Attn! Always use a VPN when RSSing!
Your IP adress is . Country:
Your ISP blocks content and issues fines based on your location. Hide your IP address with a VPN!
Bonus: No download restrictions, fines or annoying ads with any VPN Purchased!
Are you the publisher? Claim or contact us about this channel


Embed this content in your HTML

Search

Report adult content:

click to rate:

Account: (login)

More Channels


Channel Catalog


Channel Description:

الشرق الاوسط جريدة العرب الدولية

older | 1 | .... | 4 | 5 | (Page 6) | 7 | 8 | newer

    0 0

    يرصد هذا الكتاب طبيعة العلاقات الإنسانية في الفضاء الإلكتروني، ويحلل دوافعها ونوازعها المتنوعة عاطفيا واجتماعيا وثقافيا، وما تكتسبه من صفات وعادات جديدة، تبدو مغايرة للشائع والمألوف في الواقع العام، ويوضح إلى أي مدى ترتبط هذه العلاقات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي بفكرة الحرية التي لا سقف لها، وأيضا بفكرة التخفي في قناع الصورة، أو الآخر كرمز، والتي يلجأ إليها البعض أحيانا لإتاحة فرصة أكبر للتعبير الحر، والهروب الرشيق بعيدا عن أسوار الذات وقيود الواقع الشائكة، خصوصا على المستوى الشخصي والأسري. يحمل الكتاب عنوان «البعد الآخر.. الهوية والحب والجنس في عالم افتراضي». وعلى مدار نحو 250 صفحة من القطع المتوسط، نجحت مؤلفته الكاتبة شيرين فؤاد، في أن تجعل القارئ يخوض مغامرة شيقة، في عالم أصبح لصيقا به، ويشكل إحدى ضروريات حياته. وهو ما جعل الكتاب يدخل على قائمة الكتب الأكثر مبيعا في سوق النشر المصرية، وتتولى حاليا طبعته الثانية مؤسسة «الأهرام» الصحافية، بعنوان جديد هو «الحب الإلكتروني»، وكانت طبعته الأولى صدرت عن دار «إشراق» للنشر بالقاهرة، وهي دار حديثة النشأة. يستهل الكتاب فصوله الأولى بمناقشة مفهوم الفضاء الافتراضي، من منظور علمي صرف، من حيث المكان كحيز مادي، وعلاقات الجغرافيا ببعد المسافة والحجم والمسار، وكيف يختصر هذا الفضاء ويختزل كل هذه الأبعاد، فلا يبدو فضاء افتراضيا تماما، وإنما نتعايش معه، ونتفاعل مع حقائقه كامتداد لفضائنا الذاتي والعقلي والنفسي، يوفر إمكانيات ووسائل اتصال إنسانية هائلة، آمنة ومريحة إلى حد كبير، يمكن تحت مظلتها، وبوسائط بسيطة بلورة صورة وهوية افتراضية، يسهل الدخول والخروج منها وإليها في أي وقت، دونما حواجز أو عراقيل. وبالتحليل ومتابعة الوقائع والأحداث عن قرب، ومن زوايا مختلفة ترصد المؤلفة أبعاد هذه العلاقة المتشعبة في سياقاتها المباشرة والمستترة، والمتخيلة، على المستوى النفسي والثقافي والعاطفي، وتتواصل معها من منطلق أنها أحد المكتسبات المهمة، شديدة الحساسية في التعاطي مع التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات خاصة على الإنترنت. وتوضح كيف انعكس كل هذا التحول على الفضاء الشخصي للإنسان؟ كيف اخترقه؟ ليخرج من نطاق فضائه الذاتي إلى فضاء أكثر اتساعا، لا مترامي الأبعاد، حيث العالم في قبضة يده وأنامله، لم يعد مجرد فكرة صماء، بل يمكنه بضغطة إصبع على جهاز الحاسوب، أن يتعرف على شوارده وسكناته وصراخه، وما يموج في داخله هنا وهناك، ويتخيل نفسه في قلب الأحداث، يحسها ويسمعها ويشاهدها، وكأنها تحدث على مرمى حجر منه. ولا يتعامل هذا الكتاب مع أطراف هذه العلاقة من منظور مادي محض، أو في سياق الثنائيات المعرفية المجردة، ولا يتمسح في قضايا الوجود الكبرى، كعلاقة الخير والشر، أو النور والظلام، أو الكره والحب، وإنما يتعامل معها، باعتبارها شكلا جديدا من أشكال الإرادة الإنسانية، والحلم الإنساني. فهي علاقة مفتوحة دائما على قوس البدايات والنهايات تنحل فيها العقد والفواصل السميكة في الزمن والبشر والأشياء.. وهي علاقة - بحسب الكتاب - تؤسس خطوتها في الحلم، وتتوسل به، من أجل معرفة ذاتها ومعرفة ذات الآخر، وإعادة اكتشاف الاثنين معا، على قاعدة مرنة، يصبح فيها المجهول، فقط مجرد خط وهمي معصوب العينين مؤقتا، ربما إمعانا في التمويه والتخفي، وإثارة المزيد من الدهشة والجاذبية، فوق طاولة العلاقة، التي تجابه دوما حلم النزول من أرض الفضاء الافتراضي الرخو المثير، إلى أرض الواقع الخشن، حيث الأقدام الغليظة وضغوط ومخاوف الحياة. أيضا لا ينشغل الكتاب كثيرا بمدارات الأعراف والتقاليد الاجتماعية والبحث عن مظان وحدود لـ«شرعنة العلاقة» في الفضاء الإلكتروني، فهي علاقات حرة لا ترتب مسؤولية مادية على كاهل المنخرطين فيها. بل يوضح الكتاب كيف أنها قد تصل في «غرف الدردشة» إلى آفاق شديدة الحساسية تتجاوز نطاق الألفة العاطفية، والمفاهيم العادية للصداقة، صعودا لمشارف العلاقة الجنسية، والتي قد يصل فيها التعارف الحميم إلى التعرف بالصوت والصور المتبادلة العابرة والمقيمة خاصة على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، المسرح الميداني الأساس لموضوع الكتاب. وهنا يحلل الكتاب بشفافية بالغة الدقة الأطر والدوافع المتنوعة التي تهيئ وتفرز هذا النوع من العلاقة. وتلفت المؤلفة إلى خطورة تحولها إلى علاقات ضدية، تنهض كبديل، أو شكل تعويضي بالمعني النفسي، يفرض ضمنيا نوعا من المقارنة بين شريك «السايبر سكس» والشريك الفعلي في الحياة، حينئذ تتحول «ازدواجية العلاقة» بدورها إلى فعل اعتيادي، يجد فيه أطراف العلاقة في الفضاء الإلكتروني متنفسا إنسانيا وعاطفيا شديد الإغواء، بل منافسا قويا لحياة زوجية، ربما بردت وفترت، ولم يبق منها سوى هيكل اجتماعي هش يترنح على أرض الواقع. وفي المقابل يطرح الكتاب قضايا إنسانية شائكة، تقف على حافة هذا الفضاء الافتراضي البديل، تصل خطورتها إلى حد الجريمة الإنسانية المغلفة بنزق الحب وغبار حماقاته وأشواكه، ومنها على سبيل المثال، قضايا التحرش الجنسي، الخيانة الإلكترونية، الزنا الإلكتروني. ويوضح كيف تتسرب كل هذا القضايا، بتلقائية أحيانا، وكأنها تفيض عن المشهد أو ثمرة طبيعة لمداراته العاطفية، وأحيانا أخرى تبدو كاستثمار متعمد للحظات الغزل المموه باصطناع اللهفة والحنين، لاستثارة الضحية واستمالتها في اتجاه معين. ويفند الكتاب أنواعا من التحرش الجنسي، منها اللفظي والبصري، وغير المباشر أو الموجه باستخدام وسائط جنسية كالصور والألعاب الإباحية. وفي كل فصول الكتاب تقدم المؤلفة وبأسلوب شيق الفضاء الإلكتروني كحقيقة علمية خالصة، ورافدا مهم من روافد المعرفة الإنسانية، وتمهد لذلك بمناقشة كينونة هذا الفضاء في رؤى وأفكار عدد من الفلاسفة والعلماء المختصين (كانط - نيوتن - ليبنتز - آينشتاين - أندرسن)، بل تناقش - من واقع خبرتها الدراسية في علوم الحاسب الآلي - معايير الأخلاق في الفضاء الإلكتروني، بكل مفرداته، من علاقات فردية، ومنتديات ومجموعات لها أنشطة ما، أو ذات طبيعة خاصة. تبقى من أجمل الأشياء التي يتكشف عنها هذا الكتاب، هو مقاربته لخصوصية الظاهرة الإنسانية في الفضائي الإلكتروني، لافتا إلى أنها تتسم بكثافة عاطفية سريعة التحول والتصعيد، تتسم بالديناميكية وتتمتع بطبيعة جدلية خاصة، تتبلور في أشكال حديثة من التأثير والتأثر، تنعكس على منحنى العلاقات العاطفية، مدا وجذرا، صمتا وصخبا، جاذبية ونفورا.. لكن يبقى هذا الفضاء هو البيئة الأسرع، ليس فقط في تكوين الهويات الجديدة العابرة للتخوم التقليدية للهوية، وإنما أيضا لاكتشاف البعد الآخر لها، حتى على مستوى الحضور والغياب. لقد عرض الكتاب كل هذه الظواهر، وسبر أغوارها بحيادية وموضوعية تامتين. ولم يتعامل مع أطراف العلاقات المتنوعة في الفضاء الإلكتروني، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الاجتماعية والثقافية والآيدلوجية، وحتى على مستويات أعمارهم، كعينة اختبار عشوائية، وإنما تعامل معهم كحالات إنسانية، رسخ هذا الفضاء هويتها المضطربة في الواقع، ووضعها في اختبار حر أمام مرايا متعددة وحرة أيضا، وفي حالات أخرى كان الحصاد عكس ذلك. لذلك كله، أتصور أن هذا الكاتب نجح بسلاسة شديدة أن يدشن فكرة لاحت لي من خلال مطالعتي لموضوعه المثير، وهي فكرة «القارئ المعايش» التي تشعر معها بأن الكتاب أصبح صديقا لك.

    0 0

    خالد القشطيني، من الشخصيات الغامضة التي تثير كثيرا من التساؤلات. عرفه قراء هذه الصحيفة ككاتب فكاهي ساخر. نال إعجاب الكثيرين بما كتبه فيها من مقالات أولا بعنوان «صباح الخير»، كان منهم هشام حافظ أحد مؤسسي هذه الجريدة فكتب فيها يصفه بأنه برنارد شو العرب. لم يكن اسمه معروفا خارج وطنه العراق، ولا اشتهر العراقيون بالفكاهة، فتصوروا أنه مصري. وبالنظر لما نشره من كتب كثيرة في الموضوع الفلسطيني، فقد تصور البعض الآخر أنه فلسطيني. استغربوا عندما سمعوا أنه عراقي. فقالوا: وهل من العراق يأتي فكاهي ظريف! ولكنه ضاعف عجبهم وتساؤلهم بدعوته المستمرة للاعنف، أو كما يسميه الجهاد المدني. قالوا: ومن أين لبلد العنف والقتل، العراق، أن يجود بغاندي عربي؟! واستمر التساؤل عن أصله، نسبه وحسبه، ثقافته ودراسته. بيد أنه بادر أخيرا لنشر سيرته بعنوان «زمن في العراق وإنجلترا»، يجيب فيها عن جل هذه الأسئلة ويفتح النوافذ والأبواب للتفرج على شخصيته منذ ولادته وأول نشأته في بغداد. كانت زوجته الإنجليزية قد شاركت الكثيرين في التساؤل عن هذا الرجل الذي جاءها من بلاد ألف ليلة وليلة وتزوجها وأنجب منها ولدين، دون أن تلم بكل جوانب حياته وحياة أسرته في العراق. دعته لكتابة بضع صفحات للأولاد يشرح فيها خلفيته وهويته ومنشأه. فعل ذلك، ولكنه لاحظ أن ما كتبه لم يكن مجرد عرض لحياته، وإنما عرض لحياة المجتمع العراقي والعراق ككل. قال: إذن، لم لا أتوسع في الموضوع ليكون كتابا للجميع، وهذا ما فعله. السيرة مكتوبة باللغة الإنجليزية، وقد وعد القشطيني بترجمتها إلى العربية، إن لم يتقدم مترجم آخر ويتولى المسؤولية بالنيابة عنه، لا سيما أنها تضمنت الكثير من الطرائف والعجائب والمفاجآت. خالد القشطيني كاتب شجاع لا يتردد في ذكر الحقائق والفضائح الصعبة والمرة، حتى وإن مست أسرته الخاصة.

    0 0

    غالبا ما يُقيم التاريخ زعيما سياسيا بالنظر، ولو لجزء بسيط، إلى توقيت رحيله عن السلطة أو رحيله عن الحياة. وفي هذا السياق، قد يكون آرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، استثناء لتلك القاعدة، حيث إنه لم يترك صدارة المشهد السياسي من خلال أي من الطرق المعتادة التي دائما ما تؤرخ لمثل هذا الحدث الكبير في عالم السياسة، كما أنه لم يمت بالطريقة التي يفارق بها معظم الناس الحياة، فقد ظل شارون يحتضر منذ يناير (كانون الثاني) 2006. وعلى الرغم من دخوله في غيبوبة طويلة، بقى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق على قيد الحياة بيولوجيا طوال تلك الفترة، معطيا بذلك مثالا على القول المأثور الذي يقول إن المحاربين القدماء لا يموتون، إنهم فقط يذبلون. ويُعد شارون آخر أعضاء «الآباء المؤسسين» لإسرائيل الذي تولى منصب رئيس الوزراء، كما كان أيضا من بين أول من حملوا السلاح في البداية ضد البريطانيين ثم ضد العرب لتحقيق الحلم الصهيوني بإقامة دولة لليهود. وعلى الرغم من تركيزه على سيرة شارون، يبدو هذه الكتاب الجديد أيضا سردا لمراحل ظهور إسرائيل كدولة، فضلا عن الأحداث الدرامية التي تركت طابعا على ستة عقود هي عمر تلك الدولة منذ قدومها إلى الوجود. يبدو ديفيد لانداو في وضع جيد يمكّنه من سرد قصة شارون وإسرائيل؛ فهو صحافي إسرائيلي من أصل بريطاني، وهو ما يجعله مطلعا على بواطن الأمور، وقادرا على فهم عقلية الناس مثل شارون. وفي الوقت ذاته، يُعد لانداو مستقلا بما يكفي ليكون قادرا على الحكم على شارون، وعلى إسرائيل ككل، بشكل موضوعي. أثناء تصفح ألبوم صور شارون السياسية التي يعرضها لانداو في كتابه، يصادف المرء درجة كبيرة من التنوع داخل تلك الأحداث التي تبدو متشابهة. وأول ما يصادفك على صفحات الكتاب هو شارون عندما كان صبيا في مجتمع «الكيبوتس»، وقد هاجر والداه من بيلاروسيا إلى إسرائيل بحثا عن حياة أفضل ومكان أكثر أمنا. كان آرييل فتى سمينا ومشاكسا، لكنه في نهاية المطاف كان ابنا مطيعا غير ذي مواهب يمكن ملاحظتها بسهولة. ومع تعمقنا في صفحات الكتاب، نرى شارون عندما كان شابا ينضم إلى الجماعات المسلحة السرية للقتال من أجل إقامة دولة إسرائيلية، في حين كان يراوده طوال الوقت الحلم بأن يصبح مزارعا. بعد ذلك، نجد شارون يشترك في الحرب الأولى ضد العرب في عام 1948، وهو الحدث الذي جعله يقتنع بأنه وُلد ليكون جنديا محترفا. وبحلول عام 1956، أصبح شارون هو النجم الصاعد للجيش الإسرائيلي بفضل «الأداء الرائع» الذي قدمه في الحرب ضد مصر بسبب قناة السويس. ثم بعد ذلك وحسبما يسرد لانداو، لعب شارون «دورا حاسما» في حربي 1967 و1973 ضد جيران إسرائيل من العرب. واقتداء بالسنّة التي وضعها جنرالات إسرائيل الأوائل، دخل شارون السياسة، وتدرج في المناصب حتى تولى منصب وزير الدفاع، وكان هو الرجل المسؤول عن غزو لبنان في عام 1983. ومن بداية الكتاب وحتى نهايته، يعرض لانداو مسيرة شارون السياسية، في صورة تمتزج فيها المناطق المضيئة بالمناطق المظلمة. ففي بعض الأوقات، كان شارون دائما هو الجنرال الذكي القادر على استغلال أقل الفرض وتحويلها إلى نجاح عظيم. بينما في أوقات أخرى يظهر الجانب المظلم من شخصية شارون التي تجعل الإسرائيليين غير مرتاحين لذلك الرجل. ويبدو واضحا في ثنايا الكتاب أن لانداو ليس معجبا بشارون على المستوى الشخصي. غير أن أفضل ما عرضه لانداو هو إعجاب على مضض برجل كتب نهاية غير متوقعة لدراما مسيرته السياسية الحافلة بالأحداث المتنوعة. غير أنه ينبغي أن نتأمل اثنتين من الحقائق المهمة. شارون هو الجنرال الإسرائيلي الكبير الوحيد الذي حظي بدعم وإعجاب غالبية كبار الشخصيات في تاريخ إسرائيل. فقد تدخل ديفيد بن غوريون أكثر من مرة لتعزيز مسيرة شارون وحمايته ضد كثير من خصومه، كما أحب ليفي أشكول وغولدا مائير آرييل شارون كثيرا. وكان مناحيم بيغن دائما على استعداد للتغاضي عن ولع شارون بتجاهل كثير من القواعد والقوانين. أما موشيه ديان وإسحاق رابين فقد كانا من ضمن الجيل الأقدم من كبار الشخصيات الإسرائيلية الذين كانت لديهم نقطة ضعف تجال «آرييل السمين». وقد كان كثيرون ممن يلتقون شارون صدفة ينادونه «اريك» كنوع من إظهار الحب له. فقد كان شارون بالنسبة لهم هو ذلك الشخص الممتلئ الجسم، ولا أقول المدلل، الذي يبدو طيبا لينا في أحيان كثيرة، وشرسا شديدا في أحيان أخرى. وتبقى قدرة شارون على كسب إعجاب وحب كثير من السياسيين والجنرالات الماكرين لغزا لم يكن باستطاعة لانداو شرحه. كما أن لانداو لم يوضح لنا كيف ولماذا تحول كثير من الزعماء العرب من كره شارون إلى الإعجاب به على أقل تقدير. فقد أقام علاقة صداقة، بقيت في السر إلى حد ما، مع الرئيس السوري حافظ الأسد. وكان شارون يؤمن بأن وجود الأسد على رأس السلطة في سوريا في عام 1973 «فرصة ذهبية لإسرائيل». كما كان شارون يدعو إلى تحول المملكة الأردنية الهاشمية إلى «دولة فلسطين» التي طالب كثيرون بإقامتها، إلا أنه تخلى عن تلك الفكرة وأقام علاقة صداقة قوية مع الملك حسين. كما كان الرئيس المصري أنور السادات معجبا بشارون على الرغم من أن الجنرال الإسرائيلي استطاع في عام 1973 العبور بقوة عسكرية إلى الشاطئ الغربي من قناة السويس. وخلال عمله وزيرا للزراعة، قام شارون بعدة زيارات لمصر حيث كان دائما ما يلقى ترحيبا من السادات. وقد فعل شارون ما يراه غالبية الإسرائيليين مشابها لجريمة «العيب في الذات الملكية» عندما صرح علنا بأنه ينبغي على إسرائيل، إذا ما اقتضت الضرورة، أن تخوض الحرب من دون استشارة الولايات المتحدة، حيث قال شارون: «لا يمكن لأي أمة أن تعيش إذا ظلت خاضعة للآخرين، حتى إذا كانت قوى عظمى». وعلى الرغم من ذلك، كان شارون الفتى المدلل للمؤسسة السياسية الأميركية، كما أنه أقام علاقة قوية استثنائية مع الرئيس جورج دبليو بوش. إلا أنه، وعلى مدى عقود، ظل شارون الشخصية الأكثر جدلا، وربما، بعبارة أكثر لطفا، الشخصية السياسية - العسكرية الإسرائيلية الأقل جذبا للإعجاب. كما لم يتقبل جميع الإسرائيليين صورة شارون على أنه «الجندي المخلص» أو «راعي المصالح اليهودية في شتى أنحاء العالم»؛ يقول يوسي بيلين، أحد المحسوبين على زعيم حزب العمل المخضرم شيمعون بيريس: «شارون هو الإسرائيلي القبيح، كما أنه رجل خطير». حتى أصدقاء شارون كانوا دائما منزعجين لما أدركوه عنه من فقدانه لعامل تأنيب الضمير. ولهذا السبب فقد وصف أحد أعضاء حزب الليكود شارون على النحو التالي: «إنه رجل يفتقر إلى المبادئ والمشاعر الإنسانية، كما أنه لا يؤمن بأي معايير أخلاقية، مهما كانت». عندما احتلت أنباء المذابح التي حدثت في صبرا وشاتيلا صدر الصفحات الأولى للصحف، احتشد أكثر من 400 ألف إسرائيلي في قلب تل أبيب مطالبين بمحاكمة شارون لارتكابه «جرائم حرب»، وقد جاء ذلك في أعقاب ما أقرت به «لجنة كاهان»، التي جرى إنشاؤها للتحقيق في المذابح، من أن شارون يتحمل «المسؤولية الشخصية» عن تلك المذابح. ويشكك كثيرون من منتقدي شارون في اتباعه لتعاليم الديانة اليهودية، حيث إنه لم يكن ينزعج كثيرا من كون الطعام الذي يتناوله مطابقا لأحكام الشريعة اليهودية أم لا، ولم يكن أيضا يهتم كثيرا بالشعائر الدينية، بالإضافة إلى أنه كانت لديه ثقافة ضحلة للغاية عن الشخصيات المهمة في الميثولوجيا الإسرائيلية. وعلى الرغم من ذلك، كان شارون دائما ما ينجح في الوقوف على الجانب الصحيح من الأحداث. فقد رفضت أرفع السلطات القضائية في إسرائيل نتائج التقرير الذي أعدته «لجنة كاهان» عن مذابح صبرا وشاتيلا. كما فشلت كثير من المحاولات للإيقاع بشارون في قضايا فساد، التي نجحت مع كثير من قادة إسرائيل البارزين، من بينهم إسحاق رابين وإيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو. وينظر كثير من الإسرائيليين إلى شارون على أنه صاحب فكرة المستوطنات اليهودية التي حولت الضفة الغربية إلى نسخة جيوسياسية مشابهة لقطعة من الجبن السويسري، حيث تتناثر المستوطنات في الضفة الغربية كما تتناثر الثقوب على قطعة من الجبن السويسري. وعندما تولى منصب وزير الإسكان، شق شارون طريقه وسط الأراضي الفلسطينية، حيث قام بتسريع العملية التي أدت إلى توطين نصف مليون يهودي في المناطق التي أُطلق عليها مصطلح «الأراضي المتنازع عليها». وطوال مسيرته السياسية والعسكرية، لم يتوقف شارون أبدا عن مفاجأة أصدقائه وخصومه على حد سواء. فقد ترك حزب الليكود، الذي كان بمثابة الحاضنة السياسية التي شكلت وجدانه، ليقوم بإنشاء حزب «كديما» (أو المستقبل حسبما تعنيه الكلمة باللغة العبرية) حتى يحقق سياسته الجديدة التي أطلق عليها «خطة فك الارتباط»، والتي كانت تقضي بانفصال جيوسياسي تدريجي، لكنه ودي، بين إسرائيل والفلسطينيين. وقد جرى تنفيذ المرحلة الأولى من تلك الخطة في قطاع غزة، عندما جرى تفكيك جميع المستوطنات الإسرائيلية هناك. ولدهشة كثيرين، لم تتسبب تلك الخطة في نشوب حرب أهلية إسرائيلية، حتى ولو على نطاق ضيق في غزة. ويعرض لانداو شهادة ودلائل كثيرة على أن شارون كان جادا في تطبيق الخطة نفسها في الضفة الغربية، مع استثناء بعض المستوطنات اليهودية من القدس الشرقية من تلك الخطة. ومع تصوير نفسه بأنه رجل سلام، تحول النموذج الإسرائيلي الأمثل لـ«داعية الحرب» إلى محبوب نشطاء السلام الذي نظموا نحو 150 ألف مظاهرة حاشدة دعما لاستراتيجية «فك الارتباط». ومن خلال سرده لقصة رجل واحد، يعرض لنا لانداو قصة مفصلة وجديرة بالقراءة عن واحدة من أحدث الدول القومية الناشئة في العالم، وربما الدولة الواحدة التي يبقى حق ظهورها إلى الوجود موضع جدل بين كثيرين حول العالم.

