون في «كتاب حيواتي» (2013) يتوخى صراحة جديرة بمن لا يمتلك ما يستحق الخسارة، مقتربا من جلد الذات وتعريتها. يبدد أوهامه المتعمدة ويرسم حدود الأنا وقصصا نحكيها لنسبغ المغزى على الوجود، وهو يطوف بنا من طفولته في سراييفو - بها سخر شابا من مزاعم الكبار وهو ينصت إلى الموسيقى الأميركية ويطالع الشعر الركيك - إلى عنصرية أميركا، من مأساة الحرب إلى خسارة ابنته لمعركتها مع السرطان. نغفر للمغترب أي لحظة تشي بالتعالي أو القسوة، فسراييفو تطوي في جعبتها فيضانا من الظلمة. تستحضر سيرة هيمون الحروب اليوغوسلافية في تسعينات القرن الماضي «ما كان هناك مخلوق يشارك غيره الطعام، فهو سلعة البقاء على قيد الحياة. لم أجد بأسا بتخيل نفسي أواجه الجيش الأجنبي كما الأبطال لأصاب برصاصة في ظهري وأموت حماية لعلبة (تونة) في جيبي». ومع ذلك يستدعي هيمون صورا عشوائية تارة ومدروسة تارة أخرى لمدينة سحرية يفتش فيها عن ماهية الوطن والبيت. ومَن منا لا يبحث عن معنى لأصله؟ يرسم مشاهد تنير حقيقة سراييفو وشيكاغو - وليس تاريخا جامعا مانعا لهما - ومنها لحظات قضاها في أحد مقاهي سراييفو قبل شن الحرب. هناك شهد أناسا بعيون عارية من أي انفعال تحملق إلى الأفق. لا يخاطب أحدهم الآخر، ونالت من بعضهم المخدرات كل منال، فيما تحجر بعضهم مشلولا شللا فطريا، وكلهم تولاهم الرعب مما لا يمكن إنكاره «لقد انقضى كل شيء. هلت الحرب، وهُم الآن في انتظار أن يَعلموا من سيعيش، ومن سيَقتل، ومن سيموت». تسود «كتاب حيواتي» نبرة اعتراف صريحة لا تَعرف الكبح، ترنو جريئة - وتنقلب بين الحين والآخر جارحة - إلى موقع الفرد في شبكة الحياة وهول الحالة الإنسانية وجمالها، سمات تتقاطع مع أدب الروائي الروسي المولد فلاديمير نابوكوف. إنها ليست حقا سيرة ذاتية لقاص كئيب، بل أغنية تفيض حبا ينشدها هيمون لسراييفو. لا يشارك هيمون الأدباء اعتقادهم أن الأدب يسبغ نبلا، وعلى حين يصف شيكاغو بأنها ليست «مقامة بغرض جمع الناس، وإنما تفريقهم في أمان»، لا يلتمس من الأدب إلا إحساسا بالجماعة خالجه في البوسنة، حيث لا وجود لكلمة «خاص». لا ريب أن تصوير كتاب «حيواتي» الحميم لعالم ضاع أثره من جراء واحد من أشد الصراعات دموية، هو كشف لا يكتفي بما هو شخصي، وإنما تأريخ للحرب والكفاح والاغتراب، موضوعات يجابهها هيمون بواقعية لا تعرف الخجل أو تتلون بأي رومانسية. إنها الحقيقة العارية من غير رتوش أو شحن عاطفي. يقول عنه الكاتب الآيرلندي كولم ماكين إنه «أعظم قصاصي الجيل»، وعلها مبالغة في محيط ثقافي يضم الأميركيين إدوارد بي جونز ولويز إردريك، لكن الثابت أن سيرته تعكس أدبه بجلاء، إذ تجمع بين العمق والسلاسة، ممتعة وإن شابها الألم، لافحة وفجة من فرط الغضب، هزلية تكتنفها التساؤلات، لكن بسرد خلاق.. وإنساني.

    0 0

    لم يكن في ذلك البيت - الواقع في إحدى عشوائيات بغداد الطينية - حيث نشأت، أي كتاب من أي نوع. سأكتفي هنا بمدارات السرد (الروائي حصرا) وليس الشعر في كتبي الأولى، لأنها كانت المنطلق لخياراتي اللاحقة، ولربما صارت الرواية أحد أهم مصادر قصيدتي. شدّني، في مراهقة قراءتي آرثر كونان دويل البريطاني مبتكر شخصية المحقق العبقري شيرلوك هولمز وصاحبه واطسون، ومع دويل صاحبه موريس لبلان مبتكر شخصية اللص الظريف أرسين لوبين، حتى كدت أجهز على كل مؤلفاتهما، تقريبا، وأنا في غاية الزهو كأنني أتأبط «أعمدة الحكمة السبعة». كنت أبحث في تلك الكتب عن المتعة المتولدة من التشويق والدهشة، لا أكثر ولا أقل.. حتى بدأت بكتاب عراقيين، مثل عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان، ومن أجيال لاحقة. المنعطف الأول في مسيرة الكتب والكتاب كان عبر البوابة المصرية العريضة التي أدخلتني عالم نجيب محفوظ الساحر، وقتها، بعد أن دس بين يديّ أحد أصدقاء أخي الأكبر ثلاثية محفوظ الشهيرة، إضافة إلى إعمال أخرى لصاحب نوبل - لاحقا - على أن المجلات المصرية كانت الأثيرة عندي، أكثر من اللبنانية، خصوصا مجلات «الهلال» و«روزاليوسف» و«آخر ساعة»، لكن ما إن شببت عن الطوق قليلا (قرائيا) حتى استغرقتني مجلات، مصرية طبعا، أكثر نخبوية، مثل «الطليعة» و«الكاتب». حل المنعطف الثاني في حياتي على أيدي كتّاب من نوع مختلف، وكانوا مصريين، أيضا، مثل سلامة موسى ويحيى حقي وزكي نجيب محمود ولطفي الخولي وعبد الرحمن بدوي، وهؤلاء فتحوا أمامي بوابة أكثر اتساعا لأتنفس هواء العالم عبر كتبهم حيثما تناولوا، أو أشاروا إلى سماء مفكرين وفلاسفة وأدباء أجانب، فضلا عما كان يصل لبغداد من روايات ونقود أجنبية مترجمة. كل كتاب، حقا، هو مجموعة من الكتب، كما ذهب ورّاق عصرنا الأمهر خورخه لويس بورخيس. المنعطف الثالث، وهو الأهم، وينبغي أن يكون كذلك، هو عندما بلغت سن الرشد وتوطدت علاقتي بأبناء عمومتي، وأصدقائهم، وهم أكبر سنا مني بكثير، لأنهم كانوا قرّاء جيدين لم يكتفوا بالتغيير الذي أحدثته الكتب في عقولهم وأذواقهم، بل صاروا حالمين كبارا بتغيير العالم، لتستغرقني الرواية العالمية، وهكذا بدأت بأعمال روائية روسية رائدة: فيودور دوستويفسكي (على رأس اللائحة) وليو تولستوي ونيكولاي غوغول، وأخيرا جنكيز إيتماتوف. حدث هذا في مرحلة الدراسة الثانوية. بينما كنت أنظر إلى الشعر بتردد، وقليل من الشعراء كان يستفزني، لكن محمد مهدي الجواهري كان يقف على الهضبة ويومئ لي من بعيد، لكنني لم أذهب بعد. انتقلت، بعدها، إلى الضفة الأخرى من العالم؛ أوروبا الغربية وأميركا، في رحلة مضطربة، وشاقة، لكنها أخاذة، لأن الإبداع، كما بدا لي وقتها، يأخذ بأردان بعضه بعضا، والمبدعون يتحاورون مع زملائهم عبر طرفي الأرض، فتجاور في مكتبتي الصغيرة الويليامان؛ شكسبير وفوكنر، وأرسكين كالدويل وجون شتاينبك وأنطون دي سانت أكزوبري جان بول سارتر وفرنسوا ساغان (كتاب وحيد) ود. هـ. لورانس وفرجينيا وولف والعشرات غيرهم، لـ«أعرّج»، نهاية سبعينات القرن الماضي، على القارة اللاتينية، بعد أن جرّني من ياقتي أشهر كتّابها؛ غابرييل غارسيا ماركيز. وبدلا من أن يصبح الفتى قارئ الروايات روائيا، كما تقتضي منظومة القراءة هذه، فإنه صار شاعرا، منذ بداية السبعينات، بعد أن دخل سحرة الشعر وعرّافوه عبر حواسه السبع في مفارقة عجيبة، وأولهم محمد مهدي الجواهري الذي استجبت لندائه وهو يومئ لي من فوق الهضبة، وكأنه كان يغار من روائيي العالم؛ ما لك وهؤلاء الثرثارين؟ تعال معنا! فذهبت. * شاعر عراقي من مجموعاته: «من أجل الفرح أعلن كآبتي».. «هنا الوردة فلترقص هنا» و«أحاديث المارة - مختارات شعرية»

    0 0

    يناقش الباحث الأثري الدكتور خالد عزب في كتابه «فقه العمران» الصادر حديثا عن الدار «المصرية -اللبنانية» بالقاهرة علاقة العمارة والمجتمع والدولة في الحضارة الإسلامية، وفي سياق نظرة شمولية لطبيعة هذه العلاقة وأثرها على البيئة والأنماط المعمارية ومدى توافقها مع سلطة الدولة في المجتمعات الإسلامية، والحرص على تشييد عمائر تتناسب مع قيمها وحضارتها. كما يناقش الكتاب أحكام فقه العمران التي تراكمت مع مرور الزمن لتشكل إطارا قانونيا يلتزم به الحكام قبل المحكومين. يقع الكتاب في نحو ستمائة صفحة، ويتكون من ثمانية فصول وملحق لمصطلحات فقه العمران. ويوضح المؤلف في الفصل الأول، أن فقه العمران ارتبط بإطارين حاكمين له من الناحية الفكرية، الأول، هو السياسة الشرعية، وهي السياسة التي يتبعها الحاكم في المجال العمراني، سواء كانت تتعلق بالأمور السياسية العامة أو بالعمران مباشرة وكلاهما يترك أثره على العمارة، والإطار الثاني، هو فقه العمارة، والمقصود بفقه العمارة مجموعة القواعد التي ترتبت على حركية العمران نتيجة للاحتكاك بين الأفراد ورغبتهم في العمارة وما ينتج عن ذلك من تساؤلات، يجيب عنها فقهاء المسلمين، مستنبطين أحكاما فقهية من خلال علم أصول الفقه، والتي تتبلور أغلبها في مراعاة الموقع الذي يتمتع بطيب الهواء، وجلب الماء بأن يكون البلد على نهر أو بإزائه عيون عذبة، وطيب المراعي ومراعاة المزارع. ويلفت المؤلف إلى أن نظرة علماء الشرع للعمارة، انحصرت في: البناء الواجب مثل دور العبادة، والمندوب كالأسواق التي تندب لتوفير السلع للناس، والمباح كالمساكن والبناء المحظور كالبناء على أرض الغير، مشيرا إلى أن الفقهاء اعتمدوا في بنائهم لفقه العمارة على الحديث النبوي «لا ضرر ولا ضرار»، وعلى القاعدة الفقهية القائمة على «جلب المنافع ودفع المفاسد». ويناقش المؤلف في الفصل الثاني، دور الفقه في التنظيم والتخطيط العمراني للمدن، من حيث الشوارع والطرق العامة والخاصة، موضحا أن هناك الكثير من المصطلحات التي ظهرت في سجلات المحاكم الشرعية والمصادر الفقهية مثل حفظ حق الطريق، وحقوق الجوار، وضرر الدخان، وإحياء الموات، والحوائط المشتركة، والركوب وغيرها وهي تدل على مدى التقدم الذي وصلت إليه الحضارة الإسلامية في مجال إقرار قوانين تحافظ على البيئة الحضرية في المدن، بل تعكس تفاعل المجتمع الذي صاغ هذه القوانين الحاكمة بين الساكنين في المدن بعيدا عن سلطة الدولة، بل تؤكد التزام الساكنين بهذه القوانين. وتعرض الفصل الثالث، إلى فقه عمارة المساجد، وما تنطوي عليه من عناصر هندسية وجمالية وفلكية، مثل المنابر، وتحديد موضع القبلة والمآذن، ويتخذ الكتاب من عمارة المسجد النبوي في المدينة المنورة نموذجا لذلك. أما الفصل الرابع، فيتعرض فيه الكتاب إلى فقه الأسواق والمنشآت التجارية في الحضارة الإسلامية، مؤكدا أن بناء الأسواق عند المسلمين مندوب، وبتطبيق القواعد الفقهية يرى المؤلف أن هناك اعتبارات كثيرة في تخطيط أسواق المدن، لعل أولها، التوزيع المكاني الذي حكمته الحاجات المتكررة للسكان والضرورية التي قد تتطلب وجود أسواق معينة في كل حي عرفت بالسويقة لتلبية المتطلبات اليومية للسكان، في حين أن التوزيع المكاني يرتبط بضرر بعض السلع التي يجب أن تكون في ساحات عامة خارج المدن كأسواق الدواب والفواخير التي تسبب نيرانها ضررا للسكان. ويذكر الكتاب أن ثاني القواعد الحاكمة للأسواق، هي التخصص، حيث صنفت السلع والصناعات في المدن بحيث توجد كل حرفة أو تجارة على امتداد الشوارع الرئيسة، وتتجاور السلع المتشابه ولا تتجاور السلع التي قد يضر وجودها سلعة أخرى مجاورة لها. وتعرض المؤلف في هذا الفصل للكثير من المنشآت التجارية كالحوانيت والقياسر والوكالات والسماسر والفنادق، وضرب أمثلة من الكثير من المدن الإسلامية كالجزائر وفاس وصنعاء والقاهرة ورشيد وتونس. وركز المؤلف في الفصول التالية من الكتاب على فقه عمارة المساكن، وتفصيل رؤية الإسلام لها، كما تناول حقوق المجاورة في المكان، وسبل الحفاظ على الخصوصية، كذلك فلسفة تأثيث المنازل الإسلامية التي قامت على الاستغلال الأمثل للفراغات، مما يتيح تعدد وظائف الأماكن وما ينتج عنها من اقتصادات عالية. وفي بحثه في فقه المياه والمنشآت المائية في الحضارة الإسلامية، يشير المؤلف إلى أن الرؤية الإسلامية تعتمد الماء كونه أصل الحياة وهبة من الله وشراب المعرفة، وللماء إضافة إلى هذا معنى تطهيري لأنه يطهر المسلم خارجيا (جسده) وداخليا (روحه). كما أن إمداد الآخرين