    0 0

    في كتابه الجديد «طلل وشرر»، الصادر حديثا في سيدني، يقدم لنا الدكتور رغيد النحاس على مدى 323 صفحة من القطع المتوسط مختارات تم اختيارها بعناية من كتابات متفرقة له، دونها خلال فترات زمنية مختلفة توقفت عند أواخر العام المنصرم، وكان أقدمها ما كتبه تحت عنوان «الجار البعيد» عام 1973، وأهداه إلى «جده الشيخ أحمد عارف الزين، الذي خلع قنبازه الجديد ليقدمه لسائل طرق بابه يوم العيد». وضمت المختارات موضوعات مختلفة، انتقادية، واجتماعية، وسياسية، وعاطفية، وتصويرية وشخصية، وإنسانية. وإزاء هذا نجد النحاس يعترف بأن كل موضوع تناوله يغلب عليه أن يكون حمّال أوجه لتلك الجوانب معا مهما تفاوتت نسبها، ومع أنه يرى أنه من غير المألوف أن يضم كتاب واحد هذا الخليط، نجده يفسر ذلك بكونه يحب دائما أن يتناول الوضع الإنساني في شموليته، لأنه واثق من تلازم هذه الجوانب ضمن الكل الواحد، وهو يقول إن هذا هو أحد الأسباب التي جعلت هذا الكتاب يضم النص والقصة والمقالة في آن. وإذ تتداخل الأزمنة في الكتاب، نجد أن المؤلف يعود أحيانا إلى أيام الطفولة بما تحمله من براءة وصفاء، وهكذا نجده يهدي كتابه إلى عمته «درية» التي كانت تضمخ مساءات طفولته قبل النوم، بسرد شيء من قصص الأنبياء. وليس بعيدا عن ذلك، يذكرنا بفضل زميل تيسر له ولزملائه الآخرين في الدراسة الابتدائية، ساعده على مواصلة الإبحار مع القصص، إذ عُيّن ذلك الزميل «عريفا»، أي أنه كان يضبط الصف في غياب معلم لحصة كاملة، وكان يبهرهم خلال فترة الحصة بحكاياه التي كان يحفظ بعضها ويرتجل البعض الآخر، عن علاء الدين وفانوسه السحري، والسندباد البحري والبري، وغيرها. يأخذنا الأسلوب الشائق للمؤلف إلى متابعة القراءة بلهفة، وعندما ننتهي من طي الصفحة الأخيرة من الكتاب نجد أن بعض ما تناوله من قصص وأحداث كان واقعيا تماما، وأن البعض الآخر رافقته خيوط من نسيج الخيال، الذي لم يكن خيالا محضا، بل كان هو الآخر مستنبطا أيضا من واقع تجربته الإنسانية، ومستندا إلى معطيات واقعية، سواء من حيث الشخصيات، أو الأحداث، أو الأماكن، ويهدف إلى عرض فكرة، أو تصوير واقع عام. ومع أن المؤلف يعترف بأن مقالاته التحليلية قد تبدو «سياسية» من خلال إيحاءات عناوينها، فإنه يوضح على صعيد آخر أن ما يهمه فيها هو إسقاطاتها الإنسانية والاجتماعية، وأنه لولا ذلك ما همه كتابتها. وهو يقول في هذا الصدد إن «السياسة عملية نمارسها في كل مجالات الحياة، بما في ذلك الحب، ولا عيب فيها سوى إساءات بعض السياسيين المحترفين. ليست لدي مشكلة إذا ما اعتبر القارئ أن كتابتي أشبه بالسيرة الذاتية، لكني أراها مقتطفات موجزة من (سيرتي الفكرية)». لقد عرفنا الدكتور رغيد النحاس مترجما بارعا من العربية إلى الإنجليزية وبالعكس، إلا أن كتابه الجديد «طلل وشرر» جاء خاليا من أي مادة مترجمة. ولكن مع ذلك نجد أنه لم ينس شواغل وهموم المترجم الكامنة داخله، إذ تطرق إلى الترجمة في مادة احتلت تسع صفحات من صفحات الكتاب، جاءت تحت عنوان «في يد جبران»، وكانت هذه المادة في الحقيقة هي الكلمة التي ألقاها في حفل تسلمه جائزة جبران خليل جبران العالمية التي منحته إياها رابطة إحياء التراث العربي في أستراليا، وقد تطرق فيها أيضا إلى تجربته المقدامة في إصدار مجلة «كلمات» الدورية العالمية للكتابة الخلاقة بالإنجليزية والعربية التي صدر 26 عددا منها باللغتين بين عامي 2000 و2006 بجهود شخصية، ومن دون وجود أي دعم عربي أو أسترالي، مما أدى إلى توقفها نهائيا، بعد أن تحمل الدكتور النحاس الكثير من الخسائر المادية وأنفق الكثير والكثير من المال والجهد. وفي هذه الكلمة يعتبر الدكتور النحاس أن الترجمة الأدبية هي عملية تشويه في أفضل حالاتها، ويقول «قد يتفاجأ البعض إن قلت إنني لا أتهافت عليها، بل أفضل صرف الوقت في الكتابة. لكنها بلا شك ضرورية لنقل الأفكار والتواصل، لأنها في بعض الحالات الوسيلة الوحيدة للقيام بذلك. ومن هنا كانت المسؤولية الواقعة على المترجم مسؤولية كبرى». وبالربط بين الجائزة وجبران وتجربة مجلة «كلمات» والترجمة نجده يقول «حين انطلقت (كلمات) كان الهم الأكبر، بالإضافة إلى الاحتفاء بجمال الكلمة وروعة الإبداع الفكري، هو اختراق الثقافة الغربية في عقر دارها، بمعنى الولوج في موكبها، والسير معها كرديف يحمل إرث حضارة خالدة يمكنها أن تسهم في إغناء فكر أستراليا، والوطن الجديد الذي اخترناه، والذي يتيح لنا في الوقت نفسه الاستفادة من الثقافات المتعددة المحيطة بنا، مما يزكي عملية التواصل بطريقة تصان فيها كل ثقافة في حد ذاتها على الرغم من تمازجها بالثقافات الأخرى». وهو يوضح أن التمازج الذي ذكره هو ليس تمازجا كيميائيا بالضرورة، بل هو أقرب إلى التمازج الفيزيائي الذي يخلط بين العناصر المختلفة في بوتقة واحدة، من دون أن يفقد أحدها خواصه المميزة. ولعل في هذا النوع من الاتحاد فضائل تطغى على أي مزايا للوحدة الكاملة التي ستقضي حتما على الخواص المميزة للأطراف المتواصلة، وفي أغلب الأحيان ربما تجعل خواص طرف معين هي الخواص الرابحة على حساب الأخرى. وفي هذا الإطار نجده يفسر حرصه على الفصل بين إصداراته الإنجليزية والعربية، مؤكدا أنه على الرغم من إيمانه بأهمية التواصل، فإنه كان ولا يزال حريصا على صيانة خصوصية كل لغة، وعلى أمانة الترجمة، وعلى أن تنتقل إلى اللغة الأخرى كما قصدها كاتبها فكرا وتوجها، ولكن بلبوس اللغة الجديدة.

    0 0

    لعل أول مشهد يظهر في الذاكرة حين يأتي ذكر الكتب هو مشهد والدي حين يعود من صلاة المغرب ويشعل مصباح «الكاز» ويجلس ليقرأ قبل تناول العشاء، في حي جميرا الساكن فوق الشريط الساحلي الذي تتناثر فوقه بيوت صيادي الأسماك غربي دبي مطلع ستينات القرن العشرين. أول العناوين التي أتذكرها كتاب «رياض الصالحين» ثم «قصص الأنبياء». غير أن الكتاب الذي وجدته بين كتب أبي والذي شدني إليه وتعلقت به لسنوات طويلة هو كتاب «جواهر الأدب: في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لمؤلفه أحمد الهاشمي، حيث قرأته أول مرة على ضوء ذلك المصباح قبل دخول الكهرباء إلى حينا. كانت النسخة طبعة 1964 في القاهرة والمكونة مما يقارب 500 صفحة ولقد حافظت على بقاء تلك النسخة بين كتبي حتى اليوم إذ، وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود، أحتاج للعودة إليه بين فترة وأخرى. ميزة هذا الكتاب أنه يمكنك من الاطلاع على أهم ما جاد به كتاب العربية قديما وحديثا. فهو يقدم تعريفا للأدب وفنون الإنشاء كالمكاتبات والرسائل «الأدبية» كرسائل الثعالبي والبسطامي وابن العميد والهمذاني والجاحظ وحتى اليازجي ومحمد عبده، ثم هناك باب في الوصف كوصف البلدان والقلاع والربيع والمطر والبيان والمكارم وهذه أمثلة قليلة فقط، وحتى الوصف الحديث لحفلة ومتحف والفونوغراف والنظّارة. بعد ذلك هناك باب في اللغة العربية وآدابها والعصر الجاهلي وأسواق العرب والخطابة ثم الشعر وأنواعه وأغراضه كالفخر والمدح والهجاء والرثاء ثم ذكر أهم شعراء العربية فيبدأ بالجاهليين ثم عصر صدر الإسلام وخطب الخلفاء ثم شعراء العصور التالية وأدب عصر الدولة العباسية وشعراء الأندلس حتى يصل عصر المماليك وأدب الطهطاوي ومحمود البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم مما لا يتيح المجال هنا ذكرهم. الأسماء التي تعرفت إليها في «جواهر الأدب» قادتني للبحث عن المزيد من نتاجاتهم في مبنى «المكتبة العامة» في دبي التي كانت قد أنشئت عام 1962 على خور دبي. ولوج تلك المكتبة وأنا ما زلت صبيا صغيرا، حيث كنت أرافق والدي إلى مقر عمله القريب من المكتبة، كان بمثابة متعة لا تضاهيها أي متعة. هناك وجدت المزيد من كتابات جبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي وبشارة الخوري وتعرفت إلى السياب ونازك، نزار ودرويش. هناك كتب بقيت تلمع في الذاكرة منها بعض روايات إحسان عبد القدوس ومحمود تيمور وعبد الحليم عبد الله. وكانت قراءة «ألف ليلة وليلة» أمرا مدهشا في ذلك الوقت، لهذا وجدت أن قضاء الوقت مع الكتب أكثر متعة من اللعب وتمضية الوقت في التسكع في الحارة. في أول معارض الكتب في الشارقة تمكنت من تكوين أول مكتبة خاصة بي وحصلت وبقية الأصدقاء على كتب مجانية كأجر لنا لمساعدة الناشرين على حمل صناديق الكتب من السيارات حتى داخل المعرض وإخراجها وتوزيعها على الأرفف. من الكتب الأولى التي أمكن الحصول عليها حينها روايات الأدب الروسي خاصة ديستويفسكي وغوركي وغوغول ثم أدب أميركا اللاتينية وعلى وجه التحديد ماركيز وأمادو. كان لا بد كذلك من التوقف عند لوركا ونيرودا وناظم حكمت وغيرهم ممن داعبت قصائدهم الوطنية والثورية عواطفنا الجياشة حينها بالأفكار المتمردة. إلا أن هناك كتبا تترك فيك أثرا لا ينسى ومنها كتاب «جماليات المكان» لغاستون باشلار. في هذا الكتاب تتمكن من الاقتراب «علميا» من عالم الشعر الغامض مع أمثلة شعرية وتحليل فلسفي تعرفنا عليه لأول مرة من خلال فلسفة باشلار في الفينومينولوجيا أو الظاهراتية كما عُربت حينها. كشف ساحر صاغه باشلار كما لو كان شاعرا يقوده تفكير علمي منطقي. «مجنون إلزا» لأراغون كان من الكتب التي تترك في من يقرأها مشاعر جياشة وكان عبارة عن ملحمة شعرية روائية مذهلة توقفت عندها لأشهر وقادني هذا الكتاب إلى كتب أراغون وإلى وقفة طويلة مع الشعر الفرنسي خاصة مع بول فاليري وأيلوار ورامبو ورينيه شار وإيف بونفوا. حين جاءت الفرصة للدراسة في الولايات المتحدة أمكن العودة لبعض أولئك الكتّاب وقراءتهم باللغة الإنجليزية مما أنقذني من بعض الترجمات الضعيفة إلى العربية خاصة في الشعر والرواية. * خالد البدور، شاعر إماراتي، من مجموعاته الشعرية، «ليل» و«شتاء» و«مطر على البحر».

    0 0

    لو أننا سُئلنا عن وجهة نظرنا في مدى قدرتنا على خوض صعاب الحياة، فيمكننا أن نتخيل جميعا أن الأمر يبدو وكأنه مهمة مستحيل تحقيقها. ومع ذلك، يبقى من المرجح أن يستطيع القليل منا خوض مثل تلك المهام المستحيلة في الحياة الواقعية. وقد استطاع أحد الرجال البارزين في عالمنا وهو روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي السابق، خوض تلك المهام الصعبة. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، تم تدريب وتوظيف غيتس من قبل الآلة السياسية الأميركية، وتُعد تلك الفترة من أطول الفترات التي قضاها مسؤول في أورقة السياسة الأميركية. وقد تشكلت غالبية مسيرة غيتس، التي قضاها تحت حكم ثمانية رؤساء متعاقبين، في ظل عمله كنائب مدير ثم مدير لوكالة الاستخبارات الأميركية (CIA). وعلى الرغم من كونه من المحسوبين على الرئيس السابق جورج دبليو بوش، استطاع غيتس أن يُبقي على سجله الوظيفي خاليا من أي انتماءات حزبية، وهو ما جعله يحصل على لقب «رجل كل العصور». في عام 2009، بدا أن غيتس يريد أن يترك العمل السياسي ويتفرغ لتحقيق الحلم، الذي راوده لسنوات طوال، بأن يصبح عميدا لإحدى الكليات في مسقط رأسه، ولاية تكساس. لكن هذا لم يحدث، إذ وجه الرئيس الجديد باراك أوباما دعوة لغيتس للعمل معه وزيرا للدفاع. وكانت تلك الدعوة غريبة لأن غيتس من أكثر المساعدين ولاء لآل بوش، بينما يدين أوباما بجزء كبير من نجاحه في انتخابات 2008 الرئاسية لعامل الكراهية الشديدة في أوساط الأميركيين تجاه الرئيس السابق جورج دبليو بوش على وجه الخصوص، وآل بوش على وجه العموم. يمثل كتاب: «الواجب: مذكرات وزير في الحرب» سردا لتجربة غيتس التي ظهرت خباياها عندما قبل دعوة أوباما للدخول في إدارة الديمقراطيين. ولا يصرح غيتس أبدا بأنه حصل على موافقة بوش الأب لقبول دعوة أوباما، لكن يبدو من المؤكد أنه فعل ذلك. وليست هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس ديمقراطي تنقصه الخبرة بالاستعانة بأحد قيادات الجمهوريين للعمل معه في منصب وزير الدفاع، فقد اتخذ الرئيس الأسبق بيل كلينتون نفس الخطوة عندما دعا السيناتور ويليام كوهين لتولي حقيبة الدفاع. المثير في الأمر أن الرؤساء الديمقراطيين كانوا هم الذين أشعلوا فتيل جميع الحروب التي خاضتها أميركا منذ أربعينات القرن الماضي، وكانت تلك الحروب دائما ما تضع أوزارها على يد الرؤساء الجمهوريين. غير أن أوباما كان هو الاستثناء لتلك القاعدة، فهو رئيس ديمقراطي يحاول إنهاء اثنتين من الحروب (في أفغانستان والعراق) اللتين أوقد نيرانهما رئيس جمهوري. وكان أوباما يريد أن يشرف غيتس على إجراءات إنهاء هاتين الحربين من أجله. هناك، بالطبع، طرق كثيرة لإنهاء حرب ما، حيث يمكن ببساطة لأحد أطراف النزاع أن يهرب أو أن يستسلم للعدو، كما يمكن للحرب أن تنتهي عندما ينتصر فيها أحد الطرفين المتنازعين. أما استراتيجية أوباما لإنهاء الحرب فكانت فريدة من نوعها، إذ إنه لا يفضل أيا من الطريقتين. لقد أراد فقط أن يجعل الحربين تبدوان مثل «أخطاء مأساوية» حتى يتسنى له إثبات صحة الفكرة التي كان يروج لها خلال حملته الانتخابية، لكنه كان يريد، رغم ذلك، تنفيذ خطة تحقق له النصر في جميع الأحوال. وصف غيتس أوباما، من دون التصريح المباشر بذلك، بأنه منافق إن لم يكن محتالا ومخادعا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إننا بصدد الحديث هنا عن رئيس كان يتصرف وفقا لما هو متوقع بشأن الجوانب الأقل أهمية بخصوص أي قضية من القضايا، غير أنه كان مخطئا تماما فيما يتعلق بالأمور الجوهرية. ويقول غيتس «لم يكن لدي أدنى شك فيما يخص تأييد أوباما (لقواتنا)، ولكن الشكوك تتعلق بشأن تأييده لمهمتنا». يعد هذا التصريح غريبا، فإنه يعني عند ترجمته بلغة واضحة وبسيطة أن أوباما أرسل القوات، التي من المفترض أنه يدعمها، إلى طريق محفوف بالمخاطر، في حين أنه كان يأمل طوال الوقت، بصورة سرية، أن يفشلوا في مهمتهم. يوضح غيتس مسألة الاهتمامات الغريبة لأوباما مع سرد أحداث أحد المؤتمرات المهمة التي حضرها الرئيس والجنرال ديفيد بتريوس، قائد قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أفغانستان آنذاك. ويقول غيتس «عندما كنت أجلس هناك، كنت أعتقد أن الرئيس لا يثق في قائد قواته، ولا يستطيع تحمل (الرئيس الأفغاني) كرزاي ولا يؤمن باستراتيجيته ولا يعد أن الحرب هي حربه». كان أوباما مهتما بشكل أكبر بمنع وجود تأثير لبتريوس كمرشح رئاسي جمهوري محتمل ومنافس مفترض في عام 2012. ويعني هذا الأمر ضرورة عدم السماح لبتريوس بالادعاء بتحقيق نصر عسكري في العراق أو أفغانستان. وفي نفس الوقت، كان أوباما يكره كرزاي بسبب اعتقاده أن الرئيس الأفغاني من «صنع بوش». ومن خلال النظر في هذا الكتاب الرائع والممتع، نجد في طياته شعورا بالغضب. يدرك الأشخاص الذين يعرفون غيتس عن كثب أنه شخص هادئ ويتحلى برباطة الجأش، فضلا عن خبرته في إخفاء مشاعره، بما يجعله نموذجا للشخص الإنجليزي المثالي، الذي اندثر في الوقت الحاضر، والذي كان من المفترض وجوده في العصر الفيكتوري. وعلى الرغم من ذلك، ففي كتابه «الواجب»، يبدو غيتس بشكل أكبر مثل أحد الشباب الغاضبين المنادين بمذهب المثالية الذي تحطمت أوهامه. وكان من بين تلك الأوهام أن الشخص المنتخب كرئيس للولايات المتحدة الأميركية لا بد أن يكون، على أقل تقدير، بنفس القدر الذي تحظى به الولايات المتحدة الأميركية. ومن الواضح أن أوباما ليس كذلك. وكان من بين الأوهام الأخرى أن جميع الأمور المتعلقة بصناعة السياسات في واشنطن تتمثل في المشورة والنصح والموافقة. وعلى الرغم من ذلك، ففي فترة ولاية أوباما، تتركز صناعة السياسات في شخص الرئيس، وهو ما لم يكن ممكنا قبل ذلك. ويظهر نائب الرئيس جو بايدن مثل النسخة السياسية من شخصية «اياغو (Iago)»، المذكورة في مسرحية «عطيل (Othello)» لويليام شكسبير، حيث يهمس بايدن بالشكوك والظنون في آذان الرئيس قائلا له «توخ الحذر بشأن الجيش» و«لا تثق في الجيش». ولم تزدد قوة هذه النزعة إلا مع رحيل القليل من الشخصيات التي تتمتع بثقل وأهمية، ومن بينهم غيتس نفسه، الذي استقطبه أوباما في فترة ولايته الأولى. وفي الوقت الراهن، تشتمل إدارة أوباما على أربعة أشخاص من أعضاء مجلس الشيوخ السابقين، مع عدم ارتباط أسمائهم بتحقيق أي إنجازات مهمة على الإطلاق. وتعتبر حالة بايدن من الحالات المثيرة للانتباه بشكل خاص، حيث شارك في قضايا السياسية الخارجية لمدة ما يقرب من 40 عاما وكان مصرا بشكل خاطئ وباستمرار على كل شيء بداية من تأييده للثورة الخمينية في إيران وصولا إلى معارضته لوضع الاتحاد السوفياتي في موقف صعب بهدف إنهاء الحرب الباردة. في كتابه هذا، لم يكن غيتس لطيفا تجاه النخبة بالكونغرس الأميركي، حيث وصف أعضاء لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، التي كان يترأسها حينذاك جون كيري، بأنهم يتسمون بـ«الفظاظة والبذاءة والغطرسة». ويقدم لنا غيتس انطباعا بشأن وجود سياسيين أميركيين فاسدين ومولعين بالانتقاد، في حين أنهم يوجهون العظات إلى السياسيين العراقيين أو الأفغان ليحذروهم من الفساد وسوء الإدارة. ومن الأمور التي تجعل فضول القارئ أقل إشباعا، هو تناول الكتاب لمسألة إعادة التنظيم الهائل للآلة العسكرية الأميركية الذي حدث في السنوات الأخيرة من فترة إدارة بوش وزادت وتيرتها تحت حكم أوباما. وفي هذا الصدد، لا يقدم لنا غيتس سوى وصف بسيط مقتضب بشأن أسباب تقليص ميزانية الدفاع بشكل كبير، بما في ذلك تقليل العمليات التكنولوجية للقوات الجوية الأميركية والاعتماد المتزايد على العمليات التي يُتحكم فيها عن بعد باستخدام طائرات من دون طيار وهو ما يفضله أوباما. يقدم لنا هذا الكتاب مادة قصصية بشأن سلوك أوباما الغريب كرئيس وقائد أعلى. بيد أن الكتاب لا يخبرنا بالسبب وراء تصرف أوباما بهذه الطريقة. وعلى الرغم من ذلك، فإن أوباما نفسه قدّم بعض الأدلة والمفاتيح لحل هذا اللغز من خلال خطاباته التي لا تُحصى. وجاء آخر هذه الأدلة في خطابه أثناء مراسم تأبين نيلسون مانديلا، زعيم جنوب أفريقيا، في جوهانسبورغ. وخلال هذه الخطبة، قال أوباما إنه فكر في الوصول إلى الرئاسة الأميركية بعد معرفته بشأن مانديلا و«نضاله في سبيل الحرية». وبمعنى آخر، فإن أوباما لم يكن يؤمن على الإطلاق بأسطورة «الحلم الأميركي» والفلكلور المصاحب له بشأن الحرية ومبدأ تكافؤ الفرص. وبالنسبة له، كانت الولايات المتحدة الأميركية وجنوب أفريقيا، أثناء فترة الفصل العنصري، بلدين فيهما نفس القواسم المشتركة. لا يوجد في هذا البلد أي نشاط بشأن التبشير العالمي بالحرية والديمقراطية، ناهيك عن استخدام قدرتها العسكرية للإطاحة بالأنظمة الفاسدة مثل طالبان في أفغانستان ونظام صدام في العراق. ويقول غيتس إن أوباما لم يكن مهتما على الإطلاق بإظهار أقل مظاهر الدعم أو التأييد لثورة الشعب السوري المنادي بالديمقراطية. وفي المقابل، كان أوباما يسعى وراء تحقيق حلمه بالوصول إلى اتفاق مع الملالي في طهران. وفي حين كان بشار الأسد يذبح السوريين في الشوارع، كان أوباما مشغولا بكتابة خطاباته الخمسة، التي لم يُجَب عليها، وإرسالها إلى علي خامنئي، «المرشد الأعلى» للنظام الخميني في طهران.

    0 0

    عندما كنت في الصف السادس الابتدائي كان معلم اللغة العربية يقدم لنا بين وقت وآخر مقطعا من قصيدة لكي نحفظه ونلقيه في يوم رفعة العلم، وكان ذلك يوم الخميس. ما زلت أتذكر مقطعا من قصيدة الجندي التي يبدأ مطلعها هكذا «سل صفحة الأيام تنبيك عن إقدامي».. إلخ. وكنت قد ألقيتها أمام التلاميذ في أكثر من مناسبة. بعد ذلك وفي الصف الثاني المتوسط، طلب مدرس اللغة العربية منا - نحن الطلاب الجدد - أن نقوم باختيار بيت من الشعر وأن نقوم بإعرابه، ووقع الاختيار علي لقلة الطلاب الذين يحفظون الشعر في هذه السن المبكرة، فقمت وقلت: يا هند قد ألف الخميلة بلبل يشدو فتصطفق الغصون وتطرب استغرب المدرس في حينها أن يكون طالب في سني يحفظ قصائد الغزل! وسألني عمن علمني هذه القصائد، فقلت إنه معلم اللغة العربية في المرحلة الابتدائية وفي المدرسة النموذجية. من هنا، بدأ اهتمامي بالكتب، لكنني كنت من بيت لا يهتم بالكتب ولا يقتنيها، ولم يكن في بيتنا في ذلك الوقت سوى كتب مدرسية بالية. من حسن حظي أن زوج شقيقتي معلم اللغة الإنجليزية كان يملك مكتبة عامرة بجميع أنواع الكتب، لكنه كان يسكن في مدينة بعيدة. أول كتاب حقيقي قرأته باهتمام كان ديوان بدر شاكر السياب، كنت أستعيره بين وقت وآخر وأنا لم أبلغ الثامنة عشرة بعد، حيث حفظت الكثير من قصائده عن ظهر قلب وبدأت بتقليده بطريقة فجة حتى أصبحت صديقا في مجموعة من الشباب الذين يكتبون الشعر العمودي. كنا نتبارى في حفظ نصوص كبار الشعراء ونحاول أن ننظم قصائد على شاكلة قصائدهم. في تلك الفترة، بدأت بنشر بعض النصوص القصيرة في الصحافة وبشراء الكتب القليلة كلما حصلت على المال. متعة القراءة في تلك المرحلة العمرية دفعتني لزيارة بيت أختي زوجة معلم الإنجليزية كل يوم جمعة، حيث كنت أجد كل ما أحتاجه من الكتب. هذه الزيارات أثارت زوج أختي الذي وجد أنني أستغرق في الكتاب بقوة ولا أسأل عن الطعام أو الشراب، فكان يسألني إن كنت أجد متعة في هذه الكتب.. وحينما قلت له إنني أفكر في إنشاء مكتبة مشابهة استغرب الأمر. بعد تفكير طويل، قال لي إنه يمكن أن يبيعني المكتبة إذا كنت جادا في الحفاظ على الكتب بربع سعرها الحقيقي. في العطلة الصيفية، اشتغلت عاملا في البناء وجمعت المبلغ المطلوب لشراء المكتبة. حين قدمت المبلغ إلى زوج أختي أصيب بالدهشة والفرح في الوقت نفسه، وقرر أن يستأجر سيارة أجرة لنقل الكتب من بيته إلى بيتي كتشجيع منه. * شاعر عراقي. من كتبه: «أنا مجنون لسبب وأنت عاقل بلا سبب» مختارات شعرية صدرت في القاهرة. «حياة مستعملة» مختارات شعرية بالإسبانية صدرت في كوستاريكا. و«النوم في اللغة الأجنبية» باللغة الهولندية.

    0 0

    يصدر في مارس (آذار) المقبل عن دار «الوراق للنشر» بلندن وبيروت وبغداد كتاب «مشجرات أنساب القبائل والعائلات العربية، مع ملاحظات تاريخية وجغرافية» لعالم الاجتماع الألماني فرديناند فوستنفل، وهو من تحقيق وتقديم: ماجد شبر وترجمة: محمود كبيبو هنا مقتطفات من المقدمة التي كتبها المؤلف: من الضروري أن أذكر في بادئ الأمر المؤلفات التي اعتمدت عليها عند إعداد مشجرات الأنساب؛ ومن الممكن تقسيم هذه المراجع إلى ثلاث فئات: 1 - المؤلفات النظرية، أي تلك التي تعرض فقط نظام نسب العائلات والأشخاص، وتشمل هذه الفئة تلك الفصول من كتب ابن قتيبة، وأبو الفدا، والنويري، التي يعالج فيها علم الأنساب، ثم المؤلفات الخاصة لمحمد بن حبيب وعبيدللي، وأحمد بن عنبة (عتبة)، والمقريزي. 2 - المؤلفات العملية، أي الكتب البيوغرافية (كتب السيرة) والتاريخية التي تذكر فيها سلسلة نسب بعض الأشخاص ودون انقطاع حتى جد مشهور أو رئيس قبيلة، وتذكر فيها بين حين وآخر علاقة القربى أيضا؛ وتشمل هذه الفئة ابن قتيبة في الجزء البيوغرافي من مؤلفة المرجعي، وابن خلكان، والنووي، وطبقات الحفاظ. 3 - المؤلفات النظرية - العملية، أي الكتب التي يعالج فيها تسلسل نسب قبائل وعائلات معينة عن طريق أشخاص معينين كما في كتاب الطبقات لابن سعد، وكتاب علم الكلمات وعلم الأنساب لابن دريد؛ وينتمي إلى هذه الفئة أيضا الكتب المرتبة أبجديا: لباب، ولب اللباب، ومقالة أبو الفضل المقدسي. قد لا تكون هناك ضرورة لأن نذكر أن ما من كتاب من هذه الكتب يقدم عرضا بصيغة المشجرات، بل إنها جميعها تعدد النسب بصورة متسلسلة، إذا لم ترد عند كتاب آخرين طريقة عرض مشابهة، كما هي مألوفة عندنا. وبينما تطلق على سلسلة النسب، وخصوصا على الخط المباشر حتى جد مشهور، مثلا من النبي محمد حتى عدنان، التسمية «عمود النسب»، يسمي العرب تفرع النسب من جد واحد «شجرة النسب» ويصورون نسب أسرة معينة على شكل شجرة فعلا مؤلفة من أغصان وفروع. والنموذج المرفق هنا مع الجداول مأخوذ من كتاب ابن خلدون التاريخي استنادا إلى المخطوطة الموجودة في لايدن. أما فيما يتعلق بأنساب القبائل القحطانية «الإسماعيلية» فلا يوجد في المؤلفات المستعملة هنا اختلافات في المعلومات تستحق الذكر سوى بعض الفوارق الطفيفة عند هذا المؤلف أو ذاك والذي سرعان ما يتبين أنها ناتجة عن الوقوع في خطأ. وهذا الجزء من عملي مثبت تماما بحيث إن الاختلافات التي نجدها عند كتاب عرب، والناجمة غالبا عن أخطاء في النسخ، يجب تصحيحها استنادا إليه. وهناك في هذا الصدد نقطتان يجب أخذهما بعين الاعتبار، تتعلق الأولى بعرض المؤلفين العرب، والثانية بمصداقية هذا العرض. وبما أن جداولنا قد وضعت استنادا إلى أفضل المؤلفين المعترف بهم، فإنها تقدم فكرة صحيحة عما اعتقده وعلمه العرب أنفسهم عن علاقات القربى بين قبائلهم وعائلاتهم، وهذا هو من بادئ الأمر الشيء الرئيس من أجل فهم المؤلفين. من أجل إثبات ذلك نريد الاقتصار على عدد قليل من الأمثلة. كان لأبي طالب أربعة أبناء: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، وكان كل منهم أصغر عشرة أعوام عن الذي سبقه؛ وهذا يعني أن عليا كان أصغر من أخيه طالب بمقدار ثلاثين عاما، وهذا هو إذن مقدار الفرق، سواء حسبنا الجيل التالي من أبي طالب حتى ابنه البكر أو حتى ابنه الأصغر، وفي هذه الحالة يمكننا اعتبار العمر الوسطي أربعين عاما أو أكثر قليلا. ويذكر ابن خلكان، أمثلة أخرى من هذا النوع: «محمد بن علي بن عبد الله، أبو أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور، ولد في عام 60 وتوفي في عام 126؛ وأخوه عبد الصمد ولد في عام 104 وتوفي في عام 185، فكان إذن بين تاريخ ولادتهما 44 عاما وبين تاريخ وفاتهما 59 عاما. وكان عبد الصمد قد قاد قافلة الحج في عام 150، وكان يزيد بن معاوية قد قادها في عام 50؛ وبينما ينحدران كلاهما من عبد مناف في الدرجة السادسة، فقد عاش الأول بعد مائة عام من هذا الأخير». ويذكر ابن قتيبة، موسى بن عبيدة الذي كان عمره يقل 60 عاما عن عمر أخيه عبد الله. إذا ما افترضنا 40 عاما للجيل الواحد فإن 22 جيلا من النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى عدنان تكون قد استغرقت فترة زمنية قدرها 880 عاما، أي من ميلاد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في عام 570م حتى نحو عام 300 قبل الميلاد. وانطلاقا من مبدأ عدد متساو من الأجيال سيعني تقريبا عددا متساويا من السنين، فإن جميع الأشخاص الذين ينحدرون من عدنان في الدرجة الـ22 يجب أن يكونوا قد عاصروا النبي محمد - صلى الله عليه وسلم. وينطبق هذا على مشجراتنا بدقة كبيرة تفوق المتوقع، إذ إن غالبية أوائل معتنقي الإسلام ينتمون إلى الدرجة 20 حتى 24 من عدنان وذلك حسب كونهم أكبر من محمد أو أصغر منه سنا. وإذا ما قارنا الآن فصائل القبائل اليمنية فإننا نلاحظ، وبالتحديد لدى عائلات المدينة، أن معاصري النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ينتمون إلى الدرجة 30 حتى 34، أي أن هناك عشرة أجيال أكثر، أي ما يعادل 10x40 = 400سنة. وهذا يعني أن الجد الأول قحطان يجب أن يكون أقدم من عدنان بمقدار 400 سنة، وبالتالي يجب أن يكون قد عاش في عام 700 قبل الميلاد. وهذا الحساب تثبت صحته لدى الأشخاص والأحداث التي يضطر المرء إلى تحديد زمنهم استنادا إلى دلائل أخرى بسبب نقص المعلومات التاريخية المتوفرة عنهما؛ ومنها، على سبيل المثال، انهيار سد مأرب والهجرة الكبيرة للقبائل اليمنية التي تبعت هذا الحدث، الذي يوضع عادة في القرن الأول بعد الميلاد؛ ونحن نجد قائد هؤلاء المهاجرين على الخط 17 بعد قحطان، أي أنه قد عاش بعد 17x40= 680 عاما من قحطان، وهذا يعني أنه ولد في عام 20 قبل الميلاد وكان في منتصف القرن الأول الميلادي واحدا من أكبر أبناء قبيلته سنا. كما أن العلاقة المفترضة بين الشعبين العربيين الرئيسيين تثبت صحتها أيضا عندما نذكر من كليهما أشخاصا عاصروا بعضهم بعضا، وأيضا وبشكل خاص من زواج نساء يمنيات من رجال العدنانيين «إسماعيليين» أو بالعكس، بحيث يكون عندئذ، بسبب كون القبائل اليمنية تبدأ قبل عشرة أجيال، عدد درجات الأجيال المنحدرة منهن يزيد بمقدار عشر درجات تقريبا عن أجيال الإسماعيليين؛ على سبيل المثال: خندف بنت حلوان كانت زوجة إلياس؛ ومزينة ابنة كلب كانت متزوجة من عمرو بن أد؛ وضرية بنت ربيعة كانت زوجة حلوان ابن عمران. وإن نجد هنا لدى فروع مختلفة، متباعدة عن بعضها، بعد عدة قرون فرقا كبيرا في عدد الحلقات فهذا أمر مفهوم، تماما كما تبين لنا في المثال المذكور أعلاه أنه قد نشأ لدى عدد متساو من ستة أجيال فرق في الزمن قدره 100 عام. وهكذا نجد أيضا أن بعض الأشخاص الذين عاصروا النبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - لهم حتى عدنان 17 جدا بينما نجد لدى آخرين 27 جدا. ولهذا السبب اعتبرت الدرجة الـ22 التي يقف عليها النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - الدرجة المتوسطة وفي الوقت نفسه العادية. واعتبارا من هنا نجم التصنيف تلقائيا بحيث إنني اعتبارا من عدنان جعلت القبائل تتعاقب مثل تعاقب الأشخاص الذين يؤدون إلى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بخط مباشر. وبما أن علاقات المؤلفين العرب بقبائلهم لا تهتم إلا نادرا بالتفرعات اللاحقة لتلك التي كانت قائمة في عهد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنني أنا أيضا اقتصرت في جداولي بصورة عامة على معاصري النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى خلفهم القريب؛ ولم أتابع سلسلة النسب إلا لأشخاص معينين مشهورين وصفت حياتهم في المؤلفات المستعملة، ولكنني لم أتابع بالتحديد عبيدلي وأحمد بن عتبة عن أحفاد علي والتي كان من الممكن أن ينتج عنها بكل سهولة عشرون جدولا آخر لهذه العائلة وحدها. بالمقابل اعتقدت أنه يتعين علي تركيز الاهتمام بشكل خاص على العائلات الحاكمة، لأنه لم يسبق حتى الآن لأي كاتب أوروبي أن عرض مشجرات نسب هذه العائلات بشكل صحيح ولا بشكل مفصل.