بالماء، إنسانا كان أو حيوانا، يعد من الزكاة في الإسلام. ويتعرض الكتاب لمحكمة المياه في بلنسية بالأندلس والقواعد المنظمة لها. كما يتعرض المؤلف للمنشآت المائية وأحكامها وعمارتها كالسدود، وأشهرها سدود الطائف التي تعود إلى العصر الأموي، ويكشف عن اهتمام المسلمين بعمارة مقاييس مياه الأنهار التي تحدد مدى فيضان النهر ويترتب عليه تحديد خراج الأرض، وأشهر هذه المقاييس مقياس نهر النيل بالروضة ومقياس نهر دجلة. كما تعرض لعمارة السقايات والأسبلة، والحمامات في الحضارة الإسلامية، ويرصد خصائصها وفقا للقواعد التي وردت في كتب فقه العمارة القديمة. ويناقش المؤلف فكرة الربط بين المجتمع والأوقاف والعمارة، وذلك في سياق الكثير من الوظائف ومنها الرعاية الاجتماعية والصحية كانت تقوم بها المجتمعات الإسلامية. ويختتم الكتاب بفصل مهم يعد محصلة الإبداع المعماري في الحضارة الإسلامية، حيث تعرض فيه المؤلف إلى الهندسة المعمارية، فنراه يتعرض لابتكارات المسلمين في هذا المجال وظهور علوم جديدة كعلم عقود الأبنية، وهو علم يتناول أوضاع الأبنية وكيفية شق الأنهار وتنقية القنوات وترميم المساكن، وكذلك علم استنباط المياه الكامنة في الأرض وإظهارها لإعمار الأرض وزراعتها، ويعرفنا المؤلف على طائفة المعماريين ودورها الحضاري، ويكشف عن أصول الرسم المعماري ونماذجه لدى المسلمين، واستعانة القضاة بالمهندسين كخبراء في مجال قضايا العمارة، كما يقدم سيرة أشهر المعماريين في حضارة المسلمين.

    0 0

    شهد التاريخ العربي الحديث، عددا قليلا من السياسيين الذين قسموا الرأي العام المصري مثل جمال عبد الناصر، الذي ساعد في تأسيس أطول الأنظمة العسكرية عمرا في الشرق الأوسط. كان عبد الناصر ولا يزال بالنسبة للبعض رمزا لـ«العروبة»، ذلك المفهوم بعيد المنال للوحدة العربية، فيما مثل لدى البعض الآخر، قائد لانقلاب نهم للسلطة قاد المصريين إلى مأزق سياسي وهزيمة عسكرية مهينة. لم يكن عبد الناصر أول من يقوم بانقلاب عسكري، ذلك التقليد العربي الشائن، فقد بدأها العسكر في سوريا قبله. كما لم تكن «العروبة» من بنات أفكاره فقد نشأ هذا المفهوم في مصر وسوريا في القرن التاسع عشر. وكان سجل عبد الناصر في كل المجالات السياسة الداخلية والخارجية دون المتوسط على أدنى تقدير. وقد حظي عبد الناصر خلال حكمه بشعبية جارفة في مصر وبعض دول العالم العربي، فشهدت جنازته عام 1970 في القاهرة أضخم حشد رأيته في أي مكان خلال عقود من العمل الصحافي. وكان حزن قطاع كبير من المصريين لوفاته كبيرا. لكن هدف السيدة تحية عبد الناصر من كتابة كتابها «عبد الناصر زوجي» لم يكن تقييم سجل عبد الناصر. بل يهدف هذا الكتاب الرائع تصوير الديكتاتور زوجا وأبا وإنسانا. شرعت السيدة تحية في كتابة هذا الكتاب عام 1973، بعد ثلاث سنوات من رحيل عبد الناصر. ولو كان تأليف كتاب رحلة، لصح هذا على كتابها، فقد بدأت من دون خارطة طريق واضحة، فقد أرادت فقط أن ترى إلى أين تأخذها ذكرياتها. كانت هناك ثلاثة أسباب وراء عدم تحول الكتاب إلى دفاع عن مناقب عبد الناصر. أولها أن السيدة تحية تحدثت عن عبد الناصر بصفته زوجا، وهو ما يعني التركيز على السنوات التي سبقت سيطرته على مقاليد الحكم. في تلك السنوات الثماني، 1944 - 1952، كان لدى ناصر الوقت ليكون الزوج والأب، لكنه بعد ذلك انهمك في دوامة ابتعد بها عن تحية. وثانيا لأن تحية كانت بعيدة تماما على المشهد السياسي لحياة زوجها ومن ثم فهي لا تمتلك ما يكفي من المعلومات لتقديم رأي معتبر. وأخيرا، كان ناصر داهية سياسية، يغير السياسات وحتى الآيديولوجيات ليتناسب مع المناسبة، وبالتالي كان من الصعب سبر أغواره وتحليله. اعتنق العلمانية ولكن نظم أيضا منظمة المؤتمر الإسلامي وسافر إلى مكة للحج في أول فرصة. تخبرنا تحية بأن ناصر طوال حياته كان يحمل نسخة مصغرة أو اثنتين من القرآن الكريم في جيبه. بدأ عبد الناصر سياسيا مواليا للولايات المتحدة لكن تحول بعد ذلك إلى السوفيات في الوقت الذي ادعى أنه مؤيد لعدم الانحياز. فكان مؤيدا للقومية العربية في يوم، وفي يوم آخر كان حاملا للواء الاشتراكية. تقدم قصة عبد الناصر نظرة ثاقبة على قدرة المجتمع المصري في ظل النظام الملكي على توفير فرص الترقي الاجتماعي عبر الجيش والنظام الإداري للدولة. وعلى الرغم من ثراء أسرة تحية ذات الأصول الإيرانية، كان ناصر من خلفية متواضعة. وتمكن جمال أن يتزوج تحية، لأن الجيش وفر له السبيل للصعود إلى الطبقة الوسطى. وقام الزوجان بكل ما كانت تفعله الطبقات الوسطى التي نشأت في مصر في ذلك الوقت، من شراء المنزل، وبناء أسرة والتمتع بقدر من المجتمع الاستهلاكي الوليد الذي تصوره هوليوود والأفلام المصرية التي حاولت السير على خطاها. كان الاثنان من هواة السينما، وقضوا كثيرا من الأمسيات في دور السينما. وبعد أن أصبح رئيسا، بنى ناصر قاعة سينما خاصة في قصر الرئاسة. وأعطى الألمان الشرقيون ناصر كاميرا تصوير استخدمها لصنع سلسلة من الأفلام المنزلية. وبدأ عبد الناصر وأسرته في اختبار عادات المستهلكين الجدد، فكانوا يقضون إجازاتهم على شاطئ البحر ويحضرون عروض الأوبرا، كما حاولوا تعلم اللغة الإنجليزية وحلموا بالسفر إلى أوروبا. وقد كان امتلاك مركبة خاصة من أبرز الطموحات التي سعت عائلة عبد الناصر لتحقيقها، وهذا ما تحقق لهم عندما اشتروا سيارة من طراز أوستن سوداء اللون بريطانية الصنع (وقد بقيت هذه السيارة في حوزتهم لفترة طويلة بعد تولي عبد الناصر لمنصب رئيس الجمهورية!) ويعج كتاب تحية عبد الناصر بكثير من القصص المدهشة، التي عند ربطها ببعضها تعكس لنا صورة عن مصر ما قبل الانقلاب العسكري كمجتمع ليبرالي إلى حد كبير، إذ تذكر تحية على سبيل المثال أن منزلها تحول إلى مخزن لإخفاء كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي كان عبد الناصر ورفاقه من الضباط، مثل عبد الحكيم عامر وصلاح سالم، يستولون عليها من الجيش خلال أنشطتهم السرية، وهذا ما يثير الدهشة، إذ كيف بقيت الحكومة المصرية على مدى سنوات لا تعرف شيئا عما سيحدث ولا متى سيحدث، تاركة العنان بكل بساطة لعبد الناصر ومكتفية بالتوبيخ الشفهي الذي تلقاه من رئيس الوزراء في ذلك الوقت إبراهيم عبد الهادي. لقد بنيت أسطورة عبد الناصر جزئيا على الزعم القائل بأنه كان هناك تنظيم يعرف بـ«الضباط الأحرار» الذي أنشاه وتولى زعامته عبد الناصر، تلك الأسطورة التي روجها، حسب ما أوردته تحية في كتابها، قادة الانقلاب بعد استيلائهم على السلطة. وتصور تحية «عامر» في كتابها على أنه الصديق الصدوق، بل وكأنه أخ لعبد الناصر، لكنها توضح أن الضابط، الذي تقلد فيما بعد منصب المشير، لعب دورا صغيرا في الانقلاب ويدين بالمكانة التي وصل إليها لعبد الناصر. وتضيف أن عامر حاول القيام بانقلاب ضد عبد الناصر بعد هزيمة 1967، لكن الانقلاب فشل، فانتحر المشير. وتبدو تحية في كتابها أقل ثناء على الجنرال محمد نجيب، الضابط الكبير الذي استغله عبد الناصر كواجهة في المراحل المبكرة من العملية العسكرية للاستيلاء على السلطة، فقد كانت نظرة عائلة عبد الناصر لنجيب على أنه فلاح «ذو بشرة داكنة اللون». وإذا جاز لنا أن نصدق كل ما أوردته تحية في كتابها، فينبغي أن نضع في الاعتبار ما ذكرته من أن محمد نجيب حاول القيام بانقلاب داخل الانقلاب لاغتيال عبد الناصر. كما تسرد تحية في كتابها حادثة تقول فيها بشكل ضمني إن محمد نجيب حاول قتل خالد، ابن عبد الناصر، بعد ولادته مباشرة عندما أرسل صندوقا من الشوكولاته إلى عنبر الولادة. وحتى عندما أصبح رئيسا لمصر، لم يكن لنجيب كيان يذكر، حتى أن عبد الناصر كان يكتب المراسيم (القرارات) الرسمية ويرسلها له ليوقعها من دون مناقشة، وبالتالي كان محتما أن تنتهي حياة نجيب في الإقامة الجبرية. أما أنور السادات، خليفة عبد الناصر في منصب الرئاسة، فلم يحتل مكانا ذا بال في كتاب تحية التي وصفته بأنه كان «ذا بشرة داكنة جدا». وتزعم تحية أن السادات لم يكن له دور في خطة الانقلاب الرئيسية، كما أنه لم يعلم شيئا عن تلك الخطوة التي أقدم عليها عبد الناصر. لكن عبد الناصر اتصل بالسادات، في اللحظات الأخيرة، وطلب منه التوجه إلى مبنى الإذاعة المصرية لقراءة البيان لقائد الانقلاب. وفي إحدى المرات أبدت تحية لعبد الناصر ملاحظتها أن السادات «ذا بشرة داكنة جدا» فرد عبد الناصر: «لكنه زوجته جميلة جدا». وحسب تحية، كان عبد الناصر يكتب المقالات الافتتاحية في جريدة الجمهورية اليومية لكنه يوقعها باسم أنور السادات، كما أنه كان يكتب المقال الافتتاحي الأسبوعي لجريدة الأهرام، كان يوقعها باسم محمد حسنين هيكل. وتزعم الأسطورة الناصرية أن الكولونيل عبد الناصر حارب الإسرائيليين وجرح أثناء القتال فبقي يكرههم طيلة حياته. وتعرض تحية في كتابها صورة مختلفة عن حادثة الفالوجة، فتقول إن الإسرائيليين حاصروا عبد الناصر ومجموعته في الفالوجة فتدخلت منظمة الصليب الأحمر وأطلقت سراحهم، بيد أن عبد الناصر كان قد تعرض لإصابة طفيفة بسبب شظية أثناء محاولته الهروب في سيارته الـ«جيب». وخلال فترة الحصار نشأت علاقة صداقة بين عبد النصر وضابط إسرائيلي يدعى كوهين الذي سأل عبد الناصر عن طفله الجديد عندما تقابلا بعد الهزيمة التي تعرض لها العرب في 1967. وعلى الرغم من أنه كان قارئا نهما للصحف والجرائد، لم يكن ناصر يهتم بقراءة الكتب. وتقول تحية إن الكتاب الوحيد الذي رأت زوجها يمسكه بيده كان كتيبا صغيرا عن «أبي ذر الغفاري»، أحد المسلمين الأوائل الذي يصفه عبد الناصر بأنه «مؤسس الاشتراكية الإسلامية». وتذكر تحية في كتابها مشاهد تستدعي إلى الذاكرة سلسلة شرطة كيستون (أو كيستون كوبس) وهي مجموعة من الأفلام الكوميدية الصامتة من إنتاج شركة «كيستون» في بداية القرن العشرين. تروي تحية أحد تلك المشاهد فتقول إنه في أثناء زيارة دولة لعبد الناصر والأسرة والوفد المرافق له إلى يوغوسلافيا، عندما استولى الجيش العراقي على السلطة في بغداد عام 1958، أكد هيكل، الذي كان ضمن الوفد، أن أسطول الولايات المتحدة السادس كان يعد لاختطاف عبد الناصر أثناء عودته عن طريق البحر إلى الإسكندرية، وإزاء تلك الأنباء فقد تم وضع تحية وباقي الوفد تحت حماية الجيش اليوغوسلافي في أحد القصور في جزيرة بريوني، بينما اختفى عبد الناصر تماما. وبعد ذلك علموا أن مدمرة بحرية روسية قد نقلت عبد الناصر على وجه السرعة إلى الاتحاد السوفياتي، ثم عاد عبد الناصر عن طريق الجو من موسكو على متن طائرة حربية إلى القاهرة. وبوصف أخاذ، تشير تحية في أحد أجزاء الكتاب إلى أن زوجها قد أصيب بمرض السكري بعد انهيار الوحدة بين مصر وسوريا على إثر الانقلاب الذي قاده البعثيون في دمشق. وتحتوي المواقف التي سردتها تحية في الكتاب على كثير من المشاهد المؤثرة، من بينها مشهد عودة عبد الناصر إلى المنزل بعد تقديم استقالته في أعقاب هزيمة يونيو (حزيران) 1967 على يد إسرائيل، حين ابتلع الديكتاتور المنكسر حبوبا منومة ثم لبس بيجامته وخلد إلى النوم. بالمناسبة كانت البيجامة من قماش ناعم مقلم، كما تخبرنا تحية. بيد أن طريقة تحية عبد الناصر في سرد الأحداث مشوقة.