    0 0

    مارك مازيتي حاصل على جائزة «بوليتزر» للصحافة، ويعمل مع صحيفة «نيويورك تايمز»، مغطيا أخبار الأمن القومي، منذ عام 2006. قبل ذلك، وبعد أن حصل، في عام 1998، على درجة الماجستير من جامعة أكسفورد، عمل في مجلة «إيكونومست»، وفي مجلة «يو إس نيوز»، ثم في صحيفة «لوس أنجليس تايمز». في أواخر عام 2007 كشف خبر تدمير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) عن أشرطة الفيديو التي تصور تعذيب معتقلي منظمة القاعدة، وغيرهم من الإرهابيين. وأخيرا، نشر أول كتاب له: «واي أوف ذا نايف» (وسيلة السكين: سي آي إيه، جيش سري، وحرب في نهايات الأرض. دار نشر بنغوين). والكتاب، كما وصفه هو، عن «تحول وكالة الاستخبارات المركزية، وفرقة (سبيشيال فورسيز) (العمليات الخاصة) إلى آلات لصيد الناس، وقتلهم، وذلك في الأماكن المظلمة في العالم. هذه هي الطريقة الأميركية الجديدة للحرب». وهنا مقابلة معه عن ظروف تأليف الكتاب: * لماذا العنوان: «وسيلة السكين»؟ - مرة قال جون برينان، مستشار الأمن الوطني للرئيس أوباما، الذي أصبح، فيما بعد، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، إن الولايات المتحدة بدلا من استعمال «المطرقة» في حربها ضد الإرهاب، قادرة على الاعتماد على «المشرط». قصد بذلك أن هذا النوع الجديد من الحرب، بدلا من الحروب التي تكلف الكثير من أرواح الأميركيين والمال، صار مثل جراحة من دون مضاعفات، جراحة سهلة وسريعة. لكن، واقعيا، هذه الحرب الجديدة التي تقودها «سي آي إيه» هي مثل عملية جراحية بالسكين، مثل «وسيلة السكين». ثم إنها خلقت لنا مزيدا من الأعداء، وقللت أصدقاءنا. وتركت في المنطقة مزيدا من عدم الاستقرار في المستقبل. للمرة الأولى في تاريخنا، وفي تاريخ الحروب، يمكن قتل الأعداء وهم على مسافة آلاف الأميال. الآن، يقدر الرئيس الأميركي، بدلا من إعلان حرب على بلد ما، أن يجتمع مع مستشاريه داخل البيت الأبيض، وينظر إلى قائمة بالأسماء، ويشير إلى اسم ليقتل صاحبه في باكستان، أو أفغانستان، أو اليمن، أو بلد آخر بعيد. في الحقيقة، ليست هذه «وسيلة السكين» فقط.. إنها «وسيلة السكين بعيد المدى». * كيف بدأت كل هذه الأشياء؟ - مباشرة بعد هجمات 11-9، جاء إلى واشنطن السير ريتشارد ديرلاف، مدير الاستخبارات البريطانية (إم 16)، ليعبر عن تضامنه مع «سي آي إيه». وأيضا، أعطاها جميع ملفاته عن منظمة القاعدة. أنت قد تعرف أن البريطانيين لم يكونوا فقط رواد التجسس الحديث في العالم، ولكنهم كانوا ماهرين أيضا في جمع وحفظ أسرار حكومات الشرق الأوسط. عندما دخلنا نحن الحرب العالمية الثانية، كان البريطانيون هم أساتذتنا في فن التجسس، خاصة لأن طريقة تجسسنا كانت مختلفة عن الطريقة البريطانية. لست أنا، ولكن ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت، هو الذي قال: «يطالب المزاج الأميركي بنتائج سريعة ومذهلة، بينما تركز السياسة البريطانية على المدى الطويل». وقال تشرشل أيضا إن الجنود الأميركيين يعتمدون كثيرا على نسف مستودعات الأسلحة، وقطع خطوط التليفون، ووضع ألغام على طرق الإمدادات، وممارسة لعبة «كاوبوي وهنود حمر»، بل إن تشرشل حذر من أن طريقتنا في الحرب يمكن أن تسبب متاعب للحلفاء. لكن كانت تلك الحرب العالمية الثانية. أما الآن فهذه هي الحرب العالمية ضد الإرهاب، التي برهنا فيها للبريطانيين، ولبقية العالم، على أن طريقتنا في التعامل مع عدونا لا تختلف عنهم فقط، ولكن أيضا، مذهلة. وقالت لي مصادر في «سي آي إيه» إن أحد المسؤولين البريطانيين هتف، بعد مشاهدة شريط فيديو لطائرة من دون طيار تقتل الأعداء في أفغانستان، قائلا: «هذه تقريبا مثل رياضة، أليست كذلك؟». * في الماضي، كان محظورا على «سي آي إيه» قتل الأجانب بعد فضيحة «ووترغيت»، وبعد كشف عمليات قتل سابقة، وبعد كشف محاولات لقتل زعماء أجانب، مثل الرئيس الكوبي فيدل كاسترو. متى تغير ذلك؟ - حتى قبل هجمات 11-9 عام 2001، وقبل الأمر السري الذي أصدره الرئيس السابق جورج بوش الابن لمدير «سي آي إيه» بالعودة إلى القتل، كانت «سي آي إيه» أعدت ملفات فيها معلومات وصور وفيديوهات عن أشخاص يمكنها أن تقتلهم. لهذا، خلال الأسابيع القليلة بعد الهجمات، عقد اجتماع في مكتب نائب الرئيس ديك تشيني، وحضره مسؤولون كبار في «سي آي إيه»، وقدموا له صورا وأشرطة فيديو لشخصيات يمكنهم قتلها، إذا صدرت لهم أوامر. من بين هذه الشخصيات، اثنان: مأمون الدركزنلي، سوري يعتقد أنه شارك في خطط هجمات 11-9 وكان يعيش في ألمانيا. والدكتور عبد القدير خان، رائد القنبلة النووية الباكستانية، وكان يعتقد أنه سرب أسرارا نووية إلى إيران، وليبيا. كان هدف ذلك الاجتماع مع تشيني واضحا: «إذا كنا نقدر على أن نقترب من هؤلاء الناس، ونصورهم، فلا بد أننا نقدر على قتلهم بمجرد أن تقول: أوكي». وقال تشيني: «أوكي». وخلال أشهر قليلة، نقل مئات الجواسيس إلى قسم مكافحة الإرهاب في رئاسة «سي آي إيه». وبنيت مكاتب خشبية على عجل. ولتسهيل التنقل من مكتب إلى آخر، وسط غابة من المكاتب، وضعت أسماء شوارع، منها: «شارع أسامة» و«طريق الظواهري». ووضعت لافتة عملاقة مكتوب عليها: «اليوم هو 12-9-2001». ويشير ذلك إلى أن الإرهابيين يقدرون على الهجوم على أميركا في أي يوم من الأيام التالية. ولهذا، يجب قتلهم قبل أن يقتلونا. * الآن، بعد عشر سنوات، وفي عهد أوباما، وزمن طائرات «درون» (من دون طيار).. هل تفاقم الأمر؟ - إذا كان بوش هو الذي بدأ القتل، فإن أوباما تابعه ثم زاده، لكنه حرص على أن يكون سرا. هذه النقطة الأخيرة هي الأهم. وهي موضوع كتابي. لكن المفارقة هي أن عمليات «درون» لم تكن سرية. كيف يمكن أن تكون سرية؟ لأنها بعيدة عنا؟ في عصر الإنترنت؟ في العام الماضي، داخل غرفة في المحكمة الفيدرالية في واشنطن، كان فريق من ثلاثة قضاة ينظر في قضية رفعها اتحاد الحريات المدنية الأميركي (إيه إل سي يو)، طالب فيها بإنهاء سرية عمليات القتل المستهدف. وانتقد القاضي ميريك غارلاند محامي «سي آي إيه» لأنه رفض حتى الاعتراف بوجود طائرات «درون»، بينما كان أوباما نفسه تحدث عن الموضوع (تفاخر به خلال الحملة الانتخابية عام 2012). وقال القاضي لمحامي «سي آي إيه»: «تطلب منا أن نقول بأن الإمبراطور يرتدي ملابس بينما يعترف الإمبراطور نفسه بأنه عار». * انتقد بعض الناس كتابك بسبب العنوان، والأهم من ذلك، بسبب محتواه. وقالت المجلة الأسبوعية المحافظة «ويكلي ستاندرد» إن قتل أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة وعدو أميركا رقم واحد، حدث بالأساليب نفسها التي انتقدتها في كتابك؟ - نعم، نجح هذا النوع الجديد من الحرب نجاحات كثيرة، بما في ذلك قتل بن لادن، ولكنه سهل علينا إعلان الحرب على القاصي والداني. وسهل علينا قتل أعدائنا، وجعل قتل عدو أسهل وأسرع من التفاوض معه. هذا هو موضوع كتابي. لا يركز كتابي على ما ينبغي، أو ما لا ينبغي، بقدر ما يركز على جمع المعلومات لما يحدث. كيف نقدر على أن نحكم في موضوع من دون أن نعرف معلومات عنه؟ لهذا، قررت أنا، المراسل الصحافي، أن أكتب كتابا عن ما حدث، حسبما أعرف. طبعا، الشعب الأميركي هو الحكم النهائي. لكن، كيف يحكم إذا لم يعرف؟ وشجعني على كتابة هذا الكتاب قرار الحكومة أن يكون هذا النوع من الحرب سرا، وبالتالي، أن لا يقدر الشعب الأميركي على أن يعرف ما يحدث، ناهيك عن أن يحكم عليه. * لسنوات كثيرة، كنت تغطى نشاطات «سي آي إيه»، بما في ذلك طائرات «درون»، وغيرها من النشاطات السرية جدا. كيف تتأكد من مصادرك؟ وما درجة مصداقية كتابك؟ ومصداقيتك؟ - ليس سهلا تغطية حرب مستمرة، ناهيك عن أنها سرية. لكن، ظللت أعتمد على مئات من المصادر، في الولايات المتحدة وفي الخارج. أولا، أطلب من هؤلاء أن يسمحوا لي بنشر أسمائهم. إذا وافقوا، أنشرها. وإلا تشكل المعلومات أرضية لي (من دون ذكر المصدر). أنا أعرف جيدا أن هذه ليست الطريقة المثلى. لكن، على الأقل، أستطيع نشر المعلومات من أولئك الذين يعرفونها أكثر من غيرهم. وعلى أي حال، هذا جزء من مخاطر العمل. * انتقدتك مجلة «ويكلي ستاندرد» على ما ذكرته من تعاون «سي آي إيه» مع أجهزة استخبارات أجنبية. وقالت المجلة إن هذا التعاون لم يؤثر على مبادئ وعمليات «سي آي إيه» بالصورة التي قدمتها في كتابك؟ - كتبت أنا عن اعتماد «سي آي إيه»، المفاجئ والكبير، على هذه الاستخبارات الأجنبية مباشرة بعد هجمات 11-9، وكتبت عن مشاركة «سي آي إيه» في بعض نشاطات استخبارات حكومات استبدادية. وقلت إن هذا فتح الباب أمام تأثرها بأجندة تلك الاستخبارات، وتلك الحكومات. نقطة أخرى: عندما حدث الربيع العربي، لم تكن «سي آي إيه» تعرف أشياء كثيرة عن قوات المعارضة في تلك الدول، وذلك بسبب تحالفاتها السابقة مع استخبارات الأنظمة القديمة. رأيي هو أن مثل هذا التعاون ربما يساعد «سي آي إيه» في المدى القصير. لكن، في المدى الطويل، ستعرف «سي آي إيه»، وستعرف حكومتنا النتائج السلبية لهذا التعاون، خاصة الصورة السلبية لنا في العالم. * قالت صحيفة «واشنطن تايمز» تعليقا على كتابك إنه مهما كانت أخطاء عمليات طائرات «درون»، فقد قل عدد الجنود الأميركيين الذين يقتلون في الحرب ضد الإرهاب؟ - نعم، هناك جانب إيجابي لعمليات «درون». وكما نعرف كلنا، لم تعد منظمة القاعدة قوية كما عرفناها في هجمات 11-9، قتل كثير من قادتها بطائرات «درون»، وبوسائل أخرى. لكن، حجتي الرئيسية هي التأثير الطويل الأجل لهذه الحرب السرية، إذ يزيد عدد المتطرفين، ويزيد عدد أعدائنا، خاصة في الدول الإسلامية، حيث الجزء الكبير من الحرب ضد الإرهاب. كيف سيتطور هذا الوضع في المستقبل؟ الوقت مبكر جدا لمعرفة الإجابة، لكن يبقى السؤال: هل نحن نخلق مزيدا من الإرهابيين كلما نقتل الإرهابيين؟ * مرة، أيضا انتقدتك صحيفة «هافينغتون بوست»، وانتقدت زميلك في صحيفة «نيويورك تايمز» ديفيد سانغر، وقالت إنكما تعتمدان كثيرا على مصادر مجهولة، مدنية وعسكرية (سانغر فائز بجائزة بوليتزر للصحافة، ومؤلف كتابين: «كونفرنت آند كونسيل» (واجه وأخفِ: حروب أوباما السرية، والاستخدام المفاجئ للقوة الأميركية). وكتاب «إنهريتانس» (الورثة: العالم الذي يواجهه أوباما، وتحديات القوة الأميركية). - أنا متأكد من أن سانغر يستطيع الدفاع عن نفسه. بالنسبة لي، قلت إنني أتمنى لو أن كل المصادر التي أعتمد عليها توافق على نشر أسمائها. يوافق بعضها، ولا يوافق الآخرون. وفي كتابي، توجد أسماء كثير من المسؤولين الذين حضروا اجتماعات هامة، ثم تحدثوا معي عنها، ووافقوا على نشر أسمائهم. وتوجد نقطة أكثر أهمية: الذين انتقدوني وأشرت إليهم تحدثوا عن مواضيع جانبية، مثل: مصادر، وأخطاء، وانتصارات. ونسوا الصورة الكبيرة. ليس كتابي قائمة بأخطاء «سي آي إيه»، أو قائمة انتصاراتها. كتابي عن ظاهرة خطيرة، هي: تحول «سي آي إيه» إلى وكالة قتل؟ نعم، فشلت «سي آي إيه» في التنبؤ بربيع العرب، وبسقوط حائط برلين. لكن، ليس هذا هو اهتمامي الأول. اهتمامي الأول هو أن «سي آي إيه» صارت مثل البنتاغون (تقتل أكثر)، وصار البنتاغون مثل «سي آي إيه» (يجمع المعلومات أكثر). عدم وضوح الخطوط والتخصصات هو الذي أركز عليه. وهذا النوع الجديد من الحروب، خارج مناطق الحرب، هو الذي يهمني. منذ أن أعطى الرئيس السابق جورج بوش الابن «سي آي إيه» سلطات واسعة، بعد هجمات 11-9 صارت آلة لقتل الناس، ولصيد الناس، حول العالم. لهذا أقول: مهما كانت الحجج، في هذا الجانب، أو ذاك، عن هذه التفاصيل، أو تلك، تبقى الحقيقة: هذه ليست «سي آي إيه» الأصلية. * لكن، يبدو أن الشعب الأميركي والكونغرس غير قلقين. في الشهر الماضي، وللمرة الأولى، ومع دعم عضو واحد فقط في الكونغرس، هو ألان غريسون (ديمقراطي من ولاية فلوريدا)، ظهر باكستانيون من الذين استهدفتهم طائرات «درون» خلال جلسة استماع في الكونغرس. وظهرت «نبيلة»، الفتاة التي قتلت «درون» بعض أفراد عائلتها. - نعم، حضرت أنا جلسة الاستماع تلك. وكانت أول مرة أسمع فيها القصص التي قصها الشهود. كانت مناسبة نادرة، ورائعة. ولأني أومن بأن الخطوة الأولى هي تسليط الأضواء على هذه الحرب السرية، يتبادر سؤالان إلى ذهني: هل ستؤدي جلسة نبيلة إلى الشفافية؟ هل سيحصل مزيد من الانفتاح؟ لكن الاستراتيجية العامة في الكونغرس، وطبعا داخل إدارة أوباما، هي الصمت. ويظل الانفتاح نادرا جدا من جانب الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. الاستراتيجية هي تأييد، ليس فقط عمليات طائرات «دورن» والقتل المستهدف، ولكن، أيضا، ستار السرية الذي يحيط بها. * أليس هناك تناقض بين إهمال نبيلة (الفتاة الباكستانية التي كادت «سي آي إيه» تقتلها) وبين الضجة الضخمة حول «ملالا» (الفتاة الباكستانية التي كادت طالبان تقتلها)؟ - سمعت أن ملالا عندما قابلها الرئيس أوباما في البيت الأبيض، اشتكت من عمليات طائرات «درون». لكن، نعم، يوجد إقبال أكثر على ملالا بسبب التيارات السياسية في الكونغرس، ووسط الشعب الأميركي، كما ذكرت لك. * لماذا هذا الدعم لعمليات «درون»، وللقتل المستهدف، من جانب كل من السياسيين، والشعب الأميركي؟ - سيبقى السياسيون دائما سياسيين. ستكون عيونهم دائما تتطلع نحو الانتخابات المقبلة، بهدف إعادة انتخابهم. ويجد الشعب الأميركي نفسه في الوسط، لسبب بسيط وهو أنه لا يعرف ما فيه الكفاية. ولنكن منصفين له، ليست هناك طريقة معينة يمكن أن يعرف بها تفاصيل مواضيع حكومية، وسياسية، واقتصادية كثيرة، ومعقدة: «درون»، «أوباما كير» (برنامج التأمين الصحي)، «ديفيست» (العجز في الميزانية). هكذا يعمل نظامنا الديمقراطي: ننتخب السياسيين ليحكموا بما فيه مصلحة الوطن، لكنهم أحيانا يهتمون بمصالحهم الخاصة، ثم نغضب منهم، ثم نعود وننتخبهم. انظر إلى استطلاعات الرأي الأخيرة حول شعبية أعضاء الكونغرس. إنها في القاع تقريبا. أما بالنسبة للشعب الأميركي، على الأقل نظريا، فهو يدعم القوانين والسياسات التي تحميه من الأعداء. وعندما يقول له السياسيون إن «درون» تقتل الأعداء من دون أن تعرض جنودنا للخطر، يرد: لم لا؟ وأعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي لمعارضة الأميركيين إرسال قوات أميركية إلى سوريا. ضربات من الجو؟ لا مشكلة. جنود أميركيون على الأرض؟ لا. هذه هي الحرب من دون مخاطر. يؤمن الناس بكثير من الأشياء وهم لا يعرفون ما فيه الكفاية عن الأسباب والعواقب، عن الصورة الكبيرة. لهذا، كتبت هذا الكتاب: خطوة صغيرة واحدة نحو الانفتاح، ونحو مزيد من الشفافية، عن هذه الحرب الأكثر سرية في تاريخنا.

    0 0

    ما بيننا، أعني أنا والكتاب، علاقة سحرية قديمة، قد يصح اعتبارها علاقة عاطفية لا فكاك منها، مهما سطت على حياتنا شاشات الكومبيوتر واتسعت لملايين الكتب الإلكترونية، نتذكرها، نختارها، نستحضرها بكبسة زر، ونغلقها على قليل من ترسبات الحنين لأوراق لم نعد نلمسها لمس اليد، وما عاد بمقدورنا أن ننتشي برائحة الورق العابقة بالحنين، تماما كأغاني فيروز (ولكن، لم رائحة الورق دوما حزينة؟). لا أدري إن كان يسهل على إنسانة مثلي، لم تحسن طوال حياتها سوى جمع الكتب من كل الأنواع والأشكال والألوان، ومن ثم تكديسها وهندستها كأعمدة بناء جبارة في غرفتها، (المنهكة للنظر والمرور)، وعند زوايا طاولتها الأربعة، وفي كل ما تيسر من السنتيمترات الفارغة، أن تجد سبيلا إلى تحديد علاقتها بالكتب، أو لنقل بالورق، في كل درجاته وتدرجاته! نبدأ من ورق الصحيفة الأسمر والأكثر قابلية للتلف، صعودا إلى مراتب الكتب المتقنة، الحلوة الشكل والمضمون، وما تختزنه في طياتها من سحر الحروف، والفواصل، والكلمات، والمطالع، والمقاطع، والفصول، والنهايات، فتقرر، وهذا شأنها وحدها، إن كانت ستمنحها فرصة حياة إضافية لديها بعد القراءة: فإما أن تفسح لها مجالا بين كتبها الحميمة، وإما أن تقرر منحها هذه الفرصة خارج أسوارها، فتهديها إلى قارئ غيرها يتكفل عنها بالباقي. ثمة كتبا أبقيها تحت نظري. أقرأ فيها على مر الأيام والأشهر والأعوام، (أعرف أنها ستمكث معي حتى آخر العمر، ك«خواتم» أنسي الحاج، ورسولته بشعرها الطويل حتى الينابيع، ودواوين محمود درويش كاملة - مع انحيازي الشخصي إلى «يوميات الحزن العادي» - وقصائد مختارة من محمد الماغوط، ونزار قباني، ووديع سعادة، وجورج شحادة، وراسم المدهون، وتريز عواد بصبوص، والراحل سركون بولص). لدي كتب لم تبارح طاولتي منذ سنوات، أنقب فيها في أي وقت، وأختار، من بينها، ما أفتتح به نهاري أو أختتمه: قصيدة مثلا، أو مقطعا روائيا تركت تحته، غير مرة، خطا قديما بقلم الرصاص، أزوره باستمرار في غياب الجديد الممتع. تجذبني على الدوام، الكتب والمجلات في كل أحوالها. ليس مهما إن كانت جديدة خارجة لتوها من المطبعة، أو قديمة مفككة منزوعة الصفحات، ينادى عليها بأبخس الأسعار «الثلاثة بألف ليرة لبنانية، (0.66 دولار)»، فوق بسطات الشوارع الشعبية. شخصيا، لا أجد أروع من أن أتصفح كتبا عمرها من عمر الخبز، تضم سيرا لكبار الأدباء والمفكرين والفنانين من عصور غابرة، أشتريها و«أضمدها». ويحق لي أن أعتذر، أحيانا، من عظماء أحالهم الزمن إلى عناوين منسية على قارعة شارع بائس، تباع وتشترى (في زمن هو الأردأ) بألف ليرة لبنانية: جورجي زيدان، وأمين الريحاني، وجبران، والمتنبي، وابن خلدون، وشوبنهاور، وفرويد، والمتعجرفان سيمون دوبوفوار وحبيبها الفيلسوف جان بول سارتر. ويا لبؤس مصيريهما، لو يدريان أن ثمة بائعا بيروتيا، في شارع الحمرا، دلل عليهما، أمامي، قبل أيام، بألفي ليرة. ضحكت في سري: «قسمة حق: سارتر بألف وحبيبته بألف. رحمكما الله ورحمنا». «أعرف كثيرين ممن يحلمون ببناء بيت فخم للسكن، أو آخر للعبادة، أو حتى مدرسة. أنا لطالما حلمت ببناء مدينة - مكتبة، لا يدخلها إلا من يستحقون عناء الورق وجهد المطابع ونبل الحروف). حلم طفولي! من بين الكتب، لطالما انحزت إلى الروايات والقصص الفرنسية العاطفية، تجنح بالعقل الطري والخيال نحو أوهام الأسفار والمغامرات التي لا شفاء منها. وفي سن مبكرة، تعلقت بألن فورنييه وبطله «مولن الكبير»، ثم بالكاتب الطيار، أنطوان دوسان إكزوبيري، وأميره الصغير. واستمرا إلى اليوم، بطلاي المفضلان اللذان، لم يكبرا أبدا. ومن بين الناس، لطالما انحزت إلى الكتاب، والمؤلفين، من شعراء وروائيين وعلماء وفلاسفة. أليسوا هم الآباء الشرعيون للكتب؟ يكفي أن نتخيل عالما من دون كتب ومكتبات، لندرك كم أن هؤلاء هم روح العالم. * صحافية لبنانية وكاتبة، صدر لها، أخيرا، عن دار الساقي، كتاب «أنا الموقع أدناه محمود درويش».