    0 0

    صدرت عن «دار المدى» بدمشق رواية «بلاد الثلوج» لياسوناري كاواباتا، ترجمة لطفية الدليمي التي سبق لها أن ترجمت عددا من قصصه القصيرة. وأشادت «بأسلوبه الأدبي الفريد، ولغته الوجيزة، وابتعاده عن استخدام الصفات، وتركيزه على جوهر العلاقة الإنسانية». وجدير بالذكر في هذا الصدد أن جملة كاواباتا القصصية أو الروائية هي جملة مقتصدة، تذهب إلى الصميم مباشرة، ولا تميل إلى الإسهاب أو الإطناب، وأكثر من ذلك فهي جملة شعرية، وشاعرية ملفعة بغموض مستحب. لا يخطئ قارئ «بلاد الثلوج» ملامسة عزلة الشخصيات التي تبدو وكأنها محاصرة فعلا في عالم قاسٍ تحيطه الثلوج من كل جانب، كما تطوّقه برودة العواطف الإنسانية التي تضاءلت إلى درجة كبيرة أو شُلّت لأسباب كثيرة توضحت في بعض المواضع، لكنها ظلت عصية على التأويل في مواضع أخرى من هذا النص الروائي الفاذ الذي اعتبره المترجم والناقد الأميركي إدوارد جورج سيدنستكر «تحفة كاواباتا الأدبية» التي نال بسببها جائزة نوبل إضافة إلى روايتيه المهمتين اللتين أشارت إليهما لجنة الجائزة وهما «الغرانيق الألف» و«العاصمة القديمة». وقد جاء في قرار لجنة التحكيم أن كاواباتا مُنح هذه الجائزة «لبراعته السردية التي تعبر بحساسية كبيرة عن جوهر العقل الياباني». لا بد من الإشادة بالمقدمة المركّزة التي كتبتها لطفية الدليمي مسلطة فيها الضوء على حياة كاواباتا الغامضة، وعلى تجربته الأدبية التي تفتحت وهو لما يزل طالبا في جامعة طوكيو الإمبراطورية عندما بدأ بنشر صوره القلمية التي أطلق عليها تسمية «قصص بحجم راحة اليد» فحققت له بعض الشهرة، لكن حضوره الأدبي سرعان ما ترسّخ إثر نشر سيرته الذاتية المثيرة للجدل «راقص الإيزو» سنة 1926. تشير الدليمي في مقدمتها إلى أن كاواباتا قد كتب أكثر من مائة قصة قصيرة بأسلوب نثري مركّز خلافا لأقرانه الروائيين الذي بدأوا حياتهم الأدبية بكتابة الشعر. ثم انتقل إلى كتابة النصوص الروائية التي حققت شهرة واسعة فيما بعد مثل «سيد الغوّ»، «البحيرة»، «صوت الجبل»، «جمال وحزن»، «يد واحدة» و«بيت الجميلات النائمات». كان كاواباتا قبل فوزه بجائزة نوبل يحب العزلة كثيرا لأنها تمنحه فرصا نادرة للتأمل والاستغراق في المواضيع التي يكتبها، لكنه ما إن خطف الجائزة حتى اقتحمت مختلف وسائل الإعلام حياته الخاصة وظلت تلاحقه مثل «لعنة أبدية» فهو كاره للشهرة التي جاءته «سعيا على الرأس لا مشيا على القدم» لتنبش في تفاصيل حياته الشخصية، وتبحث في المواضيع التي يكتب عنها علّها تعثر على جديد لا يعرفه القرّاء غير النزعة الحسيّة، والحرب، والعزلة، والافتتان بالطبيعة، والجوانب الإيروسية الغامضة، خصوصا أنه تشارك مع الكاتب التجريبي الحداثي يوكو ميتسو ريتشي في إصدار مجلة أدبية أصبحت صوتا خاصا للنزعة الحسيّة التي أُطلق عليها «جماعة الإدراك الحسي الجديدة» وقد سبق لكاواباتا أن أنشأ مدرسة أدبية حملت اسم «الحساسية الجديدة» التي تعتمد، كما يذهب النقاد، «على رهافة النفس اليابانية». لا تضجّ رواية «بلاد الثلوج» لكاواباتا بعدد كبير من الشخصيات، ولو دققنا النظر فيها لوجدنا لا تتجاوز الأربع شخصيات رئيسة يرتكز عليها النص الروائي برمته مع بعض الشخصيات التي تمر مرورا عابرا. لا يمكن بطبيعة الحال تناول شخصية شيمامورا من دون ربطها بالحرب العالمية الثانية، ذلك لأنها من نتائج تلك الحرب البشعة التي دفع الشعب الياباني ثمنا باهظا لها. ومع أنه لا توجد أي إشارة عابرة إلى الحرب فإن هذه الشخصية الإشكالية هي من نتائجها الطبيعية كونها تحمل شعورا مزدوجا تجاه الموروثين المحلي والغربي. فشيمامورا هو «ثري متبطل، لكنه عاجز عن الحُب. كما أنه نصف متشائم ونصف ساخر، وخبير في فن الباليه الغربي لكنه لم يشاهد عرض باليه طوال حياته»، فما الهدف من التخصص في فن البالية إذن؟ يقوم شيمامورا برحلة من طوكيو إلى شمال اليابان حيث الثلوج تحاصر تلك المنطقة على مدى ستة أشهر. وهناك في منتجع أحد ينابيع المياه الحارة يلتقي بـ«كوماكو»، فتاة الغيشا، «النقية الطاهرة الروح في عالم فاسد ولا يشجِّع على الحب. يحاول كلاهما أن يثوّر غريزة الحب في الطرف الآخر، لكن الحب، على يبدو، لا يأتيهما قط، وكلما اقتربا من بعضهما بعضا يزدادان ابتعادا وعزلة»، وحين يقرر شيمامورا العودة إلى طوكيو تغرس كوماكو جذورها في الجبال القصيّة. تكشف أحداث النص الروائي أن شيمامورا منجذب إلى «يوكو» من خلال كوماكو، تلك الفتاة غريبة الأطوار التي تومض في مخيلة شيمامورا مثل ضوء مشع في ظلمة الجبل. ثم نفهم أن المرأتين قد تنافستا في الحب مرتين، مرة مع «يوكيو» الذي مات، ومرة مع شيمامورا الذي لم يصرح إلا بالحد الأدنى من هذا التنافس. وحين احترق متجر شرانق الحرير لم نعرف إذا كانت يوكو حية أم ميتة لأن ساقها كانت تتحرك حركة واهنة إثر تشنج ربلة الساق. إن أجمل ما في هذه الرواية هو أسلوبها المتدفق بغض النظر عن طبيعة الأحداث غير المعقدة التي أوضحت لطفية جانبا منها، كما تعمّق في شرحها مترجم النص سيدنستكر. إن الجمل