    0 0

    خلال العام الماضي (2012) ظهرت طبعة جديدة – مزيدة ومنقحة – من كتاب «ألف عام من الأدب الإنجليزي» لمؤلفه كريس فلتشر، أمين المجموعات الخاصة بالمكتبة البودلية بجامعة أكسفورد حاليا، وأمين المخطوطات الأدبية بالمكتبة البريطانية (مكتبة المتحف البريطاني) سابقا. وقد شاركه في إعداد الكتاب روچر إيانز، وسالي براون، وچامي أندروز. والكتاب صادر عن المكتبة البريطانية بلندن في إخراج أنيق يلائم ما يضمه من صور فوتوغرافية ونقوش (رسما على الخشب أو المعدن) وصور مخطوطات كتب قديمة أو قصائد وروايات وأقاصيص ومسرحيات ويوميات بخطوط مؤلفيها. ويغطي الكتاب 10 قرون من تاريخ الأدب الإنجليزي بدءا بملحمة «بيولف» الأنجلو - سكسونية مجهولة المؤلف نقلها إلى العربية الدكتور مجدي وهبه ووصولا إلى الشاعرة المعاصرة وندي كوب المولودة عام 1945، مرورا بأعلام الأدب الإنجليزي في العصور الوسطى وعصر النهضة وعصر رجوع الملكية في إنجلترا (1660) والقرن الـ19 والقرن الـ20. ويختلف الكتاب عن غيره من تواريخ الأدب الإنجليزي – وهي كثيرة – في أنه يضم صورا نادرة (من مقتنيات المتحف البريطاني) لمئات المخطوطات التي تصور مراحل تطور الفن الطباعي كما تصور مخطوطات الأدباء بأقلامهم أو مرقومة على الآلة الكاتبة، وآلاف التعديلات التي أدخلوها على مسوداتهم الأولى. وهي بهذا تتيح لنا فرصة نادرة للوقوف على المراحل التي سبقت صدور العمل الأدبي في صورته النهائية، وما مر به من مراحل، ودلالة التعديلات التي يحدثها الأدباء على اتجاه فكرهم ونوعية الأثر الذي يودون أن يخلفوه في المتلقي، سامعا أو قارئا. وتبدأ رحلة الكتاب بملحمة «بيولف» المكتوبة باللغة الأنجلو - سكسونية أو الإنجليزية القديمة وهي تختلف عن الإنجليزية المعاصرة بحيث تكاد تكون لغة مغايرة تحتاج إلى تعلمها مثلما يتعلم المرء لغة أجنبية نحو القرن الـ10 الميلادي. على أن بدايات تكوين القصيدة ربما كانت أقدم من ذلك: فهي قد بدأت في صورة روايات شفهية في القرن السابع، وألفت على الأرجح في القرن الثامن، ولكنها لم تصلنا إلا مكتوبة بالريشة على رق رقيق (من جلد العجل أو الجدي أو الحمل بعد إعداده للكتابة) من القرن الـ10. وربما كان المراد بها أن تلقي على السامعين بمصاحبة قيثار. والملحمة تروي قصة بيولف وهو بطل إسكندنافي محارب من القرن الخامس أو السادس خلص مملكة الدنمارك من وحش بحري مخيف يسمى جرندل، وقصة أم جرندل التي سعت إلى الانتقام من بيولف لقتله ابنها. ويحكم بيولف المملكة في سلام لمدة 50 سنة إلى أن يقبل عليها تنين يهاجم المملكة فيتصدى له بيولف، وقد علت به السن هذه المرة. ورغم أنه يتمكن من قتل التنين، بمعاونة أحد رعاياه المخلصين، فإنه يصاب بجروح قاتلة في نزاله معه. وتنتهي الملحمة – على نحو جليل – بمراسيم جنائزية لحرق جثة البطل، ونبوءة بأن كارثة ستحيق بمملكته من بعده. وينتهي الكتاب بنبذة عن الشاعرة وندي كوب مع صورة فوتوغرافية لها وصورة مخطوط قصيدة بخط يدها. وكوب واحدة من أحب شواعر بريطانيا المعاصرات إلى الجمهور القارئ، ودواوينها من أكثر الكتب مبيعا وذلك منذ نجح ديوانها الأول الصادر عام 1986 وعنوانه «صنع كاكاو لكنجزلي إيمس». إن كتابتها تتميز بنزاهة وجدانية وعين لا تنكص عن ملاحظة تفصيلات الحياة اليومية وما قد تزخر به من سخافات تبعث على الضحك أو توترات تبعث على القلق، خصوصا في مجال العلاقات العاطفية. وفي عام 1998 أمل الكثيرون أن تخلف الشاعر تد هيوز في منصب «أمير الشعراء» ولكن شاعرا آخر – هو آندرو موشن – فاز بدلا منها بالمنصب. ورغم اختلاف النقاد أحيانا حول قيمة عملها فإن الرأي منعقد عموما على أنها صوت شعري أصيل ذو دلالة. وقد وصفت – لاهتمامها بحياة الإنسان العادي – بأنها خليفة الشاعر فيليب لاركن. وإلي جانب براعتها التقنية يمتد خيط من النزعة النسوية في عملها، خصوصا حين تكتب محاكيات ساخرة لشعراء رجال من قامة ت.س.إليوت وتد هيوز وشيماس هيني. وقد ولدت كوب في مقاطعة كنت، ودرست التاريخ بجامعة أكسفورد، واشتغلت قرابة 20 عاما مدرسة في مدرسة ابتدائية بلندن قبل أن تقرر هجر الوظيفة والتفرغ للكتابة. وتشمل دواوينها «شواغل جدية» (1992) «إذا كنت لا أعرف» (2001) «علاجات الحب» (2008) «قيم عائلية» (2011). كذلك كتبت عدة أعمال للأطفال. وفيما بين هذين المعلمين – ملحمة بيولف وقصائد كوب – يتحرك بنا الكتاب بين أعلام الأدب الإنجليزي في شتى عصوره: تشوسر وشكسبير وملتون وسويفت وبوب ودفو ورتشاردسون وصمويل جونسون وبليك ووردزورث وكولردج وشلي وبايرون وكيتس وسكوت وجين أوستن والأخوات برونتي ودكنز وتنسون وبراوننج وجورج إليوت وهاردي وكونراد وإليوت وجويس ورجينيا ولف وييتس وبرنارد شو ولاركن وأودن وبنتر وستوبارد وغيرهم. إنه تاريخ حافل بالإبداعات الخلاقة، والخيال المحلق، والواقعية الصادقة، والمغامرات التقنية، والسعي المتواصل إلى ارتياد آفاق جديدة في الذات والمجتمع على السواء. والأمر اللافت للنظر – عند تصفح مخطوطات هؤلاء الأدباء – هو مقدار العناء الذي كانوا يتكبدونه في الكتابة كي تخرج على أحسن نحو ممكن. إننا كثيرا ما نظن أن الشعراء الرومانتيكيين – بخاصة – كانوا يكتبون من وحي البديهة، دون تدبر، مثلما يغرد الطير. ولكن مخطوطات بليك وكيتس وسائر الرومانتيكيين تكذب هذا الظن، وتكشف عن مدى الوعي النقدي الذي كانوا يتحلون به. إننا نجد هنا مثلا صورة من مخطوط كيتس لملحمته التي تركها ناقصة «هايپريونى» فإذا بها تكاد تتمزق من فرط كثرة ما أدخله عليها من إضافات وتعديلات وحذوف. وكيتس الذي صنع هذا هو ذاته القائل: «إذا لم يواتك الشعر بطريقة طبيعية مثل الأوراق للشجرة، فمن الخير ألا يواتيك أساسا». والدرس المستفاد هو أن الشعر إلهام وصنعة معا، ربما كان نصيب الجهد الواعي فيه أكبر من نصيب الوحي التلقائي. لم يكن الشاعر الرمزي الفرنسي بول فاليري مخطئا حين قال: إن «الإلهام يجود علينا بالبيت الأول من القصيدة، ولكن علينا نحن أن نتم بقية القصيدة».

    0 0

    «في أي عام ستتجاوز الصين الولايات المتحدة الأميركية وتعلن نفسها القوة الأعظم في العالم؟!» هذا السؤال الشهير الذي يطرحه بشكل متكرر عدد كبير من الصحافيين والمؤلفين في أوروبا والولايات المتحدة يعلن بشكل صريح أن التنافس الصيني الأميركي انتهى عمليا والمسألة كلها فقط مسألة وقت حتى يتحقق ذلك رسميا. بعضهم حدد عاما معينا لانهيار العملاق الأميركي وسيكون في عام 2016 أو ربما عام 2026، وبعضهم يجزم بأن الانهيار وقع فعلا عام 2004. الصحافي والكاتب جوزف جوف نشر كتابا كاملا يرد على مثل هذه التنبؤات بعنوان يشي بمضمون الكتاب «أسطورة الانهيار الأميركي». هدف جوف من الكتاب هو تفنيد منطق هذه الموجة الصاعدة التي يقودها كتاب مشاهير ومعاهد بحوث ودراسات تروج باستمرار لنبوءة الانهيار. هناك رسالتان رئيستان للكتاب. الأولى: الانهيار مجرد وهم، فجوف يخبرنا أن قصة الانهيار الأميركي الوشيك أمام قوى أخرى ليست جديدة، بل تتكرر باستمرار مع كل قوة دولية منافسة وصاعدة. حدث ذلك سابقا مع الاتحاد السوفياتي. دب الذعر في قلوب الأميركيين مع إطلاق الاتحاد السوفياتي القمر الصناعي سبوتنك 1 عام 1957. انتشرت حينها في الصحافة قصص الانهيار القريب. هناك من تنبأ أن الاقتصاد الروسي سيتجاوز الاقتصاد الأميركي بشكل أسرع من المتوقع، وستعلن أميركا الهزيمة المذلة أمام تصاعد قوة الصواريخ الروسية. الأستاذ اللامع في جامعة هارفارد هنري كيسنجر كتب حينها: «خداع النفس هو فقط ما سيمنعنا من أن نعترف لأنفسنا بأننا ننهار». قصة الهزيمة الأميركية المؤكدة أمام الاتحاد السوفياتي ثبت أنها مجرد أسطورة. الذي انهار هو الاتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة أصبحت بعدها الدولة الأقوى في العالم. لكن قصة الانهيار تعود مرة أخرى، وهذه المرة مع اليابان. الاقتصاد الياباني الصاعد الذي بدا حينها أنه ينمو بلا توقف ولا شيء قادرا على تعطيله، أعاد من جديد أوهام الهزيمة وتخيلات الانهيار المحتوم. أحد المؤلفين نشر كتابا يعلن فيه بشكل صريح أن اليابان هي القوة الأعظم في العالم وأن التنافس معها انتهى على أرض الواقع. انهالت بعدها المدائح على ثقافة اليابانيين ونظامهم السياسي والاقتصادي. اليابانيون يعملون بلا توقف ويوفرون المال ولا يبذرونه كالأميركيين. لديهم نظام بيروقراطي أنجع واقتصادهم أفضل في التصنيع والعملية السياسية توافقية ولا تميل للاستقطاب الآيديولوجي. لحظة المجد الياباني أشعت مع صعود مؤشر سوق الأسهم الياباني نيكي عام 1989 إلى 39000 نقطة قبل أن ينهار بشكل سريع ليعلن توقف النمو وبداية ركود الاقتصاد الياباني إلى اليوم. العملاق الياباني الذي سيتسيد العالم ويهزم الولايات المتحدة بالضربة القاضية أصبح حكاية من الماضي. لكن القصة ذاتها تعود هذه الأيام مع الصين. يقول المؤلف إن التنبؤات والخيالات المختلقة هي ذاتها تعود مرة أخرى. يذكر أحد الكتاب أن الصين تخيف المخيلة الأميركية بسبب حجمها الكبير. الأميركيون التي تبهرهم الأشياء الكبيرة من وجبة الهامبورغور كبيرة الحجم إلى السيارات الضخمة إلى المولات المبهرجة. الصين الضخمة اقتحمت العقل الأميركي من نقطة الضعف والانجذاب هذه. الكاتب لديه الكثير من الأسباب التي تدعم وجهة نظره. الضخامة الصينية المخيفة تخبئ داخلها الكثير من العيوب الخطيرة. أولا، النمو الصيني لا يمكن أن يستمر على هذه الوتيرة للأبد. بل سيصاب بالتباطؤ، وهذا بالفعل ما بدأ يحدث في الأعوام الأخيرة. يقول الكاتب إنه يجب عدم الخلط بين النمو السريع لدول صاعدة تبدأ من الصفر والوهم القائل إن ذلك لن يتوقف أو يتراجع في المستقبل. مع زيادة أجور العمال من المؤكد أن هذه القوة ستضعف. ثانيا، الصين عاجزة عن خلق سوق للاختراعات التقنية كما يحدث في الولايات المتحدة التي تقود العالم في هذا المجال، والدليل على ذلك شركات مثل غوغل وأبل وغيرهما. ثالثا، التغيرات الديموغرافية لن تكون في صالحها. مع حلول عام 2035 ستكون النسبة الأكبر من الشعب الصيني فوق عمر الـ65. رابعا، الولايات المتحدة تجتذب عددا أكبر من المهاجرين من بينهم الصينيون أنفسهم الذي يقررون العيش فيها. هذا يعني نسبة أكبر من الشباب ومزيدا من الطاقة والأفكار الخلاقة. خامسا، التعليم الأميركي متفوق بمراحل على التعليم في الصين. من بين الجامعات العشرين الأقوى في العالم هناك سبع عشرة جامعة أميركية. الصينيون يبعثون أولادهم للدراسة في الجامعات الأميركية القوية ويقرر ما نسبته 92 ممن يحصلون على شهادة الدكتوراه في الهندسة والعلوم المكوث فيها لمدة تقارب الخمسة أعوام. سادسا، القوة العسكرية الأميركية لا تقارن بالقوة العسكرية الصينية. في الوقت الذي تصرف فيه الولايات المتحدة على تسليحها العسكري ما يقارب 692 مليار دولار سنويا، تخصص الصين 100 مليار فقط. سابعا، النظام السياسي الصيني المحكوم بالحزب الواحد غير مستقر. حدوث ثورات واضطرابات أمر محتمل، هذا على العكس من النظام الأميركي الديمقراطي المستقر منذ عقود طويلة والذي لا تهدده أي قلاقل وأزمات. لكل هذه الأسباب المثبتة بالأرقام وغيرها يعيد الكاتب التأكيد مرة بعد أخرى أن الحديث عن تجاوز الصين للولايات المتحدة هو أمر غير واقعي، ولكن مجرد موضة أصدرها مجموعة من الشخصيات «الانهزامية» كما يسميها. ولكن نقاد الكتاب ومؤلفه يقولون إنه أيضا تجاهل حقائق هامة قد تتسبب فعلا في انهيار أميركي وشيك. منها أنه لم يتطرق للأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت الولايات المتحدة، ولم يتناول الصراع الآيديولوجي بين الديمقراطيين والجمهوريين الذي يعطل الكثير من المشاريع الاقتصادية الحيوية، كما أنه لم يشر إلى تزايد تفاوت معدلات الدخل في المجتمع الأميركي بين الأثرياء والفقراء وتضرر الطبقة الوسطى في السنوات الأخيرة. كل تلك مؤشرات على ضعف وإنهاك لا يبدو أنها ستحل على المدى المنظور. لا يبدو أن جوف يرى في من أي من تلك الانتقادات الواردة مسببات جوهرية لتراجع الولايات المتحدة. بل يؤكد أن هناك سببا واحدا قد يحقق نبوءات الانهيار والسقوط. وهنا تكمن الرسالة الأساسية الثانية في كتابه وهي: البلد الوحيد الذي سيدفع أميركا للانهيار هو أميركا نفسها. إذا صدقت أساطير الانهيار والهزيمة.

    0 0

    رفعت يدي مع خمسة آخرين بينهم بنتان. كانت المدرسة مختلطة. سجل أسماءنا، وبعد انتهاء الدرس قادنا إلى غرفة المعلمين. لم تكن هناك مكتبة، بل خزانة صغيرة مزججة تقفل بمسمار. أخرج منها مجموعة كتب ملونة ووزعها علينا. كان من نصيبي قصة «الأميرة والثعبان». في الليل قرأتها خلسة متعجلا على ضوء خافت رجراج ينبعث من فانوس قديم قبل أن تطفئه أمي وتمتلئ الغرفة الطينية برائحة احتراق فتيلته المتآكلة. «الأميرة والثعبان» هي قصة الأطفال الوحيدة التي قرأتها آنذاك، فالاهتمام بالكتب والمجلات والأقلام يعد ترفا بنظر أسرتي المعدمة. كانت أي هواية تتجاوز المنهاج المدرسي تثير غضب الآباء وقسوتهم، فهم يعتبرون ذلك لهوا ينسينا أداء واجباتنا الأساسية. ما كان يشغلهم هو أن ننجح ونكبر بسرعة لندخل سوق العمل كي نساعدهم على تحمل أعباء الحياة القاسية، لذلك انقطعت عن قراءة القصص لكني لم أنقطع عن الاستماع إلى حكايات النسوة المسنات في الجوار، اللائي كن يزرن والدتي كل ليلة بعد العشاء. كانت وجوههن مزينة بالوشم، وفي أيديهن المعروقة المتيبسة تلتمع فصوص الخواتم. بعد انتقالنا إلى مدينة الثورة (الصدر حاليا) شرق بغداد أوائل الستينات عدت إلى القراءة. كان لي صديق يخدم شقيقه نائب العريف في وحدة خارج العاصمة، تعرفت إليه في إحدى إجازاته. كان يتكلم كحكيم وكانت عيناه تتوقدان ذكاء. حدثنا بطلاقة العارف (هكذا خيل إلي يومذاك) عن العقاد وطه حسين وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ والجواهري والزهاوي. أعارني رواية اسمها «لقيطة» لمحمد عبد الحليم عبد الله. وعندما أعدتها إليه أعطاني مجموعة من الكتب أذكر منها «شجرة اللبلاب»، و«ماجدولين»، و«تحت ظلال الزيزفون»، و«دعاء الكروان». استعذبت عوالم تلك الكتب وأخذت تشغلني الحكايات الجديدة التي لا تشبه حكايات النسوة المسنات، بل حكايات واقعية تحدث في الشارع والمقهى وفي الطريق إلى المدرسة المتوسطة. عصر يوم جمعة عثرت على فتى يبيع الكتب المستعملة قرب محل جقماقجي لتسجيل الأسطوانات في شارع الرشيد (الآن لم يعد ذلك المحل الزاهي سوى أطلال تثير الفزع والحنين). لم أنتبه إلى الفتى، كنت منصرفا إلى تصفح الكتب الكثيرة المفروشة على الرصيف والمعلقة على جدار الشارع حائرا في الاختيار. تقدم مني، سلم علي وحياني باسمي وقال إنه يعرفني لأنه يسكن قريبا من بيت خالتي التي كنت أزورها باستمرار. ألقى نظرات سريعة على الرصيف والتقط رواية عنوانها «بائعة الخبز»، قال وهو يعرضها علي: «لا تشترِها، اقرأها ورجعها وسأعطيك غيرها». رحت أمرّ عليه أيام الجمع والعطلات فقرأت روايات: «عمال البحر»، «أحدب نوتردام»، «الزنبقة السوداء»، «كوخ العم توم»، و«الآمال الكبيرة». لن أنسى تلك الخدمة الجليلة التي وفرها لي ذلك الكتبي الصغير الذي تضوع منه رائحة الورق. في تلك الأيام كنت أحبو في طريق التأليف، كتبت محاولة قصصية، حكاية عن جندي، وأعطيتها، كعادة الطلبة، إلى مدرس اللغة العربية في ثانوية قتيبة الأستاذ خليل بنيان كي يفحصها لي. وإذ أثنى على ما كتبت أوصاني بالقراءة الجادة، القراءة بلا انقطاع. وبعد أيام قال لي وهو يضع كتابا أمامي: «اقرأ هذا قبل أن تكتب». كان ذلك الكتاب مجموعة قصصية ليوسف إدريس عنوانها «النداهة». انبهرت بها، بأدائها وبعمقها، يومها لم أكن مطلعا على النتاج القصصي العراقي. واستجابة لنصيحة أستاذي قررت أن لا أكتب حتى تنضج أدواتي الفنية. مرة ذهبت إلى المكتبة المركزية في الباب المعظم بقصد استعارة بعض الكتب فرفضوا إعارتي. وبين جدران الكتب والمخطوطات لمحت شخصا أعرفه منذ أيام الدراسة الابتدائية. كان يعمل هناك. أكد أنه لا يحق لي سوى المطالعة داخل المكتبة المركزية لأني من طلاب الجامعة المستنصرية ولست من طلاب جامعة بغداد. لكنه وجد حلا مذهلا، هو أن يستعير الكتب التي أريدها باسمه. وبدأ يعطيني كل خمسة كتب دفعة واحدة مع التوصية، كل مرة، بالحفاظ عليها من التلف أو الضياع لأنه سيدفع غرامة على ذلك. إني أتذكر، بكل الحب والاحترام، جميع أولئك الذين جعلوا من الكتاب رفيقا دائما لي، والذين ساعدوني على الطيران بأجنحة غضة. * قاص وروائي عراقي له: «حقول دائمة الخضرة» و«خلف السدة» و«دروب الفقدان».

    0 0

    هل يمكن القول إن في الشعر لغة طفولية، ولغة شبابية، ولغة كهولة؟ في الشعر العمودي لا يظهر الفارق بين لغة شاب أو كهل، لأن المعاني محصورة في قواعد وأوزان يلتزمها جميع الشعراء، خصوصا إذا كانت مواضيع الشعر عامة، كالحرية والوطنية والحرب والسلم وما شابه، إلا إذا كان الغزل موضوع القصيدة، وتخلله وصف لشفتي الحبيبة وشعرها ونهديها، عندئذ ندرك أن الناظم شاب، أو حالة نادرة لعجوز متصابٍ يبكي على الأطلال! في الشعر الحديث، سواء منه قصيدة النثر أو قصيدة التفعيلة، تبدو «روح الشباب» أكثر جلاء، على الرغم مما في هذا الشعر من غموض، يفوق إلى حد بعيد مثيله في الشعر التقليدي الموزون. نلاحظ ذلك في طبيعة اللغة، وطبيعة المواضيع التي تعكس هواجس الشاعر، ونظرته إلى الحياة والإنسان والوجود، وما يكتنفها من شغف وتمرد وقلق وضياع وتوتر. هناك شعراء كأدونيس، يعدون الغموض من ضرورات الشعر. ليس واضحا إلى أي حد يصح هذا القول، لأن الشعر الحديث، الغامض منه بنوع خاص، صار هو الآخر كالحرية التي قال فولتير، إن جرائم كثيرة تُرتكب باسمها! لا يمكن لأي كاتب أو شاعر أن يحتكر الحقيقة في وصفه ماهية الأدب، وكيف يجب أن يكون. الحياة الأدبية في تجدد دائم، ومعارك ضارية بين أنصار القديم وأنصار الجديد، وفي رده على أديب اصطنع الغموض في وصف الحب كتب طه حسين: «إن كثيرا من القراء سيشعرون حين يقرأون رسالته بشيء من الغموض، وبأنهم أمام أشياء لا يشعرون بها ولا يحسونها، لا لأن الله قد اختص بها الكاتب وحده، فكثير من الناس يحب، ولكن لأن الكاتب قد اتخذ في وصف الحب أسلوبا لا يلائم ما ألفه الناس حين يحبون». ليس القراء العاديون من البلادة إلى حد لا يفهمون ما يعنيه شاعر مثل أدونيس، حين يقول إن الغموض من ضرورات الشعر. في الحياة والطبيعة صور، منها الظاهر ومنها الخفي، ومهمة الشاعر أن يصور المخفي منها بلغة يفهمها الناس، أو بعضهم في أقل تقدير. كثير من القراء العرب العاديين، يفهمون قصص نجيب محفوظ التي تصور دقائق النفس البشرية، أكثر مما يفهمون ما يكتبه شعراء الحداثة، على الرغم من الفارق بين القصيدة والرواية، كما يفهمون شعر المتنبي وأدب طه الحسين أكثر مما يفهمون الشعر الحديث، ما يجعلنا نتساءل: هل أدونيس، وشعراء الحداثة، أعظم قدرا من المتنبي وطه حسين ونجيب محفوظ، لأنهم اصطنعوا الغموض فيما يكتبون؟! أتحدث هنا كقارئ عادي، وأقول إن الشعر الراقي، والأدب الراقي، مسألة تتصل بالذوق الفني، وجمال اللغة، وصحة المعاني، وأسلوب الكتابة، أكثر مما تتصل بأي بشيء آخر، سواء كان الشعر جليا أو رمزيا. أختار من بين من قرأت لهم ستة شعراء من لبنان؛ ربيع شلهوب في كتابه «كيف ستنجو أيها العابر؟» ومحمد ناصر الدين في «ركلة في قرية النمل»، ومكرم غصوب في «نشيد العدم»، ورامي كنعان في «مشاع الجسد»، وريتا باروتا في كتابها «مفردة»، وزهرة مروة في «جنة جاهزة». الكتب حديثة العهد، باستثناء «جنة جاهزة» الذي مضى على صدوره عام. قصائد الكتب كلها معاناة، يكتنفها التساؤل والتأمل والوجع والأنين. في بعضها مناجاة للحبيبة، أو محاكاة فلسفية لعالم سرمدي أزلي، يريد الشاعر الوصول إليه، بعيدا عن أزمنة أرضية موجعة من تسلسل المآسي، وتعاقب الخطوب والمحن. كل ضروب النقد وجام الغضب يمكن صبها على هذه القصائد من حيث الشكل والمضمون والتلاعب العبثي بأصول الكلام، لكن فيها قدر من الصدق، المتوالد من رحم الضياع والوحدة والغربة النفسية، يحسه القارئ، حتى لو وجد نفسه عاجزا عن القبض على كل معاني الشاعر ورؤيته. في كتابه «كيف ستنجو أيها العابر؟» يلجأ ربيع شلهوب إلى التفعيلة، فتبدو معانيه الكثيفة المعقدة وكأنها خارجة من مخاض الولادة لترتمي في حضن القافية. لا أدري إذا كان هذا الشاعر الذي يدرس الفلسفة راضيا عن هذا الخضوع الذي فرضه على نفسه. مع ذلك تبدو روحه وثّابة في كثير من المواقع، وتأبى أن تضع حدودا لانطلاقها. يشعرك وأنت تقرأه، أنه أنفق كثيرا من الجهد في صياغة قصيدته ليلتزم قاعدة الشعر، فيوفق حينا، وأحيانا يجيء الالتزام على حساب السجية والعفوية. لا يختلف محمد ناصر الدين عن ربيع شلهوب كثيرا، إذ يبدو التعقيد ظاهرا من أول صفحة في الكتاب إلى آخر صفحة فيه، لكنه يشاركه التعبير الحميم. تتميز بعض قصائد الشاعر بترديد المفردات، لكنه ترديد سلس، نلمسه في غير مكان من الكتاب، خصوصا في قصيدته «جرة بورخيس» و«المرأة والمهرج»، أو حين يلجأ إلى التضاد، كما في قصيدة «أرملتان». ويبدو رامي كنعان أكثر «مباشرة» من الشعراء الخمسة، وأكثرهم إدراكا لما يريد أن يقول، لكن لغته أقل رصانة من لغاتهم، وأقل توترا أيضا. تقرأه فتحس أن في نفسه نوازع كثيرة من خلفيات ثقافية مختلفة. لقد حدد الأماكن التي كتب فيها القصائد وكلها في بيروت، كأنه يريد أن يخبر القارئ، بأنه لا يتكلف القريض، وأنه ليس من طينة الشعراء الذين يكتبون وهم قابعون في مكان واحد، وأن شياطين الشعر تطارده أينما حل في أزقة المدينة وبين دروبها. مهما يكون، في شعره قدر من الصدق والوجع الأصيل. لكن أكرم غصوب يتفرد عن الشعراء الباقين بسهولة المعاني، أو لنقل إن اللغة عنده أقل تعقيدا، على الرغم من غرابة العنوان. يبدو غصوب هنا شاعر «الماوراء» بامتياز، شاعر اللاوجود والعدم، شاعر الصمت والحيرة، يستلهم أنفاس الدهور ويصبها في لغة شجية. قصائده آسرة على الرغم من وعورة المسالك. في بعضها مناجاة كونية لاذعة، وفي بعضها الآخر مناجاة حزينة رائعة. أما في قصائد زهرة مروة، فليس في قصائدها ذلك النفس الشعري القوي، لكن جماله في بساطته. شعرها يشبه الحكايات أكثر مما هو قصائد. وهو نثر شعري أكثر مما هو شعر منثور. في كلماتها طفولة وأنوثة يانعة، وخيالات صبية ضائعة، لا تعبأ بأي شيء جدي وتريد أن تعيش على مزاجها ومزاجها خاص جدا. تركض وراء أحلامها وأوهامها، وفي بعض قصائدها شيء من التحدي المتوتر. بعكس زهرة مروة، تلجأ ريتا باروتا في كتابها «مفردة» إلى غموض كثيف. أعترف بأنني لم أفهم معظم قصائد الكتاب. حاولت مرات ومرات دون جدوى. وقد وجدت كتابها من أصعب الكتب. الغريب أن القارئ يحس أن في القصائد شعرا، حتى لو وجد نفسه عاجزا عن اللحاق بمقاصد الشاعرة. بعض المقاطع أتعبتني، أختار منها واحدا عنوانه «مناجاة»: قررت أن أشربك تفلا عل حلقي يستكين وأختار كمثال آخر قصيدة ثانية عنوانها «عندما قلت نعم» وفيها تقول: عاهدت الرياق على عبق الحائط عاهدت الأشياء أن لا تقع عاهدت اللون أن يصاغ لهاثا من أجل رشفة طين وسؤال ليس من حق أي قارئ أن يسفِّه كلاما لا يفهمه، خصوصا إذا كان كلام شاعر. النقد ضروري ساعة يفهم الناقد ما يقرأ، عند ذلك من حقه أن يكتب ما يشاء. أجد نفسي أضعف من أقول رأيي في كتاب ريتا باروتا. ليس العيب هنا في الشعر، فكثير من كتب النثر يملأه الغموض. أعود إلى كتب الشعراء الستة، فأقول إن قصائدهم قد لا تروق من لا يريد أن يرى الشعر إلا ذكرى وعاطفة، كما قال شوقي، لكنها بعيدة عن أن تكون تقطيعا وأوزانا. والأمر الذي لا شك فيه، أن هؤلاء الشباب ينتمون إلى مناخ جديد غير معهود، حتى بالقياس إلى مجلة «شعر» وأعمال أركانها الكبار؛ يوسف الخال، فؤاد رفقه، بدر شاكر السياب، أدونيس، أنسي الحاج، ومحمد الماغوط، وغيرهم، الذين ربما صاروا «قدماء» في نظر الشعراء الشباب، وفي نظر كثير من القراء. قد نأخذ على هؤلاء الشعراء إفراطهم في الرمزية، وغرابة تعابيرهم وصعوبة معانيها، لكن عندهم ما يريدون قوله بالتأكيد، بغض النظر عن رأينا فيهم، وعما إذا استغلق شعرهم على فهم غالبية القراء. مهما يكن الأمر، على هؤلاء الشباب أن لا يتوقفوا عن العمل، لمجرد أن أصحاب المدارس التقليدية أعلنوا الحرب عليهم وشرعوا الحراب في وجوههم. عليهم أن يواجهوا التحدي ويخرجوا من ذواتهم ما يشعرون، وما يختلج في صدورهم من صور وأفكار وإيحاءات وخيالات، وعليهم في الوقت نفسه أن يتذكروا حقائق لا شك أنهم اختبروها بأنفسهم. الحقيقة الأولى تتصل باللغة، التي يجب أن يعتنوا بصرفها ونحوها ومفرداتها، ليتجنبوا اللحن والركاكة. الحقيقة الثانية أن أكثر الشعراء منهم شهرة، لن يتمكن من بيع ألف نسخة من كتاب يذيعه في الناس، وإذا اتفق أن وصل المبيع إلى هذا الرقم، فذلك من باب «جبر الخاطر» أو «العلاقات العامة»، ولا علاقة له ألبتة بذلك الشغف الحميم، والسعي الجميل إلى اقتناء الكتاب، والتلذذ بما فيه من شعر! هذا يعني أنه إذا أراد الشاعر لشعره أن ينتشر، فعليه أن يكتب لغة يفهمها معظم الناس، لا أحاجي لا يفهمها إلا هو. الحقيقة الثالثة أن هناك فرقا بين الرمز واللغز، وإفراط الشاعر في اصطناع الغموض يشكل «قطيعة» بينه وبين القراء، وجناية عليه وعلى القراء، لأن الشاعر لا يكتب لنفسه فقط، وإنما يكتب للناس أيضا. وعليه أن لا يكون «أنانيا» يحتفظ لنفسه بالمعنى المقصود، ويترك قراءه في دهاليز لا أول لها ولا آخر، وإلا فإن قصائده تصبح كالطلاسم «لا هي بالعربية فتُفهم، ولا هي بالإفرنجية فتُترجم» على حد قول أحد أدباء المهجر. لا شك أن في قصائد النثر العصية قدرا كبيرا من الجمال، لكن الغموض يحجبه عن قارئ عادي مثلي، مما يجعلني ويجعل آخرين من أمثالي يتساءلون: هل حقا سيبقى هذا الشعر ويخلد، كما بقي وخلد كثير من الشعر الموزون، ومنه الذي مر عليه ألف سنة وأكثر؟ الجواب على هذا التساؤل يردنا من جديد إلى موضوع الغموض وضرورته وكثافته، وهو موضوع أرى أن باب الفصل فيه سيبقى مفتوحا على مصراعيه.. وسيبقى إلى زمن طويل.

    0 0

    يعتبر البروفسور برنار كوتريه أحد كبار المختصين في شؤون الإصلاح الديني الأوروبي. وهو بالأصل أستاذ في جامعة فرساي وعضو شرف في المعهد الجامعي لفرنسا. وهو هنا يقدم كتابا ضخما عن الإصلاح الديني بنسخه الثلاثة الألمانية والفرنسية والإنجليزية. ومعلوم أن هذا الإصلاح شكل الحدث الأبرز في تاريخ أوروبا إبان القرن السادس عشر، بالإضافة إلى عصر النهضة بطبيعة الحال. وهما مترابطان. ويرى المؤلف أن هذا الإصلاح الديني هو الذي شكل هوية أوروبا الحديثة عندما قضى على عهد الإمبراطورية المسيحية القديمة التي سادت العصور الوسطى وفتح الباب أمام تشكل النزعات القومية من ألمانية، وإنجليزية، وفرنسية، إلخ. فقبل ذلك كان الجميع ينتسبون إلى العالم المسيحي ولا يتمايزون عن بعضهم البعض إلا قليلا. كان الدين هو المهيمن وهو الذي يشكل هوية الإنسان الأوروبي قبل أي شيء آخر. كان يكفي أن تكون مسيحيا لكي تنعم بكل الحقوق. ولكن الويل كل الويل لأتباع الأديان الأخرى أو حتى «للزنادقة» المسيحيين أو المعتبرين كذلك من قبل بابا روما والفاتيكان. فقد كانوا مضطهدين قبل اندلاع حركة الإصلاح الديني بزمن طويل. ويقال إن مقاتلي الفاتيكان هاجموا في إحدى المرات مدينة بيزييه جنوب فرنسا المعتبر بأنها مليئة بالهراطقة فسأل الجنود السفير البابوي أو القاصد الرسولي: كيف يمكن أن نميز فيهم بين الزنديق وغير الزنديق فلا نقتله فأجابهم: «اقتلوهم جميعا عن بكرة أبيهم فالله يتعرف على عباده الصالحين». فذهبت مثلا. وبعد أن اجتاحوا المدينة كتب السفير إلى قداسة البابا يعلن فرحته الظافرة: «لم يوفر مجاهدونا أحدا منهم لا امرأة ولا رجلا ولا طفلا. لقد مزقنا أعداءنا الكفار إربا إربا حتى سقط منهم ما لا يقل عن عشرين ألف شخص بحد السيف. حقا إن الانتقام الإلهي روعة الروائع!». هذه هي العقلية اللاهوتية التي سادت العصور الوسطى إبان الهيمنة المطلقة للظلامية المسيحية. كان التكفير والإكراه في الدين سائدين في تلك العصور. لحسن الحظ فإن الأمور تغيرت كثيرا الآن. ولم يعد الفاتيكان يكفر أحدا وأصبح البابا ذا وجه إنساني مشرق ومتسامح مع الجميع. ومعلوم أن مجمع الفاتيكان الثاني اعترف بالإسلام وأعلن احترامه للمسلمين ودعا إلى طي صفحة الماضي الأليمة وفتح صفحة جديدة مختلفة. بل وفتح الفاتيكان مكتبا لمحاورة «غير المؤمنين» أو غير المتدينين لكي نكون أكثر دقة. لكن لنعد إلى صلب موضوعنا. قلنا إنه بعد اندلاع الإصلاح الديني أصبح الألماني يشعر بأنه ألماني أيضا وليس فقط مسيحيا. ومن الذي أشعره بذلك؟ إنه زعيم الإصلاح الديني الأكبر: مارتن لوثر. فهذا الرجل الذي أعلن العصيان على روما واتهم البابا باستغلال الدين لأغراض شخصية وانتهازية هو الذي أيقظ الألمان من سباتهم العميق وأشعرهم بهويتهم وشخصيتهم التاريخية. والواقع أن البابا كان يستغل الشعب الألماني ماديا، بل ويضحك عليه إذا جاز التعبير. كيف؟ عن طريق اللعب على وتر العاطفة الدينية المسيحية وإقناعه بالبقاء في حضن الكنيسة من أجل ابتزازه وسحب عشرات الملايين منه سنويا وبناء القصور في روما للكرادلة والمطارنة وبقية رجال الدين الأثرياء الفاسدين في قسم كبير منهم. ثم جاء لوثر وقال للألمان: «هذا البابا يضحك عليكم منذ مئات السنين ويمص دمكم باسم الدين والإيمان وهو يعيش حياة البذخ والفسق والفجور التي نهى عنها المسيح. كفى غباء واتباعا للبابا والفاتيكان. هؤلاء الناس خرجوا على الدين وأفسدوه ولم تعد طاعتهم واجبة أبدا». ثم شن لوثر هجوما صاعقا على صكوك الغفران التي كان الفاتيكان يبيعها للشعب الفقير الجاهل، موهما إياه بأنها ستدخله الجنة إذا ما اشتراها. كلما دفع أكثر طلعت روحه نحو السماء أكثر! بل ويمكن أن تشتريها لآبائك وأجدادك الذين ماتوا والذين تخشى عليهم من دخول جهنم. ادفع عن أرواحهم يدخلون الجنة فورا. إنها مهزلة ما بعدها مهزلة. ولكن الشعب كان يصدقها لأن أخشى ما يخشاه أن يدخل النار. وكان البابا يرسل رجالاته إلى كل أنحاء ألمانيا لبيع هذه الصكوك السخيفة التي لا علاقة لها بالإيمان ولا بالدين الصحيح من أجل جبي الضرائب «المقدسة» والأموال الطائلة. لقد أصبح الإيمان يشترى بالفلوس. وحتى لو كنت من أحقر الناس فإنهم يعطونك صكوك الغفران وتدخل الجنة بشرط أن تدفع! عندئذ جن جنون لوثر وانفجر بثورته العارمة وهز الفاتيكان هزا لا يخشى في الحق لومة لائم. ثم قال: «أنتم لستم بحاجة لهم لكي تفهموا دينكم ولكي تفسروا الكتاب المقدس. فالله وهب لكم العقول لكي تشغلوها لا لكي تلغوها. المؤمن له علاقة مباشرة مع ربه وليس بحاجة إلى وسيط. ولا فضل لمؤمن على آخر إلا بالطهارة والنقاء والسلوك المستقيم. لقد انتهى عهد الوسطاء والسماسرة الذين يتاجرون بالدين ويزيدون الشعب جهلا على جهل وفقرا على فقر». ثم قام لوثر بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية. ومعلوم أنه قبل ذلك كان يقرأ باللاتينية فقط: أي باللغة المقدسة للكنيسة. وهي التي كانت تحتقر لغات الشعب من إنجليزية أو ألمانية أو فرنسية وتعتبرها لهجات سوقية عامية مبتذلة لا تصلح للكتابة والقراءة. لقد تجرأ لوثر على ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة «عامية سوقية»، مؤسسا بذلك اللغة الألمانية بالمعنى المتعارف عليه اليوم وموحدا للهجاتها. وبالتالي فلوثر ليس فقط زعيم الإصلاح الديني وإنما هو أيضا مؤسس النزعة القومية الألمانية بل واللغة الألمانية أيضا. ولهذا السبب فإن الألمان يعتبرونه أعظم شخصية في تاريخهم. ثم كسر لوثر قانونا آخر من قوانين البابوية، ألا وهو عزوبية رجال الدين. فراح يتزوج امرأة جميلة كانت راهبة سابقا ويقول للمسيحيين الألمان: إن الله لم يفرض علينا العزوبية مدى الدهر كما يزعم بابا روما. فرجل الدين إنسان مثله مثل بقية البشر وله غرائز يحق له إشباعها بشكل طبيعي وإلا اختلت الأمور وفسدت. وعلى هذا النحو أصبح زواج الرهبان شرعيا في المذهب البروتستانتي في حين أنه لا يزال ممنوعا في المذهب الكاثوليكي. ومعلوم أن ذلك يسبب مشكلات كثيرة بل وفضائح جنسية مخزية تتناقلها وسائل الإعلام من حين لآخر وتسبب إحراجا كبيرا للفاتيكان. وأحد المطالب الملحة حاليا والمطروحة على البابا الحالي المحترم فرانسيس هو السماح للرهبان بالزواج. ولكن هل يتجرأ على تحقيق هذا الإصلاح الخطير؟ وهذا أكبر دليل على أن لوثر سبق عصره بأربعمائة سنة. ثم انتقلت أفكاره إلى كل أنحاء أوروبا وانتشرت فيها انتشار النار في الهشيم. وعندئذ انقسمت أوروبا إلى قسمين كاثوليكي في الجنوب وبروتستانتي في الشمال. وبعدئذ اندلعت الحروب المذهبية بين الطرفين طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر. وساد القتل على الهوية في كل مكان. وحصلت مجازر طائفية مرعبة كان من أشهرها مجزرة سانت بارتيليمي، التي لا تزال ماثلة في الذاكرة الجماعية الفرنسية حتى الآن. وقد حصلت في الرابع والعشرين من شهر أغسطس (آب) عام 1572، أي قبل أربعة قرون ونصف تقريبا. وذهب ضحيتها في ليلة ليلاء كل قادة الطائفة البروتستانتية الذين غدروا في جنح الظلام وهم نائمون. ثم هاجت العصبيات الطائفية المستعرة واجتاحت آلاف الناس الآخرين من رجال ونساء وأطفال دون تمييز. وقد صفق لها بابا روما آنذاك، معتبرا أنها انتصار مبين للإيمان الصحيح على الزندقة. ولا يزال الفرنسيون يشعرون بالعار تجاه أنفسهم بسببها. إنهم، بعد أن استناروا وتحضروا، أصبحوا يعتبرونها صفحة سوداء في تاريخهم. ثم يضيف البروفسور برنار كوتريه قائلا بما معناه: «ينبغي العلم بأن زعيم الإصلاح الديني الثاني في أوروبا بعد الألماني مارتن لوثر، كان الفرنسي جان كالفن. وهو من مواليد مدينة (آميان) عاصمة منطقة البيكاردي». وبالتالي فالإصلاح الديني ذو أصل فرنسي أيضا وليس فقط ألمانيا. ومعلوم أن هذا الزعيم الديني الكبير غادر المملكة الفرنسية إلى جنيف، حيث استقر وأصبح القائد الروحي لها. ولهذا السبب فإن مدينة جنيف بسويسرا هي عاصمة البروتستانتية مثلما أن روما هي عاصمة الكاثوليكية. إنها مدينة كالفن بامتياز، ثم أصبحت لاحقا مدينة جان جاك روسو، الذي كان يوقع كل مقالاته بالعبارة الشهيرة: مواطن من جنيف! وكان صداها يرن في كل أنحاء أوروبا. وهو الذي دشن الإصلاح الثاني في المسيحية: أي التدين العقلاني المستنير. لقد نظف المسيحية من الانغلاقات والخرافات والحشويات والعصبيات الطائفية البغيضة. لقد كشف عن جوهر الدين طارحا القشور الفارغة. ومشى بذلك خطوة إضافية عملاقة بالقياس إلى لوثر وكالفن. وأدخل أوروبا، مع فلاسفة التنوير الآخرين، في الحداثة الدينية والأخلاقية والسياسية. وقدم لها العقد الاجتماعي: إنجيل الثورة الفرنسية. ومعلوم أن «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الذي أصدرته الثورة بتاريخ 26 أغسطس عام 1789 كان مستلهما من أفكاره إلى حد كبير. هكذا نلمس لمس اليد تلك العلاقة المفصلية التي تربط بين الفكر والسياسة. ثم يقولون لك: ما نفع المثقفين؟ لا سياسة عظيمة من دون فكر استباقي، تدشيني، عظيم. وعلى هذا النحو استطاعت أوروبا أن تخرج رويدا رويدا من ظلمات العصور الوسطى والتعصب الأصولي إلى أنوار الحداثة الفكرية والتسامح الديني. على هذا النحو تجاوزوا تلك المشكلة الطائفية الرهيبة التي دمرت أجيالهم وأطفأت النور في عيونهم طيلة عدة قرون!