القصيرة الخالية من الصفات هي جمل روائية دقيقة تذهب إلى الصميم ولا تعرف اللف والدوران، غير أن هذا الوضوح لا يعني نبوّ الكاتب تماما عن الاستعارة والمجاز، فثمة أشياء كثيرة تدور في فلك الرمز واللغة المجازية بدءا من عنوان الرواية وانتهاء بتجلياتها التي تتعلق بالفوارق الطبقية، وينابيع المياه الحارة، وفتيات الغيشا اللواتي يترجحن بين المنزلتين الفنية والإيروسية العابرة. تجدر الإشارة إلى استغراق كاواباتا في الجوانب المحلية بدءا بالآلات الموسيقية كالساميسن التي تحيل إلى اليابان تحديدا، مرورا بنساء الغيشا، وانتهاء بالفنون الدرامية الكلاسيكية كـ«النوّ» و«الكابوكي» وغيرهما. يشعر القارئ وهو يمضي في قراءة هذه الرواية بأن يتجول بين أناس أحياء يعبرون عن مشاعرهم الإنسانية ضمن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تحيط بهم، بل إن المتلقي يشعر غالبا بأنه من شخصيات هذه الرواية وأن الثلوج تحاصره مثلما هي تحاصر شخصيات النص جميعا، الأثرياء منهم والفقراء على حد سواء.

    0 0

    في مخيم الدهيشة، واسطة عقد المثلث المقدس: القدس، بيت لحم، الخليل، وعيت في بيت والدين أميين، أنهكهما طول اللجوء، على ضرب الحجارة على جيش الاحتلال والقراءة. وتبادل الكتب سرا، وكأنها مناشير. قائمة الكتب الممنوعة في ظل الحكم العسكري الاحتلالي، لم تكن تناسب احتلالا لطالما وصف نفسه بالاحتلال «الليبرالي»، وتشمل كل الكتب تقريبا التي تصدر في الدول العربية. وسط الحصار الثقافي، عثرت على كنوز صغيرة، ولكنها هامة في مكتبة مدرسة الدهيشة الإعدادية، منها مثلا أرشيف لمجلة «الأفق الجديد» لصاحبها أمين شنار، التي صدرت في القدس قبل احتلال 1967. لم يكن لجيلي نافذة سوى صحافة الحزب الشيوعي الإسرائيلي «الاتحاد»، و«الجديد»، و«الغد»، التي يمكن تهريبها من القدس، ولكن عليك تحمل العواقب. في هذه الفترة شدتني أعمال إميل حبيبي، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وجنيكز إيتماتوف، وجون شتاينبك، وهمنغواي، ورسول حمزاتوف، وغيرهم. في أوائل ثمانينات القرن الماضي، ظهر شخص شديد العنف، يهودي من كردستان العراق، في منصب مستشار حاكم بيت لحم العسكري، وأطلق على نفسه اسم (أبو الفهد)، على الأغلب رأى أنه يناسب الدور المكلف به. يجيد العربية، كواحد من أبنائها، وكان يضطلع بدور قامع المظاهرات البشع. وضع أبو الفهد، لسبب ما، مطاردة الكتب في بيوتنا هدفا له، مما ضيق حلقة الحصار الثقافي علينا، وعلمنا أنه يتمتع بقراءة كتبنا، وبعضنا رد على ذلك الحصار بحيلة، وهي زيارة مكتبة الجامعة العبرية بالقدس، التي كانت توفر لطلابها جميع المنشورات الفلسطينية بما فيها مجلات فصائل المقاومة في بيروت، ويمكن تصور متعة الواحد منا وهو يقلب بأمان صفحات مجلات مثل «الحرية»، أو «فلسطين الثورة»، أو «الهدف»، بعيدا عن صفعات أبو الفهد الخشنة. في عام 1984 خيم أمام مخيمنا الحاخام ليفنغر، مطالبا سلطات الاحتلال باتخاذ إجراءات رادعة لمنع أولاد المخيم من رشق سيارات المستوطنين، وتم فرض حظر تجوال طويل على المخيم. وفي يوم، وأنا في غرفتي محبوسا مثل باقي أهالي المخيم، دخل الأديب الإسرائيلي سامي ميخائيل ومعه مصور، وقال لي بأنه جاء ليكتب عن معاناة السكان. وباغتني بسؤال: الكاتب تكون لديه على الأقل مكتبة، أين مكتبتك؟ أجبته، بأنني أخبئ كتبي تحت الأرض، لأن كل اقتحام من قبل الجيش يؤدي ليس فقط إلى مصادرتها، ولكن أيضا إلى ضرب، وأحيانا المحاكمة بتهمة حيازة مواد ممنوعة، ورويت له كيف داهم أبو الفهد، أخيرا المنزل، وصادر كتاب «عرس بغل» للطاهر وطار، واستدعاني للتحقيق، من دون أن يعلم أن أحداثها تدور في ماخور، وليس لها علاقة بشيء اسمه فلسطين، وبقيت مرميا من الصباح حتى المساء أمام مكتبه في مقر الحاكم العسكري الذي كون فيه مكتبة لا بأس بها من كتبنا المصادرة، وفي نهاية كل يوم يخرج أبو الفهد من دون كلمة ليسألني: الكتاب لك؟ فأقول له نعم، فيطلب مني أن أعود في الغد، وهكذا توالى اعتقالي النهاري. ضحك سامي ميخائيل، وقال: أنتم تخبئون الكتب تحت الأرض، ونحن نخبئ الدولارات تحت الأرض، ترى لمن سيكون المستقبل؟ في تلك الفترة، شاع أن كثيرا من الإسرائيليين يخبئون الدولارات بعيدا عن البنوك للتحايل على قوانين نظمت التعامل مع العملة الصعبة. آخر مرة شوهد فيها أبو الفهد، بعد تقاعده، وهو يبيع الخضار على بسطة في سوق محني يهودا الشعبي في القدس الغربية، يمضي وقته في مجادلة العجائز اليهوديات. يبدو أن القراءة لم تفده، بعكسي، فهي أنقذتني من أن لا أكون أي شيء سوى نفسي، ونفسي فقط. * كاتب من فلسطين، من أعماله: «المسكوبية» و«قبلة بيت لحم الأخيرة» و«مجانين بيت لحم» و«امرأة العشق المقبل»

    0 0

    يندفع الراعي ديفيد (داود) باتجاه المقاتل الضخم غولايث (جالوت). بخفة وسرعة يقذف ديفيد الحجر الذي أصاب المقاتل في مقدمة الرأس. يسقط غولايث بعد أن أصيب بالدوار. قبل أن يستوعب ما حدث له ينقض عليه الراعي الصغير. يسحب منه سيفه بسرعة ويجز رأسه ويعلن انتصاره. هذه باختصار تفاصيل القصة الدينية الشهيرة التي تحمل رمزية واضحة: انتصار الضعفاء على الأقوياء.. انتصار العدل حتى لو كان ضعيفا على الظلم حتى لو كان قويا. لكن الصحافي والكاتب الشهير مالكولم غلادويل يرى في كتابه الصادر حديثا الذي يحمل عنوان «ديفيد وغولايث» القصة من زاوية مختلفة. ديفيد لم يكن ضعيفا تماما كما نتصور، وغولايث لم يكن قويا بتلك الصورة التي نتخيل. مع وجود العون الإلهي، فإن الراعي الشاب استغل أيضا نقاط ضعفه وحولها إلى قوة. أولا، اختار نمطا جديدا للمقاتلة يعتمد على المباغتة، والذي يختلف عن الطريقة التقليدية الشائعة وهي تشابك الخصمين. كان يدرك أن تشابكه مع ذلك المقاتل الضخم يعني موته المحتم. هذا هو الخطأ الذي وقع فيه غولايث الذي توقع المعتاد فأصيب بالمفاجأة. ثانيا ديفيد رفض أن يرتدي الخوذة والدروع النحاسية التي كانت ستعوق وتثقل حركته، لأنه فكر باستراتيجية مختلفة تماما. ثالثا ديفيد كان ماهرا في استخدام المقلاع الذي جعل منه سلاحا فتاكا ومميتا. غولايث بدوره كان تقليديا لكنه أيضا كان يعاني من ثقل في الحركة واضطراب في الرؤية. لهذا عندما رأى ديفيد ظن مخطئا أنه يحمل سيفا. هدف الكاتب من رؤيته الجديدة والمختلفة للقصة رمزي أيضا: الضعفاء ينتصرون على الأقوياء إذا عرفوا كيف يستغلون نقاط ضعفهم. «الأقوياء» لا تعني فقط الخصوم في المعركة، بل الظروف القاهرة والمشاكل الصحية، والمستويات المادية المتدنية، والفصول الدراسية المزدحمة، وغيرها. كل هذه الحالات التي ربما نراها كعقبات أمام نجاحنا ربما تكون أحد مصادر قوتنا التي لا ندركها لأول وهلة. بأسلوبه الصحافي المشوق يسرد العديد من القصص التي تؤكد مرة بعد أخرى على وجاهة فكرته. في ما يخص عالم المال، يذكر قصة أحد أشهر رجال الأعمال الناجحين في هوليوود، الذي دفعته ظروفه الصعبة في الطفولة إلى إلهابه بالطموح لتكوين ثروة هائلة. عندما كان صغيرا كان أباه يأتي بفواتير الكهرباء مرتفعة الثمن ويهزها أمام وجهه قائلا له «عندما تخرج من البيت تترك نور غرفتك شغالا، نحن ندفع الآن ثمن كسلك!». في مرة أخرى دعاه الأب للعمل معه في مهنته الشاقة التي تتطلب جهدا بدنيا كبيرا. العمل كان مرهقا ومتعبا ومقرفا. يقول عنه «كرهته جدا.. لكن أبي تعمد أن يجعلني أعيش هذه التجربة القاسية لأنه لا يريدني أن أعيش هكذا طيلة عمري». هذه الظروف الصعبة والحالة الفقيرة، تحولت من مانع إلى دافع. زرعت في الطفل الصغير الرغبة الجامحة في النجاح المادي مهما كان الثمن. قام بالمتاجرة في عمر صغير جدا. استمرت معه هذه العزيمة طوال عمره ودفعته ليكون أكثر الرجال ثراء. ولكن بعد ذلك وقعت المعضلة وهي: هو عاجز تماما عن خلق هذا الحافز داخل أولاده الذين يدركون أن أباهم يملك ثروة طائلة، لهذا لا يملكون الطموح ولا العزيمة ولا الصبر الذي يملكه هو. يقول «لا يمكنني أن أفعل كأبي وأهز فواتير الكهرباء أمام وجوههم. هذا غير منطقي إذا كانوا يرون سيارات الـ(لامبورغيني) مركونة في الجراج!». من هنا يلمس الكاتب بذكاء فكرته الرئيسة. هو الضعيف الذي قهر الظروف الأقوى منه، وأولاده الأقوياء الذين ستخنقهم الظروف المريحة. تنطبق هذه الفكرة على أولاد المهاجرين. الآباء يعملون بكد ويحققون ثروة كبيرة، والأولاد يصابون بالدلع والكسل ويبرعون في شيء واحد فقط وهو: تبديد هذه الثروة! الكثيرون يعتقدون أن قلة عدد الطلاب في الفصل الدراسي أفضل من الفصول المزدحمة قليلا. يقول الكاتب إن هذه القناعة التي صدقها الآباء لدرجة الهوس غير صحيحة. الفصول التي تضم عددا قليلا من الطلاب لا تختلف عن الفصول المكتظة التي فيها 40 طالبا أو أكثر. أفضل الفصول هي التي تضم تقريبا 20 طالبا، أقل قليلا أو أكثر قليلا. لكن لماذا؟! في الفصول المكتظة لا يمنح المعلم الطالب الاهتمام الكافي، ولكن في الفصول الصغيرة يجد المعلم والمعلمة صعوبة أيضا في تقسيم الطلاب إلى مجموعات مختلفة كل مرة، وتضعف القدرة على البدء بحوارات علمية وثقافية تنعش مخيلة الطلاب الصغار، والسبب كما يقول أحد المعلمين «في الفصول الصغيرة يتصرف الطلاب كالأشقاء في المقعد الخلفي من مؤخرة السيارة. ببساطة، ليس هناك أي طريقة لتبعد الأولاد المشاكسين عن بعضهم». معلم آخر يقول إنه كان لديه فصل بتسعة طلاب فقط وكان ذلك أشبه بالكابوس. الحوارات لا تنتعش بسهولة في المجموعة الصغيرة من الطلاب، ومن الصعوبة القيام بألعاب بهدف التدرب على الكلمات والقواعد. كل هذا لا تجده في الفصول متوسطة العدد، فمن السهل تكوين مجموعات، والنقاشات تقدح بسرعة. وهناك سبب آخر مهم وهو أنه في الفصل متوسط العدد من المهم أن يعيش الطالب بين مجموعة من الطلاب لديهم نفس المعاناة والقلق من المواد الدراسية، لأن ذلك سيبعده عن الإحساس بالعزلة. أضف إلى ذلك أن عددا كبيرا من الطلاب سيطرحون باستمرار الأسئلة نفسها التي يواجه هو نفسه مشاكل معها، مما سيساعده في تحصيله العلمي. يستطيع الطالب في الفصل متوسط العدد - الضعيف في هذه الحالة - أن يتعلم أكثر من الفصل منخفض العدد - القوي في هذه الحالة - الذي ربما يضر الطلاب ويعزلهم أكثر مما ينفعهم. لكن ماذا عن البعض ممن لديهم حالات صحية تعوقهم عن النجاح؟ يقول المؤلف إن هذا الوضع الضعيف قد يكون السبب الرئيس لنجاحهم وتفوقهم. يسمي العلماء هذه الحالة بـ«الصعوبات المرغوبة». ماذا يعني هذا؟ العديد من القصص تشرح ذلك. في واحدة من هذه القصص كان هناك شاب يعاني من عسر القراءة. المصابون بعسر القراءة ينسون أول الجملة إذا وصلوا لنهايتها، لذا فإن استيعاب ما يقرأون مسألة شديدة الصعوبة. قرر هذا الشاب بعد نهاية الدراسة الثانوية أن يشتغل كعامل بناء، ولكن بعد أن قدم ابنه الأول قرر أن عليه أن يلتحق بالتعليم العالي ليصبح محاميا ويكسب المزيد من المال لدعم عائلته. لكن كيف يمكنه أن ينجح في مواده الدراسية وهو عاجز تماما عن قراءتها؟ لم يكن أمامه إلا استراتيجية واحدة وهي أن يطور بقدر ما يستطيع مهارة السمع والقدرة على التذكر. بينما كان زملاؤه في الفصل الدراسي مشغولين بتسجيل بعض النقاط المهمة التي يضيع منهم بعضها بسبب انشغالهم في الكتابة، كان هو يستمع بإنصات شديد ويحاول بقدر ما يستطيع الاستيعاب. قبل الاختبارات كان يجلس مع أحد زملائه الذي يسرد له أبرز النقاط المتوقعة في الاختبار، بينما يكون هو غارقا في حالة من الصمت والاستماع المركز. نجحت استراتيجيته واستطاع أن يتجاوز الدراسة ويصبح اليوم أحد أشهر وأنجح المحامين المختصين في الدعاوى القضائية. قدرة الاستماع المذهلة والذاكرة الفولاذية التي طورها في دراسته ساعدتاه في نقاشاته مع المحامين الآخرين وفي استنطاق الشهود واقتناص الاعترافات. عسر القراءة تحول إلى الصعوبة المرغوبة التي دفعته ليضغط على نفسه ويخرج بحل ناجح لمشكلته. شاب آخر كانت لديه المعضلة نفسها. بدل أن يطور القدرة على الاستماع طور القدرة على الإقناع. عقب أغلب الاختبارات التي يأخذ فيها درجة متدنية بسبب عدم قدرته على القراءة، يذهب ليجتمع مع الأساتذة محاولا إقناعهم بوجهة نظره وصوابية إجاباته. مع الوقت تطورت مهارة الإقناع لديه بشكل لافت واستطاع بعد جدل طويل مع الأساتذة أن يغير غالبية درجاته. الـF يحولها إلى D، والـD إلى C، والـC يحولها إلى B، وهكذا. هذه القدرة الفائقة على الجدل والإقناع ساعدته ليس في التخرج في الجامعة فقط ولكن جعلته اليوم واحدا من أكبر المنتجين في هوليوود. ذكرتني ملكة التفاوض والإقناع عند هذا الرجل بقدرة كبار وكبيرات السن في السعودية (على الأرجح هذا موجود في بلدان عديدة) على التفاوض وكسر الأسعار عندما يتعلق الأمر بالبيع والشراء. لا يظهرون أي ضعف عاطفي نحو السلعة التي يرغبون في شرائها حتى لا يستغله البائع كورقة للضغط عليهم، بل يتركونه في حالة جهل تام بنواياهم. لديهم قدرة كبيرة على التفاوض والأخذ والعطاء وكسر الأسعار والخروج بأفضل الصفقات. أعصابهم فولاذية، والنقاش يمكن أن يستمر لوقت طويل حتى لو كان الخلاف على ربع أو نصف ريال سعودي. لكن المسألة لا تتعلق بحجم بالمال ولكن بحق التفاوض والجدل نفسه. لكن من أين أتت هذه المهارة والقدرة المثيرة للإعجاب؟ لو طبقنا نظرية الكاتب يمكن أن نخرج بإجابة منطقية بعض الشيء، وهي أن الظروف الحياتية الصعبة التي عاشوها في صغرهم أجبرتهم على اكتساب هذه القدرة كأداة للصراع والبقاء ومن أجل توفير القليل الذي يعني الكثير بالنسبة لهم. مع مرور الوقت، تغلغلت هذه الملكة داخلهم حتى اندمجت في نسيج شخصياتهم. هذا التحليل يفسر لماذا لا يملك أبناؤهم أو أحفادهم القدرة ذاتها. الظروف المعيشية الأفضل لم تجبرهم لاكتساب هذه المهارة الضرورية، فأصبح من السهل على البائعين الجشعين أن يفترسوهم بسهولة. يسرد الكاتب عددا من الحالات والقصص التي تؤكد مرة أخرى على منطقية فكرته الرئيسة. في الرياضة يذكر المؤلف قصة فريق ضعيف المستوى في كرة السلة تحول لأقوى الفرق بعد أن حول ضعفه لقوة. اختار مدرب الفريق أن يستخدم طريقة كرة القدم للعب السلة. في لعبة كرة السلة يمنح اللاعب المساحة الكبيرة والوقت الكافي حتى يتحرك ويقذف بالكرة، لكن المدرب طلب من اللاعبات أن يلاحقن ويحاصرن أي لاعب يمسك بالكرة، كما يفعل لاعبو كرة القدم، ويضيقن عليه حتى يخطأ في التصويب أو التمرير. نجحت الخطة ونجح الفريق في تخطي فرق أخرى رفيعة المستوى. في الفن يعود الكاتب إلى قصة الرسامين الانطباعيين في باريس في منتصف القرن الثامن عشر الذين رفضت أعمالهم من قبل الصالون الرسمي الذي كان يحدد معايير الفن الجيد والمحترم. بعد نقاشات طويلة في ما بينهم قرروا أن يعلقوا لوحاتهم في مبنى آخر، وبعدها اشتهرت أعمالهم. يقول الكاتب إن هؤلاء الفنانين فشلوا في الانتشار عندما فكروا بطريقة أن يكونوا «أسماكا صغيرة في أحواض كبيرة»، ونجحوا عندما قلبوا المعادلة، أي أصبحوا «أسماكا كبيرة في أحواض صغيرة»، لأنهم لفتوا انتباه الكثير من محبي الفن لأعمالهم المجهولة سابقا. بدا تصرفهم في البداية هزيمة وضعفا، لكنه تحول إلى أقوى مصادر قوتهم.

older | 1 | 2 | 3 | (Page 4) | 5 | 6 | .... | 8 | newer