    0 0

    «نملة القراءة».. أحببت هذا اللقب الذي أطلقه عليّ صديق لاحظ شغفي بالقراءة، وانشغالي اليومي لساعات طويلة كنت أمضيها برفقة كتاب. تذكر ذلك، أعادني إلى طفولتي وقراءتي الأولى، حين كنت في الحادية عشرة من العمر، وإلى غرفة في المخيم، كانت تفتقر إلى أي وسيلة من وسائل الراحة العادية، لكنها تفيض بالدفء والحب، وبمشاعر أمي التي كان همها الطاغي تربية أبنائها. خالتي كانت مرشدتي الأولى ودليلي الذي لا يخطئ إلى عالم الكتاب، ويعود إليها الفضل الأول في تعلقي به. فقد كانت تحرمنا من الهدايا التقليدية في المناسبات، لكنها كانت تقدم هدايا أهم وأغلى وأثمن عشرات المرات.. الكتب. في الحادية عشرة من عمري، قدمت لي خالتي «الأجنحة المتكسرة» لجبران خليل جبران. كانت هديتها تلك أول كتاب اطلعت عليه، خارج الكتب الدراسية. لا أذكر عدد المرات التي أعدت فيها قراءة تلك الرواية، التي التصقت تفاصيلها بذاكرتي. وكان من الصعب على طفلة في مثل سني، أن تستوعب فكرة فقدان حبيب لحبيبته. فكنت أعيد القراءة، علّه يستعيد حبيبته ثانية. ظل اسم «سلمى كرامة»، يلمع في ذهني كلما سمعت اسم جبران أو قرأت عنه أو مر بخاطري. وتعود إلي «سلمى»، أحيانا، عندما أزور مقبرة، أو أرى شجرة سرو، أو صنوبر، أو صفصافة، مما ارتبط بها في الرواية. ومثل غالبية أبناء جيلي، كانت قراءة غسان كنفاني أشبه بممر إجباري، فنتاجه الأدبي لم يكن عاديا بالنسبة لي. وقراءة أعماله الروائية كانت قراءة لفلسطين نفسها ولتفاصيل الانتماء، حيث الإحساس بكل جزئيات المعاناة والذل والقهر، والعشق، حتى لهواء كدنا أن نحرم كلاجئين من تنفسه في مساكن الصفيح وأزقة التشرد، وكانت تعني كذلك الإحساس بالهزيمة ووجعها، والحاجة إلى تغذية الروح وتمكينها من المواجهة والمقاومة ولو بأبسط السبل. كنفاني بالنسبة لي، هو مشوار العمر الذي أعيد قراءته مرة كل عام، وفي كل مرة أكتشف في أعماله الأدبية جديدا. في مرحلة لاحقة، أخذت أغرف من الأدب الروسي، بداية بـ«الأم» لمكسيم غوركي، التي شدني فيها شبه عالمها بعالمنا نحن الفلسطينيين. في ذلك الحين، رأيت في الأم «بيلاجي» وابنها «بول» شخصيتين عاشتا بيننا. يشدني عالم الكتب إلى درجة أنني أغار من البعض، أحيانا، إن تحدث أمامي عن رواية جميلة ومهمة لم أقرأها بعد. أبدأ رحلة البحث عنها للحصول عليها إن لم تكن متوفرة في مكتباتنا. وأعترف بأنني أبلغ ذروة سعادتي إن حصلت على إصدار جديد لم يسبقني إليه أحد، تماما كما حصل مع كتاب «أنا الموقّع أدناه محمود درويش»، قبل أشهر قليلة، فقد كنت أول من قرأه في فلسطين. أصاب، أحيانا، بخذلان بعد قراءة كتاب لم يعجبني. لكني أتجاوز ذلك دائما بإيماني بأن الطريق إلى الكتب الممتعة، يمر أحيانا بما هو غير ممتع. للشعر عندي أهمية خاصة.. قراءة من ديوان، أو استماع لصوت شاعر يلقي نصه ويرسم بالكلمات أجمل القصائد عشقا للإنسان والأرض. جبرا إبراهيم جبرا، توفيق زياد، محمود درويش، حسين البرغوثي، راسم المدهون، غسان زقطان، زكريا محمد، سميح محسن، وآخرون.. هؤلاء شعراء أضافوا الكثير لفلسطين وللشعر العربي. هؤلاء أمضي أوقاتا طويلة برفقة أشعارهم. * فنانة مسرحية فلسطينية مقيمة في رام الله

    0 0

    يصدر قريبا عن دار الوراق ببيروت ولندن «كتاب الطبيخ» وهو من تأليف محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن إبراهيم ابن الكريم الكاتب البغدادي579ه - 637ه، وتحقيق وتقديم: الدكتور قاسم السامرائي. هنا مقتطفات من المقدمة: نشر الدكتور داود الجلبي الموصلي - رحمه الله - هذا الكتاب أول مرة في سنة 1353هـ - 1934م في الموصل ولذلك لم تشع نسخه على نطاق واسع، إما لأنه لم يطبع منه نسخا كثيرة أو لسوء نظام التوزيع إذ ذاك، وقد اعتمد في نشره على نسخة فريدة وجدها اتفاقا في خزانة كتب جامع أيا صوفيا في استانبول. ويقول الجلبي: «وقد احتوت النسخة الخطية على 54 ورقة، طول الورقة منها 20سم وعرضها 14سم، وتحتوي كل صفحة منها على 15 سطرا، وكتبت بخط نسخي على ورق ثخين»، بيد أن الجلبي لم ينشر أي نموذج مصور منها. وقال الجلبي في مقدمته للكتاب: «هذا كتاب فريد في بابه. حوى جميع ألوان الأطعمة التي كانت مستعملة على عهد العباسيين. ألفه رجل عراقي قبل سقوط بغداد بـ33 سنة. ولقد أجاد كل الإجادة في بيان صورة تهيئة كل لون بعبارة متقنة كأنه يصف كيفية عمل كيماوي وبه يستدل على مدنية راقية وترف عظيم في ذلك العهد». وقد أعاد فخري البارودي - رحمه الله - نشر نص الكتاب حين حصل على نسخة مطبوعة منه من الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي - رحمه الله - في سنة 1950م، فنشره في سنة 1964م كما ورد في نشرة الجلبي، حيث نشرته له دار الكتاب الجديد لصلاح الدين المنجد بدمشق، وألحق بالكتاب «معجم المآكل الدمشقية» التي كانت في زمنه بناء على نصيحة صلاح الدين المنجد، إلا أن البارودي لم يضف أية فائدة للنص الذي نشره الجلبي، فأثبت الإضافات التي أضافها الجلبي للنص نفسها، وهي ليست من النص الأصل وحذف كل التعليقات والشروح المفيدة التي ألحقها الجلبي في التذييلات (الحواشي)، ومع كل هذا فقد يسر وجوده للقارئ المهتم بمثل هذا الفن الفريد بعد أن نفدت طبعة الجلبي وأصبحت نادرة الوجود. جاء في مقدمة داود الجلبي رحمه الله ما نصه: «في النسخة الأصلية حواش صغيرة على هامش الصفحات كتبها أناس مجهولون. أغلبها عبارة عن بعض جمل نقلت من منهاج البيان. نظرت فيها فوجدت معظمها لا فائدة منه فأهملته، وأثبت قليلا منها بين عضادتين في متن الكتاب تتميما للفائدة، أما الحواشي التي في أسفل بعض صفحات هذا الكتاب فهي لي، وأظنها لا تخلو من فائدة»، وقد صدق، ولذلك أثبت الكثير منها وصححت بعضها وأضفت إلى التذييلات ما وجدته مفيدا من الشروح والتعليقات للقارئ المتتبع الجاد. أما كتاب «منهاج البيان في ما يستعمله الإنسان في الأدوية المفردة والمركبة» فهو للطبيب ابن جزلة المتوفى في سنة 493هـ، ولكن الجلبي أدخل في النص الأصل ما ليس منه، فكان علي أن أتأكد من أن ما أقحمه الجلبي لم يرد في النص الأصل بعد أن حصلت على مصورة كاملة من المخطوطة التركية نفسها بوساطة أخي الكريم الدكتور سهيل صابان، ولذلك حذفت كل ما أدخله من نص منهاج البيان لابن جزلة، بيد أن هذه الاقتباسات تدل في الوقت نفسه على أن المؤلف ربما قد اقتبس من كتاب منهاج البيان في كتابه هذا ومن غيره كما أشار في مقدمته حيث قال: «ثم إني كنت قد وقفت على عدة كتب مصنفة في صنعة الطبيخ قد ذكر فيها أشياء مستغربة لا تأنس الأنفس بها وجمع في حوائجها بين أشياء مستهجنة، إذا جمع بينها لم تسكن النفس إليها»، ولكنه لم يشر إلى أي كتاب منها، فلعله اقتبس أيضا من كتاب «الطبيخ» لأبي محمد المظفر بن نصر بن سيار الوراق، وهو يعد من أقدم ما وصل إلينا من مؤلفات عربية في فنون الطبخ. ولا بد أن ابن سيار الوراق قد اقتبس في كتابه من عدد من المؤلفات التي كانت في عصره أو قبله، ولكن يظهر من محتويات كتاب ابن سيار الوراق أنه ليس كتابا في الطبيخ فحسب، بل في صفات الأغذية ومركباتها وتأثيرها على صحة الإنسان أيضا، فهو كتاب يجمع بين الوصفات المطبخية والطبية،حيث اقتبس من كتاب إبراهيم بن المهدي وأورد بعض أبيات من شعره في الطبيخ، واقتبس من كتب يوحنا بن ماسوية ويعقوب بن إسحاق الكندي مؤلف كتاب الآلات والأدوات وكتاب البزوري وابن دهقانة بعض الوصفات الطبية في صناعة الطب والطبيخ، والظاهر أنه كان على معرفة وثيقة بطباخي دار الخلافة وأطبائها فقد أورد ما كان يعمل للرشيد والمتوكل والمعتضد من الأدوية المركبة. ولعل كتاب الطبيخ الذي وضعه أبو اسحق إبراهيم بن المهدي العباسي المتوفى في سنة 224هـ من أبرز الكتب التي صنفت في الطبيخ العباسي فقد كان إبراهيم بن المهدي يتمتع بذوق رفيع فيما يتعلق بالطعام الذي كان يعد في مطابخ دار الخلافة، بل والطريف أنه كان ينظم أشعارا في الأكلات وأنواعها وطرق طبخها وتهيئتها، وهذا لم يكن جديدا بالطبع فإن كتاب ابن سيار الوراق يحتوي على الكثير من القصائد في الأطعمة، إلا أن الجديد في الأمر هو وضعه وصفات لطبخات عدة على شكل قصائد. وذكر النديم في الفهرست بعض الكتب التي ألفت في الطبيخ فقال: «كتاب الطبيخ للحارث بن بسخنر، وكتاب الطبيخ لإبراهيم بن المهدي، وكتاب الطبيخ لابن ماسويه، وكتاب الطبيخ لإبراهيم بن العباس الصولي، وكتاب الطبيخ لعلي بن يحيى المنجم، وكتاب الطبيخ لمخبرة، وكتاب الطبيخ لأحمد بن الطيب، وكتاب الطبيخ لجحظة، وكتاب فضائل السكباج له، وكتاب أطعمة المرضى للرازي كتاب الطبيخ له، وكتاب الطبيخ لنطاحة وكتاب الطبيخ ليحيى بن أبي منصور الموصلي»، ويمكننا أن نضيف كتاب الطبيخ لابن خرداذبه وكتاب الطبيخ لابن الداية، وكتاب الطبيخ لابن مندويه، ولمسكويه كتاب الأشربة وكتاب الطبيخ، ولكشاجم المتوفى في حدود سنة 350هـ كتاب الطبيخ، ولموسى بن العازار من الكتب كتاب المعزي في الطبيخ، ألفه للمعز الفاطمي وليوحنا بن ماسويه كتاب الطبيخ.. والأمر الغريب أن النديم لم يذكر كتاب ابن سيار الوراق فيما ذكر من كتب الطبيخ ومؤلفيها.

    0 0

    منذ فترة، كان لي حديث مع بعض الأصدقاء في بغداد، وقد تطرق ذلك الحديث لمناقشة السؤال عمن يمكن وصفه بأنه أفضل زعيم في تاريخ العراق منذ ظهور العراق كدولة حديثة في عشرينات القرن الماضي. وكان واضحا أن الجميع وجدوا صعوبة في طرح حتى اسم واحد، إذ وجدنا أن صفة «أفضل» لا يمكن أن تناسب أيا من الرجال الثمانية الذين تولوا السلطة في العراق حتى عام 2003. غير أنه وبعد تفكير وتدقيق اقترح أحد أصدقائي اسم فيصل الأول، أول ملك في تاريخ العراق المعاصر، وهو ما أثرى النقاش الدائر، على الرغم من أنه لم يستطع أحد منا سوق المبررات وراء اختيار فيصل الأول. ويأتي كتاب «فيصل العراق» الذي يحكي سيرة الملك فيصل – أول ملوك العراق – ليجيب عن السؤال الذي طرح خلال النقاش عمن يعتبر «أفضل» زعيم في تاريخ العراق الحديث. وقد يذهب الكتاب بعيدا عن طريق الإيحاء بأن فيصل الأول يستحق لقب «الأعظم». وفي كتابه، يصف علاوي الملك فيصل بأنه «سيمون بوليفار العرب». يقول علاوي: «من الصعب على المرء أن يجد في تاريخ العرب الحديث شخصية تجمع صفات القيادة وحنكة رجل الدولة مع مناقب الاعتدال والحكمة والكياسة». ويذهب علاوي إلى أبعد من ذلك بإصراره على أن القومية العربية الواقعية، الهادفة والبناءة انتهت عندما مات فيصل الأول، لتحل محلها «قومية متقلبة، متشدقة وغاضبة»، فرضها الاتجاه الناصري و/ أو الاتجاه البعثي. ويبدو واضحا في ثنايا الكتاب أن علاوي مغرم بصورة فيصل الأول المثالية، لكنه، على الجانب الآخر، لديه من الخبرة الأكاديمية ما يكفي لمنعه من تحويل كتاب يقع في 634 صفحة إلى خطاب غرامي طويل. ولهذا يمكن اعتبار كتاب «سيرة حياة فيصل الأول» – بغض النظر عن رؤية علاوي الرومانسية – هو أفضل بحث وتوثيق لما رآه المؤلف في سيرة الملك فيصل والتاريخ الحديث لدولة العراق المستقلة. يبني علاوي شرعية أحقية الملك فيصل في أن يكون قائدا – ليس فقط للعراق، بل أيضا لـ«أمة عربية عظيمة» بغض النظر عن المكان والزمان – على مجموعة من المعطيات. أول تلك المعطيات هو نسب الملك فيصل الأول، إذ تعود أصول عائلته إلى الإمام الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب، حفيد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من ابنته فاطمة الزهراء. غير أنه تجب الإشارة إلى أنه لا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا أي من أحفاده الأوائل طالب بأحقيته في الحكم بناء على شجرة النسب الخاصة بهم، حتى أن الإمام الحسن نفسه عارض محاولات إجباره على المطالبة بتوليه الخلافة، وعقد اتفاقا مع معاوية ابن أبي سفيان، مؤسس خلافة الأسرة الأموية. حصل ذلك حتى كان عام 1827، عندما قام محمد على باشا – المعين من قبل الدولة العثمانية حاكما لمصر – بتنصيب محمد بن عون «شريفا» لمكة، ليبدأ بذلك حكم الأسرة التي ينتمي إليها الملك فيصل الأول. وقد لعبت الأحداث والمصادفات التاريخية دورا كبيرا في تشكيل الجوانب الأخرى من حياة الملك فيصل الأول. فبسبب الخلافات والمؤامرات العائلية، التي كانت تسيطر على بلاط الخلافة العثمانية، قضى فيصل شطرا كبيرا من طفولته ومراهقته في إسطنبول، وتلقى تعليمه على يد معلمين من أوروبا وتركيا وأرمينيا، فتعلم عددا من اللغات (الفرنسية والتركية والفارسية). وبعيدا عن نشأته وتربيته في بيئة عربية نمطية، أصبح فيصل – بفضل الفترة التي قضاها في إسطنبول – بعد عودته لدياره شابا يمتلك ثقافة عالمية. المصادفة أو الحدث التاريخي التالي، الذي ساهم في تشكيل حياة فيصل الأول، جاء في عام 1917، عندما قرر ضابط الاستخبارات البريطاني المغامر، توماس إدوارد لورنس، اختيار فيصل من بين أبناء حسين بن علي الهاشمي، شريف مكة، ليجري تسويقه على أنه ممثل «الثورة العربية»، التي كان يجري التخطيط لها للإطاحة بالخلافة العثمانية في شبه جزيرة العرب. وكان لورنس قد اختار فيصل بعد أن وجد أن الابن الأكبر، علي، «متقلب المزاج ولا يعتمد عليه». أما عبد الله، ابن الشريف حسين الثاني، فقد كان معتدا بنفسه إلى درجة تجعل من الصعب على لورنس أن يسيطر عليه. وبالنسبة لآخر الأبناء، زيد، الذي كان من أم تركية، فلم يكن يهتم بالشأن العربي مطلقا، إذ كان يصب كل اهتمامه على كيفية الحصول على أكبر قدر من المال من البريطانيين. وأخيرا بقي فيصل ليكون هو المرشح لتقديمه للعرب على أنه الوجه الأمثل للثورة العربية ضد العثمانيين. غير أن المشكلة التي كانت تتعلق باختيار فيصل هي أنه لم يكن «معتادا على حياة الصحراء»، حتى أنه كان يصر على اصطحاب الأثاث وأدوات المائدة الحديثة خلال حملات جيشه في المناطق الصحراوية. ولحرصه الدائم على أن يبدو أنيقا ومهندما، كان فيصل يصر على شراء ملابسه من كبريات العواصم الأوروبية (روما، باريس ولندن). لكن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في طبيعة فيصل غير العسكرية، إذ إنه لم يكن محاربا وكان يكره منظر إراقة الدماء. ويروى عنه أنه عندما سمع بأن قوة تركية تتحرك باتجاه الموقع الذي يتمركز فيه عند ميناء صغير على البحر الأحمر، سارع باللجوء إلى سفينة حربية بريطانية حتى انتهت الأزمة. وبالإضافة إلى ذلك، كان من الصعب تسويق فيصل على أنه زعيم يتبنى أفكار «الجهاد» المعروفة في الدين الإسلامي. فعلى الرغم من التزامه بأداء الفروض الدينية، فإنه كان منجذبا بشدة إلى أفكار «الإنسانية الحديثة». وكان فيصل من أشد المعجبين بالكاتب الفرنسي – ذي الأفكار المعادية للدين – أناتول فرانس، الذي التقى به في وقت لاحق بعدما صار ملكا. ثم جاءت أهم الأحداث التاريخية عندما أزاحه الفرنسيون عن حكم سوريا، فنصبه البريطانيون ملكا على العراق. لكن ذلك القرار جاء بعد تردد كبير، فقد أراد البريطانيون في بادئ الأمر إقامة دولتين في بلاد الرافدين، واحدة في الشمال يحكمها «زيد» وأخرى في الجنوب يحكمها «عبد الله». وبعد الكثير من الخلافات والمشاحنات، نظر البريطانيون في إمكانية تحويل العراق إلى جمهورية، وهي الخطة التي عارضها ونستون تشرشل، الذي كان يتولى حينها منصب وزير شؤون المستعمرات، وأصر على بقاء العراق تحت النظام الملكي. لكن ذلك لم يكن نهاية القصة، فقد كان هناك الكثيرون داخل الحكومة البريطانية لديهم ترشيحات مختلفة للشخصية التي تتبوأ منصب ملك العراق، مثل عبد الرحمن الكيلاني (نقيب بغداد) وآغا خان (حفيد شاه فارس فتح علي شاه) والشيخ خزعل بن جابر الكعبي (حاكم المحمرة في جنوب غربي إيران) والأمير العثماني برهان الدين. وفي نهاية الأمر وبفضل حملة الدعاية النشطة التي قادها لورنس وحلفاؤه، بمن فيهم السير بيرسي سيكس، فاز فيصل الأول بعرش العراق. ومن المؤكد أن فيصل كان سعيدا بأنه حصل على شيء في نهاية الأمر. لكن قلبه لم يسعد يوما - كما يقول علاوي في كتابه - بتوليه حكم العراق، حيث ظل قلبه معلقا بسوريا. وظل - حتى آخر نفس - يسعى جاهدا بشتى الطرق – مؤامرات وصلوات - للعودة إلى دمشق، حتى أنه في وقت من الأوقات روج لفكرة دمج العراق وسوريا تحت قيادته الملكية. وقد يعود هوس فيصل الأول بحب سوريا إلى حبه للحياة بجوار البحر وكراهيته الشديدة للطبيعة الصحراوية. فقد نشأ في تهامة (السهل الساحلي على البحر الأحمر الذي يقع غرب شبه الجزيرة العربية بين أقاليم الحجاز واليمن التاريخية) وشب في القصور العثمانية التي تطل على بحر مرمرة. وهكذا كان فيصل يشعر وكأنه محبوس داخل العراق الذي كان يعتبر نظريا دولة حبيسة (العراق يمتلك منفذا على الخليج بطول 75 كيلومتر). ومع عدم القدرة على الإحساس بالسعادة فيما يخص العراق، حاول فيصل مناصرة قضية العروبة، حيث أحاط نفسه بمجموعة من الشخصيات من مصر ولبنان وسوريا وفلسطين. وفي وقت من الأوقات، أدلى فيصل بتصريحات غريبة مثل قوله بأن «العرب كانوا عربا قبل مجيء سيدنا موسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليهم وسلم)». وعلى الرغم من ذلك، لم يقدم فيصل أي تعريف لـ«العرب» الذين يتخيلهم. وكان الأمر المؤكد هو عدم ملاءمة هذا الوصف للعراقيين. ومرة كتب الملك فيصل قائلا «رحل الأتراك وأصبحنا الآن مثل الأيتام، فليس لدينا حكومة أو جيش أو نظام تعليمي. وعلاوة على ذلك، لا يتفهم السواد الأعظم من شعبنا مسألة حب الوطن أو الحرية أو معنى الاستقلال». وكان العراق في أسوأ وضع مقارنة بالدول العربية الأخرى. وكتب الملك فيصل ليقول إن العراق «تفتقد للأمور الأساسية للوحدة الاجتماعية المتماسكة، وتحديدا وجود الشعب المتحد من خلال السمات العرقية المشتركة ومجموعة المعتقدات والديانة». وكتب أيضا «يتمثل اعتقادي في عدم وجود شعب عراقي. لا يوجد سوى جماعات كثيرة متنوعة ليس لديها عاطفة وطنية. ولدى تلك الجماعات شعور قوي وأحاسيس بالخرافات والعادات الدينية المغلوطة. ولا توجد أسس وقواسم مشتركة فيما بينها». تبدو سخافة هذه الرؤية واضحة للغاية، فكيف يمكن أن يكون لدى العراقيين «شعور وطني» حينما يكون ملكهم معينا من قبل قوة استعمارية أوروبية أنكرت وجودهم؟ وماذا سيعتقدون عندما يعتاد ملكهم على الاستعانة بقوات السلاح الجوي الملكي البريطانية للسفر إلى المناطق القبلية وإرهاب القبائل للرضوخ والامتثال؟ كانت فترة حكم الملك فيصل مليئة بالكثير من التوترات داخل المجتمع العراقي، بما في ذلك الثورات القبلية والحركات الاحتجاجية، حتى أن الأمر وصل في وقت من الأوقات إلى حدوث أول إضراب عام في تاريخ منطقة الشرق الأوسط. ومما يحسب للملك فيصل هو قدرته على التفاوض في أغلب الأوقات للتوصل إلى نهاية سلمية وتقييد الاتجاهات القمعية لمساعديه، بما في ذلك رئيس الوزراء نوري سعيد باشا، الذي كان يتمتع بنفوذ قوي، وكذلك وزير الداخلية. ومع تقدمه في العمر واقتراب فترة حكمه من نهايتها، بالإضافة إلى تبدد حلم العودة إلى العرش في سوريا، حاول فيصل تقديم خارطة طريق للعراق. وجاءت تلك المحاولة في صيغة مذكرة مكونة من ثماني صفحات، حيث جرى إرسالها إلى عدد من الشخصيات «النافذة والمؤثرة» في المؤسسة الحاكمة. استغرق علاوي وقتا طويلا وبذل مجهودا كبيرا لاستعراض هذه المذكرة. وعلى الرغم من ذلك، فمن خلال القراءة الجيدة لهذه المذكرة، كان الأمر مزيجا من الحنين إلى الوطن والأماني. واقترح فيصل إعادة إنعاش النظام العثماني «النظام الملي» من خلال منح الأقاليم العراقية استقلالا أكبر. وحث فيصل أيضا على تكوين جيش لديه القوة الكافية لمحاربة «حالتي» التمرد ضده في آن واحد. ومن اللافت للنظر أنه لم يقترح كيفية منع اندلاع الثورات. ويصور علاوي بمهارة كبيرة الجهود الدبلوماسية للملك فيصل خلال مفاوضات السلام في باريس، وبعد ذلك إنهاء الوصاية البريطانية على العراق والاعتراف بها كعضو في عصبة الأمم. ومن بين الإنجازات الأخرى للملك فيصل هو بناء علاقات جيدة مع الدول المجاورة للعراق، ولا سيما تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية. وللأسف أن الحادث الأول الرئيس بعد فترة الوصاية على العراق كان متمثلا في مجزرة الآشوريين من قبل الجيش الذي جرى إنشاؤه حديثا بأوامر الملك فيصل. وزعم فيصل أن الآشوريين المتمردين لم يكونوا عراقيين بل «غزاة» من تركيا وإيران. وعلى ما يبدو أنه لم يعرف أن العراق كانت هي قلب الإمبراطورية الآشورية - الكلدانية لأكثر من 1000 عام. ووفقا لما فعله القادة العرب الآخرون فيما بعد، بما في ذلك صدام حسين وحافظ الأسد وبشار الأسد، كانت مجزرة الآشوريين بسيطة، حيث حصدت أرواح 341 شخصا من الرجال والنساء والأطفال. وفي ضوء التدفق الرائع للقصة، يقدم لنا علاوي عملا رائعا يعد بمثابة منحة تاريخية وقراءة ممتعة. ويزخر هذا الكتاب بالحكايات النادرة بما يسلط الضوء على هذه الشخصية البارزة وحاشيته. ومن إحدى الطرائف التي أعجبتني شخصيا، عندما دخل فيصل وعبد الله في نقاش – حيث كانت العلاقة بينهما دائما تتسم بالتنافس بين الأشقاء – بشأن أعظم الشعراء الفارسيين، حيث كان عبد الله يفضل الشاعر سعدي، بينما يصمم فيصل على أن الشاعر حافظ هو الأفضل. إن الرجل الذي يكن التقدير لشاعر مثل حافظ لا يمكن أن يكون سيئا. ولكن مسألة «الأعظم» تعتبر قصة أخرى.

    0 0

    كان يشدني وأنا طفل صغير مرأى والدي، وهو يقرأ صفحات من مجلة «المختار» أو من سلسلة «اقرأ» التي كانت تصدر عن دار المعارف في القاهرة، أو من إصدارات «كتابي» لحلمي مراد. وبعد أن أصبحت في السادس الابتدائي، كنت أقف مبهورا أمام خزانة كتب يمتلكها شقيقي الأكبر مؤيد، أغلب محتوياتها باللغة الإنجليزية، وبينها مجموعة كتب عربية، منها «هؤلاء علموني» لسلامة موسى و«لمحات من تاريخ العالم» لجواهر لال نهرو و«من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد و«قصة الإنسان» لجورج حنا، وقد شدني الكتابان الأولان أكثر من غيرهما، ولكنه لم يكن يسمح لي بالاقتراب منها أو تصفحها، بدعوى أنها عسيرة القراءة والفهم علي، وأن قراءة مجلتي «السندباد» و«سمير» كافية جدا بالنسبة لي. مع بداية التفتح على آفاق القراءة، كنت حريصا على متابعة مجلات أدبية مثل «الآداب» للدكتور سهيل إدريس، و«الأديب» لألبير أديب، و«المعارف» التي كانت تصدر عن دار الحياة في بيروت، و«الأفق الجديد» التي كان يصدرها في القدس الشاعر أمين شنار وغيرها. وفي هذه الأجواء، وجدت أن الوقت قد أصبح مناسبا لفك الحصار الذي فرضه علي شقيقي، فسمح لي بقراءة كتاب سلامة موسى، الذي وجدت أنه قد تحدث فيه عن عشرين شخصية، كان لها حضور إنساني متميز على أصعدة علمية أو فكرية أو ثقافية أو سياسية. ومن هذه الشخصيات سارتر وغاندي وغوركي وتولستوي وفرويد وديستوفيسكي ونيتشة وداروين وجوته وفولتير. أما بالنسبة لكتاب نهرو «لمحات من تاريخ العالم»، فلم أجد نفسي ميالا لقراءته، لأنه كان 530 صفحة من الحجم الكبير، ولكنني قرأت فيما بعد أنه كتاب تاريخي جامع حتى أواخر ثلاثينات القرن المنصرم، وأنه كان بمثابة رسائل وجهها من السجن لابنته أنديرا التي حملت لقب غاندي بعد زواجها من فيروز غاندي (لا تربطه قرابة بالمهاتما غاندي). ومثل كثيرين من أبناء جيلي، كان من الطبيعي أن تمر رحلة المطالعة في فترة الصبا والمراهقة، بكتب مثل «آلام فيرتر» لجوته، وبعض ما هو معروف من كتب جبران خليل جبران ومي زيادة ومصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي. إن المطالعة مدرسة يدخلها الإنسان بعد أن يعرف كيف يقرأ، ولا يمكن له أن يتخرج منها مادام حيا، لأنها تقدم له دروسا جديدة في كل رحلة معها، ناهضة به وبطبيعة قراءاته. في بداية الستينات تعرفت على سلسلة «تراث الإنسانية» الشهرية التي كانت تصدر في القاهرة، وتتناول بالتعريف والبحث والتحليل روائع الكتب التي أثرت في الحضارة الإنسانية. وقد نقلتني هذه السلسلة في رحلات جميلة، مع مجموعة مهمة من كتب التراث العربي والعالمي مثل «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي و«الفتوحات المكية» لمحيي الدين بن عربي و«الإلياذة» لهوميروس و«الأمير» لميكافيلي وغيرها. لقد كنت مثل كثيرين، أقرأ كتابا ما نتيجة قراءة موضوع ما عنه. وعندما كنت في الـ16 من عمري حفزني مقال للشاعر والباحث الراحل زهير أحمد القيسي إلى قراءة رواية (الساعة الخامسة والعشرون) للأديب الروماني كونستانتان جيورجيو، فوجدت فيها صورا شديدة الإيلام عن الحروب والسجون والتعذيب، ومرارة الحزن البشري عندما لا يطاق احتماله تماما. هنالك كتب تحن النفس إلى قراءتها ثانية، منها كتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي أعود إليه أحيانا، والذي قرأت عنه كتابا رائعا للدكتورة سهير القلماوي، كان في الأصل رسالة دكتوراه أعدتها بإشراف الدكتور طه حسين، الذي وصفها بأنها «رسالة بارعة من رسائل الدكتوراه التي ميزتها كلية الآداب في جامعة القاهرة»، كما قرأت عنه كتاب «ألف ليلة وليلة في الغرب» للدكتور محسن جاسم الموسوي، وكتاب «الموسيقى والغناء في ألف ليلة» تأليف الدكتور هنري فارمر وترجمة الدكتور حسين نصار. *شاعر عراقي

    0 0

    مركز «دائرة المعارف الإسلامة الكبرى» هو مؤسسة غر حكومة وغر نفعة بدأت نشاطها منذ ثلاثن سنة وأصدرت حتى الوم عشرن مجلدا من دائرة المعارف الإسلامة الكبرى كما بدأ أخيرا صدور هذه الموسوعة باللغتن العربة والإنجلزة عل د الباحثن في هذا المركز. عندما شّد المهندس محمد مهدي محمودي بناء في منطقة دار آباد بشمال طهران، لم كن أحد صدّق أن هذا المبن بواجهته من الآجر الأحمر (القرمد) الذي ذكر الناظر بالطراز المعماري للثقافة الإسلامة والإرانة، سوف يتحول إلى ملاذ دافئ للمثقفين. ويتمتع هذا المركز بمحيط هادئ ومناسب للبحث والدراسة فهو يشرف من جهة على عموم المدينة وعلى الطبيعة من جهة أخرى. تأسس المركز في مارس (آذار) من عام 1984 على أثر تحقّق فكرة قدمها كاظم الموسوي البجنوردي حول ضرورة تأليف وإصدار موسوعة عامة ومتخصصة وتوفر المصادر في الجوانب المختلفة من العلوم والمعارف وخاصة الثقافة والحضارة الإسلامية والإيرانية. ثلاثون سنة في خدمة الثقافة يقول البجنوردي لـ«شرق بارسي» حول تدشين هذا المركز: «بعد 1979. قررت اعتزال النشاطات التنفذة والساسة والتفرغ للعمل الثقافي. وبدأت فكرة تأسيس دائرة المعارف الإسلامية تنضج بالتشاور مع عدد من المفكرين. وكان الهدف من تأسيس الدائرة، إجراء البحوث والدراسات في جوانب مختلفة من الثقافة والحضارة الإيرانية والإسلامية». ويضيف بقوله: «في بداية العمل، كان بعض الأساتذة، الذين كانت لهم خلفية مشرّفة في مجال البحوث، يروون لنا أننا لا نتمتع في إيران بالقدرة على تأليف دائرة معارف إسلامية يمكنها منافسة دائرة المعارف الإسلامية في أوروبا. ولكننا نرى الآن أننا لم نصدر عشرين مجلدا من دائرة المعارف الإسلامية الكبرى وحسب، بل تمكنّا من وضع هذه الموسوعة تحت تصرف الباحثين باللغتين الإنجليزية والعربية وأن ندوّن أيضا المشاريع الموسوعة المختلفة». كيف تحقق ذلك؟ يقول البجنوردي: «في بداية الأمر وضعت مكتبتي الشخصية تحت تصرف المركز ولكن هذه المكتبة ازدادت مع مرور الوقت حتى بلغ عدد كتبها الوم أكثر من 700 ألف كتاب. وعلى أثر الجهود الدؤوبة خلال سنين طويلة اكتنفتها الكثير من المشقة والمعاناة، تحولت هذه المكتبة اليوم إلى واحدة من أكثر المكتبات المتخصصة في البلاد قيمة. وبالطبع فإن رعاية قسم من المثقفين أسهمت في توسع هذه المكتبة من خلال إهداء المكتبات المتخصصة والمجموعات النفيسة من المخطوطات والكتب المصورة والمطبوعة مع الوثائق والمستندات والرسائل التاريخية والمجلات الدورية». وتنظم عمل مركز دائرة المعارف الإسلامة الكبرى الوم لجنة علمة علا تتألف من ستة وأربعن شخصا من مديري الأقسام والمستشارن العلمن والمنقحن، حث شرفون بشكل مباشر عل كل الأنشطة العلمة. قول البجنوردي عن هذه اللجنة: «قلما اجتمعت لجنة علمة بمثل هذه التجربة والكفاءة في موضع آخر من البلاد. وتعقد هذه اللجنة الاجتماعات الشهرة لتعن الساسات العامة للمقالات وقراراتها ملزِمة للمؤلفن». وتضم مداخل دائرة المعارف الإسلامة الكبرى المجالات المختلفة للثقافة والحضارة الإسلامة مثل علوم القرآن، الفقه، الحدث، التارخ الساسي والاجتماعي، الجغرافا التارخة والبشرة، الإسلام والفرق الإسلامة، سواء الفرق المذهبة، أم المذاهب الكلامة، الفلسفة والعرفان، لغات وآداب البلدان الإسلامة، تارخ العلوم الراضة والطبعة، الفن والعمارة في البلدان الإسلامة، علم الإنسان وكذلك جوانب الثقافات المحلة والأصلة للشعوب المسلمة. وعل حد قول رئس دائرة المعارف الإسلامة الكبرى فإن «هذا المركز العلمي تربطه الآن علاقات مباشرة مع الباحثن في الداخل والخارج وتتركز كل جهوده عل أن وفر مساحة للباحثن المختلفن من جمع أرجاء العالم». أما عن دائرة المعارف الإسلامة الكبرى باللغة الإنجلزة، فيقول البجنوردي: «تم تألف هذا الأثر المعروف باسم (إسلامكا) عبر تعاقد بن مركز دائرة المعارف الإسلامة الكبرى ومؤسسة الدراسات الإسماعلة في لندن. ومداخلها كتبت في الغالب من قبل العلماء الغربن والمستشرقن المتخصصن في الدراسات الإسلامة ولكننا نتعامل الآن مع موسوعة أعدت باللغة الإنجلزة عل د الباحثن الإرانن». وتصدر هذه الموسوعة الآن تحت العنوان Encyclopaedia Islamica بالحروف الاختصارة (EIs) من قبل مطبعة بريل في مدنة لدن الجامعة في هولندا. خدمة ثقافة للعالم العربي تعد دائرة المعارف الإسلامة الكبرى باللغة العربة من الأنشطة الأخرى لهذا المركز، إذ تم وضع برنامج لصدورها استنادا إل ما ارتأته اللجنة العلمة العلا للمركز. وقد صرّح الدكتور عنات الله فاتحي نجاد، المدر العلمي للموسوعة الإسلامة الكبرى وأستاذ اللغة والعربية وآدابها في الجامعة لـ«شرق بارسي» قائلا: «بدأت ترجمة الموسوعة الإسلامة الكبرى باللغة العربة التي تعرف باسم (دائرة المعارف الإسلامة الكبرى) بتوجهات أساتذة معروفن مثل الدكتور نادر نظام الطهراني، الدكتور جعفر الخضا، الدكتور النجفي الأسد اللهي، الدكتور العسكري، الدكتور صادق خورشاه، الدكتور محمد حسن تبرائان وصدر منها حتى الآن 8 مجلدات». وأعرب بشأن ترجمة هذا الأثر قائلا: «لدائرة المعارف باللغة العربة متلقّون كثر. فلو أخذنا عامة مسلمي العالم بنظر الاعتبار لوجدنا أن معظمهم من الناطقن بالعربة، كما أن غالبة المتخصصن في الدراسات الشرقة والإسلامة ملمّون باللغة العربة، ولذلك فإن الترجمة إل اللغة العربة هي أفضل فرصة نضع من خلالها الثقافة والحضارة الإسلامة التي كتبت عل د الباحثن الإرانن المسلمن تحت تصرف المتلقن الناطقن بالعربة»، وعل حد قول الدكتور فاتحي نجاد فإن: «هذا الأثر لاق ترحبا واسعا وتلقنا حتى الآن الكثر من الطلبات من جمع أرجاء العالم العربي ومراكز الدراسات الإسلامة في أوروبا والشرق الأقصى لتوفره ولكنني أر أن هذا الأثر لم تم التعرف به كما نبغي فالكثر من الباحثن العرب لا حطون علما بإصدار مثل هذا الأثر». وأشار الدكتور فاتحي نجاد إل أنه هو وزملاءه بذلوا جهودا كبرة من أجل أن قموا العلاقات العلمة مع الباحثن والجامعن في العالم العربي، وقال في هذا المجال: «الكثر من سفارات البلدان العربة وطلاب البلدان العربة الذن درسون في إران عل علاقة بنا ونحن مستمرون في توسع هذه العلاقات». *خدمة «الشرق الأوسط» بالفارسية «شرق بارسي»

older | 1 | .... | 4 | 5 | (Page 6) | 7 | 8 | newer